سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

ترجمة عربية للجزء الرابع من مشروع كامبريدج الضخم

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي
TT

سياحة موجزة في قرنين من أدب العالم العربي

محمّد مصطفى بدوي
محمّد مصطفى بدوي

صدرت شهر يوليو (تموز) الماضي 2022 عن المركز القومي للترجمة في مصر ترجمة عربية لكتاب «الأدب العربي الحديث»، وهو الجزء الرابع من «تاريخ كامبريدج للأدب العربي Cambridge History of Arabic Literature» الذي دأبت جامعة كامبريدج على إصدار أجزاء كثيرة منه منذ عقود عدّة؛ فقد صدرت من هذا التاريخ تسعة أجزاء تتناول أدب الحقب الأموية، والعباسية، وما بعد الكلاسيكية، وأدب الأندلس؛ بل حتى ثمة جزء يتناول الأدب والدين والفلسفة في العالم العربي في السنوات التأسيسية للأدب العربي. نهض بالعبء التحريري للجزء الذي صدرت ترجمته عن المركز القومي للترجمة الدكتور الراحل محمد مصطفى بدوي (1925 – 2012) الذي عمل أستاذاً للأدب العربي والإنجليزي في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، وهو معروف بمساهماته الكبيرة في حقل التأليف والترجمة وتعريف الأدب العربي لغير الناطقين باللغة العربية؛ فقد ظلّ أستاذاً في جامعة أكسفورد على نحوٍ متّصل منذ 1964 حتى 1996. أودُّ الإشارة هنا إلى أنّ هذا الكتاب المترجم الصادر عن «كامبريدج» ليس هو ذاك الذي ألّفه بدوي بعنوان «موجز تاريخ الأدب العربي الحديث A Short History of Modern Arabic Literature» وصدر عن جامعة أكسفورد عام 1992.
يبدأ الكتاب (كعادة كلّ تواريخ كامبريدج) بقائمة كرونولوجية (تبعاً للترتيب الزمني) للوقائع والأحداث المفصلية في المنطقة العربية منذ الحملة النابليونية على مصر 1798 حتى عام 1991، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّ الكتاب يغطّي قرابة قرنين من زمان الأدب العربي فضلاً عن تأكيده أهمية التداخل البنيوي بين النتاج الأدبي والحراك السياسي والمجتمعي؛ فالأدب ليس نتاج منطقة فراغ ذهني أو ميتافيزيقي حتى لو كان المسعى الأصلي يتجه نحو غايات ميتافيزيقية.
يقدّمُ بدوي في بداية الكتاب تنويهاً شديد الأهمية للقارئ، يكشفُ فيه أنّ مؤلفي الفصول المختلفة طُلِب إليهم رفعُ كلّ الإحالات المرجعية والتنويهات على متون الكتاب بغية اختزال الحجم وعدم الإثقال على القارئ بتفصيلات غير ذات أهمية له.
الكتاب جهدٌ تحريري كما بيّنتُ سابقاً؛ لذا فالمتوقّعُ أن ينهض المحرّر بالعبء الأكبر في عملية توليف الفصول وجعلها كلاً متسقة بدل أن تكون ثوباً مرقعاً، وقد نجح الدكتور بدوي بقدر ما يختصُّ الأمر به نجاحاً هائلاً. بالإضافة إلى الجهد التحريري المتطلّب شارك بدوي في كتابة مقدّمة ممتازة للكتاب أراها الجزء الوحيد في الكتاب الذي عرض لنا السياقات الثقافية والمجتمعية التي نشأ في خضمّها الأدب العربي الحديث. جاءت المقدّمة في قسمين:
القسم الأول: وعنوانه «الخلفية The Background» عرض فيه بدوي الممهّدات التي قادت إلى فكر النهضة في المنطقة العربية. تناول بدوي في هذا القسم الفترة العثمانية، والحملة النابليونية على مصر، ثم صعود نجم محمد علي، وتناول بعد ذلك تحديث التعليم وتأثير هذا التحديث في نشأة الأدب العربي الحديث، ثم تناول أثر الطباعة وولادة حركة الترجمة والصحافة، وتأثير الخديو إسماعيل في «حركة التغريب Westernization»، ثمّ يتناول بدوي موضوعة التغريب والإسلام ونشوء مفهوم جديد للأدب بالاقتران مع تنامي طبقة جديدة من الجمهور القارئ. يحدّد بدوي في نهاية هذا القسم ثلاث فترات لتطوّر الأدب العربي الحديث:
الفترة الأولى، فترة الترجمات والاقتباسات وبزوغ الكلاسيكية الجديدة (النيوكلاسيكية).

