ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

صعوبة الحل العسكري تدفع الأفرقاء للبحث عن بديل سياسي

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
TT

ليبيا: «نزاع السلطة» يبقي الباب مفتوحاً على جميع السيناريوهات

شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)
شارع النصر وجزيرة بومشماشة وسط العاصمة طرابلس بعد استكمال أعمال الصيانة والتوسعة (حكومة «الوحدة»)

يعتقد ليبيون كثر أن الأوضاع في بلادهم قبل «معركة طرابلس»، التي وقعت قبل نهاية الشهر الماضي وعُرفت بـ«السبت الأسود»، تختلف عمّا بعدها. إذ بدت الصورة كاشفة عن حالة من الغضب والرفض لدى قطاعات من المواطنين لاستخدام الشعب منذ عِقد وأكثر «كوقود في معارك السلطة»، لكنها أظهرت لهم أيضاً مدى التباين في «القوة المسلحة» والإسناد الخارجي لكل من طرفي الصراع في البلاد. فالأحداث الدامية، التي راكمت 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، في زمن قصير، يُنظر إليها على أنها أحدثت «خرقاً» -ولو مؤقتاً- في جدار الجمود المُسيطر على المشهد العام، كما دفعت القوى الدولية لوضع «الأطراف الفاعلة» في ليبيا أمام مسؤولية التوافق على حل سياسي يحمي البلاد من الانزلاق إلى مستنقع دماء دائم. هنا يتخوف الليبيون من هشاشة الأوضاع، لا سيما في العاصمة طرابلس التي تتجدد فيها الاشتباكات من آن إلى آخر، إذ بدا لهم أن الوعود الانتخابية للحكومتين المتنازعتين على السلطة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة وفتحي باشاغا، ليست إلا أحاديث مكررة تستهلك الوقت، ولم تخف تسارعهما نحو السلطة. وبالتالي، يبقى التساؤل هنا حول مدى قدرة عقيلة صالح وخالد المشري، رئيسي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» في ليبيا، بصفتهما من «الشركاء في العملية التشريعية»، على إنهاء التكلس السياسي، وتجاوز إشكاليات «المسار الدستوري»؟ وإلى متى ستظل البلاد مرتهَنة بهذه المعضلة؟ وإلى أن تحدث استجابة، يرى ساسة تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن كل «السيناريوهات» تظل مفتوحة ومحتملة، إلى حين التغلب على نقاط الخلاف الدستوري، وتحديد مواقيت حقيقية للاستحقاق المنتظر، آملين في المبعوث الأممي الجديد إلى ليبيا عبد الله باتيلي «سرعة العمل لمنع دخول بلادهم دوامة العنف الذي ليس منه عودة».

تراوح ليبيا مكانها، منذ قرابة 11 سنة، دون تقدم حقيقي على المسار السياسي، باستثناء اتساع رقعة الدماء، وتزايد منسوب الفساد في مؤسسات الدولة وفق تقارير رسمية. وأمام تردي الأوضاع في البلاد، يحلو للبعض تعليق الجرس في رقبة مجلس النواب و«المجلس الأعلى للدولة» وتحميلهما مسؤولية تعذّر التوافق على «خارطة طريق» تخدم الليبيين بعيداً عن الحسابات الشخصية والمصالح المناطقية. ويرى هؤلاء أن الرحلات المكّوكية لرئيسيهما صالح والمشري بين القاهرة وجنيف، خلال الفترة الماضية، لم تثمر حتى الآن حلولاً نهائية لنقاط الخلاف حول «المسار الدستوري» اللازم لإجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية.
لهذا دخلت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، على خط الأزمة وحثت في إحاطتها أمام مجلس الأمن أخيراً، صالح والمشري، على ضرورة التوافق سريعاً بشأن «القاعدة الدستورية». والواقع أن ديكارلو، تخوفت من التأثيرات السلبية لحالة الانسداد السياسي في ليبيا، وقالت إنه «لم يُحرَز أي تقدم باتجاه الإطار الدستوري للانتخابات، حتى الآن؛ بسبب الخلاف بين صالح والمشري، حول معايير أهلية الترشح للانتخابات الرئاسية». وانتهت ديكارلو، بدعوة الرجلين، إلى استكمال العمل الذي أنجزته «اللجنة الدستورية المشتركة» من المجلسين، وزادت: «مهم التوصل إلى اتفاق بشأن إطار دستوري وجدول زمني للانتخابات التي ستمكن الشعب الليبي من اختيار قادته».
أمام الاتهامات الموجهة إلى مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بعرقلة العملية السياسية في البلاد، تحدث عضو لجنة «المسار الدستوري» عن مجلس الدولة فتح الله السريري، عن «جهود مبذولة للوصول إلى توافق بهذا الشأن»، لكنه قال «إذا كان الليبيون لا يريدون المجلسين، فالحل في إجراء الانتخابات الحرة والشفافة ولا حل آخر». وتطرق السريري، في تصريحات تلفزيونية إلى أسباب الانسداد السياسي وعدّه ناتجاً عن «الخلاف حول نقطتين.. ولا بد من مشاركة الشعب الليبي في اتخاذ القرار حول القاعدة الدستورية»، في إشارة إلى اعتراضات معسكر غرب ليبيا على ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية للانتخابات الليبية، والتصويت بها.
أما رمضان التويجر، القانوني والباحث السياسي الليبي، فقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الوضع راهناً في ليبيا «يحمل جميع التوقعات والاحتمالات»، وأرجع ذلك لتعذر التوافق بين الأطراف الليبية، وللتنافس الدولي حول من يمكنه السيطرة على ليبيا خلال المرحلة المقبلة، وسط رفض من جميع الأطراف داخلياً وخارجياً لإجراء الانتخابات في أقرب الآجال. وأردف التويجر أن «حسم الوضع في ليبيا عسكرياً أمر بالغ الصعوبة، وعليه لا حل إلا بتوافق جميع الأطراف المحلية على إجراء الاستحقاق الرئاسي والبرلماني المنتظر»، مستدركاً: «عدا ذلك، يُهدِّد استقرار ليبيا، ويؤدي بها إلى حرب مفتوحة لن تكون لها نهاية، إلا باتضاح معالم العالم الجديد الذي يتشكل راهناً نتيجة الصراعات الدولية والحرب الروسية على أوكرانيا».

