«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

رواية لعلي خيون حققت معادلة فنية وسردية وحياتية صعبة

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب
TT

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

«كأنها معي»... عندما تتداخل قيم الثورة مع قيم الحب

في حوارها مع المكتبي «خليل المنهل» قالت «أماني الياسين» وهي تقدم له كتابها «غنى القلوب»:
«كتابي حجرٌ جريءٌ أردت أن ألقيه في بِركة ساكنة، لكي تتحرك». (ص 11)
ومثلما أرادت بطلة الرواية أماني الياسين أن تحرك ماء البِركة الساكنة من خلال إلقاء حجرها هذا، كذلك فعل الروائي عندما ألقى هو الآخر حجراً أكبر في روايته «كأنها معي» - دار «أهوار» - ربما ليحرك سكون بحيرة الفعل الروائي. وهذا الحجر، من الناحية السردية يتمثل في زيارة أماني الياسين للمكتبي خليل المنهل، والتي كانت بمثابة الحافز «البروبي» والبنية الإطارية التي ولدت لاحقاً، كل الأحداث والتفاصيل والوقائع التي شهدتها الرواية، فهذا اللقاء كان الشرارة التي حرّكت الماء في البحيرة الساكنة وأشعلت النار في كومة القش المتيبس، حيث ظل المكتبي خليل المنهل هو السارد الرئيسي أو ذات المؤلف الثانية الممسكة بكل خيوط اللعبة السردية. وبذا يشكل اللقاء بين أماني الياسين وخليل المنهل نقطة شروع الحدث الروائي، حيث نبدأ بالتعرف إلى بطلة الرواية أماني الياسين، وهي كما يقول «ابنة بغداد الأبية، ذات اليسر والعافية». (ص 5)، وهي فضلاً عن ذلك تحمل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وصاحبة مؤلفات أكاديمية مرموقة تدرس في كلية العلوم والسياسة، التي ترأس أحد أقسامها. ونكتشف من خلال استرسال المكتبي خليل المنهل، أنها مُطلقة من التاجر المعروف طلال طوبان الشدهان، مع أنها ما زالت تحمل خاتم زواجها. ويشعر المكتبي خليل المنهل بلهفة للاطلاع على أسرار كتابها المختلف، الذي دفعته له للنشر، واختلافه عن كتبها الأكاديمية الأخرى؛ لأنه كما حدس عن تجربة شخصية مرت بها. وهكذا يخصص الروائي الفصل الثاني لمخطوطة «غنى القلوب» لأماني الياسين؛ مما يجعل الرواية ذات طبيعة ميتاسردية؛ لأنها انطوت على قصة داخل قصة، كما أن أماني قالت: إنها ترى الإنسان موقفاً، وهذا ما سعت إليه في الكتابة. (ص 16).
سنلاحظ عند القراءة، أن هذا النص في الواقع نص روائي ينتمي إلى رواية السيرة الذاتية الأنثوية، تحديداً Autobiography (الأوتوبيوغرافية)، وبذا نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع مخطوطة الدكتورة (أماني الياسين) التي شغلت الفصل الثاني بكامله، واحتلت سبعين صفحة، أي بما يعادل ثلث المتن الروائي.
تستهل أماني الياسين مخطوطتها بسرد ذاتي (أوتوبيوغرافي) مبأر عبر توظيف ضمير المتكلم (أنا):
«أنفقت عمري في توفير قناعات صعبة لنفسي، كي تستمر الحياة على أصولها». (ص 15).
وتكشف أماني الياسين في مخطوطتها عن تجربتها الحياتية، وبشكل خاص العاطفية منها، والتي تعرفت فيها إلى شخصية «خالد الغانم» الذي كان يجلس يومياً على مقعد في حديقة عامة تطل على شباكها، ليقتنص لحظة مشاهدتها:
«واجهتني تلك الأفكار الصعبة مبكراً عندما لاحظت تعلق ذلك الشاب الشديد بي، فقد كان يتبعني كل يوم من المدرسة إلى البيت، ثم يجلس ويقرأ، وهو ينتظر إطلالتي من الشباك العلوي». (ص 18).
وعلى الرغم من كل المعوقات التي تقف بين أماني وهذا الشاب العاشق فقد نما الحب، متحدياً المعوقات الاجتماعية والطبقية، فهي تنتمي إلى أسرة غنية، بينما هو ينتمي إلى أسرة فقيرة أو تحت خط الفقر، وقد اعترفت أماني بأن أباها «رفض ذلك بسبب التفاوت الطبقي». (ص 66).
إلا أن قصة حب رومانسي جارف راحت تشدهما حتى نهاية الرواية. ويدخل العاشق خالد الغانم على خط السرد من خلال سلسلة من الرسائل المتبادلة بينهما، تقوم بنقلها الخادمة حليمة، ويعلن خالد الغانم، أنه إنما يفعل هنا ما سبق وأن فعله الشاب «فيرتر» بطل الكاتب الألماني غوته في روايته «آلام فيرتر»، عندما خلّد قصة حبه لحبيبته شارلوت من خلال سلسلة من الرسائل الموجهة إلى حبيبته.
ويبدو أن هذه الفوارق الاجتماعية والطبقية بين أماني وخالد كانت حافزاً كبيراً لهما للتفوق وتأكيد الذات. إذْ اجتهد خالد حتى حصل على الدكتوراه، وبدورها استطاعت أماني أن تستثمر نفيها إلى بيروت لتكون تحت رقابة أبيها وزوجته اللبنانية، فأكملت دراستها العليا، وحصلت على الدكتوراه في القانون. وشاءت المصادفات أن يلتقي الحبيبان في معرض القاهرة للكتاب، وهو يوقّع كتابه الجديد «كأنها معي»، في إشارة تناص واضحة لعنوان الرواية، لطابور من القراء حوله. وقد علقت إحدى القارئات على الكتاب، وكأنها تلخص قصة الحب العذري هذا بين الحبيبين:
«إنها رسائل حب كُتبت لحبيبة بعيدة، لم تطلع عليها، إنها فكرة جديدة في منتهى الرومانسية، والمؤلف يقول: إنها قصة حقيقية، وقعت له». (ص 64).
وتبلغ عملية تحدي الحبيبين للمعوقات، باشتراكهما في انتفاضة تشرين؛ إذْ تُشاهد أماني الياسين في شاشات التلفزيون، وهي تتصدر المظاهرات الجماهيرية الغاضبة في ساحة التحرير، كما ينضم خالد الغانم إلى المتظاهرين، حيث نجده يتحدث لقرائه عن كتابه «كأنها معي» في إشارة واضحة تناصية أخرى لعنوان الرواية،:
«انظر، إنه خالد مرزوق الغانم، يشارك في التجمع الشعبي، ويتحدث لقرائه عن كتابه (كأنها معي) الذي يضم رسائل أدبية ذات طابع فلسفي لحبيبته أماني». (ص 229).
وبهذه اللمسة الوطنية الثورية تنتهي الرواية، حيث يتحول الحب الصادق إلى نسغ يروي عروق الثورة والانتفاضة التشرينية، وتندمج قيم الثورة مع قيم الحب في وحدة موضوعية وإنسانية خالدة؛ مما يجعل الرواية تحلق بجناحين هما جناح الحب، وجناح الثورة. أن هذه النهاية المفتوحة دعوة مفتوحة للتأويل والتأمل والمساءلة في قيم الحياة والحب والثورة والجمال معاً.