غلاف الترجمة العربية

الفترة الثانية، صعود الرومانتيكية والحركة القومية (لا بد –كما أرى- في هذا المقام من تفكيك العلاقة المشتبكة بين الوطنية والقومية. هنا نرى القومية شكلاً من الحسّ الرومانتيكي المقترن بنشوء الأمة – الدولة).
الفترة الثالثة، فك ارتباط الأدب مع الرومانتيكية بالتزامن مع تعاظم مشهد الآيديولوجيات المتصارعة.
أما في القسم الثاني وعنوانه «الترجمات والاقتباسات في أعوام 1834 – 1914» فيتناول فيها المستعرب الأميركي بيير كاكيا، أستاذ الأدب العربي في جامعة كولومبيا، موضوعات مركزية أهمها المساهمة الجوهرية للمسيحيين العرب (السوريين بخاصة) في ترجمة الأعمال الأدبية الغربية وإعلاء الحسّ القومي العربي.
يتناول الكتاب الشعر العربي الحديث في ثلاثة فصول؛ تناول الأوّل منها شعراء المدرسة الكلاسيكية الجديدة، وتناول الثاني الشعراء الرومانتيكيين، أما الثالث فتناول شعراء الحركة الحداثية.
تناولت الفصول الثلاثة التالية موضوع الرواية؛ اختصّ الفصل الخامس ببدايات الرواية العربية، فيما تناول الفصل السادس الرواية العربية (الناضجة mature) خارج مصر، وتُرك الفصل السابع لتتناول فيه الأستاذة المستعربة هيلاري كيركباترك من جامعة بِرن، وبشكل حصري، الرواية المصرية منذ نشر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل حتى عام 1980. لابأس من الإشارة إلى أنّ الفصلين الخامس والسادس كتبهما الأستاذ روجر آلن Roger Allen، أستاذ الأدب العربي بجامعة بنسلفانيا الذي عرفناه عَلَماً من أهم أعلام الغرب المتخصصين بالأدب العربي (والرواية العربية الحديثة بالتحديد)، وله في هذه الميادين مؤلفات مهمّة ومترجمة إلى العربية.
اختصّ الفصل الثامن من الكتاب بالقصة القصيرة، ونكفّل بكتابة هذا الفصل الدكتور صبري حافظ، الأستاذ بجامعة لندن. أعقب هذا الفصل فصلان تناولا المسرحية، تناول بدوي في أولهما بدايات الأدب المسرحي العربي من مارون النقاش حتى عشرينات القرن العشرين؛ أما الفصل التالي فتغطي فيه دراسة الدكتور علي الراعي الأدب المسرحي في الوطن العربي من ثلاثينيات القرن العشرين حتى العقد الثمانيني فيه.
توزّعت الفصول الأربعة الأخيرة من الكتاب على موضوعات: الأسلوبيين Stylists، ويقصدُ بهم كُتّاب النثر الفني ابتداء من كتاب «الإنشاء» للشيخ حسن العطّار ثم من أعقبوه من أمثال الرافعي والمنفلوطي ومي زيادة وطه حسين... إلخ. تلا ذلك فصل عن النقّاد العرب وحركة النقد العربي، ثمّ تناول الفصلان الأخيران (وهما أكثر فصول الكتاب إسهاباً، حسب رأي محرّر الكتاب الدكتور بدوي) الكاتبات النسويات العربيات ثمّ شعر العامية العربية. سوّغ المحرّر طول الفصلين الأخيرين بأنّ موضوعيهما لم ينالا قدراً مستحقاً من البحث والدراسة في الأدبيات العربية والعالمية. انتهى الكتاب –كما هو متوقّعٌ- بقائمة مكثفة من المراجع وفهرس شامل للأسماء والعناوين.


