غلاء التدفئة يدفع سكان جنوب سوريا لوسائل بديلة

الملابس القديمة والبلاستيك وروث الحيوان خيار غير القادرين على شراء الوقود

صورة خاصة من عائلة في درعا قطعت أشجارها لتوفير الحطب للشتاء
صورة خاصة من عائلة في درعا قطعت أشجارها لتوفير الحطب للشتاء
TT

غلاء التدفئة يدفع سكان جنوب سوريا لوسائل بديلة

صورة خاصة من عائلة في درعا قطعت أشجارها لتوفير الحطب للشتاء
صورة خاصة من عائلة في درعا قطعت أشجارها لتوفير الحطب للشتاء

لقي يافعان حتفهما من محافظة السويداء جنوب سوريا، قبل يومين أثناء توجههما إلى قطع أشجار البطم في حوش منطقة اللجاة، شمال غربي السويداء، فتم اعتراضهما من قبل أبناء تلك المنطقة الرافضين للتحطيب من الحرش، ودارت اشتباكات بين الطرفين، راح ضحيتها اليافعان، واعتقل اثنان آخران، أطلق سراحهما بعد مساعٍ محلية في المنطقة.
وقال أحد وجهاء منطقة اللجاة لـ«الشرق الأوسط»، إنه بقصد توفير الحطب استعداداً لقدوم فصل الشتاء أو بهدف الاتجار به، فإن الضحية في العملية نفس بشرية أعيتها الظروف السورية القاهرة والمريرة التي دفعت يافعين إلى الاقتراب من منطقة الأحراش وتجاهل التحذيرات المستمرة في هذه المنطقة.
ومع اقتراب فصل الشتاء، وبدء استعداد العائلات لقدومه، ارتفعت أسعار لوازم التدفئة من المحروقات والحطب في المنطقة، ما دفع كثيرين إلى عمليات التحطيب الجائر للأشجار الموجودة في الأحراش العامة البعيدة عن الأحياء السكنية، بغرض توفير حطب التدفئة، أو بيعه لادخار مبلغ مالي للشتاء بعد أن وصل سعر الطن الواحد من الحطب إلى مليون و100 ألف ليرة سورية؛ دون التفكير بما تسببه هذه العمليات الجائرة بحق الأشجار من مشكلات بيئية، وبالتوازي مع ارتفاع أسعار الحطب ارتفعت أسعار المحروقات، حيث وصل سعر اللتر الواحد من مادة الديزل (المازوت) المخصص للتدفئة إلى 7 آلاف ليرة سورية في السوق السوداء، وكل عائلة تحتاج بشكل يومي إلى ما لا يقل عن 5 لترات من المازوت للتدفئة، وأكثر من طنَّين من الحطب خلال فصل الشتاء، وكثير من العائلات بدأت بتحطيب أشجارها التي تملكها في حقولها لعجزها عن توفير الحطب أو المحروقات من الأسواق.
ويوضح فراس، من ريف درعا، الطريقة التي سوف تتعامل بها العائلات السورية مع هذا الشتاء، وسط الظروف المعيشية والاقتصادية المتردية في البلاد، قائلاً إنه لم يعد يحمل فصل الشتاء في أذهاننا تلك الجلسات الدافئة واللمة الحميمة، خاصة مع التفكير بكيفية توفير أبسط وسائل التدفئة من البرد القارس الذي يحمله الشتاء، ويقابله العجز عن مقاومته، ومعظم العائلات السورية باتت محدودة الدخل وغير قادرة على توفير أساسيات الاستمرار بالحياة. لذا سيكون هذا الشتاء أكثر معاناة، بالنظر إلى التكاليف المادية الكبيرة التي يحتاجها المواطن السوري لتوفير التدفئة لعائلته، إضافة إلى عدم توفر السيولة المادية بيد الناس، فالموظف في القطاعات العامة الحكومية مرتبه الشهري لا يتجاوز 50 دولاراً أميركياً، ويتساءل كيف يمكن تقسيمه على متطلبات المعيشة والمواصلات والتدفئة وغيرها. ومثلهم موظفو القطاع