سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

ترجمة عربية للجزء الرابع من مشروع كامبريدج الضخم

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي
TT

سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي

صدرت شهر يوليو (تموز) الماضي 2022 عن المركز القومي للترجمة في مصر ترجمة عربية لكتاب «الأدب العربي الحديث»، وهو الجزء الرابع من «تاريخ كامبريدج للأدب العربي Cambridge History of Arabic Literature» الذي دأبت جامعة كامبريدج على إصدار أجزاء كثيرة منه منذ عقود عدّة؛ فقد صدرت من هذا التاريخ تسعة أجزاء تتناول أدب الحقب الأموية، والعباسية، وما بعد الكلاسيكية، وأدب الأندلس؛ بل حتى ثمة جزء يتناول الأدب والدين والفلسفة في العالم العربي في السنوات التأسيسية للأدب العربي. نهض بالعبء التحريري للجزء الذي صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة الدكتور الراحل محمد مصطفى بدوي (1925 – 2012) الذي عمل أستاذاً للأدب العربي والإنجليزي في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وهو معروف بمساهماته الكبيرة في حقل التأليف والترجمة وتعريف الأدب العربي لغير الناطقين باللغة العربية؛ فقد ظلّ أستاذاً في جامعة أكسفورد على نحوٍ متّصل منذ 1964 حتى 1996. أودُّ الإشارة هنا إلى أنّ هذا الكتاب المترجم الصادر عن «كامبريدج» ليس هو ذاك الذي ألّفه بدوي بعنوان «موجز تاريخ الأدب العربي الحديث A Short History of Modern Arabic Literature» وصدر عن جامعة أكسفورد عام 1992.
يبدأ الكتاب (كعادة كلّ تواريخ كامبريدج) بقائمة كرونولوجية (تبعاً للترتيب الزمني) للوقائع والأحداث المفصلية في المنطقة العربية منذ الحملة النابليونية على مصر 1798 حتى عام 1991، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّ الكتاب يغطّي قرابة قرنين من زمان الأدب العربي فضلاً عن تأكيده أهمية التداخل البنيوي بين النتاج الأدبي والحراك السياسي والمجتمعي؛ فالأدب ليس نتاج منطقة فراغ ذهني أو ميتافيزيقي حتى لو كان المسعى الأصلي يتجه نحو غايات ميتافيزيقية.
يقدّمُ بدوي في بداية الكتاب تنويهاً شديد الأهمية للقارئ، يكشفُ فيه أنّ مؤلفي الفصول المختلفة طُلِب إليهم رفعُ كلّ الإحالات المرجعية والتنويهات على متون الكتاب بغية اختزال الحجم وعدم الإثقال على القارئ بتفصيلات غير ذات أهمية له.
الكتاب جهدٌ تحريري كما بيّنتُ سابقاً؛ لذا فالمتوقّعُ أن ينهض المحرّر بالعبء الأكبر في عملية توليف الفصول وجعلها كلاً متسقة بدل أن تكون ثوباً مرقعاً، وقد نجح الدكتور بدوي بقدر ما يختصُّ الأمر به نجاحاً هائلاً. بالإضافة إلى الجهد التحريري المتطلّب شارك بدوي في كتابة مقدّمة ممتازة للكتاب أراها الجزء الوحيد في الكتاب الذي عرض لنا السياقات الثقافية والمجتمعية التي نشأ في خضمّها الأدب العربي الحديث. جاءت المقدّمة في قسمين:
القسم الأول: وعنوانه «الخلفية The Background» عرض فيه بدوي الممهّدات التي قادت إلى فكر النهضة في المنطقة العربية. تناول بدوي في هذا القسم الفترة العثمانية، والحملة النابليونية على مصر، ثم صعود نجم محمد علي، وتناول بعد ذلك تحديث التعليم وتأثير هذا التحديث في نشأة الأدب العربي الحديث، ثم تناول أثر الطباعة وولادة حركة الترجمة والصحافة، وتأثير الخديو إسماعيل في «حركة التغريب Westernization»، ثمّ يتناول بدوي موضوعة التغريب والإسلام ونشوء مفهوم جديد للأدب بالاقتران مع تنامي طبقة جديدة من الجمهور القارئ. يحدّد بدوي في نهاية هذا القسم ثلاث فترات لتطوّر الأدب العربي الحديث:
الفترة الأولى، فترة الترجمات والاقتباسات وبزوغ الكلاسيكية الجديدة (النيوكلاسيكية).