عبد الله باتيلي

تخريب جهود التهدئة
غير أن المشري، الذي زار تركيا الشهر الماضي، قال إنه سعى مع جميع الأطراف في طرابلس، خصوصاً العسكريين التابعين للدبيبة وباشاغا ووصل معهم لـ«خطوط عريضة» لمنع اندلاع أي اشتباكات بالعاصمة. وأضاف أنه أجرى زيارة «علنية تشاورية» إلى تركيا لإطلاع مسؤوليها على أن القتال في طرابلس «خط أحمر»، وباشر التواصل مع الأطراف المتنازعة في البلاد لعقد لقاء بهدف منع الصدامات المسلحة، وتابع: «لكن ثمة من حاول تخريب التهدئة».
الاقتتال بالأسلحة المتوسطة والثقيلة كان قد اندلع في طرابلس فجر 27 أغسطس (آب) الماضي، وامتد بسرعة ليطال المناطق المأهولة في طرابلس، مخلّفاً 40 قتيلاً و159 جريحاً. وعدّت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، هذه الأحداث محاولة من القوات الموالية لباشاغا لدخول العاصمة من الشرق، لكنهم مُنعوا من ذلك على يد القوات الموالية للدبيبة في زليتن (160 كلم شرقي طرابلس) وأُجبروا على التراجع عقب الاشتباكات. هذا، ولا تزال الاشتباكات تتجدد بين الميليشيات في طرابلس ومحيطها، على نحو يهدد «الجهود السياسية» المرتقبة، وفقاً لمسؤول بحكومة «الاستقرار» المدعومة من البرلمان، دافع عن حكومته في حديث إلى «الشرق الأوسط». وبرّر المسؤول عجز حكومته عن تنفيذ ما وعدت به بكونها «لم تتسلم مهامها في العاصمة».
في الواقع، لم يكن ذلك «السبت الأسود» الوحيد الذي عرفته ليبيا، إذ سبقته أحداث دامية عدة أطلق عليها هذا الوصف من قبل، لكن عقب الاشتباكات التي اندلعت مع نهاية أغسطس حدث ما يمكن تسميته باستدعاء اضطراري للمسار التفاوضي، وهو ما فسّره الدكتور عمرو الشوبكي، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، بأن «المواجهات التي خسر فيها الجميع بطرابلس قد تفتح الباب أمام عودة الحلول السياسية». وذكّر الشوبكي، في مقال له بصحيفة «المصري اليوم»، بأنه «إذا كانت الحرب على العاصمة طرابلس في عام 2019 أدت إلى تأسيس (ملتقى الحوار السياسي) في تونس وجنيف، الذي أنتج حكومة (الوحدة الوطنية) برئاسة الدبيبة، فإن المواجهات الفاشلة تلك قد تفرز مساراً سياسياً جديداً سيتمثل في التوافق على (قاعدة دستورية) تُجرى على أساسها الانتخابات الرئاسية والبرلمانية».
هذا، وعاد الدبيبة وباشاغا من مباحثات مع مسؤولين أتراك في إسطنبول أُجريت مطلع الشهر الجاري، وبينما تحدث الأخير عن «تحقيق نتائج إيجابية» من الزيارة، ذكر الدبيبة أنه حصل على «دعم تركي» بشأن الاتفاق على «خارطة طريق» للوصول بليبيا لإجراء الانتخابات قريباً. وفي أعقاب لقاءات الرجلين في تركيا، شدد سفير أميركا ومبعوثها الخاص لليبيا ريتشارد نورلاند، على «الحاجة الملحة للأطراف جميعها للعمل مع الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة الجديد لوضع خارطة طريق واضحة المعالم لإجراء انتخابات مبكرة بوصفها الحل الوحيد للاضطراب في ليبيا».

الدبيبة والمنقوش
من جهة أخرى، أمام تعطل قطار السياسة في ليبيا، وفي مواجهة سيل الملاسنات والاتهامات المتبادلة بين رئيسي الحكومتين المتناحرتين مثل «التشبث بالسلطة» أو «الانقلاب عليها»، استغل الدبيبة ترؤس وزيرة خارجيته نجلاء المنقوش أعمال الدورة العادية الـ158 لمجلس الجامعة العربية على المستوي الوزاري، وقال إنه يتطلع لأن «تبذل جهودها لحشد الدعم العربي لإنجاح الانتخابات الليبية». وللعلم، اختُتمت أعمال الدورة الأربعاء الماضي برئاسة ليبيا بعد انقطاع 9 سنوات، وشهدت انسحاب الوفد المصري من الاجتماع تحفظاً على تولي الرئاسة من ممثل حكومة «منتهية ولايتها». أما المنقوش فعقدت اجتماعات عدة مع وزراء خارجية عرب على هامش الدورة بمقر الجامعة العربية.
وبموازاة ما يجري على الأرض من تحشيد عسكري، وسعي طرفي النزاع إما لتكريس الجهود للبقاء في السلطة، كوضعية الدبيبة أو لمزيد من المحاولات لدخول طرابلس كحال حكومة باشاغا، رأى القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ريزدون زينينغا أنه «لا حل عسكرياً للانسداد الانتخابي والتنفيذي». وتابع أن «الشعب الليبي عبّر بوضوح عن تطلعه لاختيار قادته وتجديد شرعية المؤسسات الليبية عبر انتخابات ديمقراطية». وكان زينينغا، قد استقبل وفداً من مدينة مصراتة (مسقط رأس الدبيبة وباشاغا) طرح أفكاره حول الأزمة الراهنة. ونقل عن البعثة أن «الأمم المتحدة تولي الأولوية للعمل مع الأطراف الليبية جميعها لتيسير التوصل إلى اتفاق على مسار للانتخابات الوطنية في أقرب وقت ممكن».

تعويل على باتيلي
على الرغم من التباين الليبي في الآراء حيال دور البعثة الأممية، تبقى الآمال معقودة على السياسي والدبلوماسي السنغالي عبد الله باتيلي، الذي عُين مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا. فكل الأطراف المعنية بليبيا، إقليمية ودولياً، أعربت عن تطلعها للعمل مع باتيلي، لإنقاذ البلاد من الفوضى السياسية، عبر تفاوض ينتهي بإجراء انتخابات عامة. ويفترض أن يعرض باتيلي، خطته للعمل في ليبيا على مجلس الأمن الدولي وكبار المسؤولين في الأمم المتحدة خلال النصف الثاني من الشهر الجاري، بالتزامن مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكن يُتوقع أن تواجهه عقبات وعراقيل عدة، أفشلت مهمة سبعة مبعوثين سابقين.
وكان الرئيس السنغالي ماكي سال -الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي- قد هنّأ المبعوث الأممي الجديد عبر «تويتر» مغرداً: «أرحب بتعيين مواطننا عبد الله باتيلي، في منصب الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا». ولقد سعى الاتحاد الأفريقي مبكراً إلى تعيين مبعوث أممي أفريقي منذ استقالة منذ المبعوث السابق السلوفاكي يان كوبيش من مهمته في ديسمبر (كانون الأول) 2021.
ولكن حول الاستقرار أو الاتجاه للصراع المسلح، يقول التويجر: «ليبيا مؤهلة للاستقرار، لكن شرط الاتفاق بين الأطراف المحلية والدولية التي تقف من خلفها على إجراء الانتخابات، وقبول جميع الأطراف بنتائجها... ومؤهلة أيضاً لأن تكون ساحة أخرى من ساحات التنافس الدولي بحيث ينتقل إليها الصراع من جبهة أوكرانيا، وهذا يشكل خطراً على المنطقة». ولقد سبق للمشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي» القول خلال زيارته إلى مدينة الكفرة (جنوباً) إن الشعب الليبي «لن يقبل أن يرى وطنه يحترق ولا يحرك ساكناً، ولن يسمح لعبدة الكراسي أن يسلبوا إرادته ويستخفوا بوعودهم... ولن يسمح الشعب لصراعاتهم التي لا تنتهي بأن تقلب حياة المواطن إلى بؤس وفقر وآلام، لينعموا هم بحياة الرفاهية من أمواله».

