أوغست كونت... عاشق على حافة الجنون

نشر رسائل كارولين ماسان إلى الفيلسوف الفرنسي بعد 150 سنة على وفاتها

أوغست كونت  -   كارولين ماسان
أوغست كونت - كارولين ماسان
TT

أوغست كونت... عاشق على حافة الجنون

أوغست كونت  -   كارولين ماسان
أوغست كونت - كارولين ماسان

لم يخطر على بالي إطلاقاً أن حياة الفيلسوف أوغست كونت كانت هائجة مائجة إلى مثل هذا الحد. فهي تشبه حياة الشعراء المنحوسين، من أمثال بودلير أو رامبو أو فيرلين، أكثر مما تشبه حياة الفلاسفة الرزينين الرصينين من أمثال ديكارت أو كانط أو هيغل. نقول ذلك، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمؤسس الفلسفة الوضعية في فرنسا، أي الفلسفة العقلانية المحضة التي اشتهرت بالدقة العلمية والصرامة الفكرية. إنها أبعد ما تكون عن التحليق في سماوات المثالية الوردية، أو الخيالات المجنَّحة والشطحات الشاعرية أو الصوفية. إنها فلسفة العصر الصناعي والتكنولوجي الذي كان في طور انبثاقه أيام أوغست كونت، إبان القرن التاسع عشر.
وترجع أهمية هذا الفيلسوف بالضبط إلى أنه عرف كيف يستبق هذا العصر الجديد، وينظِّر له حتى قبل أن يولد. هذا على المستوى العام. أما على المستوى الشخصي فقد كانت حياته مناقضة تماماً لفلسفته. لم تكن حياته عقلانية، علمية، محسوبة بدقة على غرار فلسفته، وإنما كانت متقلبة، مليئة بالخضَّات والهزات السيكولوجية المرعبة. كل شيء يحصل كما لو أن فلسفته كانت تعويضاً عن حياته. بمعنى آخر: لقد خسر الحياة وربح الفلسفة. من الصعب أن تربح على كلتا الجبهتين، وعبثاً تحاول. ينبغي أن تضحِّي بإحداهن من أجل الأخرى. وقد كان المبدعون من العباقرة يضحون عادة بكل شيء من أجل النجاح في تأدية رسالتهم. كانوا يعرفون أنه ينبغي عليهم أن يضحوا بحياتهم الشخصية من أجل شيء آخر يعلو عليهم ويتجاوزهم كلياً. العبقري «يحبل» بشيء واحد فقط، هو رسالته أو عبقريته. وما عدا ذلك فتفاصيل ثانوية لا يعتدُّ بها.
ولكن ليس من المؤكد أن العبقري يستطيع التوصل إلى هذه الحقيقة منذ البداية، وإنما بعد المرور بتجارب رهيبة وخطرة أحياناً، تجارب يدفع ثمنها غالياً وقد تودي به. فكثيراً ما يضيع وقته من أجل التفاصيل الثانوية، قبل أن يكتشف في لحظة ما أنه ضل الطريق، وأنه قد خُلق لشيء آخر غير الحب أو الزواج أو النجاح في الحياة أو الوصول إلى المناصب أو تجميع الثروات والأموال... في لحظة ما يشعر العبقري بأنه مدعو لتحقيق شيء واحد فقط: أن يشطب على حياته الشخصية إذا لزم الأمر. بمعنى آخر: عليه أن يفشل لكي ينجح!
لو أن همنغواي نجح في حبه الأول مع الممرضة الرائعة أنييس فون كوروفسكي، هل كان سيكتب «الشمس تشرق أيضاً»، أو «وداعاً أيها السلاح»؟ الأغلب لا. كان ينبغي أن يفشل في أول وأعظم حب في حياته، أن ينكسر شيءٌ ما في داخله، ألا يلتئم جرحه إلا بعد سنوات طويلة؛ هذا إذا التأم، لكي يستطيع أن يكتب ما كتب، ويبدع ما أبدع. وهل كان غيُّوم أبولينير سيكتب إحدى أجمل قصائد الشعر الفرنسي:
«تحت جسر ميرابو
يجري نهر السين
وحبُّنا...».
لولا أن حبيبته ماري لورانسان هجرته فجأة وتخلت عنه؟