الخاص، وعمال المهن الحرة. ويضيف أن بعض الأشخاص خصصوا صيفهم لجمع المواد البلاستيكية وما تيسر من أغصان الأشجار الصغيرة المرمية على قارعة الطرقات، وجمع الألبسة المهترئة، لاعتمادها بدلاً عن الحطب والمحروقات للتدفئة في الأوقات الأشد برداً في فصل الشتاء. مشيراً إلى أن التقنين سيكون حليف العائلات السورية الفقيرة هذا الشتاء؛ حيث إن إيقاد أي وسيلة تدفئة بالنسبة لهذه العائلات هو ترف، ولن تنعم بإشعال وسيلة التدفئة بشكل يومي، وسوف توفر ما لديها من وسائل التدفئة إلى أيام الشتاء الأكثر برداً، وباقي أيام الشتاء العادية سوف تعتمد على الأغطية الصوفية للتدفئة.
بالنسبة للحكومة السورية، فقد اعتمدت منذ سنوات على نظام توزيع مخصصات للسوريين من مادة المازوت بالسعر المدعوم 2500 ليرة سورية للتر الواحد من المازوت المدعوم، وتوزع على كل عائلة مخصصات مؤلفة من 4 دفعات، كل دفعة توزيع تساوي 50 لتراً من المازوت، لكن ذلك يرتبط بتوفير المازوت لدى الدولة، وغالباً ما يحصل خلل أو نقص، ولا يحصل المواطن على 4 حصص، وإنما على حصتين، أي 100 لتر من المازوت المدعوم، أو 3 حصص، أي 150 لتراً من المازوت من مخصصاته، وهذه كمية لا تكفي العائلة لشهر واحد بالقياس إلى استهلاك 5 لترات من المازوت يومياً للتدفئة، وهذا ما يدفع الغالبية من الذين يستلمون حصصهم البسيطة إلى بيعها في السوق السوداء؛ حيث يشتري تجار المحروقات المازوت من العائلات بمبلغ 6000 - 6500 ليرة سورية للتر الواحد، ومن ثم تقوم العائلات باستبدال ثمن حصصهم بشراء وسائل أخرى للتدفئة، مثل الحطب أو الكسيح والجلة.
وبالحديث عن الكسيح والجلة، أوضح أبو يوسف، وهو رجل في الستينات من عمره، أنها وسائل تدفئة بدائية قديمة، وأغلب الأجيال الحديثة لم تمر عليها هذه التسمية، فهي عبارة عن البقايا الجافة للحيوانات، كانت تستخدم في الزمن القديم وسيلة للتدفئة، والآن دفعت الأحوال الاقتصادية والمعيشية المتردية في سوريا وغلاء وسائل التدفئة من المازوت والحطب، الأهالي في المناطق الريفية من جنوب سوريا، إلى العودة إلى الوسائل البدائية القديمة باعتبارها أقل تكلفة. مضيفاً أن آخرين سوف يعتبرونها وسيلة مساعدة مع الحطب للتدفئة، لتوفير كميات الحطب المستهلكة.
ويبلغ سعر الكسيح والجلة نحو 300 ألف ليرة سورية يتم شراؤها من مزارع الحيوانات. ورغم سلبيات استخدامها، فإن كثيرين من الذين تقطعت بهم السبل وأجبرتهم ظروفهم المادية والمعيشية على عدم توفير وسيلة تدفئة للشتاء، غير آبهين بمضارّها، وجلّ همهم توفير الدفء لأفراد الأسرة وسط هذه الظروف القاهرة. مشيراً إلى أن معظم العائلات في المنطقة الجنوبية كانت تعتمد على الحطب كوسيلة للتدفئة في الشتاء، وفي مثل هذا الوقت من كل عام، كانت العائلات في درعا تتسابق لحجز كميات الحطب استعداداً لفصل الشتاء. وكان يسمى فصل الخير والعطاء، وتنتشر فيه الزراعات السهلية والخضراوات الشتوية، والآن باتت العائلات تراه فصلاً يحمل كثيراً من الأعباء والتكاليف ويضاعف معاناتهم المعيشية.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