محطات رئيسية في الأزمة الليبية

قبل أكثر من 3 سنوات، كانت الأوضاع في ليبيا تتجه لمزيد من الفوضى السياسية بعد فشل عديد المبادرات الدولية والمحلية في حلحلة الأزمة. يومذاك دعا المبعوث الأممي إلى ليبيا د.غسان سلامة، إلى عقد مؤتمر موسع بين 14 و16 أبريل (نيسان) 2019 بمدينة غدامس (جنوب غرب). مذاك وليبيا تراوح مكانها، لم تجنِ إلا حكومتين متناحرتين راهناً، ومزيداً من القتل والدماء، وهنا تسلسل لأهم المحطات التي شهدتها البلاد في هذه الفترة:
* 4 أبريل (نيسان) 2019، شن «الجيش الوطني الليبي» حرباً على العاصمة طرابلس، بحجة التخلص من «الجماعات الإرهابية» والتشكيلات المسلحة، استمرت قرابة 13 شهراً سقط فيها آلاف الضحايا من المدنيين والعسكريين.
> 5 يونيو (حزيران) 2020، انسحبت قوات «الجيش الوطني الليبي» إلى خارج الحدود الإدارية لطرابلس، وتمركز بالقرب من محور سرت – الجفرة، بوسط البلاد، حتى الآن.
> 20 سبتمبر (أيلول) 2020، أعلن المشير خليفة حفتر إعادة إنتاج وتصدير النفط وفق «شروط» تضمن التوزيع العادل لعوائده، بعدما ظلت أهم المنشآت النفطية الواقعة تحت سيطرة قواته مغلقة لثمانية أشهر كاملة.
> 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وقّع أعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) اتفاقاً لوقف إطلاق النار في جنيف، ووعدوا بسحب «المرتزقة» وإخراج جميع القوات الأجنبية من البلاد، وإعادة فتح طرق العبور المغلقة عبر خطوط المواجهة بين شرق ليبيا وغربها.
> 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، اتفق أعضاء «ملتقى الحوار السياسي» الليبي الذي رعته الأمم المتحدة على «خارطة طريق» لتشكيل حكومة انتقالية وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 ديسمبر (كانون الأول) 2021.
> 16 ديسمبر 2020، عقد مصرف ليبيا المركزي الذي عانى من الانقسام لفترة طويلة اجتماعاً بكامل أعضاء مجلس الإدارة لأول مرة منذ سنوات لخفض قيمة الدينار، حيث وحّدوا سعر الصرف في المنطقتين الشرقية والغربية.
> 5 فبراير (شباط) 2021، «ملتقى الحوار السياسي» الليبي يختار عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة، ومحمد المنفي رئيساً لمجلس رئاسي مؤلَّف من ثلاثة أشخاص عبر عملية تصويت، مع تفويضهم بالتحضير للانتخابات.
* 26 يوليو (تموز) 2021، مجلس النواب الليبي يعقد جلسة ثامنة لمناقشة الموازنة العامة لحكومة الدبيبة، وكان المجلس قد فشل على مدى 7 جلسات سابقة في الوصول لاتفاق لتمرير الميزانية بسبب خلافات على كثرة بنودها، وناشد الدبيبة، أعضاء المجلس أن يضعوا معاناة المواطنين أمام أعينهم.
> 21 سبتمبر 2021، مجلس النواب يسحب الثقة من حكومة الدبيبة بغالبية الأصوات (89 من أصل 113 نائباً حضروا جلسة).
> 27 أغسطس (آب) 2021، اتهم الدبيبة مجلس النواب الليبي بعرقلة عمل حكومته بشكل «مستمر ومتعمد». وقال مصعِّداً في كلمة وجهها للشعب الليبي بعد رفضه حضور جلسة مساءلة أمام المجلس، إن «البرلمان عرقل عمل الحكومة لأسباب واهية وغير صحيحة».
> 1 فبراير 2022، مجلس النواب يدفع نحو تشكيل حكومة جديدة خلفاً للدبيبة، ويبدأ في تلقي ملفات المرشحين لرئاستها.
> 10 فبراير، مجلس النواب يختار فتحي باشاغا رئيساً جديداً للحكومة، بعد تصويت جرى في طبرق بشرق ليبيا، لتبدأ من جديد الانقسامات السياسية والتنازع حول السلطة.
> 11 فبراير، الدبيبة يقول إنه لا يزال يمارس عمله وفق مُدد «خارطة الطريق» المحددة بـ18 شهراً، وأن حكومته لن تسلم السلطة إلا لجهة منتخبة.
> 17 مايو (أيار)، باشاغا يغادر طرابلس بعد ساعات من دخولها إثر اندلاع اشتباكات بين فصائل موالية لخصمه الدبيبة. وقالت حكومته إن «رئيس الحكومة باشاغا وعدداً من أعضاء الحكومة غادروا العاصمة بعد وصولهم إليها حرصاً على سلامة وأمن المواطنين وحقناً للدماء».
> 24 أغسطس، طالب باشاغا خصمه رئيس حكومة «الوحدة» بتسليم السلطة، لكن الأخير دعاه إلى «ترك الأوهام والاستعداد للانتخابات».
>27 أغسطس، اندلعت اشتباكات عنيفة في طرابلس تزامنت مع الحديث عن محاولة باشاغا دخول العاصمة للمرة الثانية. وخلّفت الاشتباكات 40 قتيلاً وعشرات الجرحى، حسب حصيلة جديدة أعلنتها وزارة الصحة في حكومة «الوحدة» المؤقتة.


