التخت الشرقي... تاريخٌ عصيٌّ على الاندثار

يكاد يكون أساس الموسيقى العربية منذ العصر العباسي

نصير شمة
نصير شمة
TT

التخت الشرقي... تاريخٌ عصيٌّ على الاندثار

نصير شمة
نصير شمة

لم تكن حاجة الذائقة السمعية ماسّةً لما تمثله موسيقى التخت الشرقي، في أي وقت مضى، مثلما هي اليوم. ليس للحفاظ على طبيعة هذا الطراز الموسيقي الذي يعود إلى قرون، فهو عصيٌّ على الاندثار، كما يخبرنا التاريخ بذلك. لكن الحاجة ماسّة لموسيقى بقيت ملهِمة في آلات التخت الشرقي، ولم تستطع الآلات الإلكترونية الجديدة، على أهميتها، إزاحتها.
ذلك أحد أهم الأسباب في اختيار مسرح «بيير بولسار» ببرلين في دورته الخامسة، لأيام الموسيقى العربية بوصفها أفضل ما يجمع الدول العربية لتقديم فنها في تبادل إبداعي، فالموسيقى لا تخضع لجغرافيا التقسيم وهي تكتنز كل هذا التاريخ في متنها الحسّي.
التخت الشرقي لا يكتفي بالتعبير عن خصوصية بلد ما في الشرق، بل هو جامع لكل تلك البلدان، فاسمه مستلٌّ من مفردة تعني المجلس أو المنصة الخشبية التي كان يجلس عليها العازفون والمنشدون في معابد البابليين، كمكان مرتفع قليلاً عن المتعبدين.
واستوحت موسيقى التخت الشرقي، تلك الطقوس في المقامات العراقية حتى القدود الحلبية والطقطوقة السورية والموال والأدوار المصرية، وصولاً إلى الموشحات والمألوف في بلدان المغرب العربي بشمال أفريقيا.


