الدبيبة يرفض «الوصول للسلطة بالسلاح»... ويتعهد مجدداً بالانتخابات

البعثة الأممية تستبعد الحل العسكري للخروج من الأزمة السياسية

الدبيبة خلال اجتماعه بوفد حكماء وأعيان طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماعه بوفد حكماء وأعيان طرابلس (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة يرفض «الوصول للسلطة بالسلاح»... ويتعهد مجدداً بالانتخابات

الدبيبة خلال اجتماعه بوفد حكماء وأعيان طرابلس (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماعه بوفد حكماء وأعيان طرابلس (حكومة الوحدة)

قال عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الليبية المؤقتة، إن «هدفه الأساسي هو إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية»، وأكد رفضه «المطلق للمراحل الانتقالية والوصول للسلطة بواسطة السلاح والمؤامرات»، في إشارة إلى غريمه فتحي باشاغا رئيس حكومة الاستقرار المدعومة من البرلمان.
وبعدما اعتبر خلال اجتماعه مساء أول من أمس مع حكماء وأعيان طرابلس الكبرى أن الانتخابات التشريعية والرئاسية استحقاق وطني، تعهد الدبيبة بالعمل على تحقيقه رغم التحديات والصعوبات.
ودعا الدبيبة الذي «ترحم على أرواح ضحايا الاشتباكات المسلحة» التي اندلعت مؤخراً في العاصمة طرابلس، وأكد اهتمامه بالجرحى وتوفير العلاج اللازم، وتشكيل لجان لحصر الأضرار لتعويض المتضررين، وضرورة إلغاء أي معسكرات أو تمركزات أمنية داخل بلديات طرابلس، وتفعيل دور مراكز الشرطة والجهات الأمنية.
https://twitter.com/Hakomitna/status/1567160224678612993
كما أشاد الدبيبة بترؤس ليبيا الدورة الـ158 لمجلس وزراء الخارجية العرب، بعد غياب دام تسع سنوات، وقال إنه يتطلع إلى بذل نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية بحكومته، جهودها لحشد الدعم العربي لإنجاح الانتخابات، وإعطاء المرأة العربية الريادة، باعتبارها أول سيدة تتولى رئاسة المجلس.
https://twitter.com/Dabaibahamid/status/1567134874095550465
من جهتها، شكرت المنقوش زملاءها وزراء الخارجية العرب لدعمهم دور ليبيا في رئاسة الدورة العادية 158 على أرض مصر، وأشادت بما وصفته بالدعم المطلق لها من المجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة، والإصرار على أن تعتلي ليبيا منصة الرئاسة.
في المقابل، دعا حافظ قدور، وزير الخارجية بحكومة باشاغا، الجامعة العربية وأمانتها إلى «فك الارتباط نهائياً بحكومة الوحدة»، التي وصفها بـ«السابقة» كونها «منتهية الولاية ومسحوباً منها ثقة مجلس النواب، وأن يقتصر التعامل حصراً مع حكومة باشاغا باعتبارها الحكومة الشرعية».
https://twitter.com/NajlaElmangoush/status/1567463360513380353
وأشاد بموقف وزارة الخارجية المصرية «الذي أبان عن احترام للشرعية الوطنية والتزام بخيارات الأجسام المنتخبة ومناصرة لحق الليبيين في استرداد وامتلاك العملية السياسية»، ودعا «كل الدول العربية الشقيقة إلى اتخاذ موقف مماثل، تتجسد فيه روح الأخوة ووحدة المصير، وذلك من خلال احترام إرادة الليبيين وأجسامهم المنتخبة في اختيار حكومتهم الشرعية».
ودخل السفير الأميركي ريتشارد نورلاند على الخط ببيان مقتضب هنأ فيه ليبيا على توليها رئاسة الجامعة العربية، وقال إنها «تواصل لعب دور مهم في الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في ليبيا».
ولفت إلى أنه بدا من الواضح عقب الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها العاصمة طرابلس، أنّ الوضع الراهن غير قابل للاستمرار ويتعين على جميع الجهات الفاعلة الخارجية والداخلية التحرّك نحو الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت ممكن.
https://twitter.com/USEmbassyLibya/status/1567473112031051777