لكن لنعد إلى أوغست كونت. فهذا الرجل الذي سيطرت فلسفته الوضعية العقلانية على فرنسا وعموم أوروبا طيلة القرن التاسع عشر، وحتى منتصف هذا القرن، لم يكن عقلانياً على الإطلاق! صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار. علاوة على ذلك فقد عانى الأمرَّين في حياته الزوجية. والواقع أن قصة زواجه غريبة الشكل والمضمون. فقد تزوج من «مومس» محترفة معروفة من قبل الأوساط الباريسية كلها. والدليل على ذلك أنه هو شخصياً كان أحد زبائنها قبل بضعة أشهر فقط! ولم يكن يعرف أنه سيقع عليها يوماً ما في أحد المكاتب المحترمة، وأنه سيسقط في حبها غصباً عنه. هنا يكمن الخطأ الكبير للبروفسور أوغست كونت. فقد أحبها وأشفق عليها، وأراد أن ينقذها من مواصلة هذه «الصناعة» الرديئة: أقدم مهنة في العالم. وهكذا نقلها مباشرة من الرصيف إلى مكتب عمدة البلدية لكي يتزوجها، ويوقع اسمه إلى جانب اسمها! من يصدق ذلك؟ هنا تكمن عظمته ونزعته الإنسانية الحقيقية. ولكن المشكلة هي أن السيدة كارولين لم تستطع أن تتخلى عن عادتها، ولم «تعقل» بعد الزواج كما كان يتوقع أستاذنا الكبير. باختصار شديد: «عادت حليمة إلى عادتها القديمة».
فكلما نقصها فستان جميل أو قبعة زرقاء نزلت إلى الرصيف، وحلَّت المشكلة في أقل من عشر دقائق! وأحس أوغست كونت بالخطر، وخاف من «الشرشحة» والفضيحة. وراح يبكي ويتوسل ويتهدد ويتوعد، لكي تكفّ كارولين عن فعلتها تلك. وهكذا يتصالحان لمدة يومين أو ثلاثة، قبل أن تعود إلى سابق عهدها. بل وكانت تختفي أحياناً أسبوعاً أو أسبوعين متتاليين، ثم تتصل به لكي تعرض عليه إذا كان يقبل باستضافة تاجر غني في البيت... وهكذا يتشكل الزواج من ثلاثة أشخاص بدلاً من شخصين فقط! كان من المتوقع في مثل هذه الحالة أن يتراجع الفيلسوف عن حلمه بإعادتها إلى جادة الصواب، ويطالب بالطلاق فوراً. ولكنه على العكس، راح يتعلق بها أكثر فأكثر. كان يركض في شوارع باريس كالمجنون باحثاً عنها في كل مكان، سائلاً المارة، كلما اختفت. فالحب أعمى، الحب لا يرحم. وقد وصل الأمر بأحد المفجوعين إلى حد القول: أرجوكم مارسوا كل الموبقات، ارتكبوا كل المحرمات، تاجروا حتى بالمخدرات، ولكن إياكم ثم إياكم أن تعشقوا!
كان فيلسوفنا يطرق على كل الأبواب سائلاً عنها، وهو في حالة يرثى لها من الهلع والولع. ثم يعود إلى بيته خاسئاً حسيراً، ويمضي الليل كله في تدبيج الرسائل غير المفهومة إلى أصدقائه ومعارفه، راجياً منهم مساعدته في البحث عن كارولين. أين هي كارولين؟ رجاءً ابحثوا لي عن كارولين، إلخ. وفجأة تظهر كارولين في صبيحة أحد الأيام أمام البيت، وكأن شيئا لم يكن!
ولكن بعد أن تكررت هذه القصص مرات عديدة، راح الفيلسوف يفقد أعصابه شيئاً فشيئاً. حقاً لقد سحقته كارولين وأذلَّته أمام الناس. وراح يهذي ويتخيل أنه يشبه عيسى ابن مريم، وأنه يستطيع أن يمشي على الماء دون أن يغرق. واصطحب مرة كارولين معه في إحدى النزهات، ودخل البحيرة وغطس فيها ودعاها إلى أن تتبعه. ولكنها فضلت أن تنادي الشرطة لكي ينقذوه. فهذا أفضل حل. وهذا ما كان. وانقطعت دروس البروفسور كونت بعد أن وصلت به الأمور إلى هذا الحد من «الشرشحة» والتدهور وفقدان التوازن. نقول ذلك على الرغم من أن «دروسه في الفلسفة الوضعية» كانت تستقطب شخصيات كبيرة، من أمثال الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل، أو الأب لامنيس، أحد كبار رجالات الكنيسة الفرنسية في عصره، أو الفيلسوف والعالم اللغوي إميل ليتري، صاحب القاموس الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، إلخ.
وانتشرت الإشاعة الرهيبة: لقد أصيب الفيلسوف الكبير بلوثة في عقله! فأحالوه إلى المصحات العقلية، وأشرف عليه أحد كبار الأطباء النفسانيين في القرن التاسع عشر: إيسكيرول. ونصحه بالاستحمام بالماء البارد عدة مرات في اليوم، بدلاً من الغطس في مياه البحيرة! ولكن عوضاً عن أن ينسى كارولين ومغامراتها التي لا تنتهي، راح زعيم الفلسفة الوضعية –أي العلمية والمادية الإلحادية- يطالب بالزواج منها شرعاً أمام الكنيسة الكاثوليكية! وجن جنون تلامذته وأتباعه: كيف يمكن لزعيمهم أن يتراجع عن مبادئه إلى مثل هذا الحد؟ كيف يمكن أن يخون قضية الإلحاد التي لا تعترف بالأوهام الميتافيزيقية الماورائية؟ ومعلوم أن الملاحدة يعتبرون الأديان كلها عبارة عن مجرد خيالات وأوهام ليس إلا. كيف يمكن أن يستسلم للكنيسة الرجعية ورجال الدين؟ لقد انتصرت كارولين بجسدها الفتان وعينيها اللتين تذبحان ذبحاً على أحدث النظريات الفلسفية! وتدخل الأب الليبرالي الشهير لامنيس لكي تقبل الكنيسة بهذا الزواج العسير على الهضم. فأرسل مطران باريس أحد كهنته لكي يباركه غصباً عنه. وعندما وصل الفيلسوف إلى الكنيسة ومثل أمام الكاهن مع كارولين، طلبوا منه التوقيع على سجل الزيجات، فوقع باسم «بروتوس-بونابرت»! وأطلق ضحكة مجلجلة مخيفة، أشعرت الكاهن المسكين بالهلع الشديد... باختصار شديد: لقد جن الفيلسوف!
ولكن هل أصبحت كارولين «عاقلة» بعد هذا الزواج الكنسي المهيب والمحترم إلى أقصى الحدود؟ في الواقع أنها أوهمته بذلك لفترة من الزمن. فقد لانت كثيراً وراحت تراعي الأستاذ الهش نفسياً (أو المريض) وتهتم به حتى استعاد توازنه أو كاد. وما إن شعرت بأنه قد هدأ قليلاً حتى راح شيطان المغامرة يعربد في جسدها من جديد. فاختفت فجأة في إحدى «الغزوات» الليلية المحمومة. وعندئذ فضل الفيلسوف هذه المرة الانتحار في ماء النهر على ماء البحيرة. فذهب إلى أقرب جسر على نهر السين ورمى بنفسه فيه. وهو الجسر القريب من معهد العالم العربي حالياً. ولكن يبدو أن الموت لا يريده هذه المرة أيضاً. فقد شاءت الصدفة أن يمر في تلك اللحظة بالضبط أحد ضباط الحرس الجمهوري فغطس عليه وانتشله، واقتاده إلى مقر البوليس، وبعد أن جفّفوا ثيابه وهدَّأوا من روعه اعترف بأنه مذنب، وأنه انصاع لحالة من الضعف المعنوي والنفسي.
وشعر أوغست كونت عندئذ لأول مرة بحقيقته. وأدرك مدى هشاشته أو هشاشة الوجود ذاته. وعرف أن أعماله العلمية أو رسالته الفلسفية بالأحرى هي المبرر الوحيد لوجوده على هذه الأرض. وأدرك أنها هي وحدها القادرة على إنقاذه من حمأة الجنون. وبالتالي فما عليه إلا أن «يشطب» كلياً على كارولين، ويكرس نفسه لتلك المهمة التي خُلق لأجلها في الحياة. وهذا ما كان. فبعد ذلك اليوم لم يسمعه أحد يتحدث عن كارولين أو يذكر اسمها مجرد ذكر. لقد تجاوز الفيلسوف محنته أخيراً، واستطاع أن يبدع ما أبدعه، ويخلد اسمه على صفحة التاريخ.
بقيت كلمة أخيرة عن الست كارولين قبل أن نختتم هذا المقال. يقال بأنها تابت توبة نصوحاً في نهاية المطاف؛ بل وأصبحت تحضر دروس الفيلسوف مع بعض الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وكانت تجلس في الصفوف الخلفية وتصغي بكل خشوع لأكبر فيلسوف فرنسي في القرن التاسع عشر، والذي كان زوجها حتى أمد قريب. ولكن للأسف رفض مصالحتها رفضاً باتاً، وأهانها أمام الجميع إلى درجة أن تلميذه إميل ليتري انزعج من موقفه، وترجاه أن يقبل اعتذارها. ولكنه كان قد طوى الصفحة نهائياً بعد أن عذبته كثيراً، ولم تعرف من هو إلا بعد فوات الأوان. يضاف إلى ذلك أنه كان قد وقع في حب عذري صوفي لآنسة جديدة تدعى كلوتيلد دو فو. وهذا الحب الأفلاطوني طهر روحه وصفاها، وجعله يتجاوز كلياً الحب الحسي أو الجسدي.
وقد نشرت مؤخراً في باريس رسائل كارولين له بعد مائة وخمسين سنة على وفاتها! كنا نعرف رسائله الملتهبة إليها منذ زمن طويل، ولكن لم يكن أحد قد اطلع حتى الآن على رسائلها هي. وبعد أن نقرأها نكتشف أنها كانت إنسانة حساسة وتستحق الاحترام أكثر مما نتصور. حقاً لقد شوهت الإشاعات سمعة كارولين ماسان أكثر مما ينبغي. صحيح أنها لم تكن ملاكاً، ولكن من يعرف ظروفها أو من يقدر تلك الظروف؟


