محمد محسن لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الترند اليوم قد تُنسى غداً

المطرب المصري الشاب يعيد إحياء الزمن الجميل على طريقته

المطرب المصري محمد محسن
المطرب المصري محمد محسن
TT

محمد محسن لـ«الشرق الأوسط»: الأغنية الترند اليوم قد تُنسى غداً

المطرب المصري محمد محسن
المطرب المصري محمد محسن

المتأمّل في وجهه وصوته وهو يؤدّي أغنياته، يظنّه خارجاً للتوّ مما يُعرف بـ«الزمن الجميل». حتى عندما ينزل إلى السوق، يبحث محمد محسن عن التحف والقطع القديمة ليزيّن بها بيته.
المطرب المصري الشاب الذي كان فن سيّد درويش، وسلطنة أم كلثوم، وعبقرية عبد الوهاب بمثابة نهرٍ موازٍ للنيل بالنسبة إليه، ما زال متمسّكاً بأصول الغناء وبالكلام الراقي واللحن الأصيل. لا يمانع التحديث والتلوين، ولا يصمّ أذنَيه عن الموجات الغنائية الرائجة، لكن على كوكبه الموسيقي الخاص، ينبعث النور من التراث والطرب.
مشى طريق الموسيقى صغيراً. من أجلها تخلّى عن الهندسة الكيميائية التي تخصص فيها. أدركَ باكراً أنه وُلد للغناء. تأكّد من الأمر يومَ التصقَ صوتُه بحناجر جماهير «ثورة يناير (كانون الثاني) 2011»، في تلك اللحظات المصيرية من تاريخ مصر الحديث، أخرج محسن من ذاكرته الموسيقية أغنياتٍ وطنيّة أشعلت الحماسة وسط المتظاهرين. ومن الثورة استوحى ألبومه الأول «اللف في شوارعك» الذي صدر سنة 2012.

يقول محمد محسن، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، إنّ شيئاً من شغفه لم ينطفئ خلال تلك السنوات العشر: «شغفي تجاه الفن هو ذاته. ما زلت أنتقي الكلمة واللحن بحب وعناية، وما زلت مرتبطاً بالتراث والتاريخ على قدر بحثي عن التجديد. وحدَها خبرتي تطوّرت وصرتُ أنفّذ عملي بتقنيّة أعلى. كما أنّ آفاق استماعي اتّسعت وبات عندي الاستعداد كي أسمع أنواعاً مختلفة عمّا أؤدّي».
خرج للتوّ من استوديو التسجيل بعد أن وضع اللمسات الأخيرة على إحدى أغانيه المقبلة «ضي القمر» وهي باللهجة الليبيّة. يبدو متحمّساً لها، ليس لاختلاف لهجتها فحسب، بل للقصة الغريبة التي جمعته بها. سمعها عام 2014 في إحدى الحفلات الخاصة وبحث عن ملحّنها لسنوات قبل أن يعثر عليه بالصدفة. لحقته تلك الأغنية كما القدر، لتنضمّ إلى مجموعة من الأغاني المنفردة التي سيبدأ الفنان المصري بإصدارها بشكلٍ متتالٍ اعتباراً من أواخر فصل الخريف.

يُضاف إلى أسباب حماسته تلك، الحفل الذي أحياه مؤخراً في مهرجان قلعة صلاح الدين. فلهذه الاحتفالية الثقافية الثلاثينية التي يشارك فيها محسن منذ 10 سنوات، مكانة خاصة في قلبه. «بـ20 جنيه فقط يمكنك أن تدخلي إلى مهرجان القلعة، يعني ببلاش تقريباً»، يقول بفرح. ويضيف: «هو مهرجان للجمهور البسيط، لعامّة الناس الذين لا نراهم في الحفلات الأخرى. لكنهم المقياس الحقيقي لشعبيّة الفنان. أنتظر هذه الحفلة من السنة إلى السنة كي التقي هؤلاء الناس الذين لهم حقوق علينا كفنانين ويستأهلون اللقاء بنا والاستماع مباشرة إلى أغانينا».
يصغي محمد محسن باهتمام إلى آراء الناس ونبض الشارع. لا يعتمد على مشاهَدات يوتيوب أو «لايكات» إنستغرام، ليقدّر مدى اهتمامهم بفنّه. يقول في هذا السياق إنّ ترداد الناس لأغانيه في الحفلات يكفيه: «لا تشغلني أرقام المشاهدات وشبّاك التذاكر، بقدر ما يعنيني تقدير الناس لفنّي». وهذا ما اختبره خلال حفله في «موسم الرياض» العام الماضي، الذي خرج منه بانطباعٍ استثنائي: «تفاجأت بالجمهور السعودي البارع في الإصغاء. تفاعلوا مع أغانيّ التي يحفظونها. كان جمهوراً مختلفاً يحترم المحتوى الفني الراقي».