مقالات ذات صلة

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

حصاد الأسبوع مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً»

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس»

حمزة مصطفى (بغداد)
حصاد الأسبوع لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي،

«الشرق الأوسط» (بغداد)
حصاد الأسبوع ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من

بولا أسطيح (بيروت)
حصاد الأسبوع تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها،

إيلي يوسف ( واشنطن)

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
TT

«إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي

مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)
مقر "المفوضية الأوروبية" في العاصمة البلجيكية بروكسل (غيتي)

تتحرّك المفوضية الأوروبية هذه الأيام في اتجاه مراجعة واسعة لعدد من قواعدها وتشريعاتها، في مسعى تعلن عنه بوصفه «تبسيطاً» و«تحديثاً» بينما يراه كثيرون «إعادة هندسة» صامتة للنموذج الأوروبي نفسه... فالقصة لا تتعلق بتفصيل قانوني معزول بل موازنة دقيقة بين المنافسة والضبط وبين حماية الحقوق وتسريع الاقتصاد وبين الوحدة التشريعية التي تريدها بروكسل والتباينات السياسية داخل الدول الأعضاء... في العمق تكشف هذه المراجعات عن سؤال أوروبي كبير هو: هل لا يزال الاتحاد قادراً على الجمع بين المعايير الصارمة والمرونة الاقتصادية في زمن يتغير بسرعة؟ أم أن الضغط العالمي من واشنطن إلى بكين يدفعه الآن إلى إعادة ترتيب أولوياته على نحو أكثر برغماتية وإن كان ذلك على حساب الصورة المثالية التي طالما عرفته بها الديمقراطيات الغربية؟

لا يمكن فهم ما تشهده بروكسل من انقلاب تشريعي دون العودة إلى سبتمبر (أيلول) 2024، حين سلّم ماريو دراغي، الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي رئيسةَ المفوضية الحالية أورسولا فون دير لاين تقريره الضخم عن «مستقبل تنافسية أوروبا».

جاء التقرير الواقع في 400 صفحة بمثابة صرخة إنذار وجودية: أوروبا تتخلّف عن الركب، والفجوة مع الولايات المتحدة والصين تتّسع بصمت، والنموذج التنظيمي الذي طالما اعتُبر مصدر قوّة يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى عبء يُعيق الابتكار. وكشف دراغي فيه أن أوروبا تخسر ما يعادل 300 مليار يورو سنوياً من مدّخرات أسرها المُوظَّفة في الخارج، وأن أسعار الكهرباء تتجاوز نظيراتها الأميركية بنسبة تراوح بين 150 و300 في المائة. وخلص إلى أن «الاتحاد» يحتاج إلى ضخ استثمارات إضافية تناهز 800 مليار يورو سنوياً للحفاظ على مكانته، واصفاً الوضع بأنه «تحدٍّ وجودي» قد يُفضي الإخفاق في مواجهته إلى «الأفول التدريجي» للقارة.

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (آ ب)

وأمام البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ الفرنسية، حذّر دراغي من أن أوروبا «فشلت في تحويل الابتكار إلى منتجات تجارية قابلة للنمو»، وأن شركاتها الرائدة تجد نفسها مضطرة إلى الانتقال نحو السوق الأميركية كي تنمو، لأن السوق الأوروبية المُجزّأة، وتعقيدات الامتثال، لا تمنحانها الحجم الكافي للمنافسة العالمية. وتبعاً لهذا التقرير استجابت المفوضية في يناير (كانون الثاني) 2025 بإعلان «بوصلة التنافسية»، وهي مخطط استراتيجي لخمس سنوات يضع تخفيف الأعباء التنظيمية في صدارة الأولويات، مع التمسك بالأهداف المناخية الكبرى، ومنها «الحياد الكربوني» بحلول 2050.

عوامل الضغط المتراكمة من الداخل والخارج

في الواقع، لا يمكن عزل هذه المراجعات عن مُناخ سياسي داخلي وخارجي بالغ الاضطراب. ففي الداخل، أسفرت انتخابات البرلمان الأوروبي في يونيو (حزيران) 2024 عن صعود ملموس للتيارات اليمينية والقومية المتطرفة التي طالما انتقدت ما وصفته بـ«التضخم التشريعي» الصادر عن بروكسل، ولا سيما «الصفقة الخضراء الأوروبية». وشكّلت موجة احتجاجات المزارعين التي اجتاحت عواصم أوروبية عدة في مطلع 2025 رافداً شعبياً مباشراً لهذا التحوّل، إذ رفع المحتجون الصوت ضد تضخّم القواعد والاشتراطات التي يرون أنها تُثقل كاهلهم.

أما على الصعيد الخارجي، فقد وضعت عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، وإعلانه رزمة رسوم جمركية واسعة طالت الصادرات الأوروبية، المفوضيةَ أمام معادلة بالغة الدقة: إذ كيف تحافظ أوروبا على تنافسيتها في مواجهة شريك يرفع الجدران الجمركية من ناحية، ومنافس صيني من ناحية أخرى يضخ دعماً حكومياً هائلاً في صناعاته، في حين تلتزم هي بمنظومة تنظيمية صارمة تُثقل كاهل شركاتها؟

تقرير دراغي يُلخّص هذه المفارقة في جملة واحدة: «أوروبا قادت سباق القواعد، بينما خسرت سباق السوق».

أورسولا فون دير لاين، رئيسة "المفوضية الأوروبية" (رويترز)

أصوات المسؤولين بين الاعتراف والوعد

لقد أطلقت رئيسة المفوضية فون دير لاين منذ اليوم الأول لولايتها الثانية خطاباً تجديدياً صريحاً، ففي «منتدى دافوس» خلال يناير 2025 أعلنت الانطلاق نحو «تبسيط جذري لقواعد التمويل المستدام، والعناية الواجبة». وفي لقائها مع الصحافة الألمانية لاحقاً أقرّت بأن «كثرة القواعد وإلزامات إعداد التقارير تُقيّد مسيرة النشاطات الاقتصادية، والتجارية، ولا سيما تلك التي تخصّ الشركات الصغيرة»، مستندةً إلى بيانات صندوق النقد الدولي التي تُشير إلى أن العوائق الداخلية في السوق لأوروبية الموحّدة تعادل في أثرها رسوماً جمركية بنسبة 45 في المائة.

وأيضاً حدّدت هدفاً كمياً واضحاً هو خفض الأعباء الإدارية بما لا يقل عن 25 في المائة على جميع الشركات، و35 في المائة على المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة، بما يُوفّر 37.5 مليار يورو سنوياً، وطالبت البرلمانَ الأوروبي والدولَ الأعضاء بإقرار الحزم التبسيطية من دون إبطاء.