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دراسة جديدة تعزز فاعلية الليزك في تصحيح الإبصار

قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
TT

دراسة جديدة تعزز فاعلية الليزك في تصحيح الإبصار

قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)
قصر النظر أحد اضطرابات الرؤية الشائعة (جامعة هدرسفيلد)

توصلت مراجعة علمية دولية إلى أن جراحة الليزك قد تتفوق على العدسات اللاصقة من حيث رضا المرضى، وانخفاض معدلات المضاعفات لدى المصابين بقصر النظر، في حين لا تزال الأدلة غير حاسمة بشأن أي من الطريقتين تحقق تحسناً أكبر في جودة الحياة.

وأوضح باحثون، بقيادة جامعة فلسطين التقنية، أن الدراسة تقدم مقارنة مباشرة بين خيارين شائعين لتصحيح قصر النظر، ونُشرت نتائجها، الجمعة، في دورية «Eye & ENT Research». ويمكن تصحيح قصر النظر بوسائل مختلفة، أبرزها النظارات الطبية والعدسات اللاصقة، التي تساعد على إعادة توجيه الضوء بحيث يتركز على الشبكية. كما يمكن لبعض الإجراءات الجراحية، مثل الليزك، إعادة تشكيل القرنية لتصحيح قصر النظر، وتحسين وضوح الرؤية، بما قد يقلل الحاجة إلى ارتداء النظارات، أو استخدام العدسات اللاصقة.

وشملت المراجعة نتائج 4 دراسات ضمت 2141 مشاركاً، بينهم 1275 استخدموا الليزك، و866 استخدموا العدسات اللاصقة. وكان تحسُّن جودة الحياة النتيجة الرئيسية التي ركزت عليها المراجعة، إلى جانب رضا المرضى ومشكلات جفاف العين. وأظهرت النتائج أن الليزك حقق تحسناً متوسطاً في جودة الحياة، إلا أن النتائج اختلفت بين الدراسات، ويرجع جزء من هذا التباين إلى استخدام أدوات مختلفة لقياس جودة الحياة. وعند استبعاد إحدى الدراسات التي اقتصرت على النساء، أصبحت النتائج أكثر اتساقاً، وأظهرت أفضلية الليزك.

وكان الفارق أكثر وضوحاً في مستوى رضا المرضى؛ إذ بلغت نسبة الرضا 88 في المائة بين الخاضعين لليزك، مقارنة بـ54 في المائة بين مستخدمي العدسات اللاصقة، كما أظهرت النتائج أن 97 في المائة من الأشخاص الذين كانوا يستخدمون العدسات اللاصقة، ثم خضعوا لليزك فضلوا الجراحة بعد التحول إليها؛ ما يعكس ارتفاع مستوى تقبل المرضى لليزك مقارنة بالعدسات اللاصقة.