 لبانة القنطار

كذلك تتنوع خيارات هذه الأيام العربية وهي تحتفي بالموسيقى في أعمق صورها، عبر نتاجات مجموعات فنية من البلدان العربية التي بقيت على خيارها في التعريف بحضارتها وثقافتها بالموسيقى، عابرة في ذلك الخلاف السياسي والجغرافي.
فالتخت الشرقي يكاد يكون أساس الموسيقى العربية منذ أن وُجد في العصر العباسي، لكنه اتخذ لنفسه فيما بعد تلك الصورة المصغرة لموسيقى تقتصر على عدد قليل من الآلات الشرقية تحديداً: القانون، والعود، والناي، والبزق، والدف. حتى ضم إليها الكمان، الموسيقار السوري أنطوان الشوا عام 1865.
وتمثل تجربة الفيلسوف العربي يعقوب بن إسحاق الكندي الذي عاش في القرن الثامن الميلادي إبان العصر العباسي في بغداد، وأدخل مفردة الموسيقى إلى اللغة العربية التي انتقلت إلى اللغات الأخرى بما فيها الإنجليزية، بدايات التخت الشرقي الذي تطور إلى مفهومه المعاصر.
وضع الكندي أولى قواعد الموسيقى في العالم الإسلامي آنذاك، ولم يكتفِ بالتنظير المعرفي لفلسفة الموسيقى وتأثيرها على الحواس، إذ كوّن تختاً شرقياً ووضع سلماً موسيقياً من اثنتي عشرة نغمة، ما زال يُستخدم في الموسيقى العربية إلى اليوم، وكان أول مَن اقترح إضافة الوتر الخامس إلى العود.
والكندي الذي كان شديد العقلانية ووضع خمس رسائل في الموسيقى، اكتشف في الموسيقى علاجاً عندما عدّها بمثابة «الحيلة لدفع الأحزان»، في نوعٍ من المواساة الفلسفية.
واليوم تقدَّم هذه المشاركات في أيام الموسيقى العربية بطريقة معاصرة، لكنها لا تغادر صورة التخت الشرقي التاريخي. فالموسيقار العراقي نصير شمة يحافظ على هوية تلك الآلات الشرقية لكنه في الوقت نفسه يضيف لها آلات هوائية ووترية مثل فيولونسيلو ودبل باس والفلوت، بينما يقدم لنا الفنان اللبناني فادي أبو سعد «ألف» التخت الشرقي من البيانو بوصفها الآلة التي تمتلك تلك القدرة العجيبة لتكون جزءاً حيوياً من موسيقى الغرب والشرق على حد سواء، فتأتي مع التخت المصاحب لبيانو «ألف»، أنغام القانون والرق والترومبون محمّلة بطاقة موسيقية تجمع موسيقى الشعوب.
بينما ستكون قيادة عازف الكمان المغربي محمد العثماني مع جوق الموسيقى الأندلسية في تخت شرقي مغاربي، يحافظ على هويته الأندلسية المتمثلة بالعود والربابة والدربوكة والطار، مضافاً إليها الفيولا. مثلما يقدم الموسيقى الصوفية التي بقيت أعمق طرق التعبير الروحي عن المناجاة والابتهالات.
يكاد هذا الجوق المغربي الذي بقي مخلصاً لخصوصية الموسيقى المغاربية، أكثر المحافظين على أطوار المألوف والموسيقى الأندلسية التي بقي المغرب أميناً عليها، مثلما يجسد جوق العثماني التعريف التاريخي والمعاصر في آن واحد لمفهوم التخت الشرقي.
لا يمكن للتخت الشرقي أن يكتمل من دون الغناء! فالفنانة السورية لبانة القنطار الصوت الأوبرالي القادم من عمق بلاد الشام، تكاد تعيد الفنانة الراحلة أسمهان إلى الحياة، في استلهام عربي معاصر للغناء الأوبرالي مع التخت الشرقي في جوقة تذوب ولهاً مع سحر الناي والقانون.
فإذا كان نصير شمة أكثر المخلصين لاستمرار مدرسة العود العراقية الممثلة بجميل بشير وسلمان شكر ومنير بشير وروحي الخماش، فإن لبانة القنطار امتداد لغناء الراحلة أسمهان بطبقة صوتية أوبرالية وبحس عربي.
كذلك ستكون تلك الجوقات ملهمة ومعبرة عن الفكرة التي تأمل بها أيام الموسيقى العربية على امتداد أماسيّها في برلين. مثلما هي فرصة للجمهور المختلف في تنوعه وذائقته وخلفياته الثقافية، لتكوين فكرة جيدة عن التخت الشرقي، على نفس المستوى من اختبار مشاعر الذائقة السمعية الأوروبية وتفاعلها مع الموسيقى العربية الممثلة بأبرع العازفين المعاصرين الممثلين لخصوصية موسيقى بلدانهم.
ستكون هناك استعادة لدور التخت الشرقي الذي كان يستوطن القصور والسرايا في القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل إلى المقاهي والأحياء في الدول العربية، فالموسيقى لا تفرّق بين الأغنياء والفقراء، كما أن نغماتها لا تتغير أو تصاب بالوهن سواء قُدمت في القصور المدججة بالفخامة أو في المقاهي التي يرتادها عامة الناس.
كانت التخوت تسمى باسم فنانيها، مثل تخت سامي الشوّا في سوريا، وتخت منيرة المهدية في مصر، وتخت صالح الكويتي ومحمد القبانجي في العراق.
ولا يمكن للتاريخ الموسيقي إلا أن يتأمل «فرقة خماسي الفنون الجميلة» التي جمعت نخبة فنية بارعة من الموسيقيين العراقيين (سالم حسين: قانون. غانم حداد: كمان. روحي الخماش: عود. حسين قدوري: الجلو. حسين عبد الله: الدف) بوصفها المعبّر الأمثل عن التخت الشرقي.
وما قدمه هذا التخت من بشارف وسماعيات وتقاسيم، يعد اليوم مرجعاً لفهم دلالة الرقي بالذائقة السمعية.
استمر تخت «خماسي الفنون الجميلة» منذ سبعينات القرن العشرين حتى بداية عام 1990 جاب خلال تلك السنين عواصم العالم، مرسخاً مفاهيم الموسيقى العربية التي يمثلها التخت الشرقي.
كذلك بقيت السطوة لآلات التخت الشرقي متوجة في سحرها على المشاعر الإنسانية، فالقانون لم يفقد تسيّده على كبرى الجوقات الموسيقية على مر التاريخ «يتوسط عازف القانون عازفي التخت الشرقي للتعبير عن هيبته وقيادته الموسيقية»، والعود يكاد يكون السيد منذ أن اكتُشفت أول قيثارة سومرية قبل ستة آلاف سنة في بلاد الرافدين. ويبقى الناي أداة العاشقين الهائمين والفلاحين والرعاة على مر التاريخ، ثم تطور إلى آلات هوائية معاصرة أضحت المصاحب الأساسي لأوركسترا الموسيقى الكلاسيكية، بينما يكتفي الكمان بكونه الجامع بين الموسيقى في الشرق والغرب، متجاوزاً فكرة «ربع تون» التي يتذرع بها البعض لتقسيم الموسيقى.
الرقّ احتفظ بهيئته المشرقية وبقي أساسياً في التخت الشرقي، فضلاً عن كونه أداة كل احتفالات الشعوب وابتهالاتها وأناشيدها، لذلك تطوّر وتحوّر وتغيّر حجمه واسمه، لكنه لم يغادر التخت الشرقي، وذلك ما سيكون واضحاً في أماسيّ الأيام الموسيقية العربية لمسرح «بيير بولسار».
التخت الشرقي بمثابة مدرسة موسيقية وإن كانت صغيرة فإنها جادة في التعبير عن الأنماط الموسيقية العربية، مثلما هي قادرة على أن تكون مثالاً يعود له الدارسون لعلوم الغناء وأسرار هذا الفن الأزلي، التي باتت بموجبه الموسيقى المعبّر الأصدق عن الحرية الإنسانية.
في حين كان التخت الشرقي يتألف في الغالب من عدد قليل من الموسيقيين، لكنه لم يكتفِ بذلك وخرج عن الشكل التقليدي حتى أصبح فرقة متكاملة يماثل عددها الأوركسترا الغربية. مع ذلك تبقى لمسة الحنين باقية للتخت الشرقي كما هو بعدد من الموسيقيين الذين لا يتجاوزن خمسة عازفين، فضلاً عن كونه يمتلك من الطاقة الموسيقية ما يجعله قادراً على إيصال أصعب المقامات، ومصاحبة أعمق الأصوات في أدائها الغنائي.
ولأن الموسيقى والغناء هي نتاج لتاريخ من القوالب والقوانين والأشكال والبيئات على مستوى حقب التاريخ، فإن التخت الشرقي وليد تلك الحقب والأشكال الموسيقية التي توارثتها الأجيال عبر امتزاج علوم الغناء بالأفكار الفطرية عن ذلك الفن الذي بقي يحمل أعلى الرسائل الإنسانية.
سيحمل التخت الشرقي على مدار الأماسيّ الأربع في أيام الموسيقى العربية، ما يؤكد الحقيقة التاريخية بأن الموسيقى بقيت الأصدق على مر العصور عندما تقترن بالمشاعر الإنسانية، ولم تؤثر عليها كل التقسيمات الجغرافية، بقدر ما منحتها مساحة مضافة للتنوع والتلاقي والتطور والنمو.
إذا كان الإنسان لم يختلف في يوم ما على أهمية الموسيقى في حياة البشرية منذ أول نغمة صدرت من قيثارة بدائية قبل آلاف السنين، فإنه اليوم يستعين بها من أجل التعرف على ثقافة الآخر المختلف عنه، بوصف الموسيقى الفن الأمثل العابر لكل الحواجز العرقية والإثنية والوطنية.
كان العالم العربي محمد أبو نصر الفارابي، الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، قد رأى في الموسيقى في كتابه الشهير «كتاب الموسيقى الكبير» أنها تُحدث في «نفس الإنسان تخيلات وتصورات، مثل ما تفعل التماثيل المحسوسة بالبصر» لذلك استحدثها الإنسان تحقيقاً وإيفاءً لفطرته.
والعالم اليوم يلجأ إلى الموسيقى بوصفها العامل الإنساني الموحّد لكسر الخلافات والفروقات. وسيكون التخت الشرقي أحد أشكال الموسيقى المصورة للهوية والثقافة العربيتين، فهناك الكثير ما يجمع العرب من شمال أفريقيا حتى الخليج العربي، لكن الموسيقى كانت وستبقى أكثر ما يجمع الشعوب بعضها مع بعض.

* كاتب وصحافي عراقي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.


جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة
TT

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

أثار جهاز مبتكر لتدريب الغربان في السويد على جمع النفايات الحضرية اهتماماً واسعاً بعد انتشار مقاطع فيديو توثق أداء الطيور الذكية لمهام غير مألوفة في الشوارع والحدائق، ليُعيد النقاش حول حلول مبتكرة لمشكلات النفايات الحضرية. وفقاً لموقع «إنترناشونال بيزنس تايمز».

ابتكرت شركة ناشئة سويدية هذا النظام، الذي يكافئ الغربان بالطعام مقابل جمع النفايات، وخصوصاً أعقاب السجائر التي تشكل غالبية القمامة في الشوارع. إلا أن التحقيقات الأخيرة كشفت أن المشروع التجريبي لم يترقَ إلى مرحلة التشغيل الكامل، رغم الضجة الإعلامية التي صاحبت ظهوره على منصات التواصل الاجتماعي.

شراكة ذكية بين الطبيعة والتكنولوجيا

يعتمد الجهاز على مبدأ بسيط وفعال: تتعلم الغربان جمع قطع صغيرة من القمامة ووضعها في فتحة مخصصة، وعند التحقق من صحة العنصر بواسطة أجهزة استشعار وكاميرات متطورة، يحصل الطائر على مكافأة غذائية صغيرة. هذه العملية تخلق حلقة تعزيز إيجابية تشجع الطيور على تكرار المهمة، ما يفتح المجال أمام تعاون طبيعي بين الإنسان والطبيعة بشكل مبتكر.

ويُبرز النظام قدرة الغربان على التعلم الاجتماعي، إذ تتقن بعض الطيور العملية أولاً، بينما تتعلم الأخرى بالملاحظة، ما يسمح بانتشار المهارة بسرعة داخل القطيع. ويؤكد المصممون أن الطيور برية وتشارك طواعية، دون أي إجبار، مع سرعة تعلم ملحوظة وقدرتها على تمييز النفايات المستهدفة بدقة.

ذكاء الطيور كحل بيئي

أشار المؤيدون إلى أن الغربان تمتلك مهارات حل المشكلات التي تعادل ذكاء طفل صغير، مما يجعلها مؤهلة لأداء أدوار بيئية مفيدة. وهدف هذه المبادرة تخفيف العبء على عمال النظافة في البلديات وتقديم حل مبتكر لمشكلة القمامة المستمرة، بأسلوب يعكس احترام الطبيعة وذكاء الكائنات الحية.

تم الكشف عن المشروع في مدينة سودرتاليا قرب ستوكهولم خلال أسبوع العلوم لعام 2022، حيث قدم مؤسس شركة «Corvid Cleaning»، كريستيان غونتر هانسن، النموذج الأولي كبديل اقتصادي لمعالجة النفايات. وتقدر ميزانية تنظيف الشوارع في السويد بنحو 20 مليون كرونة سنوياً، ما يعادل 1.8 مليون دولار، مع كون أعقاب السجائر تشكل نحو 62 في المائة من إجمالي النفايات.

ورغم الطموح، أعلنت الشركة إفلاسها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد تسجيل إيرادات متواضعة وفقدان جميع موظفيها، لتتضح الحقيقة بأن استخدام الجهاز على نطاق واسع كان مبالغاً فيه، وأن الانتشار الإعلامي جاء نتيجة سوء فهم لتغطية المشروع التجريبي.

تجربة تلهم المستقبل

مع استمرار تداول مقاطع الفيديو الفيروسية في عام 2026، يبرز مشروع الغربان السويدية كرمز للإبداع وابتكار حلول مستدامة، رغم توقف الشركة. ويطرح السؤال الكبير حول إمكان تحويل هذه التجارب الصغيرة إلى مبادرات عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع، مع مراعاة صحة الطيور وحماية البيئة.

يبقى الجهاز الذكي الذي يدرّب الغربان على جمع النفايات الحضرية فكرة ملهمة، تجمع بين الذكاء الطبيعي والابتكار التكنولوجي، لتذكرنا بأن الطبيعة قد تكون أحياناً الشريك الأمثل للبشر في مواجهة التحديات الحضرية.


نصائح لوقف «التمرير اللانهائي» على مواقع التواصل

من المرجح أن يكون التمرير اللانهائي السبب الرئيسي وراء صعوبة توقفك عن التصفح (أ.ب)
من المرجح أن يكون التمرير اللانهائي السبب الرئيسي وراء صعوبة توقفك عن التصفح (أ.ب)
TT

نصائح لوقف «التمرير اللانهائي» على مواقع التواصل

من المرجح أن يكون التمرير اللانهائي السبب الرئيسي وراء صعوبة توقفك عن التصفح (أ.ب)
من المرجح أن يكون التمرير اللانهائي السبب الرئيسي وراء صعوبة توقفك عن التصفح (أ.ب)

قد يجد البعض صعوبة في التوقف عن تصفح جهاز الجوال، ويُطلق على هذه الظاهرة اسم «التمرير اللانهائي»، وهي ميزة تصميمية في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات التسوق، وكثير من التطبيقات الأخرى، حيث يتم تحميل مزيد من المحتوى باستمرار بمجرد وصولك أسفل الصفحة.

هل هي مفيدة؟ نعم. هل هي ذكية؟ نعم أيضاً. هل هي خبيثة؟ بالتأكيد.

ووفق تقرير نشر، الأربعاء، على منصة «ميديكال إكسبريس»، نقلاً عن «ذا كونفرزيشين»، من المرجح أن يكون التمرير اللانهائي هو السبب الرئيسي وراء صعوبة توقفك عن التصفح بمجرد البدء في التصفح. ولفهم سبب خبث هذه الميزة التصميمية، نحتاج إلى فهم الجوانب النفسية والسلوكية التي تستغلها.

أولاً، يُلغي «التمرير اللانهائي» نقطة التوقف الطبيعية، حيث تقرر الاكتفاء من مواقع التواصل الاجتماعي لهذا اليوم. ولعل السبب الثاني الذي يجعل التوقف عن التصفح صعباً للغاية هو الترقب الدائم لظهور محتوى جيد في صفحتك الرئيسية. فالخوارزمية «تعرف» ما يعجبك، وبالتالي تستمر في تزويدك بكل تلك المعلومات القيّمة ذات الصلة. تُسهم هذه الميزات في خلق نوع من الإدمان، إذ تُشعرنا بنشوة خفيفة عند رؤية محتوى يُعجبنا.

وتقدم شارون هوروود، المحاضرة الأولى في علم النفس بجامعة ديكين الأسترالية، لنا بعض الحلول السريعة طويلة الأمد للتخلص من إدمان التصفح.

خذ استراحة: قد يكون جهازك هو المشكلة، لكنه قد يكون جزءاً من الحل أيضاً. ابدأ باستخدام ميزات «مدة استخدام الشاشة» في جوالك. يمكنك أيضاً تثبيت تطبيق خارجي أكثر تطوراً يُجبرك على كسر نمط التصفح العشوائي. بل ويُمكنك حتى حظر هذه التطبيقات تماماً لفترات مُحددة إذا كنتَ بحاجة إلى حلٍّ جذري.

حذف هذه التطبيقات: يمكنك أن تتأقلم مع عدم وجود تطبيقات التواصل الاجتماعي في متناول يديك أسرع مما تتخيل. أنت لا تحذف حساباتك، وإنما تجعل من الصعب فقط فتحها.

خصص وقتاً معيناً للتصفح: إذا كنت لا تتخيل الحياة من دون تصفح، فخصص وقتاً يومياً لهذا النشاط فقط. يمكنك فعل ذلك خلال استراحة الغداء أو عند عودتك من العمل، امنح نفسك حرية التصفح للمدة التي تحددها (15 دقيقة مثلاً).

نصائح لتقليل مدة تصفح الجوال (أ.ف.ب)

الجهد المبذول: قد تحد النصائح السابقة من تصفحك على المدى القصير، لكن الفوائد طويلة المدى تتطلب على الأرجح جهداً أكبر. إذا أردت الحرية الحقيقية من التصفح، ففكّر ملياً في سبب تصفحك المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي. هل هو ضعف في الإرادة؟ هل تتجنب شيئاً أو شخصاً ما؟ هل تكبت مشاعر تفضل تجاهلها؟ فكّر فيما إذا كان التصفح المفرط جزءاً من مشكلة أكبر تحتاج إلى معالجتها. هل تستخدمها بفاعلية لتحقيق فائدة لك، كمنصة عمل مثلاً، أم أنك اشتركت فيها بدافع الفضول منذ سنوات ولم تتساءل يوماً عن سبب استمرارك في استخدامها؟

وتقول هوروود: إذا كان الاحتمال الثاني هو الصحيح، فراجع المنصات التي تستخدمها بنظرة نقدية، وفكّر في كيفية خدمتها لك. فكّر فيما قد تجنيه من تقليل وقت تصفح الإنترنت، وإذا كانت حياتك ستكون أسوأ من دون بعض هذه التطبيقات. إذا لم تجد سبباً مقنعاً لتدهورها، فقد يكون الوقت قد حان للتخلي عن بعضها.

وتضيف أن هذه الخيارات «الصعبة» ستتطلب وقتاً وجهداً، وستحتاج منك إلى إعادة النظر في عاداتك. ولكن، كما هي الحال في معظم الأمور، من المرجح أن تكون مكافأة الجهد أكبر، وأن تدوم لفترة أطول.