الفنان المصري محمد محسن في موسم الرياض 2021

من الصعب بل المستحيل أن تتحوّل أغنية طربية أو قصيدة كلاسيكية مغنّاة إلى «ترند» في زمننا هذا. اللحظة هي لأغاني المهرجانات والراب التي لا تشبه بشيء ما يقدّمه محمد محسن. فهل يشعر فنانٌ مثله بالغربة وسط التيارات الموسيقية المتحكّمة بالمزاج العام؟
يردّ ببساطة أن «لكل لحظة زمنيّة موسيقاها ولا يجب أن نحكم على الأمور الآن، لأن للتاريخ كلاماً آخر. العصر سريع وما يضرب اليوم ويصبح (ترند)، قد يُنسى بسرعة غداً. ليس ما نراه على السوشيال ميديا هو الدائم». لا يبدو محسن محبطاً ولا متردداً، إذ يقول: «أركّز على عملي بحب وأترك التصنيف للجمهور. أنا شبَه نفسي».
لا يزعجه أبداً أن يقال له إنّ أغانيه «زي أغاني زمان». لكنه لا يخفي بعض القلق على أغاني زمان الفعليّة من الاندثار: «ما ينفعش إن حد ما يعرفش أم كلثوم أو سيد درويش أو فيروز أو صباح...»... حسب رأيه، سيعبر الزمن ولن يصحّ إلا الصحيح في النهاية: «لن نجد أفضل من فيروز رفيقة لصباحاتنا ولا من أم كلثوم أنيسة لليالينا». ويضيف: «فليسمع الجيل الجديد ما يريد، لكن مع الحفاظ على حد أدنى من المعرفة عن تاريخ الفن العربي».

لم يقف محمد محسن على الخشبة غناءً فحسب، بل تمثيلاً كذلك. فهو شارك في مسرحية «حكايات الناس في ثورة 1919»، ثم لعب دوراً في مسلسل «زي الورد». أما التجربة المسرحية التي حفرت عميقاً في وجدانه، فهي السنوات الثلاث التي جمعته بالممثل القدير يحيى الفخراني في مسرحية «ليلة من ألف ليلة» على خشبة المسرح القومي في القاهرة. يتوقّف عند تلك المحطة واصفاً الفخراني بالرجل المتفاني في عمله، الدقيق في مواعيده، والعاشق للفن.
لم يؤثّر فيه ذلك المشروع على المستوى الفني فحسب، بل هو عاش تجربة شخصية فريدة خلال تلك المرحلة. فالمسرحية وليالي عرضِها التي فاقت الألف ليلة، شهدت على قصة حبه مع الممثلة هبة مجدي. في الكواليس أُغرم محمد بهبة، وعلى الخشبة أعلنا خطوبتهما، وفي فترة العرض تزوّجا وحملت هبة بطفلتهما الأولى. يسترجع الذكرى معلّقاً: «تشكّل المسرحية جزءاً أساسيا من حياتي، وخلال عرضها الطويل تحوّلَ التعامل مع الأستاذ يحيى الفخراني إلى علاقة إنسانية».

