عشيرة الشعيطات السورية تثأر من «داعش» بـ«الاستخبارات البشرية»

بعد 8 سنوات من ذبح التنظيم المئات من أبنائها

صورة جوية لمجمع يضم زعيم تنظيم «داعش» أبو إبراهيم الهاشمي القريشي شمال غرب سوريا قبل مداهمة القوات الأميركية (رويترز)
صورة جوية لمجمع يضم زعيم تنظيم «داعش» أبو إبراهيم الهاشمي القريشي شمال غرب سوريا قبل مداهمة القوات الأميركية (رويترز)
TT

عشيرة الشعيطات السورية تثأر من «داعش» بـ«الاستخبارات البشرية»

صورة جوية لمجمع يضم زعيم تنظيم «داعش» أبو إبراهيم الهاشمي القريشي شمال غرب سوريا قبل مداهمة القوات الأميركية (رويترز)
صورة جوية لمجمع يضم زعيم تنظيم «داعش» أبو إبراهيم الهاشمي القريشي شمال غرب سوريا قبل مداهمة القوات الأميركية (رويترز)

عندما استهدف الجيش الأميركي ماهر العقال، زعيم تنظيم «داعش»، بضربة من طائرة مُسيرة بشمال سوريا في يوليو (تموز)، كانت هناك فرصة ضئيلة لعدم إصابة الهدف. والسبب هو الثأر. فمع تحصن بقايا قوات التنظيم في مناطق نائية، تلجأ الولايات المتحدة إلى مساعدة رجال العشائر التواقين للثأر من الفظائع التي ارتكبها التنظيم عندما سيطر على مساحات شاسعة من سوريا والعراق.
قال أحد الأشخاص الذين تعقبوا العقال لـ«رويترز»، إنه مع استمرار تعطش عشيرة الشعيطات للثأر بعد ثماني سنوات من ذبح التنظيم المئات من أبنائها، زرع رجال من العشيرة في سوريا جهاز تتبع على الدراجة النارية التي كان يركبها العقال عندما قُتل.
وقال رجل العشيرة، الذي أكد ضابط مخابرات غربي بالمنطقة روايته، إن أقارب من العشيرة كانوا على اتصال بأسرة زعيم التنظيم ويراقبونه سراً منذ شهور في شمال سوريا.
وقال الشخص، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، لـ«رويترز» عبر الهاتف من سوريا: «انتقمت بالدم لأبناء عشيرتي الذين صلبهم (داعش) وأعدمهم وقطع رؤوسهم بلا رحمة. هدأت النار في قلوبنا».
وفي واحد من أشد الأعمال الوحشية دموية، قتل تنظيم «داعش» أكثر من 900 من أفراد قبيلة الشعيطات في ثلاث بلدات بمنطقة دير الزور شرق سوريا عام 2014، عندما تمردوا على حكم التنظيم المتشدد.
وبينما يمثل «داعش»، فلول التنظيم الذي حكم أكثر من ثلث سوريا والعراق في خلافة أُعلنت من جانب واحد عام 2014، ما زال هناك مئات المقاتلين في مناطق مقفرة لا تخضع لسيطرة كاملة من جانب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ولا الجيش السوري المدعوم من روسيا وجماعات مسلحة تدعمها إيران.
وقالت ثلاثة مصادر استخباراتية غربية وستة مصادر عشائرية، إن رجال العشائر العربية في سوريا الذين يسعون للثأر أصبحوا الآن جزءاً من شبكة متنامية من الجواسيس العشائرية تلعب دوراً مهماً في حملة الجيش الأميركي لزيادة إضعاف التنظيم.