غلاف الترجمة العربية

الفترة الثانية، صعود الرومانتيكية والحركة القومية (لا بد –كما أرى- في هذا المقام من تفكيك العلاقة المشتبكة بين الوطنية والقومية. هنا نرى القومية شكلاً من الحسّ الرومانتيكي المقترن بنشوء الأمة – الدولة).
الفترة الثالثة، فك ارتباط الأدب مع الرومانتيكية بالتزامن مع تعاظم مشهد الآيديولوجيات المتصارعة.
أما في القسم الثاني وعنوانه «الترجمات والاقتباسات في أعوام 1834 – 1914» فيتناول فيها المستعرب الأميركي بيير كاكيا، أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا، موضوعات مركزية أهمها المساهمة الجوهرية للمسيحيين العرب (السوريين بخاصة) في ترجمة الأعمال الأدبية الغربية وإعلاء الحسّ القومي العربي.
يتناول الكتاب الشعر العربي الحديث في ثلاثة فصول؛ تناول الأوّل منها شعراء المدرسة الكلاسيكية الجديدة، وتناول الثاني الشعراء الرومانتيكيين، أما الثالث فتناول شعراء الحركة الحداثية.
تناولت الفصول الثلاثة التالية موضوع الرواية؛ اختصّ الفصل الخامس ببدايات الرواية العربية، فيما تناول الفصل السادس الرواية العربية (الناضجة mature) خارج مصر، وتُرك الفصل السابع لتتناول فيه الأستاذة المستعربة هيلاري كيركباترك من جامعة بِرن، وبشكل حصري، الرواية المصرية منذ نشر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل حتى عام 1980. لابأس من الإشارة إلى أنّ الفصلين الخامس والسادس كتبهما الأستاذ روجر آلن Roger Allen، أستاذ الأدب العربي بجامعة بنسلفانيا الذي عرفناه عَلَماً من أهم أعلام الغرب المتخصصين بالأدب العربي (والرواية العربية الحديثة بالتحديد)، وله في هذه الميادين مؤلفات مهمّة ومترجمة إلى العربية.
اختصّ الفصل الثامن من الكتاب بالقصة القصيرة، ونكفّل بكتابة هذا الفصل الدكتور صبري حافظ، الأستاذ بجامعة لندن. أعقب هذا الفصل فصلان تناولا المسرحية، تناول بدوي في أولهما بدايات الأدب المسرحي العربي من مارون النقاش حتى عشرينات القرن العشرين؛ أما الفصل التالي فتغطي فيه دراسة الدكتور علي الراعي الأدب المسرحي في الوطن العربي من ثلاثينيات القرن العشرين حتى العقد الثمانيني فيه.
توزّعت الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب على موضوعات: الأسلوبيين Stylists، ويقصدُ بهم كُتّاب النثر الفني ابتداء من كتاب «الإنشاء» للشيخ حسن العطّار ثم من أعقبوه من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومي زيادة وطه حسين... إلخ. تلا ذلك فصل عن النقّاد العرب وحركة النقد العربي، ثمّ تناول الفصلان الأخيران (وهما أكثر فصول الكتاب إسهاباً، حسب رأي محرّر الكتاب الدكتور بدوي) الكاتبات النسويات العربيات ثمّ شعر العامية العربية. سوّغ المحرّر طول الفصلين الأخيرين بأنّ موضوعيهما لم ينالا قدراً مستحقاً من البحث والدراسة في الأدبيات العربية والعالمية. انتهى الكتاب –كما هو متوقّعٌ- بقائمة مكثفة من المراجع وفهرس شامل للأسماء والعناوين.