محمد محسن وزوجته الممثلة المصرية هبة مجدي

بين محمد محسن وهبة مجدي، حبٌ وطفلان وأحاديث في الموسيقى والمسرح والدراما تبدأ «من لما نصحى لحدّ لما ننام»، كما يخبر «الشرق الأوسط».
يأخذ الفن الحيّز الأكبر من حياتهما المشتركة، لكنه لا يسرقهما من طفلَيهما دهب وموسى. لهما يخصصان كل الوقت عندما لا يكونان في التسجيل أو التصوير. وبسبب وجودهما في حياته، صار يدقّق محمد أكثر في تفاصيل عمله: «الأبوّة غيّرت فيّ الكثير وصار للحياة معنى». يضيف: «بدخولهما إلى حياتي، انتهى عصر التجريب وصار كل شيء محسوباً. لا مساحة للمغامرة، لا سيّما فنياً لأن ولدي سيسمعان أرشيفي في المستقبل ويجب أن يكونا مقتنعَين وفخورَين به». يذهب محمد محسن في تخطيطه إلى أبعد من ذلك، إذ إنه ومع إعداد كل أغنية جديدة، بات يتصوّرها بصوت ولدَيه إن رغبا في الغناء وإعادة تسجيل أعماله لاحقاً.


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
TT

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»
أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»

مع تواصل احتفالات الليبيين بعيد الفطر، تبدو المدن الليبية كأنها فتحت صفحة جديدة لواقعها المثقل بالأزمات منذ سقوط نظام الزعيم الليبي السابق معمر القذافي عام 2011.

ومنذ التحول السياسي الذي وقع قبل 15 عاماً، اعتاد الليبيون التعامل مع هذه المناسبة باعتبارها فرصة لتجاوز ثقل الانقسام السياسي والضغوط الاقتصادية. ففي هذه الأيام، يختار كثيرون تأجيل الخوض في الشأن العام، والانشغال بطقوس اجتماعية تُعزز الروابط العائلية، وتمنح مساحة للفرح.

ليبيون يحتفلون بالعيد في حديقة أبو سليم بطرابلس (منصة حكومتنا التابعة لحكومة «الوحدة»)

في مصراتة، الواقعة على بُعد نحو 200 كيلومتر شرق طرابلس، تتراجع مظاهر التوتر خلال العيد، رغم التعقيدات الأمنية وتداخل النفوذ بين قوى محلية متعددة.

وفي هذا السياق يقول سالم كرواد، أحد أعيان المدينة لـ«الشرق الأوسط»، إن العيد يُمثل فرصة «لإعادة ترميم العلاقات الاجتماعية، وتغليب روح التضامن على الخلافات»، لافتاً إلى أن السكان يحرصون على إحيائه عبر تبادل الزيارات والتمسك بالعادات.

ويحرص الليبيون بعد أداء صلاة العيد على تناول أطباق مثل «العصيدة» في مشهد يعكس عمق الموروث الثقافي، وفي أجواء «ربما تخلو من النقاشات السياسية، في محاولة للحفاظ على طابع العيد بوصفه فسحة إنسانية للتقارب»، وفق مواطنين.

احتفاء بالعيد رغم الخلافات

يقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، إن الليبيين دأبوا على الاحتفاء بالعيد رغم الأزمات المتلاحقة، موضحاً أن «المجتمع يميل خلال هذه المناسبة إلى وضع هموم السياسة جانباً، حتى في أصعب المراحل».

ويستعيد مخلوف، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، مثالاً من سنوات المواجهات مع «التنظيمات المتطرفة» في بنغازي بين عامي 2014 و2017، حين تزامنت الاستعدادات للعيد مع اشتباكات في بعض أحياء المدينة، في مفارقة تعكس تمسك السكان بالحياة الطبيعية.

ليبيون يحتفلون بالعيد في حديقة أبو سليم في العاصمة الليبية (منصة حكومتنا التابعة لحكومة «الوحدة»)

ومنذ «ثورة 17 فبراير (شباط)» عام 2011، تنقل الليبيون بين مراحل متباينة، من نشوة إسقاط النظام إلى سنوات من الحرب والانقسامات، وصولاً إلى حالة من الهدوء النسبي الهش. ومع ذلك، ظل العيد مناسبة جامعة تتجاوز في رمزيتها الخلافات، وتعيد تأكيد وحدة النسيج الاجتماعي.