وقال ياسر الكسّاب، أحد زعماء العشائر من بلدة غرانيج في منطقة دير الزور، إن «شبكات المخبرين هذه تعمل مع الأميركيين الذين يزرعونها في كل مكان». وأضاف: «مخبرون من العشيرة نفسها يرشدون عن أبناء عمومتهم في (داعش)».
ورداً على سؤال حول دور المخبرين العشائريين في سوريا، قال مسؤول عسكري أميركي إن الاستهداف استند بالكامل تقريباً على معلومات استخباراتية بشرية في العملية التي استهدفت العقال. وأضاف المسؤول الذي طلب عدم نشر اسمه، لأنه غير مخول بالتحدث علناً عن الأمر: «هذا أمر يتطلب شبكة عميقة في المنطقة».
وأطلع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، ضابط المخابرات الغربية الذي أكد رواية اغتيال العقال والفترة الطويلة لتعقب رجال العشائر قبل الضربة، على الدعم العشائري لأنشطة مكافحة التمرد. وقال الجيش الأميركي، الذي ينشر نحو 900 جندي في شمال شرقي سوريا، إن العقال كان أحد خمسة من كبار قادة الجماعة وكان مسؤولاً عن تطوير شبكات التنظيم خارج العراق وسوريا.
وقالت القيادة المركزية الأميركية في ذلك الوقت، إن الضربة ضد العقال جاءت بعد تخطيط مكثف. وقالت مصادر مخابرات غربية وإقليمية وثلاث شخصيات عشائرية بارزة، إنه مع مقتل أو اعتقال كثير من قادة «داعش» الأجانب، أصبح السوريون أكثر أهمية في قيادته، ما جعل المتشددين أكثر عرضة للاختراق من جانب أقاربهم الراغبين في تصفية الحسابات.
وبينما تقول 4 مصادر مطلعة على عملية جمع المعلومات الاستخباراتية: «رغم الأموال التي تُدفع في بعض الأحيان مقابل المعلومات، فإن كثيراً من المخبرين مدفوعون بالثأر من الفظائع التي ارتكبتها الجماعة في ذروة قوتها». وتم تجنيد بعض المخبرين من جانب وسطاء عشائريين كانوا بالفعل جزءاً من الشبكة.
وقال الكسَاب زعيم عشيرة الشعيطات، إن آخرين كانوا يسهمون بشكل مباشر عبر خط هاتفي أنشأه التحالف لتلقي المعلومات. وأكد الضابط العسكري الأميركي أن «المبلغين تلقوا أموالاً»، لكنه لم يخُض في التفاصيل.
وقالت 5 مصادر عشائرية إن الشبكات القبلية التي تمولها الولايات المتحدة، اخترقت الخلايا النائمة لتنظيم «داعش» وجمعت بيانات عن مجندين جدد، من بينهم رجال عشائر في بعض الحالات. وأكد ضباط المخابرات الغربيون الثلاثة ومسؤول أمني إقليمي، رواياتهم.
وينتمي كثير من الجواسيس إلى عشيرة الشعيطات، وهي فرع من أكبر قبيلة في سوريا، العكيدات (العقيدات)، التي قاتلت مع القوات المدعومة من الولايات المتحدة لطرد التنظيم من أجزاء بشمال شرقي سوريا، وانتزعت السيطرة معها على مدينة الرقة بعد معركة طويلة عام 2017.