حكومة إقليم كردستان العراق: بغداد تفرض علينا حصاراً اقتصادياً خانقاً

علم كردستان العراق أمام حقل نفط في الإقليم (رويترز)
علم كردستان العراق أمام حقل نفط في الإقليم (رويترز)
TT

حكومة إقليم كردستان العراق: بغداد تفرض علينا حصاراً اقتصادياً خانقاً

علم كردستان العراق أمام حقل نفط في الإقليم (رويترز)
علم كردستان العراق أمام حقل نفط في الإقليم (رويترز)

قالت حكومة إقليم كردستان العراق، اليوم الأحد، إن حكومة بغداد تفرض منذ مطلع شهر يناير (كانون الثاني) حصاراً اقتصادياً خانقاً على إقليم كردستان، مما أسفر عن حرمان تجار الإقليم من الوصول إلى العملة الصعبة.

وأضافت حكومة إقليم كردستان، في بيان، «أصدرت وزارة النفط العراقية بياناً تزعم فيه عدم استعداد إقليم كردستان لتصدير النفط عبر الأنبوب الناقل إلى ميناء جيهان التركي. الحقيقة هي أن البيان المذكور تعمد إغفال الأبعاد الحقيقية للمشكلة بكل جوانبها».

وأشار البيان إلى أن كافة حقول ومصافي النفط والغاز ومنشآت الطاقة في الإقليم تعرضت «لاستهدافات سافرة من قبل ميليشيات خارجة عن القانون».

وأكد أن«هذه الهجمات الإرهابية أسفرت عن توقف عملية الإنتاج بشكل كلي مما حال دون توفر أي كميات من النفط قابلة للتصدير إلى الخارج».

ورأت حكومة إقليم كردستان العراق أن «بغداد تقف مكتوفة الأيدي وغير مستعدة لردع تلك الهجمات الإرهابية التي تُشن ضد إقليم كردستان أو الحيلولة دون وقوعها».


موعد جديد لانتشار «قوات الاستقرار» يُحيي مسار «اتفاق غزة» المتعثّر

فلسطينيون يسيرون بجوار الخيام وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الخيام وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

موعد جديد لانتشار «قوات الاستقرار» يُحيي مسار «اتفاق غزة» المتعثّر

فلسطينيون يسيرون بجوار الخيام وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الخيام وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

عاد الحديث بشأن نشر قوات الاستقرار الدولية في قطاع غزة، وسط أتون الحرب في إيران، في ظل تعثر يواجه بنود اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع، منذ انطلاقه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

تلك القوات، حسب حديث إسرائيلي رسمي، ستبدأ النشر في مايو (أيار) المقبل على أن تصل وفود عسكرية من البلاد المشاركة إلى إسرائيل خلال أسبوعين للتنسيق، ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن هذه محاولة لتهدئة الرأي العام الدولي الغاضب من استمرار الحرب بإيران. وبالوقت ذاته، الإبقاء على مصداقية الرئيس الأميركي دونالد ترمب التي باتت على المحك، فيما اختلفوا بشأن تنفيذ هذه الخطوة في الموعد الجديد بين من يراه أن الحرب ستفرض قواعد جديدة، وتقديرات أخرى ترى أن البيت الأبيض سيضغط على إسرائيل للتنفيذ.

و«قوات استقرار غزة»، أحد أبرز البنود الرئيسية مع انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، منتصف الشهر الماضي، التي لم تر النور بعد رغم تشكل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام» الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

تحرك محتمل

وقالت «هيئة البث العبرية» الرسمية، مساء السبت، إن إسرائيل تستعد لبدء نشر قوة دولية في قطاع غزة اعتباراً من مايو المقبل، التي تضم نحو 5 آلاف جندي من إندونيسيا، إضافة إلى عشرات الجنود من كازاخستان والمغرب وألبانيا وكوسوفو.