ورغم جولات القتال التي شهدتها محاور طرابلس بين عامي 2019 و2020، وما خلّفته من تعميق للانقسام بين شرق ليبيا وغربها، فإن النسيج الاجتماعي لم ينفرط؛ حيث حافظت العائلات الليبية على تواصلها، خاصة في الأعياد، واستمرت الزيارات بين المدن، من طرابلس إلى بنغازي مروراً بمصراتة، مدفوعة بروابط القرابة والمصاهرة.

في هذا السياق، يُشير مخلوف إلى أن «الانقسام السياسي لم يتمكن من تفكيك العلاقات الاجتماعية بين الليبيين»، موضحاً أن «كثيرين نجحوا في تجاوز الحواجز النفسية التي فرضتها سنوات الصراع». ويؤكد أن التنقل بين شرق ليبيا وغربها لا يزال قائماً، لا سيما خلال المناسبات الدينية؛ حيث يحرص البعض على صلة الأرحام.

كما لفت إلى أن عدداً من الموظفين المقيمين في غرب البلاد يواصلون السفر إلى مدن الشرق، أو الجنوب لقضاء عطلة العيد مع عائلاتهم، متى توفّرت لهم الظروف القانونية والأمنية، فيما يعكس استمرار الروابط الإنسانية رغم تعقيدات المشهد السياسي.

العيد مناسبة لتوحيد الليبيين

يُقرّ الليبيون بتنوعهم الاجتماعي والجغرافي، وهو ما تنعكس ملامحه بوضوح على موائد العيد التي تزخر باختلافات لافتة في العادات الغذائية. ففي غرب البلاد، تتصدر أطباق مثل «الفاصوليا باللحم» و«طبيخة البطاطا» المشهد، في حين يميل سكان الشرق إلى أكلات تقليدية، من بينها «المقطع بالقديد» و«طبخة الحمص» و«البكيوي». أما في الجنوب، فتحظى «الفتات» بمكانة خاصة على المائدة.

حديقة الحيوانات التي تم افتتاحها قبل أيام في طرابلس شكلت فضاءً جديداً للاحتفاء بأجواء العيد «أ.ف.ب»

وفي الجنوب، وتحديداً في الكفرة، يرى الناشط المدني مراجع توكا أن «غياب السياسة عن أجواء العيد أمر طبيعي، بالنظر إلى طابعه الديني والاجتماعي». ويقول إن المناسبة تُمثل في الوعي الشعبي تتويجاً لشهر الصيام، ما يجعل التركيز منصباً على الفرح والتواصل، لا على الخلافات العامة، لافتاً إلى أن المهتمين بالشأن السياسي يشكلون نسبة محدودة مقارنة بعموم المجتمع.

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، وحكومة أسامة حماد المدعومة من البرلمان في شرق ليبيا، غير أن هذه الانقسامات تبدو مؤجلة خلال أيام العيد؛ حيث تحل محلها أجواء يغلب عليها التراحم والتواصل الاجتماعي.

وفي ظل هذه الأجواء، تتراجع النقاشات الثقيلة لتحل محلها الذكريات والتهاني، ويغدو العيد بالنسبة لكثير من الليبيين لحظة نادرة للتمسك بما يوحدهم: العائلة، والتقاليد، والذاكرة المشتركة.


الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
TT

الجزائر: ملف معتقلي الرأي يتصدر المشهد السياسي في سياق «عفو رئاسي»

مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)
مجموعة ناشطين معارضين استعادوا حريتهم بموجب إجراءات عفو رئاسي (حسابات ناشطين سياسيين)

أفادت مصادر حقوقية في الجزائر بإطلاق سراح نحو 50 سجيناً من معتقلي الرأي، عشية عيد الفطر المبارك، بموجب عفو رئاسي. لكن رغم هذه الخطوة، فإن ناشطين يؤكدون استمرار احتجاز أكثر من 150 آخرين يقضون عقوبات حبسية متفاوتة، تتراوح بين عامين و8 سنوات. وبينما تستند السلطات في استمرار حبسهم إلى تصنيف أفعالهم ضمن «الجرائم القانونية»، تصر القوى المعارضة على أن هذه الأحكام تعدّ «إجراء عقابياً» على خلفية مواقفهم المعارضة سياسات السلطة.