زوجات مقاتلي «داعش» يتجهزن لمغادرة مخيم الهول شرق سوريا 

سامر الأحمد، الخبير في شؤون الجماعات الجهادية والعلاقات العشائرية، قال: «يريدون الثأر، لذا يلجأون إلى التعاون مع أقاربهم لتسريب المعلومات وإعطاء مواقع زعماء داعش. يستخدمون العلاقات القبلية في ملاحقة عناصر التنظيم الذين تورطوا في قتل أقاربهم».
وقال أحد ضباط المخابرات الغربية إن معلومات المخابرات البشرية، على عكس المعلومات التي يتم جمعها من أجهزة مثل الهواتف الجوالة، أصبحت الآن حاسمة، لأن المتشددين يتجنبون بشكل مزداد وسائل الاتصال المعرضة للمراقبة. وأضاف الضابط المطلع على بعض الجهود السرية: «معظم العناصر الجديدة لا تستخدم الهواتف الجوالة أو الأجهزة التي كانت وراء الضربات السابقة للجهاديين الأجانب».
وقال المسؤول العسكري الأميركي إن معلومات المخابرات البشرية هذه، كانت «حاسمة» في حملة قتل واعتقال كبار المتشددين في سوريا منذ بداية العام، ولعبت دوراً رئيسياً في قضية العقال.
وقال اثنان من أقارب العقال، إنه كان يختبئ في مكان مكشوف بشمال سوريا، ويقضي معظم وقته في الأراضي التي يسيطر عليها مسلحون من العرب المدعومين من تركيا، وكان يبتعد في الغالب عن مناطق قريبة من مسقط رأسه، حيث يمكن التعرف عليه. ومثّل مقتله إحدى الضربات الموجعة العديدة التي تعرض لها التنظيم في سوريا هذا العام. ففي شهر فبراير (شباط)، لقي زعيم الجماعة أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، حتفه، خلال غارة للقوات الأميركية الخاصة في شمال سوريا، بينما اعتقلت القوات الأميركية في يونيو (حزيران) قيادياً بارزاً آخر هو أحمد الكردي.
وكان العقال والكردي والمسلحون الآخرون الذين تم استهدافهم، قد عادوا إلى حياتهم الطبيعية واختلطوا بين قاطني منطقة مكتظة بالسكان على طول الحدود التركية، بعيداً عن المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة.
وشجعت الضربات الأميركية الناجحة أحمد أسعد الحسوني، وهو شخصية بارزة في عشيرة الشعيطات لا يزال يبحث عن رفات اثنين من أبنائه الأربعة الذين قطع تنظيم «داعش» رؤوسهم في 2014. وقال الحسوني: «ذبحوا أبنائي وأحرقوا قلوبنا. والله لن أنام حتى يموت آخر مجرم».
وقال سكان إنه على الرغم من افتقار التنظيم بشكل مزداد إلى القدرة على شن هجمات كبيرة، فإن وجوده يزداد في المناطق النائية بدير الزور، حيث تتداعى سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد.
وقالت 5 مصادر عشائرية إن رجالاً ملثمين أقاموا نقاط تفتيش ليلاً، ما زرع الخوف في القرى القريبة من مدينة البصيرة على نهر الفرات. وقال الزعيم العشائري الشيخ بشير دندال، إن هجمات الكر والفر على نقاط التفتيش التابعة لقوات سوريا الديمقراطية، زادت في الأشهر الأخيرة، كما تسبب المسلحون في خسائر فادحة بصفوف الجماعات المسلحة الموالية لإيران حول تدمر.
وكان الخوف من عودة ظهور تنظيم «دعش» هو ما دفع عبد الله عمر البالغ من العمر 32 عاماً إلى الإبلاغ عن أقاربه. وقال عمر، الذي ينحدر من بلدة أبو حمام على ضفاف نهر الفرات جنوب البصيرة: «أبلغت التحالف عن نحو خمسة أشخاص، بينهم اثنان من أبناء عشيرتي اكتشفنا أنهما كانا مع داعش، يديران نقاط تفتيش ويحرقان المنازل». وتابع: «لا يمكننا النوم بسلام في الليل، لأننا نعلم أنهم ما زالوا هناك ينتظرون الوقت المناسب للثأر وقتل من نجوا من مذابحهم».


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
TT

ضغوط على ترمب لمطالبة إسرائيل بوقف «إبادة» القرى اللبنانية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار الوزارة مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في واشنطن (د.ب.أ)

تشهد واشنطن، الخميس، جولة ثانية من المحادثات رفيعة المستوى بين لبنان وإسرائيل، من المقرر أن يشارك فيها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، ومستشاره مايكل نيدهام، والسفيران الأميركيان: في لبنان ميشال عيسى، وإسرائيل مايك هاكابي، وفقاً لما كشف عنه مسؤول أميركي لـ«الشرق الأوسط»، في ظل ضغوط متزايدة لوقف «إبادة» القرى اللبنانية وبدء عملية نزع سلاح «حزب الله».

وفيما تسعى السفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض إلى المطالبة بتمديد وقف إطلاق النار لما لا يقل عن شهر للسماح بانطلاق المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، تردد في واشنطن أن ضغوطاً تمارس على إدارة الرئيس دونالد ترمب لوقف سياسة «إبادة» القرى والبلدات اللبنانية التي تمارسها حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بغطاء إزالة البنية التحتية العسكرية التي أقامها «حزب الله».

ويتوقع أن تطالب حمادة معوض السفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر بـ«وقف عمليات التدمير المنهجية» التي تنفذها القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة.