ومثلما حرك المؤلف بحيرته السردية الساكنة بهذا الحجر الكبير نراه لا يظل حبيس حبكة واحدة، هي حبكة الحب العذري بين الحبيبين، وأسير مكان واحد فقط هو بغداد. بل يتحرك داخل العراق وخارجه، فنرى أماني في بيروت كما نرى خالد في القاهرة، وبذا يتسع الفضاء المكاني والزماني للرواية، كما تنزل الرواية إلى الأعماق السفلى للمجتمع من خلال زيارة أماني إلى المنطقة الشعبية الفقيرة التي كان يقيم فيها خالد الغانم وأسرته، وكذلك من خلال شراء المكتبي خليل المنهل مكتبة أماني الياسين ونقلها إلى مخزن قريب من شارع المتنبي، لكنه يكتشف، بعد فترة قصيرة أن هذه الكتب قد سُرقت من المكتبة، ووجد بدلاً منها عائلة فقيرة قد استقرت في المخزن. وقد اكتشف خليل المنهل أن سارق الكتب شخص معروف بـ«المسلول»، وأن هذه العائلة الفقيرة التي تضم الأب راضي الراضي وزوجته رضية وأطفالهما، هي التي سكنت في هذا المخزن الخاوي، مضطرة، ونجد المكتبي خليل وهو يتساءل عن مصير كتبه:
«اسمع أخي، ببساط متناهية، أنا خليل فرحان المنهل، بائع في شارع المتنبي. هذا المخزن وضعت فيه آخر مكتبة اشتريتها من عائلة أستاذة جامعية... وأنا أسألك أين الكتب؟» (ص 109).
ويقودنا هذا اللقاء بين المكتبي خليل المنهل والرجل الذي احتل مخزنه، والذي يحمل اسم راضي الراضي إلى عالم الفقراء، والمشردين، الذين يجدون أنفسهم فجأة بلا مأوى، بعد أن طُردوا من بيوتهم التي هدمت لكي يُشيّد بدلاً عنها (مول) كبير، فاضطروا إلى البحث عن مأوى بديل من خلال قيامهم بالتجاوز على ممتلكات الآخرين.
ونكتشف أن هذا العالم مليء بالصدق والأمانة والبراءة، وأن خالد الغانم كان يعطف على راضي الراضي، بل ودعاه إلى الذهاب إلى ساحة التحرير للمشاركة في انتفاضة تشرين والمطالبة بحقوقه الضائعة:
«أيعرف خالد الغانم أنكم هنا؟
- أرسل لنا من يخبرنا بضرورة الخروج للمطالبة بحقوقنا في ساحة التحرير». (ص 112).
كما ناول راضي الراضي المكتبي خليل المنهل ورقة بخط أمينة الياسين كان قد عثر عليها في أحد كتبها:
«أحب الفقراء بسبب خالد الغانم. كان فقير الحال، غني النفس، ثري الروح، مثقفاً، وراهنت على أن الفقراء كلهم، في جوهرهم مثل خالد». (ص 113).
وهكذا فقد خرجت الرواية من حبكة الحب الرومانسي إلى عالم المسحوقين، وقيمهم التي لا تختلف عن قيم عالم الأثرياء وأبناء الطبقات الغنية. وبذا؛ فقد منح هذا التناول بعداً اجتماعياً وإنسانياً أرضياً، وربما وطنياً عندما التحمت هموم جميع المواطنين والوطنيين في الحرص على حرية الوطن وسعادته تحت راية انتفاضة تشرين في ساحة التحرير، وفي كل ساحات العراق المنتفضة تحت شعار «أريد وطن».
لقد اشتغل الروائي بذكاء ومهارة في نسج خيوط تجربته الروائية من خلال تعالق الخطابات واللغات والحبكات المختلفة لتشكل في النهاية تجربة إنسانية شفافة ورقيقة، مظهرها الخارجي الحب الرومانسي الجارف الذي ربط بين حبيبين فرقت بينهما الفوارق الاجتماعية والطبقية، لكن جوهرها الحقيقي، هذا اللقاء الإنساني العظيم بين الحب والوطن وقضية الحرية، فأصبحت الرواية نشيدا للحب ونشيدا للوطن في آن واحد، وبذا فقد حلقت الرواية بجناحين، جناح الحب الرومانسي العذري، وجناح الواقع الاجتماعي المطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية والحرية والمتمثل بانتفاضة تشرين الجماهيرية، فحققت معادلة فنية وسردية وحياتية صعبة، جعلت منها رواية تضج بالحياة والأمل والحب والجمال.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.