من مظاهرات الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون سياسيون)

قال الناشط المعارض الصحافي المعروف، فضيل بومالة، عبر حساباته في الإعلام الاجتماعي، يوم عيد الفطر، إن عدداً من المعتقلين «غادروا أسوار السجون، في حين لا يزال آخرون قيد الاحتجاز»، وأبرزهم الشاب محمد تاجديت الملقب «شاعر الحراك»، والشاب ابراهيم لعلامي. وأكد بومالة خبر الإفراج عن معتقل الرأي الشهير صهيب دباغي بولاية باتنة (400 كيلومتر شرق العاصمة)، ومعه الناشط يوسف بلورغي من المنطقة نفسها.

محمد تاجديت من أبرز نشطاء الحراك المسجونين (متداولة)

كما أبرز بومالة، وهو معتقل رأي سابق يرصد منذ سنوات المتابعات الأمنية والقضائية للناشطين المعارضين وينشرها، أن عدداً من المعتقلين لايزالون رهن الحبس، رغم صدور مرسوم العفو الرئاسي، وذكر من بينهم زهير حجازي، وعبد العزيز بن هدي، ومنصور مخالفية، ومختار دالي، وهم مسجونون، وفقه، بشرق ووسط وغرب البلاد.

وأضاف بومالة أن معتقلَي الرأي بشرق البلاد؛ صدوق قحام ومراد لوريسي، غادرا السجن عشية عيد الفطر بعد انقضاء مدة محكوميتهما، «دون أن يكون لخروجهما أي علاقة بإجراءات العفو الرئاسي، وفق ما تم تداوله».

عفو رئاسي باستثناءات صارمة

بمناسبة عيد الفطر؛ فقد أعلنت الرئاسة، في بيان، أن الرئيس عبد المجيد تبون وقع مرسومين رئاسيين يتضمنان إجراءات عفو تشمل 5600 سجين.

الناشط معتقل الرأي إبراهيم لعلامي (ناشطون سياسيون)

ويتعلق المرسوم الأول، وفق البيان، بالأشخاص المحكوم عليهم في قضايا القانون العام، وينص على عفو كامل لفائدة 5600 شخص؛ سواء أكانوا موقوفين أم غير موقوفين، صدرت في حقهم أحكام نهائية، وكانت مدة عقوبتهم، أو ما تبقى منها، تساوي أو تقل عن 24 شهراً.

ويُستثنى من هذا الإجراء، وفق البيان نفسه، عدد من الجرائم المصنفة «خطيرة»؛ من بينها «قضايا الإرهاب والتخريب، والاعتداء على أمن الدولة وسلامة التراب الوطني»، إضافة إلى جرائم «الفساد والقتل».

ويدخل تحت طائلة هذه الاستثناءات ناشطون من فترة «العشرية السوداء» (مرحلة الاقتتال مع الجماعات المتشددة خلال التسعينات)، وأيضاً رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال، أدانهم القضاء بعقوبات ثقيلة بالسجن، بناء على تهم «فساد»، ينتمي كلهم إلى فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 - 2019). وقد أُوقفوا بعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل (نيسان) 2019 تحت ضغط الشارع الرافض ترشحه لولاية خامسة.

الناشط المعارض الصحافي فضيل بومالة (وسط) (حسابه بالإعلام الاجتماعي)

كما يُستثنى أيضاً المتورطون في «شبكات إجرامية منظمة، وجرائم السرقة المشددة، والاعتداءات المرتبطة بالأنظمة المعلوماتية، التي تستهدف مؤسسات عمومية أو تابعة للدفاع الوطني»، فضلاً عن «الجرائم المتعلقة بالمخدرات والتهريب، والمضاربة غير المشروعة والغش التجاري والصحي»، وفق البيان الرئاسي.