مسجد مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي على بلدة كفرصير في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتيسر وزارة الخارجية الأميركية «المحادثات المباشرة» بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. ويؤكد حضور الوزير روبيو والسفيرين هاكابي وعيسى للجلسة اهتمام الرئيس دونالد ترمب برعايته الشخصية لأي اتفاق يمكن أن يتوصل إليه الطرفان. ولم يتضح الأربعاء ما إذا كان المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، سيشارك في الجلسة الثانية على غرار ما فعل في الأولى التي عقدت في 14 أبريل (نيسان) الماضي.

مفاوضات في واشنطن؟

ويرتقب أن تدعو ندى حمادة معوض في الجولة الثانية إلى إجراء المفاوضات في واشنطن العاصمة، نظراً إلى الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في هذه العملية. وبعد الاجتماع الأول، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن الجانبين اتفقا على بدء مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يتفق عليهما الطرفان.

وكان ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية قال إن «الولايات المتحدة ترحب بالانخراط المثمر الذي بدأ في 14 أبريل»، مضيفاً: «سنواصل تيسير النقاشات المباشرة بحسن نية بين الحكومتين» اللبنانية والإسرائيلية. وقال المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، الذي طلب عدم نشر اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزخم خلف هذه المحادثات التاريخية، التي جرى تمكينها بقيادة الرئيس ترمب، يتزايد». وأوضح أنه «خلال وجوده في واشنطن، سيجري السفير هاكابي مشاورات معتادة مع قيادة وزارة الخارجية والشركاء عبر الوكالات الأخرى، بما في ذلك حول مسائل إقليمية» لم يحدد طبيعتها.

وكان الرئيس ترمب قد أعلن وقفاً لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لمدة عشرة أيام، عقب اتصالين منفصلين أجراهما مع الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وكانت هذه المكالمة الأولى من ترمب مع الرئيس عون منذ توليه منصبه.

خلال تشييع عناصر من «حزب الله» قتلوا في مواجهات بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويسعى المسؤولون الأميركيون إلى البناء على المحادثات المباشرة التي أجريت بين لبنان وإسرائيل هذا الأسبوع، علماً أن لبنان وإسرائيل لا يزالان في حالة حرب منذ عام 1948.


«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة في جنوب لبنان، ردّاً على خرق إسرائيل لوقف إطلاق النار.

وقال «حزب الله»، في بيانه، إنه استهدف مربض المدفعية المستحدث التابع لجيش العدو الإسرائيلي في بلدة البياضة بمحلّقة انقضاضية، وشوهدت النيران تشتعل في إحدى غرف إدارة النيران، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

يُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب كان قد أعلن عن وقف لإطلاق النار لمدة 10 أيام، بين لبنان وإسرائيل، ابتداء من منتصف ليل الخميس الماضي.

إلى ذلك، حدّد الرئيس اللبناني جوزيف عون شرطه الأساسي لبدء المفاوضات مع إسرائيل، ويتمثل بتثبيت وقف إطلاق النار، ودعا إلى وحدة الموقف الوطني لتقوية الفريق اللبناني المفاوض، مشدداً على «أولوية عودة النازحين» إلى قراهم، بموازاة حثّ الأجهزة الأمنية والعسكرية على دهم مواقع تخزين الأسلحة وعدم التساهل في منع المظاهر المسلحة من أي جهة كانت.

وتعقد السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمادة معوض، مع سفير إسرائيل لدى واشنطن يحيئيل ليتر، لقاءً ثانياً الخميس في مقر وزارة الخارجية الأميركية، بهدف التباحث في تمديد الهدنة، وتحديد موعد وموقع المفاوضات بين الوفدين المفاوضين.


الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

الرئيس اللبناني مطمئن لنتائج اتصاله بترمب

تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تشييع عدد من مقاتلي «حزب الله» في بلدة كفرصير قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

كشفت مصادر لبنانية عن محاولات تولاها أصدقاء مشتركون لرأب الصدع بين رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون و«حزب الله»، تمهيداً لإعادة التواصل بينهما الذي انقطع منذ أن تفلّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهده لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بعدم التدخل بإسناد إيران، وبلغ ذروته بتنظيمه حملة سياسية إعلامية ضد رئيس الجمهورية غلبت عليها لغة التهديد والتخوين، على خلفية موافقته على مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. وقالت إن المحاولات قوبلت باشتراط الحزب على عون سحب المفاوضات المباشرة من التداول، وبعدها لكل حادث حديث.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في الإليزيه الثلاثاء (أ.ب)

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن «حزب الله» ذهب بعيداً في تخوينه وتهديده لعون، وكان حرياً به الاكتفاء بتسجيل موقف معارض أسوة بحليفه بري من دون أن يهدم جسور التواصل مع عون. ولفتت إلى تسرّع الحزب في إصدار أحكامه على النيّات من دون أن يأخذ بتمسك عون بالثوابت التي يكررها على الدوام أمام الموفدين الأجانب والقيادات التي يلتقيها، وعدم تفريطه بحقوق لبنان كأساس لرهانه على المفاوضات. وقالت إن الحزب، كما تبين لها، ماضٍ في رهانه على المفاوضات الإيرانية - الأميركية برعاية باكستانية، اعتقاداً منه بأن ربطه وحدة المسار والمصير بإيران سيشمله بالحل الذي يتوقعه من المفاوضات، ويواصل حملته برفض المفاوضات المباشرة، مع أن لبنان باقٍ على موقفه برفض أي ربط بين المسارين.

ترمب يتفهم عون

ورأت المصادر أن الحزب لم يكن مضطراً لإعلانه الاستنفار في هجومه على عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وكان يُفترض بقيادته ألا تصدر الأحكام المسبقة عليهما والتعاطي مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للقاء بين عون ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وكأنها حاصلة، رغم أن عون كان صريحاً بإبلاغه بأن اللقاء لا يُعقد بالتزامن مع بدء المفاوضات بين البلدين، وإنما يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق يلبي الثوابت الوطنية التي يتمسك بها لبنان

عاملو إغاثة يرافقون جرافة تعمل على إزالة الركام من موقع استهداف إسرائيلي في بلدة حناويه بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، نقلت مصادر نيابية متعددة الاتجاهات عن عون اطمئنانه للأجواء التي سادت اتصاله بترمب وتفهمه لوجهة نظره، سواءً بما يتعلق بعدم استعجال اجتماعه بنتنياهو وتمسكه بالثوابت اللبنانية التي تجمع عليها كل القوى السياسية على اختلاف انتماءاتها، وعدم التفريط فيها تحت أي ضغط.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن عون كان ولا يزال يبدي انفتاحاً على جميع المكوّنات السياسية بلا استثناء، ويتفهّم ما صدر عنها بموافقتها على المفاوضات أو اعتراضها عليها، شرط أن تبقى تحت سقف الاحترام المتبادل لوجهات النظر، والتقيد بأصول الخطاب السياسي على أن يخلو من التهديد والتخوين.

تشاور مع جنبلاط

وكشفت عن أن عون على تواصل مع بري وسلام ورئيس الحزب «التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط، تحضيراً لبدء المفاوضات. وقالت إن إيجاد حل لسلاح «حزب الله» يبقى من وجهة نظره لبنانياً بامتياز، وهذا ما أبلغه لأصدقاء لبنان، وهذا ما أكده سلام أيضاً، وكان بدأ حواره مع «حزب الله» حول سلاحه قبل أن ينقطع.

وقالت المصادر إن حالة من القلق سيطرت لساعات على لبنان، وتحديداً ليل الثلاثاء - الأربعاء من جراء إطلاق «حزب الله» صلية من الصواريخ مدعومة بمسيّرة على موقع عسكري في شمال إسرائيل بذريعة الرد على خروق إسرائيل لوقف النار، لكنها سرعان ما تبددت بامتناع تل أبيب عن الرد، وربما بتدخل مباشر من الولايات المتحدة للحفاظ على التهدئة استعداداً للقاء سفيري البلدين، الذي يُفترض أن ينتهي إلى تحديد موعد لبدء المفاوضات في واشنطن وتمديد سريان مفعول الهدنة.