هذه الدعوة وجدت صدىً في العواصم الكبرى، إذ دعمت ألمانيا وفرنسا مسار التبسيط صراحةً، ووصفت برلين الحزمة الأولى بأنها «خطوة لازمة للتوفيق بين التحوّل المستدام والقدرة التنافسية». وانضمت بولندا، التي ترأست مجلس «الاتحاد» في مطلع 2025، إلى هذا التوجه، واصفةً إياه بـ«المبادرة الضرورية لتعزيز تنافسية الاتحاد».

كذلك كان رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا قد أضفى على هذا التوجّه طابعاً سياسياً رفيعاً، حين أكد في رسالة وجّهها إلى قادة «الاتحاد» قُبيل القمة غير الرسمية في فبراير (شباط) 2026 أن «التبسيط ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة لجعل أوروبا تُنجز ما وعدت به مواطنيها»، مضيفاً أن المواطن الأوروبي «بات يقيس صدقية مؤسساته لا بعدد اللوائح التي تُصدرها، بل بالنتائج الملموسة التي تُوفرها على أرض الواقع».

وفي السياق ذاته، دعا كوستا -وهو رئيس سابق للحكومة البرتغالية- القادة الأوروبيين إلى «تسريع المفاوضات حول الحزم التبسيطية المعلّقة»، محذّراً من أن التأخر سيُضعف صدقية «الاتحاد» أمام شركائه التجاريين قبل أن يُضعفها أمام ناخبيه.

ومن العاصمة الفرنسية باريس، رفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون صوته في هذا الملف بلهجة تجمع بين الطموح الأوروبي والحرص على السيادة الاستراتيجية. إذ قال في خطاب أمام منتدىً اقتصادي في برلين إن «أوروبا لا تستطيع أن تكون القارة الوحيدة التي تطبّق قواعدها على نفسها بصرامة، بينما يُنافسها الآخرون في ظل قواعد مختلفة تماماً»، مطالباً بأن يرافق التبسيط التشريعي سياسةٌ صناعية أوروبية متماسكة تحمي القطاعات الاستراتيجية من المنافسة غير المتكافئة.

استقلالية التشريع

ومن جهة ثانية، دعا ماكرون صراحةً إلى تطوير ما وصفه بـ«استقلالية التشريع»، بمعنى أن تمتلك أوروبا القدرة على تكييف قواعدها بسرعة، استجابةً للمتغيرات الجيوسياسية، ومن دون الانتظار سنوات في مسارات تشريعية مضنية.

أما المستشار الألماني (السابق) أولاف شولتس، فقد تبنّى موقفاً أكثر مباشرةً حين صرّح إبان مناقشات «مجلس الاتحاد» بأن «الاقتصاد الأوروبي لا يحتاج إلى مزيد من القواعد، بل إلى مزيد من الحرية للابتكار، والنمو»، مستنداً إلى معاناة الصناعة الألمانية في مواجهة منافسة صينية مدعومة حكومياً، بينما تتصاعد أعباء الامتثال في الداخل. وفي السياق ذاته، حرص شولتس على الإشارة إلى أن التبسيط لا يعني التخلي عن أهداف الحياد المناخي، لكنه يعني تحرير الطاقة الإنتاجية للشركات كي تنجز هذا التحول.

في المقابل، حمل الصوت الإيطالي مقاربة مغايرة، إذ اعترضت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، في قمة القادة غير الرسمية ذاتها، على ما رأت فيه تسرّعاً في إقرار بعض الحزم من دون تقييم كافٍ لأثرها على الصناعات التقليدية، ولا سيما قطاع السيارات الذي يُمثّل ركيزة اقتصادية أساسية في عدد من دول الجنوب الأوروبي.

وأردفت ميلوني أن «التبسيط مطلوب، لكن ينبغي ألا يكون ذريعةً للتخلي عن قطاعات بأكملها في مواجهة منافسة آسيوية يدعمها المال العام»، مطالبةً بأن تتضمّن كل حزمة تبسيطية تقييماً صريحاً لانعكاساتها على التوظيف، والنسيج الصناعي في الدول الأعضاء، وكشف هذا الخلاف عن توتر حقيقي داخل الاتحاد بين من يرى التبسيط أداةَ تحرير اقتصادي، ومن يخشى أن يتحول إلى إعادة توزيع للأعباء على حساب الدول الأقل قدرةً على إدارة المرحلة الانتقالية.

ماذا تحت المراجعة؟

منذ فبراير 2025، أصدرت المفوضية الأوروبية عشر حزم تشريعية تبسيطية تحت مسمّى «أومنيبوس»، تُعدَّل بموجبها قوانين متعدّدة في آنٍ واحد عبر توفيرات إدارية مقدَّرة بـ15 مليار يورو سنوياً. وتنصبّ أبرز هذه المراجعات على أربعة محاور:

- في مجال الاستدامة المؤسسية، خُفِّض عدد الشركات الملزمة بالإفصاح البيئي، والاجتماعي من 50 ألفاً إلى نحو خمسة آلاف فقط، أي إعفاء 80 في المائة من الشركات مما يُوفّر 4.4 مليار يورو سنوياً، مع تأجيل موعد الإبلاغ بسنتين لشريحة واسعة أخرى.

- على صعيد سلاسل التوريد، ضُيِّق نطاق «العناية الواجبة» ليقتصر على الشركاء التجاريين المباشرين، بدلاً من امتداده عبر سلسلة التوريد بأكملها.

- أما الملف الأكثر إثارةً للجدل، فهو قانون الذكاء الاصطناعي، إذ اقترحت المفوضية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تأجيل اشتراطات الأنظمة عالية المخاطر -ومنها تلك المستخدمة في التوظيف، والرعاية الصحية، والقضاء- من 2026 إلى 2028 على أبعد تقدير.

ولقد صوّت البرلمان الأوروبي بغالبية الأصوات لصالح هذا التمديد، بيد أن المفاوضات الثلاثية بين البرلمان والمجلس والمفوضية لا تزال تراوح مكانها حول مسألة جوهرية هي: هل تخضع أنظمة الذكاء الاصطناعي المُدمجة في منتجات مثل الأجهزة الطبية والسيارات لقانون الذكاء الاصطناعي؟ أم تكتفي بالتشريعات القطاعية القائمة؟

وتُضاف إلى ما تقدم ذكره حزم بيئية ودفاعية وزراعية تستهدف مجتمعةً خفض أعباء الامتثال في قطاعات بالغة الأهمية.