ويشمل هذا الاستثناء فئتين؛ الأولى تضم أعضاء في تنظيمات مصنفة «جماعاتٍ إرهابيةً»، مثل «حركة تقرير مصير منطقة القبائل»، المعروفة اختصارا بـ«ماك»، وحركة «رشاد» الإسلامية. وقد جرى سجن كثير من المنتمين إلى التنظيمين منذ إدراجهما في «لائحة الإرهاب» عام 2021، علماً بأن قيادييهما يقيمون في الخارج وصدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية، وأبرزهم فرحات مهني زعيم «ماك»، والعربي زيتوت القيادي في «رشاد».

أما الفئة الثانية، فتضم تجاراً ومتعاملين اقتصاديين سُجنوا بتهمة «احتكار السلع» بموجب «قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة»، الذي سُنَّ في ذروة جائحة «كوفيد19»، كما

لا يشمل العفو جرائم «التمييز وخطاب الكراهية»، وأنشطة «عصابات الأحياء»، وبعض المخالفات الخطيرة المنصوص عليها في قانون السجون.

ويتعلق المرسوم الثاني بالجرائم المرتبطة بالنظام العام، مع التركيز على «الجرائم المعلوماتية»، وتلك المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي. وهذا هو الإجراء الذي يشمل معتقلي الرأي؛ شريطة أن تكون أحكام الحبس الصادرة بحقهم نهائية، واستنفدت سبل الطعن القانوني كافة.

«التهدئة الشاملة» مطلب سياسي

تأتي هذه المستجدات في سياق استمرار المطالب الحقوقية والسياسية الداعية إلى الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، الذين يصل عددهم إلى 200، وفتح المجال أمام إجراءات تهدئة شاملة «تعزز الثقة، وتدعم مسار الحقوق والحريات في البلاد»، وفق ما ذكره عثمان معزوز رئيس «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» المعارض، في بيان.

زعيم «ماك» فرحات مهني مستهدف بمذكرة توقيف دولية (ناشطون)

وقال معزوز إن «مئات الأسر تحيي العيد في ظل غياب قسري لأبنائها وآبائها المعتقلين بسبب مواقفهم وآرائهم.. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، بل هم حكايا إنسانية، وجراح غائرة في قلب المجتمع؛ عند كل قضبان أمٌ تنتظر، وأطفال يكبرون في غياب السند»، مشدداً على أن «هذا الألم الصامت لا يقتصر على الغرف المغلقة، بل يمتد ليقوض جسور الثقة بين المواطن والدولة. ومن هذا المنطلق، يتجدد النداء إلى رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، لتفعيل صلاحياته الدستورية، واتخاذ إجراءات عفو شاملة تفتح باب التهدئة وتداوي جراح هؤلاء المظلومين».

وأضاف معزوز موضحاً أن مثل هذه الخطوة، في هذا التوقيت بالذات، «لن تكون ضعفاً ولا تنازلاً، بل ستكون تعبيراً عن حكمة سياسية وسموّ في ممارسة الدولة. فالتاريخ السياسي في الجزائر، كما في غيرها، يعلّمنا حقيقة بسيطة: الأزمات لا تُحلّ بالتشدد، بل بقرارات شجاعة تعيد فتح آفاق الحوار».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

دفعت الحرب الإيرانية إلى طرح عدة تساؤلات حول مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

العشريني السوداني، راسول عبد المسيح قال لـ«الشرق الأوسط» إن «معضلة بعض اللاجئين والوافدين تأتي مع ارتفاع الأسعار في مصر».