غلاف النسخة الإنجليزية

ثمّة الكثير مما يمكن أن يقال بشأن طبيعة هذا الكتاب من حيث موضوعاته وهيكليته. أظنّ أنّ الإشارات التالية تصلحُ أن تكون نقاط شروع لمساءلة الكتاب:
1. قرنان في دراسة أي أدب عالمي هي فاصلة زمنية طويلة لو درسنا أي جنس أدبي وحده؛ فكيف الحال إذا اقترن طول الزمن مع تنوّع الأجناس الأدبية بين شعر ورواية وقصة قصيرة ومسرحية ونقد أدبي وشعر عامي؟! ألم يكن الأفضل تخصيص كتاب مرجعي من كتب «كامبريدج» لكلّ جنس أدبي وحده؟ ربّما سيسوّغ القائمون على أمر تواريخ «كامبريدج» أنّ هذه التواريخ تخاطب القارئ الأجنبي وليس العربي المتخصص؛ وعليه سيكون الاختصار مطلوباً. هذا صحيح؛ لكن مَنْ من الأجانب سيقرأ هذه التواريخ؟ إنّه المهتم بشؤون الاستعراب والعالم العربي ولن يكون قارئاً سياحياً عابراً؛ وعليه فإنّ الإيغال في الاختصار أراه مثلبة في هذا الكتاب.
2. نفهم بالبداهة أنّ كلّ عمل تحريري لا بد أن يشهد جمعاً من المؤلفين ذوي الخلفيات الثقافية والفكرية المتباينة؛ لكنّ أحد واجبات القائم بأمر التحرير هو انتخاب مؤلفين ذوي خلفيات متقاربة كلّما أمكن ذلك (وهو أمرٌ شاق وليس بالمستطاع دوماً). نشهدُ في الكتاب تبايناً شاسعاً في خلفيات المؤلفين: هناك روجر آلن المتمرّس بالأدب العربي والمنطقة العربية وصديق معظم الأدباء العرب، ثم هناك المستعربون ومتخصصو الأدب العربي الذين لا يرتقون لمرتبة آلن. لا أقول إن هذه مثلبة معيبة في الكتاب بقدر ما أريدُ القول إن تبايناً كبيراً في معرفة المؤلفين بالأدب العربي وجغرافية وتاريخ المنطقة العربية سيكون أمراً بيّناً لكلّ قارئ مدقّق في حيثيات التفاصيل الصغيرة في الكتاب.
3. الكتاب في معظم مادته ذو طبيعة وقائعية وتاريخانية؛ بمعنى أنّه يكتفي بعرض الوقائع وأرخنتها من غير الغوص عميقاً في دراسة الخيوط الخفية المؤثرة في تشكيل الأدب وصناعته، وليس هذا بالأمر الذي يقلّل من شأن الكتاب الذي يتوجّه لمخاطبة القارئ الغربي وليس العربي. هذا الكتاب سيكون بالتأكيد مصدراً ممتازاً لطلبة الدراسات العليا؛ لكنّ الباحثين المدققين في تاريخ الأدب العربي سيكونون في حاجة لكتب أكثر تخصصاً.
4. الاختلاف بيّن في أسلوب الكتابة. واضحٌ أنّ المستعربين يكتبون بطريقة تُعلي شأن الأعمال الكلاسيكية وتغفلُ شأن الأعمال الحديثة. الاتجاه الكلاسيكي بشكل عام له طغيان واضحٌ في نمط الكتابة وأسلوبها حتى لو كان الكاتب على دراية بالتوجهات الحداثية في الأدب العربي.
5. ربما كان المختصّون العرب أفضل من نظرائهم الأجانب في الكتابة عن الأدب العربي وبخاصة في الجوانب الحداثية منه؛ لذا لو زيدت المساحة المخصصة لمساهمة المختصين العرب في مثل هذه التواريخ فربما سيكون أمراً له نتائجه المحمودة. نعرف أنّ بعض المختصين العرب قد لا يتقن الكتابة باللغة الإنجليزية الاحترافية، وهنا لا بأس من ترجمة مساهماتهم إلى اللغة الإنجليزية من مترجمين احترافيين ذوي معرفة بشؤون الأدب العربي.
خطوة ممتازة أقدم عليها المركز القومي للترجمة في مصر بترجمة هذا الكتاب المرجعيّ، ولعله سيكون بشارة ودافعاً لترجمة باقي أجزاء تاريخ «كامبريدج» في الأدب العربي.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً