«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

عاشور الطويبي يتأمل صورهما في سيرة البشر وذاكرة المدن

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر
TT

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

«إبيجرامات ليبية»... الحرب والحكمة في ميزان الشعر

يضع الشاعر الليبي عاشور الطويبي، الحرب والحكمة في كفتي ميزان، تاركاً الشعر يحلق في فضائهما كسؤال قلق لا يبحث عن إجابة إنما عن حقيقة مراوغة. فالحكمة هي خلاصة خبرة الشاعر في الحياة وفي الشعر، أما الحرب فهي صراع الأخوة الفرقاء في ليبيا وميليشياتهم المسلحة، التي لم تستطع أن تصل إلى بر الأمان منذ الثورة على نظام معمر القذافي والإطاحة به عام 2011.
يحكم هذان المعولان أجواء ديوان «إبيجرامات ليبية وقصائد ريفية» الصادر أخيراً للشاعر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في نحو مائتي صفحة من القطع المتوسط، ويتوزع على ثلاثة عناوين رئيسية هي: إبيجرامات الحرب الليبية، وقصائد ريفية، وبيت ليدا قبالة بحر صبراتة. تشكل هذه العناوين فيما بينها متوالية لجدل الانفصال/ الاتصال، بينما تمثل الجغرافيا والطبيعة الليبية ومناخات الصبا والطفولة محور إيقاع الوصل والقطع في النصوص.
يمهد الشاعر لعالمه بمفتتح صغير بعنوان «مسعى» تطل من خلاله صورة الحقيقة المراوغة مشربة بظلال من الحكمة، في شكل يقين عبثي مبتور وهش قائلاً:
«لم أسع لقصيدة حكيمة، ولا لطرافة ساذجة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف ما وراء المنعطف.
لم أسع لفهم قلق الكائنات، أول لفض خبيئة قديمة.
كل ما حاولت فعله، هو أن أعرف كيف ينام جبل في ليل موحش.
لم أسع لرمي الحصى في البحر، ولا غرس الأماني تحت القمر
كل ما حاولت فعله، هو حياكة ثوب للصباح الجديد!»
ثم يقول في ختام المفتتح وكأنه في مواجهة حادة مع الذات: «أنا لم أسع لشيء...»، ومن ثم تبرز ثنائية المع والضد كآلية من آليات توليد المعنى والمفارقة في الديوان، ويتوسل الشاعر بفن «الإبيجراما» كغلالة شفيفة لإبراز كثافة المعنى، وطاقة الرمز على التنوع والإيحاء. فالحرب ليست في الميدان بين الشرق والغرب فحسب، وإنما في سيرة الشخوص، والأمكنة والأزمنة، وكيف تحولت إلى مسرح لها تحت قسوة الواقع وضغوط الحياة.


يقول في نص (ص 15) بعنوان «فتى أوباري»:
«لسنوات بعتُ البصل في أوباري
البصل وليد التراب والحصى
البصل حارس القمر في تقلباته
ينعس كما تنعس النخيل على حافة الوادي
الآن أنا في طرابلس في معسكر كئيب
آكل شرائح خبز بالتنَ التايلادي
البندقية في يدي لها رائحة عفنة
حُفر قبري مرتين
مرة من جهة الشرق
ومرة من جهة الغرب
ليتني بقيت بائع بصل في أوباري!»
لا يتوقف البوح في النص عند كونه مونولوغاً داخلياً، أو مجرد نجوى خاصة، إنما يشكل صك إدانة للذات والحرب معاً، وقبلهما إدانة دامغة لواقع مضطرب سياسياً، ومرثية لوطن مشتت خارجياً بين نفوذ قوى دولية ومحلية، وصراعات الأخوة الفرقاء في الداخل. هكذا يبدو المشهد في نص آخر بعنوان «فتى الهضبة الشرقية - طرابلس»، حيث تطالعنا صور خاطفة لمشاهد من طفولة الشاعر في المدينة:
«لكن لم تكبر ليبيا أبداً
منذ عقد من الزمان
بعضنا يرفع راية لقائد ميت
بعضنا يرفع راية لملك ميت
بعضنا يرفع راية من زمن سحيق ميت
وكلنا نرفع البنادق وأسماء الشهداء
لم نتوقف عن استبدال أسماء المقاهي والمطاعم والأحياء والشوارع
بأسماء إيطالية لافتة. أسماء جنرالات إيطاليين وترك
فقط لنصدق أننا في نشوتنا
حقاً قتلنا القائد الملهم، ملك الملوك».
في «قصائد ريفية»، وهو الفصل الأطول في الديوان (نحو مائة صفحة) يتسع فضاء سيرة الشاعر في عباءة العائلة، الأب والأم والأخوة والأخوات والجدات، ودكان القرية والمغني، وتنفتح حقول الدلالة على براح الصحراء والطبيعة، بينما تشكل خيوط من الخرافة والأسطورة جسراً شفيفاً ما بين الأمكنة والأزمنة، وتبدو نصوص هذا الفصل بهدوئها المشمس كأنها رحلة في ذاكرة المدن الليبية المنداحة في الشرق والغرب والجنوب، وفي الجبال والأودية، «ترهونة، صبراتة، مسلاتة، غات، وغيرها». ونلاحظ هنا أن الفعل الشعري يركز على التأمل، ومحاولة النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، كما أنه مسكون بروح الحكاية والحوار، ويكتسي بمسحة صوفية، تومض في ثنايا النصوص، وفي تاريخ هذه المدن، بتقاليدها وثقافتها وطرائق عيشها. ويكثف الطويبي من دلالات الحوار مع الآخر، بصورته الواقعية والمتخيلة التي أحياناً تصنعها الذات الشاعرة.
فنياً يعتمد الديوان بشكل أساسي على آلية السؤال في التعامل مع الآخر، والبحث عن تاريخ مشترك معه، وتلعب المصادفة دوراً مهماً في اكتشافه والتعبير عنه، والتناص معه أحياناً، بخاصة إذا كان رمزاً معروفاً أدبياً أو فنياً مثل الشاعرين حافظ الشيرازي، وشموس هيني، الذي يداعبه في ختام نص طويل يحمل اسمه (ص 74): «فكرت أن أسال شموس هيني عن تلك الورقة في جيب صديريته، ذات الحافة الزرقاء! لم أعتقد أنها قصيدة كتبها على عجل كما لم أشم عطراً فأقول إنها من إحدى معجباته. حاولتْ يدي عدة مرات أن تخطفها منه، لكنني كلما اقتربت ملأتْ ابتسامة وجهه الجميل».
هذا الحنو في مداعبة الشاعر الآيرلندي الحائز على جائزة نوبل، يرافقه حنو آخر، يتوزع على عناصر حميمية من الطبيعة والبشر، وذلك بالاعتماد على بنية المنادى المضمر في صيغة التعجب والتمني أحياناً، بخاصة في القسم الأخير من الديوان، مثل «يا لثقل البيضة على الماء»، «يا لثقل السحابة على العشب»، «يا لثقل زفرة الغريب على النار»... وغيرها. هذه الأجواء تطالعنا في نص بسيط بعنوان «نبيذ من ترهونة»، حيث يتحول السؤال الخاطف إلى أداة للمعرفة والكشف وإثارة المفارقة أيضاً:
«إلى أين تقود أغنامك؟
- إلى سفينة راسية في صبراتة
- ماذا يوجد في تلك الجرار؟
- نبيذ من ترهونة وزيت زيتون من مسلاتة
- ماذا تحمل تحت إبطك؟
- قراطيس أرسم عليها خيالات وأوهاماً
- أنا لا أعرفك!
- أنا أعرف نفسي»
بهذا الانفتاح الخصب على الطبيعة والعناصر والأشياء، تبرز سمات خاصة للمشهدية في هذا الديوان، من أبرزها أنها مشهدية سردية، لا تضع الصورة الشعرية في عين العدسة مباشرة، إنما تحافظ على مسافة بينهما، فيها يلعب الوصف مقوماً أساسياً في إبراز المشهد وإنضاجه درامياً، من زاويتي القرب والبعد؛ ثم التوثيق له ليس كنثريات حياة ماضية ومنقضية، إنما كحياة تولد من النص نفسه، وتتنفس هواءً جديداً.
تشف هذه السمات المشهدية، في نص (ص 84) بعنوان «عين الفرس»، وهي عين ماء في مدخل مدينة غدامس. يسائل النص القصيدة والشاعر؛ أيهما يلد الآخر، وكيف يكون شكل هذه الولادة في لحظة الكتابة، ثم من يقطف الثمرة أولاً من شجرة الشعر والحياة. يستعير الشاعر الماء من هذه العين كرمز للحياة، ويكثفه على مستوى الدلالة، ليصبح الحد الفاصل بين الوجود والعدم، تماماً مثلما في الكتابة التي تشبه الكهف... يقول الشاعر:
«: هل تذكر، كيف تسربت القصيدة من بين يديكَ،
مدت رأسها من سطح الماء،
وقطفت الأرضَ مثلما تقطف يدٌ خائفة ثمرة.
كنتُ جالساً يبلل الموجُ رجلي
وكان نفرٌ من الناس طوافين
بين الرمل وبين قوافل قادمة من تلك العين
هل ركضتَ وحدكَ خلف ذلك الكهف؟
لا أعلم إن كان غيري يركض معي
لكنني كنت قريباً من الشمس قبل أن تسقط في الماء
وماذا بعد؟
أنا لم أعد أكتب الشعر
أليس هذا محزناً؟!»
في الختام، لم يختر الشاعر عاشور الطويبي، هذا النص على ظهر غلاف الديوان ليكون مجرد مفتاح أو عتبة لعالمه الثري الخصب، إنما أراد أن ينتصر للشعر، ويؤكد أنه ابن الحياة، ابن الماء والهواء والشمس، وهو الباقي أمس واليوم وغداً، أما الحرب فمصيرها إلى زوال لأنها مجرد انعكاس عابر لعتمة البشر في مرآة مهشمة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».