غلاف النسخة الإنجليزية

ثمّة الكثير مما يمكن أن يقال بشأن طبيعة هذا الكتاب من حيث موضوعاته وهيكليته. أظنّ أنّ الإشارات التالية تصلحُ أن تكون نقاط شروع لمساءلة الكتاب:
1. قرنان في دراسة أي أدب عالمي هي فاصلة زمنية طويلة لو درسنا أي جنس أدبي وحده؛ فكيف الحال إذا اقترن طول الزمن مع تنوّع الأجناس الأدبية بين شعر ورواية وقصة قصيرة ومسرحية ونقد أدبي وشعر عامي؟! ألم يكن الأفضل تخصيص كتاب مرجعي من كتب «كامبريدج» لكلّ جنس أدبي وحده؟ ربّما سيسوّغ القائمون على أمر تواريخ «كامبريدج» أنّ هذه التواريخ تخاطب القارئ الأجنبي وليس العربي المتخصص؛ وعليه سيكون الاختصار مطلوباً. هذا صحيح؛ لكن مَنْ من الأجانب سيقرأ هذه التواريخ؟ إنّه المهتم بشؤون الاستعراب والعالم العربي ولن يكون قارئاً سياحياً عابراً؛ وعليه فإنّ الإيغال في الاختصار أراه مثلبة في هذا الكتاب.
2. نفهم بالبداهة أنّ كلّ عمل تحريري لا بد أن يشهد جمعاً من المؤلفين ذوي الخلفيات الثقافية والفكرية المتباينة؛ لكنّ أحد واجبات القائم بأمر التحرير هو انتخاب مؤلفين ذوي خلفيات متقاربة كلّما أمكن ذلك (وهو أمرٌ شاق وليس بالمستطاع دوماً). نشهدُ في الكتاب تبايناً شاسعاً في خلفيات المؤلفين: هناك روجر آلن المتمرّس بالأدب العربي والمنطقة العربية وصديق معظم الأدباء العرب، ثم هناك المستعربون ومتخصصو الأدب العربي الذين لا يرتقون لمرتبة آلن. لا أقول إن هذه مثلبة معيبة في الكتاب بقدر ما أريدُ القول إن تبايناً كبيراً في معرفة المؤلفين بالأدب العربي وجغرافية وتاريخ المنطقة العربية سيكون أمراً بيّناً لكلّ قارئ مدقّق في حيثيات التفاصيل الصغيرة في الكتاب.
3. الكتاب في معظم مادته ذو طبيعة وقائعية وتاريخانية؛ بمعنى أنّه يكتفي بعرض الوقائع وأرخنتها من غير الغوص عميقاً في دراسة الخيوط الخفية المؤثرة في تشكيل الأدب وصناعته، وليس هذا بالأمر الذي يقلّل من شأن الكتاب الذي يتوجّه لمخاطبة القارئ الغربي وليس العربي. هذا الكتاب سيكون بالتأكيد مصدراً ممتازاً لطلبة الدراسات العليا؛ لكنّ الباحثين المدققين في تاريخ الأدب العربي سيكونون في حاجة لكتب أكثر تخصصاً.
4. الاختلاف بيّن في أسلوب الكتابة. واضحٌ أنّ المستعربين يكتبون بطريقة تُعلي شأن الأعمال الكلاسيكية وتغفلُ شأن الأعمال الحديثة. الاتجاه الكلاسيكي بشكل عام له طغيان واضحٌ في نمط الكتابة وأسلوبها حتى لو كان الكاتب على دراية بالتوجهات الحداثية في الأدب العربي.
5. ربما كان المختصّون العرب أفضل من نظرائهم الأجانب في الكتابة عن الأدب العربي وبخاصة في الجوانب الحداثية منه؛ لذا لو زيدت المساحة المخصصة لمساهمة المختصين العرب في مثل هذه التواريخ فربما سيكون أمراً له نتائجه المحمودة. نعرف أنّ بعض المختصين العرب قد لا يتقن الكتابة باللغة الإنجليزية الاحترافية، وهنا لا بأس من ترجمة مساهماتهم إلى اللغة الإنجليزية من مترجمين احترافيين ذوي معرفة بشؤون الأدب العربي.
خطوة ممتازة أقدم عليها المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة هذا الكتاب المرجعيّ، ولعله سيكون بشارة ودافعاً لترجمة باقي أجزاء تاريخ «كامبريدج» في الأدب العربي.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.