ما يكمن وراء الخطاب التبسيطي

إذا كانت الحجج الرسمية تستند إلى ضرورة تعزيز «تنافسية» الشركات، فإن الدوافع الأعمق أكثر تعقيداً. إذ ثمة خشية حقيقية من تسرّب الشركات الأوروبية الناشئة نحو الولايات المتحدة، حيث البيئة التمويلية أيسر، والاشتراطات التنظيمية أخفّ، في حين لا تلتزم الإدارة الأميركية بمعايير مناخية مماثلة، ولا الصين بمستوى مماثل من الرقابة.

ويُضاف إلى ذلك ثقل الضغط الانتخابي الذي كشفت عنه الانتخابات الأوروبية، وضغط جماعات الأعمال الكبرى التي يُشير تحليل منظمة «كوربورت يوروب أوبسرفاتوري» إلى أنها استأثرت بـ69 في المائة من اجتماعات المفوضية عام 2025، مقابل 16 في المائة فحسب لمنظمات المجتمع المدني. وهذا ما دفع أكثر من 360 منظمة مدنية إلى إصدار بيان مشترك، محذّرةً من أن «الأومنيبوس» يُعيد تأطير الشفافية والمساءلة البيئية بوصفهما عبئاً بيروقراطياً بدلاً من اعتبارهما ركيزةً للحوكمة. وذهب باحثون إلى أن الجزء الأكبر من التوفيرات المُعلنة لا يأتي من تبسيط الإجراءات، بل من تقليص النطاق، وإعفاء الشركات من الالتزام أساساً، وثمة فارق جوهري بين التبسيط الحقيقي والتراجع المُقنَّع.

بين السيادة الأوروبية... والبرغماتية

هذه المراجعات تُظهر، حقاً، أن أوروبا لم تعُد تتصرف كما لو أنها تملك رفاهية التشريع المثالي. فهي اليوم تُدير مرحلة برغماتية هدفها حماية وحدة السوق، وتخفيف الضغط على الصناعة، ومنع الانقسام بين دولها الأعضاء، غير أن البرغماتية ليست بلا ثمن. ذلك أن الاتحاد بنى نفوذه الدولي على كونه «حارس معايير» عالمياً في البيئة، وحماية البيانات، وحقوق العمال، والذكاء الاصطناعي. وهذه السمعة رأسمال دبلوماسي واقتصادي حقيقي يتآكل في كل مرة تتراجع فيها أوروبا عن مبدأ راسخ.

في المقابل، يرى المدافعون عن التبسيط أن أي «قاعدة لا تُطبَّق ليست قاعدة»، بل إنها وهم، وأن المعيار الذي تعجز الشركات والجهات الرقابية عن الامتثال له في مواعيده يُفضي إلى فوضى قانونية لا إلى حماية فعلية. ولقد عبّرت فون دير لاين عن هذه المعادلة الصعبة حين دعت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى «التبسيط وإزالة القواعد الزائدة» جاعلةً حزم «الأومنيبوس» النموذجَ المرجعي، في حين يرى المنتقدون أن الخط الفاصل بين إزالة البيروقراطية الزائدة وتفكيك الحماية الجوهرية أرقّ مما توحي به الخطب.

مرحلة جديدة تكتب بروكسل معادلتها الصعبة

في أي حال، المراجعات الجارية في المفوضية الأوروبية ليست مجرد تحديثات تقنية، بل هي محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين القانون، والاقتصاد، والسيادة في لحظة تاريخية فارقة... لحظة تتراجع فيها العولمة الليبرالية، وتتصاعد فيها الحماية الاقتصادية، ويُعاد فيها رسم خرائط النفوذين التكنولوجي والتجاري على مستوى العالم.

وعليه، فالنتيجة الأرجح هي دخول أوروبا مرحلة جديدة أقل مثالية، وأكثر حساباً، وربما أكثر تناقضاً بين ما تريده بوصفها قارةً معيارية تُصدّر قيمها إلى العالم، وما تسمح به باعتبارها قوةً اقتصادية تسعى إلى البقاء بتنافسية في عالم يزداد صلابة.

وبين هذين القطبين المتوترَين، تنسج بروكسل يومياً معادلتها الصعبة، لأن شكل القاعدة القانونية في المركز يُحدّد في نهاية المطاف شكل الحياة اليومية في باريس، وروما، وبرلين، ومدريد، وأثينا. وحينئذٍ تتحوّل السياسة من نصٍّ تفاوضي فوقي إلى تجربة ملموسة في الأسواق، والمصانع.


علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»
TT

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

علي الزيدي... الشاب العراقي الذي أزاح جيل «الآباء» غير «المؤسّسين»

عندما اقتلعت دبابة أميركية ضخمة يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 تمثالاً ضخماً للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، كان يتوسّط «ساحة الفردوس» لم يكن علي الزيدي قد بلغ سن «الرشد السياسي» آنذاك. إلا أن ذلك الشاب تحوّل فيما بعد إلى واحد من كبار أغنياء رجال المال والأعمال في «عراق ما بعد عام 2003»، مع أن سجلّ ولادته يشير إلى أنه ولد في إحدى قرى محافظة ذي قار بجنوب العراق يوم 1/5/1985. منظر تلك الدبابة الأميركية «استفز» قائد «القيادة الوسطى الأميركية» - آنذاك - الجنرال تومي فرانكس، الذي كان يراقب المشهد من قاعدة العُديد في قطر، بعدما شاهد جندياً أميركياً يلف سارية العلم العراقي بالعلم الأميركي. وهذا تصرّف رفضه فرانكس فوراً، فأمر بإنزال العلم الأميركي وتعويضه بالعلم العراقي الذي لا يزال حتى الآن مُختلفاً عليه مع أنه لا يزال يحمل عبارة «الله أكبر» التي كتبت بخط يد صدام حسين.

كان منظر اقتلاع التمثال مدهشاً سواءً للموالين لصدام حسين، الذين شاهدوا سقوط نظامه السريع بينما لا يزال البديل مجهولاً، أو لمعارضيه.

يومذاك كان المعارضون ينقسمون إلى «معارضات» حسب الدول التي أقاموا فيها بين الشرق والغرب. أيضاً لم يكن لبعضهم أي وزن سياسي بعد ما عرف مرة بـ«السقوط» ومرة بـ«التحرير» وثالثة بـ«الاحتلال»، وهو الوصف الذي اتفق عليه لأول مرة مع اختلاف المنطلقات والأهداف مؤيدو صدام ومعارضوه.

طالب الصفوف الثانوية

بين المؤيدين والمعارضين، لم يكن الشاب علي الزيدي في عام 2003 قد أكمل الدراسة الثانوية بعد. وكذلك ما كان قد تشكل طموحه السياسي في ظل فوضى «المحاصصة»، التي سرعان ما دمغت النظام السياسي المتشكل بعد عام 2003، وذلك عن طريق طبقة سياسية لم تكن من الناحية العملية بمثابة «آباء مؤسسين» لهذا النظام. وهذا، مع أنه يجري تداول هذا المصطلح على مستوى التوارث السياسي للسلطة بين الأجيال.

وحقاً، لم تكن ثمة فرصة للأجيال الجديدة في تولي السلطة في العراق، بعدما احتكرتها طبقة الجيل الأول من السياسيين العراقيين. وكان هؤلاء قد انتظموا أول الأمر فيما عُرف بـ«مجلس الحكم»، الذي تألف من 25 قيادياً سياسياً، طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية والدينية والمذهبية بقيادة الحاكم المدني الأميركي بول بريمر.

لذلك اتجه علي الزيدي ومعه عدد كبير من «مجايليه» الشبان بعد إكمال دراساتهم الأولية والجامعية إلى عالم المال والأعمال.

الدولة «مدينة» له!

ونجح الزيدي في عالم المال والاقتصاد والتجارة أيّما نجاح؛ إذ غدا، بمساعدة عائلته، من كبار الأثرياء في البلاد، وهذا إلى الحد الذي وجد معه أن الدولة التي يحتلّ المنصب التنفيذي الأول فيها - أي منصب «رئيس مجلس الوزراء» - مدينة له شخصياً بنحو ملياري دولار أميركي.

مع ذلك، حرص الزيدي على إكمال تحصيله الدراسي، فحصل على درجة الماجستير في تخصّص المالية والمصرفية، في أعقاب إنهائه المرحلة الجامعية الأولى بحصوله على درجتي بكالوريوس في المجال ذاته، إلى جانب الإجازة في القانون. ومنذ ذلك الحين عرف علي الزيدي بخبرته المهنية التي شملت تدرّجه في عدد من المناصب الإدارية والقيادية، منها تولّيه رئاسة مجالس إدارة كلٍّ من «الشركة الوطنية القابضة»، و«جامعة الشعب»، و«معهد عشتار الطبي»، إضافة إلى «مصرف الجنوب».

الزيدي... الشاب الذي اقتحم الحلبة

لقد وقف نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبناء «الجيل الأول» من السياسيين العراقيين في حقبة ما بعد 2003، وهو ينظر إلى علي الزيدي، الذي لم يكن عام 2003 - وهي حقبة ما بعد سقوط صدام حسين ونظامه - قد بلغ سن الرشد السياسي بعد.

بيد أنه اليوم، وبحضور المالكي ومن معه من قيادات الصف الأول، يقف مكلّفاً بتشكيل حكومة عراقية هي التاسعة بعد التغيير عام 2003، بموجب مرسوم جمهوري من رئيس الجمهورية نزار آميدي.

في هذا السياق، الجميع يعرف أن إسقاط صدام حسين ما كان ليحصل لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي - مع هذا - لم يستمر «شهر عسلها» مع القوى السياسية التي سلمتها واشنطن السلطة على طبق من فضة بعد مقتل أكثر من 5000 آلاف جندي أميركي وإنفاق عدة تريليونات من الدولارات. ذلك أن هذه القوى سرعان ما قلبت ظهر المِجَنّ لواشنطن، وبدأت عملية تداول «سلمي» وغريب للسلطة... تُدار عبر انتخابات يقتصر الاعتراف بنتائجها على تقاسم الوزارات، بينما يجري توزيع باقي المناصب طبقاً للمحاصصة العرقية والطائفية.

وللعلم، طوال العقدين الماضيين من الزمن، بدت الكفة الإيرانية التي تؤيد الطبقة السياسية الشيعية التقليدية هي الأكثر أرجحية مقابل «هزيمة» للأميركيين!

بطبيعة الحال، هذه المعادلة لم ترض الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، الذي رفض ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية لنوري المالكي، الذي سبق له أن ترأس الحكومة العراقية لدورتين، بينما لم ينجح في نيل الثالثة بسبب «فيتو» المرجعية آنذاك، ثم واجه هذه المرة «فيتو» ترمب.

دور «فيتو» ترمب في ترئيس الزيدي

ترمب، فرض «الفيتو» أخيراً؛ لأنه أعرب دائماً عن ضيقه من الخسائر الأميركية التي ترتّبت على إسقاط صدام، وأيضاً غضبه من إحجام القيادات السياسية العراقية - لا سيما الشيعية منها - عن تقديم الشكر لواشنطن على ما يعدّه ترمب «عملاً كبيراً» قامت به القوات المسلحة، وكذلك المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة، لصالحها.

وبالتالي، فإنه بعد «الفيتو» على تولي المالكي رئاسة الحكومة، عجزت القوى السياسية الشيعية عن الإتيان ببديل من داخلها، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ما بات يسمى في العراق بـ«الإزاحة الجيلية»، الذي تقدَّمه هذه المرة رجل المال والأعمال علي الزيدي، الذي بات يحظى بقبول أميركي واسع النطاق، بينما تحاول إيران مُرغمة على الترحيب به.

وفي الحقيقة، الزيدي ليس فقط من خارج توليفة «الجيل الأول»، الذي يضم إلى جانب المالكي أشخاصاً كإياد علاوي، وإبراهيم الجعفري، وحيدر العبادي، وعادل عبد المهدي. بل، هو أيضاً ليس حتى من «الجيل» الذي تلاهم، ومنه مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني. إلا أنه يصطف مع الجيل الأول الذي تعامل مع مُرسي النظام السياسي الحالي؛ أي الحاكم الأميركي بول بريمر.

أكبر من إزاحة جيلية

مهما يكن من أمر، اقتحم علي الزيدي الحلبة متسلّحاً برؤية اقتصادية ومالية هي أهم ما يحتاج إليه العراق الآن، ولا سيما في أعقاب فشل ما يمكن تسميته تجاوزاً «جيل التأسيس» في بناء دولة قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والمالية والتنموية.

إذ إن العراق لم يتمكن بعد من الخروج من «عنق زجاجة» المماحكات السياسية التي أثقلته بالمديونية، وبملايين الموظفين الذين يعتمدون على مبيعات النفط فقط. مع ذلك، فإن الزيدي، الذي اقتحم الحلبة بصورة مفاجئة، لا يبدو «طارئاً» على الجسم السياسي، وبالأخص بعد كل المباركات الداخلية والإقليمية والدولية التي حصل عليها.

ولا يبدو هذا التبادل للسلطة قسرياً من الظاهر، بل كل شيء جرى أمام كاميرات التلفزيون وسط تبادل للابتسامات والنظرات، وربما الحسرات المُضمرة، التي لم تكشف عنها «فلاشات» التصوير التي تطايرت أضواؤها في تلك اللحظة عند أول انتقال سلمي للسلطة، وهي التي لم يتداولها منذ عقدين ونيف من الزمن سوى مؤسسي الآيديولوجيات الحزبية... ببُعديها السياسي القومي والديني.