وسيتم نشر القوة في المرحلة الأولى في مهام محيطة بمدينة فلسطينية يجري بناؤها في منطقة رفح جنوب قطاع غزة، قبل أن يتم توسيع انتشارها لاحقاً إلى مناطق أخرى داخل ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، وفق الهيئة.

ويتوقع أن تصل وفود عسكرية من الدول المشاركة إلى إسرائيل خلال أسبوعين لإجراء جولات استطلاعية في قطاع غزة، بهدف التمهيد لبدء انتشار القوة الدولية، بحسب المصدر الإسرائيلي ذاته.

ويرى الخبير الاستراتيجي والعسكري العميد سمير راغب، أن هذا الإعلان الإسرائيلي ربما محاولة لتهدئة الرأي العام العالمي، فضلاً عن عدم الاستمرار في وضع مصداقية ترمب على المحك بسبب ما يحدث بإيران.

ولفتت إلى أن خطوة شهر مايو هي خطوة إجرائية وليست وضعاً جديداً، حيث تهدف إلى تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مسبقاً من خلال آليات إدارية يشرف عليها موظفون بعيداً عن التعقيدات السياسية، موضحاً أن الوفود العسكرية التي ستصل خلال أسبوعين ستباشر مهام الاستطلاع والتفويض والمهام اللوجيستية والتسليح المطلوب.

ويعتقد الخبير السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن عودة الحديث عن انتشار القوات الدولية بغزة للإيحاء بأن إسرائيل مستعدة للسلام وإعطاء إشارة لترمب بأنها ملتزمة بالاتفاق لكسب موقفه، وتبديد القلق حول مصير غزة بعد حرب إيران، ومنع أي جهة في غزة استغلال الحرب من أجل ترسيخ وجودها.

فلسطينيون يسيرون قرب خيام للنازحين في منطقة مواصي خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويأتي حديث تل أبيب بعد تراجعات في المواقف الرسمية لأحد أبرز الدول المشاركة بقوات استقرار غزة، وتلويحها بالانسحاب، وأكد وزير الدفاع الإندونيسي شافري شمس الدين في 12 مارس (آذار) أن قرار بلاده إرسال قوات للمشاركة في قوة الأمن الدولية المزمع نشرها في قطاع غزة سيبقى مرتبطاً بالتطورات داخل مجلس السلام.

وأوضح شمس الدين أن جاكرتا كانت قد طرحت في وقت سابق إمكانية إرسال نحو 20 ألف جندي، لكنها باتت حالياً تخطط لنشر نحو 8 آلاف عنصر بشكل تدريجي، مشيراً إلى أن دولاً أخرى تعهدت بإرسال قوات بأعداد أقل.

وفي ضوء هذه التراجعات، يرى مطاوع، أن ما يطرح حالياً في إسرائيل مجرد مناورة، خاصة أن حرب إيران سيكون لها تأثير على كل ما في المنطقة بما فيها اتفاق غزة وتنفيذه.

ونبه راغب إلى أن هناك فرقاً بين ثقل دول مثل تركيا وقطر وبين الدول المشاركة حالياً مثل إندونيسيا وكوسوفو، معتبراً أن مشاركة دول لا تربطها علاقة بالمنطقة ولا تجيد لغة أهلها يعكس طبيعة وحجم القوة المقررة؛ في إشارة إلى أنها ليست ذات تأثير قوي.

وحذر راغب، من أن نشر هذه القوات ليس ضمانة من عدم حدوث انتكاسة مستقبلاً، حيث يمكن لإسرائيل في أي وقت مطالبة تلك القوات بالانسحاب خلال 24 ساعة والتوجه نحو الأراضي المصرية، إذا ما رغبت في تنفيذ عمليات عسكرية جديدة.