يعمل الشاب السوداني 10 ساعات يومياً في مخزن لنقل البضائع بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة) مقابل 8 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) شهرياً. يدفع منها 3 آلاف ونصف الألف إيجاراً لشقته، والباقي نفقات للطعام،

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل تسجيله 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرتفعاً من نسبة 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم صعوبة الظروف المعيشية لعبد المسيح وأسرته، التي زاد أفرادها بطفلة جديدة وُلدت في مصر، فإنهم تكيفوا على هذه الظروف، واضطر هو وأسرته إلى التسجيل أخيراً في رحلات «العودة الطوعية المجانية» إلى السودان، ليس هرباً من الأسعار في مصر؛ لكن من «حملة تدقيق الإقامات وترحيل المخالفين»، على حد قوله.

وفاقمت الحرب الإيرانية من ارتفاع الأسعار في مصر، بعد قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من الحرب؛ وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي تأثرت برفع سعر المحروقات.

سوريون يعودون طواعية من مصر إلى بلادهم (أرشيفية)

وبينما لجأت كثير من الأسر المصرية إلى جدولة ميزانيتها، وترتيب أولوياتها للتكيف مع الموجة الجديدة من زيادة الأسعار، فإن «مئات من الأسر الوافدة ليس لديها هذه الرفاهية، في ظل ميزانية هشة تعيش على المساعدات»، بحسب مراقبين.

وتُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة نهاية ديسمبر الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً، ولا يتضمن ذلك الرقم الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى مصر خلال «حرب غزة» للعلاج، والدين قدرتهم الحكومة بـ110 ألف فلسطيني.

الخمسينية الفلسطينية سمر الشيخ جاءت إلى مصر في مارس (آذار) 2024 خلال الحرب على قطاع غزة، ووجدت صعوبة في إيجاد عمل تنفق منه على ابنتها وابنة اختها، وبعد بحث طويل عملت في حضانة أطفال مقابل «راتب زهيد»، وكلما ارتفعت الأسعار في مصر زادت معاناة الشيخ في تدبير مصاريفهن.

تقول سمر لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على الزيادة الأخيرة في المحروقات: «سمعت من صديقة أن سعر اسطوانة الغاز ارتفع إلى لـ350 جنيهاً، وآخر مرة اشتريتها من شهر كانت بـ225 جنيهاً».

جاءت الفلسطينية إلى مصر مرافقة لابنة أختها التي خرجت لتلقي العلاج خلال «حرب غزة»، واستقرت في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بعدما وفرت لها متبرعة هذه الشقة، ولا تنوي الفلسطينية العودة قريباً في ظل وضع القطاع المدمر، وظروف الحياة في خيمة؛ لذا ترى أن «التكيف على الأسعار في مصر أفضل».

الناشط السوري بين أبناء الجالية السورية في مصر، سليم سبع الليل، يشير من جهته إلى «صعوبة أوضاع الوافدين الاقتصادية في ظل غلاء الأسعار»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعانون مثلما يعاني الجميع؛ لكن الأسوأ بالنسبة لهم هو حرمان كثير منهم من المساعدات الأممية، بعد تخفيض دعم منظمات المجتمع المدني لهم، وصعوبة حصولهم على عمل.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ويوضح سبع الليل أن «غالبية السوريين من أصحاب الدخول الأقل عادوا إلى سوريا، خصوصاً مع حملات الترحيل، ولن يبقى سوى أصحاب المشروعات، ممن لن يجدوا صعوبة في العيش بمصر اقتصادياً».

الخبير الاقتصادي المصري، عاطف ويليام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غلاء الأسعار يؤثر في الوافدين مثل تأثيره في المصريين». مبرزاً أن «تأثير الغلاء يظل أكبر على الفئات المهمشة من الوافدين، ليس فقط بسبب الأعباء المعيشية وغلاء الأسعار، بل أيضاً بسبب أوضاعهم في الأعمال التي يقومون بها، وشكاوى البعض من عدم توفر فرص عمل مناسبة».

ومنذ شهور، بدأت مصر حملات لتدقيق إقامات الوافدين وترحيل المُخالفين، ما نتج عنه ترحيل عشرات الآلاف وفق المراقبين. وكانت حملات «سوشيالية» سبقت حملات الترحيل، هاجمت الوافدين، بوصفهم السبب في زيادة الأسعار بالبلاد.

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى نهاية مارس الحالي.