كسر القواعد والسياقات

بلا شك، هناك من يرى أن ما حصل تحوّل كبير كسر كل القواعد والسياقات، بل أيضاً القوالب التي بدت صامدة وصلدة ومحمية، طوال 23 سنة من عمر هذا النظام السياسي.

وطبقاً للنتائج والمعطيات، فإن ما حصل لانتقال السلطة، وبهذه الطريقة من صراع بين كبار آيديولوجيّي ومؤدلجي هذه السلطة بزعاماتها التاريخية والجغرافية والطبقية والمناطقية، بدا مفاجئاً. لكنه جاء أيضاً سلساً إلى جيل الأبناء، وإن كان هذه المرة من خارج «النموذج» السياسي.

ليس هذا فقط. بل هناك ما هو لافت أكثر؛ فمن المعروف أن واشنطن هي التي جاءت بـ«الجيل الأول» - أو «جيل الآباء» - من الطبقة السياسية التي أخفقت في تأسيس نظام خارج «المحاصصة» وتوزيع المغانم. ولكن الرئيس ترمب، الذي لديه ملاحظات على طريقة «تحرير» العراق أيام كانت مفردة «التحرير» تحتل كل القواميس، أو «احتلال» العراق التي باتت هي المفردة الأكثر تداولاً فيما بعد، يرى أن التغيير الحالي من «جيل الآباء إلى جيل الأبناء إنما تحقق بمساعدته أيضاً».

ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أكبر من مجرد «إزاحة جيلية»، بل يثبت أن واشنطن... هي اللاعب الأساسي في تقرير من يحكم العراق. أنها، كما جاءت بـ«الجيل الأول» ها هي نفسها تأتي بـ«جيل الأبناء»، وهذه المرة خروجاً من خارج دهاليز السياسة... إلى قلب مصالح المال والأعمال.


الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
TT

الفرص والتحديات أمام رئيس الحكومة العراقية العتيد

لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)
لقاء رئيس الوزراء العراقي محمد شيع السوداني بعلي الزيدي، مرشح حزب الإطار التنسيقي الشيعي لمنصب رئيس الوزراء في 28 أبريل/نيسان 2026. (رويترز)

لم يتأخر الرد الإيراني على ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة. وللعلم، من المقرر أن ينال الزيدي، هذا الأسبوع، تأكيدات راسخة من البرلمان العراقي حيال ترؤس الحكومة العراقية التاسعة بعد عام 2003.

هذا، وفي حين أقرّت الولايات المتحدة، ومعها حليفتها بريطانيا، بعد مرور أقل من شهر على غزو العراق واحتلاله يوم 9 أبريل (نيسان) 2003، بأنهما «قوتا احتلال» وفق القانون الدولي، تغير الحال؛ إذ بعد ذلك، فرغت إيران من ترتيب أوراقها في العراق، وأحكمت سيطرتها على جميع مفاصل السلطة عن طريق قوى المعارضة - الشيعية، بالذات - التي تسلّمت السلطة. وسرعان ما بات يطلق على الوجود الأميركي في العراق مسمى «احتلال» يتطلب المقاومة لإخراجه.

في ضوء ذلك، تشكلت «قوى السلاح»، التي لا تزال ترفع شعار المقاومة رغم تغير الحكومات وخروج القوات الأميركية من العراق عام 2011، ثم عودتها إلى عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية بعد احتلال تنظيم «داعش» ثلث الأراضي العراقية.

وعلى الرغم من استمرار الجدل والخلاف بين واشنطن وطهران في شأن العراق، وانقسام القوى السياسية العراقية بين مؤيد بالكامل لإيران، وهي «قوى السلاح» وعدد كبير من القوى الشيعية، فإن الكرد والسنّة ما زالوا في مرحلة انعدام الوزن نتيجة عجزهم عن الموازنة في العلاقة بين واشنطن وطهران مرة، وبغداد مرة ثالثة، حتى اليوم.

ولكن الواضح أنه بدأت ملامح علاقة جديدة تترسم في الأفق على صعيد العلاقة بين واشنطن وطهران بعد حربي «الـ12 يوماً» عام 2025 والحرب الراهنة مع الوقف الهشّ لإطلاق النار. فللمرة الأولى تلوح في الأفق ملامح «حالة جديدة» تتشكل داخل العراق... جوهرها تراجع النفوذ الإيراني لصالح واشنطن في عهد دونالد ترمب.

ترمب (آ ب)

ويتمثل هذا من ناحية في رجحان كفة الحرب الراهنة لصالح واشنطن على أذرع طهران في المنطقة - ومنها «قوى السلاح» في العراق - التي بدأت تتلقى ضربات عنيفة، ومن ناحية ثانية في عجز القوى الشيعية القريبة من طهران من تشكيل حكومة عراقية على هواها أو هوى العاصمة الإيرانية... وبخاصة بعد «الفيتو» الذي فرضه الرئيس الأميركي على نوري المالكي لتشكيل الحكومة.

بالتالي، في حين بدا وصول شاب في الأربعينات من عمره، أي الزيدي، إلى منصب رئيس الوزراء - أهم منصب تنفيذي في العراق، وهو الذي احتكرته منذ عام 2003 وإلى اليوم القيادات الشيعية - أمراً مفاجئاً، فإن الأمور لا تزال قليلة الوضوح. فالزيدي، وفق مراقبين، في حالة من انعدام الوزن تتمثل بكون تكليفه «فرصة» له للنجاح بسبب خلفيته الاقتصادية، وبكون التكليف «تحدّياً» تؤكّده الرسائل الموجّهة إليه من الرئيس ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

طهران، كما يبدو، اختارت خوض «معركة دبلوماسية» مع واشنطن عبر بغداد برسائل «شديدة الانفجار»، بعدما كشفت الرئاسة الإيرانية عن مضمون المكالمة الهاتفية التي أجراها بزشكيان مع الزيدي بعد نحو أسبوعين على ترشيحه. وبينما سارع ترمب إلى تهنئة الزيدي بعد أيام قليلة على تكليفه، فإن بزشكيان لم يكتف بتهنئة الزيدي، بل كتب في تدوينة على منصة «إكس» عبارة «نحن المسلمين قد خضعنا سابقاً؛ خضعنا للقدير المتعال، ولا أحد غيره يستطيع أن يُخضعنا». وأضاف في حديث هاتفي مع الزيدي، «شددتُ على ضرورة نصح المسؤولين الأميركيين بسحب التهديد العسكري من منطقتنا؛ لأنه لا يمكن إخضاع أتباع المذهب الشيعي».