«القتل السهل في الضفة»... مقتل أب وأم وطفليهما للاشتباه في سرعة سيارتهم

الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)
الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

«القتل السهل في الضفة»... مقتل أب وأم وطفليهما للاشتباه في سرعة سيارتهم

الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)
الطفل الفلسطيني مصطفى الذي أصابه جنود إسرائيليون وقتلوا والديه وشقيقيه بعدما هاجموا بالرصاص السيارة التي كانت تقلهم يوم الأحد (أ.ف.ب)

لن ينسى الطفل خالد بني عودة (11 عاماً) أصعب دقائق مرت عليه في حياته، وربما يقضي ما تبقى من حياته من دون أن يفهم لماذا كان عليه أن يعيش بقية حياته بلا أب وأم وأشقاء، لمجرد أن جنوداً إسرائيليين قرروا أن سرعة السيارة التي كانت تستقلها أسرته غير مناسبة للمشي في الشوارع ففتحوا النار على من فيها وقتلوا كل أسرته.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية، الأحد، أن الجيش الإسرائيلي قتل علي بني عودة (37 عاماً) وزوجته وعد بني عودة (35 عاما)، وطفليهما محمد (5 سنوات) وعثمان (7 سنوات)، فيما أصاب طفليهما الآخرين مصطفى (8 سنوات) وخالد (11 سنة) بشظايا الرصاص في الرأس والوجه، بعدما فتح النار على سيارة تستقلها الأسرة في بلدة طمون جنوب طوباس بالضفة الغربية.

مسنة تعانق الطفل خالد بينما يحمل المشيعون جثامين والديه وشقيقيه الذين قتلهم الجيش في طمون في الضفة يوم الأحد (رويترز)

ووفق الطفل خالد الذي نجا من الهجوم، كانت الأسرة في طريقها إلى المنزل بعد رحلة تسوق رمضانية معتادة تسبق عيد الفطر، وقال: «كنا مروحين من نابلس. مرة وحدة صار علينا إطلاق نار. كان أبوي يضحك مع أخوي محمد وبعدين أبوي صار يقول (أشهد أن لا إله إلا الله) رفع إصبعه بعدين سكت، وأمي صيحت (صرخت) وحاولت تحمي أخوتي بعدين سكتت، وأخوتي ما سمعت صوتهم».

وأضاف: «سحبني الجندي (من السيارة) وصار يقتل في (يضربني) طلعوا مصطفى (شقيقه) كانوا بدهم يضربوه لكن (دافعت عنه) وصاورا يضربوني على ظهري... قالوا قلتنا كلاب».

كيف حدثت المجزرة؟

بدأت وقائع «المجزرة البشعة»، كما وصفتها وزارة الخارجية الفلسطينية، فجر الأحد، عندما قتل جنود إسرائيليون من الوحدات الخاصة فلسطينياً وأسرته بعد إطلاق النار على مركبة تقلهم في بلدة طمون.

ولم يفهم أحد فوراً ما جرى، لكن اتضح أن قوات خاصة كانت تسللت إلى البلدة لتنفيذ اعتقالات، وهي القوة نفسها التي قتلت العائلة قبل أن تصل وحدات من الجيش الإسرائيلي منعت طواقم الهلال الأحمر من استلام المصابين من داخل المركبة، وأجبرتهم على مغادرة المكان، ثم سُمح لاحقاً باستلام أربعة جثامين وطفلين مصابين.

فلسطينيون يشيعون أفراد أسرة عودة الذين قُتلوا في سيارتهم برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يوم الأحد (أ.ب)

ومع الغضب المتنامي والكثير من الأسئلة حول القتل السهل الذي يتجرعه الفلسطينيون يومياً في الضفة، أصدر الناطقان باسم الجيش الإسرائيلي والشرطة بياناً مشتركاً قالا فيه إنه «خلال عملية ميدانية لقوات الأمن في قرية طمون، لاعتقال مطلوبين، حاولت مركبة الاقتراب من القوات ما شكل تهديداً، فردت القوات بإطلاق النار. ونتيجة لذلك، قُتل أربعة فلسطينيين كانوا داخل المركبة. ملابسات الحادث تخضع للتحقيق من قبل الجهات المعنية».