ورأت أن لا عودة عن تكليف السفير السابق سيمون كرم بترؤسه الوفد اللبناني المفاوض. وقالت إنه لم يتقرر حتى الساعة من سينضم إليه، وما إذا كان في عداده ضابط متخصص في ترسيم الحدود إلى جانب من يُنتدب لتدوين محاضر المفاوضات.

ورداً على سؤال، أكدت أن عون يتحدث بارتياح عن علاقته ببري، وهذا ما خرج به النواب الذين التقوه في اليومين الأخيرين، رغم أنهما يقاربان المفاوضات من موقع الاختلاف، ولكن على قاعدة تمسكهما بالثوابت اللبنانية وعدم التفريط بها. وقالت إن بري لن يكون منزعجاً في حال أدت المفاوضات لتحقيق ما يصبو إليه لبنان، مع أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة التي التزمت بتطبيقه، وهي تحظى بتأييد محلي وعربي ودولي، وهي تترك للسلطة اللبنانية إيجاد حل لسلاح «حزب الله»، وهذا ما تبلّغته الولايات المتحدة التي تتفهم الموقف اللبناني وأبعاده حفاظاً على الاستقرار.

رهان «حزب الله» على مفاوضات إيران

وأضافت المصادر أن المأخذ على «حزب الله» يكمن في أنه لا يتّبع وحدة المعايير في موقفه من المفاوضات، وإلا فكيف يمنع على لبنان التفاوض المباشر، فيما ينزل بكل ثقله تأييداً للتفاوض بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية، وتتصرف قيادته بلا أي تردد وكأنها معنية بها وتواكب الاتصالات لمعاودتها؟

فموافقة «حزب الله» على الهدنة، يفتح الباب أمام سؤال الحزب: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل يستعيد الجنوب استقراره من دون الدخول في مفاوضات تؤدي، بإصرار من الجانب اللبناني، إلى انسحاب إسرائيل للحدود الدولية، خصوصاً أن عون لا يخفي اطمئنانه لما سمعه من ترمب؟

نساء يبكين خلال تشييع جماعي لمقاتلين من «حزب الله» قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

لذلك تستغرب المصادر رهان «حزب الله» على إيران، وربط مصيره بها، بذريعة أنها الأقدر على شموله بالحل، رغم إصرار لبنان على عدم الربط بين المسارين، وهذا ما أبلغه إلى الإدارة الأميركية. وهي تسأل، أي المصادر، ما إذا كان الحزب قرر وضع أوراقه في السلة الإيرانية، بما فيها سلاحه باعتبارها مصدره الوحيد، لعلها تتمكن من تحسين شروطها في المفاوضات، فيما يمتنع عن وضعه بعهدة الدولة، وأن لا مجال أمامه لشراء الوقت بعد أن جرب الحل العسكري وبات محكوماً بوقوفه خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي لعل المفاوضات تؤدي لانسحاب إسرائيل في إطار اتفاق ترعاه واشنطن، وهذا لن يتحقق ما لم يوافق على تسليم سلاحه؛ لأنه لا حل إلا بتطبيق حصريته على كافة الأراضي اللبنانية.

وعليه، يخطئ الحزب إذا قرر الاحتفاظ بسلاحه؛ لأنه، كما تقول المصادر، سيلقى معارضة شديدة في حال قرر استدراج لبنان لمغامرة عسكرية كان جربها، ويُدخل لبنان في أتون حرب لا قدرة له عليها بسبب الاختلال في ميزان القوى، والتي من شأنها زيادة حجم الأزمات التي ستترتب على لبنان مع ارتفاع عدد النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض البلدات البقاعية الذين ينتظرون الاستقرار للعودة إلى قراهم، وهم عاينوا بأم العين التدمير الممنهج الذي ألحقته إسرائيل بمنازلهم لدى تفقدهم لها في اليوم الأول لبدء الهدنة، وهذا يتطلب من الحزب التواضع وقراءة التحولات جيداً، ومراعاة المزاج العام للشيعة الذي ينشد الاستقرار، ويتطلع لإعادة الإعمار، بعد أن جرّبوا حرب الآخرين على أرضهم، كما يقول خصومه، بقراره المنفرد بإسناده لغزة وطهران الذي حوّل الجنوب إلى أرض محروقة لا تصلح للعيش.