إلى ذلك، أعرب أعضاء مجلس النواب عن المنطقة الغربية والجبل عن قلقهم من تصريحات الغرفة المشتركة التي من شأنها أن تؤدي إلى تصعيد عسكري مسلح فـي منطقة ورشفانة، التي تبعد (30 كلم) جنوب العاصمة طرابلس، واعتبروا أن هذه الخطوة تهدد بحرب أهلية قد تتسبب برجوع المنطقة إلى مثلث الظلام مرة أخرى وتزايد حالات القتل والخطف والابتزاز كما شهدتها سابقاً.
وحمل النواب، في بيان لهم، البعثة الأممية ومجلس الأمن الدولي مسؤولية «ما سوف يحدث من مجازر»، كما حذروا الميليشيات الموالية للدبيبة من مغبـة هذا الفعل الذي لا يحمد عقباه.
واتهمت مصادر محلية محمد الحداد، رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الدبيبة، بإعطاء الأوامر باقتحام ورشفانة وسط شائعات عن احتمال استخدام الطيران المسير، مشيرة إلى أن اجتماع الغرفة المشتركة مع مشايخ ورشفانة ممثلي معمر الضاوي آمر الكتيبة 55 الموالي لباشاغا، أسفر عن أربعة شروط لحقن الدماء؛ على رأسها استقالة سامي الضاوي وزير الحكم المحلي بحكومة باشاغا.
وطبقاً لتقارير، فقد منحت قوات الدبيبة، الضاوي ومجموعاته المسلحة مهلة للاستسلام، وإخراج المجرمين والمطلوبين، وتسليم جميع التمركزات والمعسكرات بالمدينة وعدم إقحامها في أي صراع قد يشكل خطراً على طرابلس.
بدوره، اعتبر القائم بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة ريزدون زينينغا، أنه لا يوجد حل عسكري للانسداد الانتخابي والتنفيذي، لافتاً إلى أن الشعب الليبي عبّر بوضوح عن تطلعه لاختيار قادته وتجديد شرعية المؤسسات الليبية عبر انتخابات ديمقراطية.
وقال خلال اجتماعه بوفد من مصراتة إن الأمم المتحدة تعطي الأولوية للعمل مع جميع الأطراف الليبية لتيسير التوصل إلى اتفاق على مسار للانتخابات الوطنية في أقرب وقت ممكن.
https://twitter.com/UNSMILibya/status/1567255557714608130
من جانبه، زعم خالد المشري، رئيس مجلس الدولة، وجود تهديدات لم يحددها لمحاولة منع نشوب حرب جديدة في العاصمة طرابلس في إطار الصراع القائم على السلطة بين حكومتي الدبيبة وباشاغا.
لكن المشري تعهد في المقابل بالمضي قدماً لمنع القتال في طرابلس، الذي اعتبره بمثابة خط أحمر، مؤكداً «ضرورة منعه في المنطقة الغربية بأي شكل من الأشكال»، لافتاً في كلمة بثها مجلس الدولة مساء أول من أمس على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، إلى أن الحرب ستكون مدمرة نظراً لكثافة السكان ونوعية السلاح.
وقال إنه طلب من تركيا خلال زيارته الأخيرة التي تشاور فيها أيضاً مع قطر حول تفادي «الصدام المسلح»، لعب «دور الوساطة» وإجراء اتصالات مع الدبيبة وباشاغا.
من جهة أخرى، أعلن فرحات بن قدارة، رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، عن خطة مستقبلية تستهدف إيصال إنتاج ليبيا من النفط الخام إلى 2 مليون برميل يومياً، مشيراً في الاجتماع العاشر للجنة متابعة ميزانية المؤسسة، إلى أنها تعقد اجتماعاتها مع الشركات العاملة بالقطاع من أجل وضع هذه الخطة.
وطبقاً لبيان حكومي، فقد تابع الاجتماع الخطة الثلاثية للمؤسسة وفق اتفاق إعداد الميزانية الاستثنائية، بالإضافة إلى تسوية مرتبات العاملين بالقطاع من خلال صرف مرتبات الموظفين الجدد.
بموازاة ذلك، اعتبر المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الوطني، أن جميع الليبيين يشعرون بالتعب وينظرون إلى الجيش على أنه المنقذ، وقال خلال حضوره أمس المناورة العسكرية المُشتركة للواءين 106 مُجحفل وطارق بن زياد المُعزّز: «في الفترة المقبلة لا بد من العزم على التخلص من هذه الجراثيم التي ابتلينا بها»، وأضاف: «لا يمكن أن نطمئن ما دام هناك إرهاب، نحن والإرهاب لا نستطيع أن نتجاور أبداً».


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).