ووصفت الخارجية الفلسطينية الحادثة بأنها «مجزرة بشعة ومروعة وليست حادثة معزولة، بل جزء من عدوان شامل وممنهج يهدف إلى إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره»، مؤكدة أنها «ستلاحق القتلة في كل المحافل الدولية».

ولاحقاً صرح مصدر أمني لهيئة البث الإسرائيلية «كان» بأنه «يجري التحقيق في الهجوم على أفراد أبرياء، كما يجري التحقيق في الحادث بشكل معمق».

القتل سهل ومتكرر

لكن بغض النظر عما يقوله الجيش، تكشف الحادثة إلى أي حد تمثل عملية قتل الفلسطينيين مسألة سهلة في الضفة الغربية، لمجرد أن سائقاً لو صحت الرواية الإسرائيلية أصلاً، زاد من سرعته في شارع مفتوح وخالٍ من السيارات.

وقبل ذلك بساعات قليلة، كان مستوطنون أيضاً قتلوا فلسطينياً بدون سبب، وأصابوا آخرين في هجوم على بلدة قصرة جنوب نابلس.

وأعلنت وزارة الصحة استشهاد الشاب أمير عودة (28 عاماً) برصاص مستوطنين في قصرة، وذكرت مصادر طبية أن الشاب عودة قضى متأثراً بإصابته بالرصاص الحي في منطقة الصدر.

وقال رئيس بلدية قصرة هاني عودة، إن المستوطنين المسلحين هاجموا منطقة الكرك غرب البلدة، وأطلقوا الرصاص الحي تجاه المنازل والشبان، قبل أن يهب أهالي المنطقة للدفاع عنها.

مشيعون يحملون جثمان أمير عودة الذي قتله مستوطنون في قرية قصرة في الضفة يوم الأحد (أ.ف.ب)

كان أحد هؤلاء أمير وصديقه إسلام الذي روى لاحقاً من على سرير المستشفى كيف أطلق المستوطنون الرصاص على أمير، ثم انهالوا عليه بالطعن والضرب.

وأضاف: «بعد ما طخوه ما كفاهم أمام عيني طخوه ثم بدأوا بضربه على رأسه، وطعنوه وطخوه كمان مرة، وضربوا أبوه أيضاً بالسكاكين والعصي».

ومع قتل عودة، يرتفع عدد الذين قتلهم المستوطنون منذ مطلع الشهر الحالي إلى 8 أشخاص، في 192 اعتداءً خلال أسبوعي الحرب والتوتر الإقليمي السائد، وفقاً لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

ومثل حادثة طمون، صرح مصدر أمني إسرائيلي بأن «قوات الأمن تدرك الزيادة الخطيرة في حوادث من هذا النوع في الأيام الأخيرة، وتتخذ إجراءات حازمة لوقفها ومنعها. ويُدين الجيش الإسرائيلي بشدة مثل هذه الحوادث التي تُلحق الضرر بالأبرياء وتُقوّض الاستقرار الأمني ​​في المنطقة».

أما حركة «فتح» فحذرت من خطورة التصعيد الدموي المتواصل في الضفة الغربية وقطاع غزة، سوءاً عبر الجيش أو مستوطنيه، ودعت الفلسطينيين إلى اليقظة في مواجهة اعتداءات الاحتلال والمستعمرين، والانخراط في لجان الحراسة الشعبية للدفاع عن القرى والتجمعات السكنية، وتصعيد المقاومة الشعبية دفاعاً عن الأرض والوجود حتى زوال الاحتلال.

وفي دعوة مشابهة، قالت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إن الرد على الجريمة مكتملة الأركان يستوجب تصعيد المواجهة.