ومن ناحية أخرى، سجلت مجموعة الليزك معدلات أقل من المضاعفات، تراوحت بين 6.7 و9.5 في المائة، مقارنة بنحو 19.9 في المائة لدى مستخدمي العدسات اللاصقة. لكن الليزك ارتبط بارتفاع ملحوظ في معدلات جفاف العين الحاد خلال الفترة الأولى بعد الجراحة، إذ تراوحت النسبة بين 50 و58 في المائة. وفي المقابل، كان جفاف العين المزمن أكثر شيوعاً لدى مستخدمي العدسات اللاصقة، وصل إلى نحو 71 في المائة.

وبوجه عام، تشير نتائج المراجعة إلى تفوق الليزك على العدسات اللاصقة من حيث رضا المرضى، وانخفاض معدلات المضاعفات، كما أن الغالبية العظمى من مستخدمي العدسات الذين تحولوا إلى الليزك فضّلوا الجراحة. ومع ذلك، شدد الباحثون على أنه لا يمكن اعتبار الليزك الخيار الأفضل لجميع المرضى، خصوصاً أن نتائج جودة الحياة لم تكن متسقة بدرجة كافية بين الدراسات. وأكد الفريق أن اختيار وسيلة تصحيح قصر النظر ينبغي أن يستند إلى تقييم طبي شامل للعين، مع إيلاء اهتمام خاص لحالة سطح العين، ووجود أعراض جفاف العين أو أي مشكلات أخرى.

تجدر الإشارة إلى أنّ قصر النظر يعد أحد اضطرابات الرؤية الشائعة، إذ يجعل الأجسام البعيدة تبدو غير واضحة أو ضبابية، بينما تكون رؤية الأجسام القريبة أوضح نسبياً. ويحدث غالباً عندما تكون العين أطول من المعتاد، أو عندما تكون القرنية شديدة الانحناء؛ ما يؤدي إلى تركّز أشعة الضوء أمام الشبكية بدلاً من تركّزها عليها مباشرة.


مكاديميا أستراليا البرية... جينات نادرة لمواجهة المناخ والأمراض

المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
TT

مكاديميا أستراليا البرية... جينات نادرة لمواجهة المناخ والأمراض

المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)
المكاديميا... نبات أسترالي محلي تحوَّل إلى غذاء تجاري عالمي (شاترستوك)

رغم زراعتها بأعداد هائلة لأغراض تجارية، تظل المكاديميا محصولاً هشاً ومعرضاً للخطر. وتسعى مجموعة من الباحثين الأستراليين المهتمين بالمكسرات البرية إلى تغيير ذلك، وفق «الغارديان» البريطانية.

وكرَّس إيان مكوناشي، أحد رواد صناعة المكاديميا في أستراليا، جانباً كبيراً من حياته لهذه المكسرات. وفي طفولته بمدينة بريزبن خلال أربعينات القرن الماضي، كان يتسلق الأسوار ليسرقها من حدائق منازل الجيران، ثم يكسر قشرتها الصلبة بمطرقة.

واليوم، وقد بلغ التسعين، تشمل إنجازاته تطوير شجرة حققت عوائد بلغت مليوني دولار لصالح «صندوق الحفاظ على المكاديميا»، الذي يسعى إلى حماية هذا النبات النامي في الغابات المطيرة.

وتُقدَّر قيمة صناعة المكاديميا عالمياً بملياري دولار؛ إذ تُزرع بكميات صناعية في المناطق شبه المدارية بهاواي والأميركتين وأفريقيا وآسيا. وقال مكوناشي: «إنها أجود مكسرات العالم، ورمز أسترالي، ونباتنا المحلي الوحيد الذي تحول إلى غذاء تجاري».

درس مكوناشي الكيمياء الصناعية وإدارة الأعمال، ثم أمضى 35 عاماً في شركات تعمل في صناعة المكاديميا وتطوير بساتينها.

وتنمو في كوينزلاند شجرة من نوع المكاديميا متكاملة الأوراق، أظهرت الاختبارات الجينية أنها السلف الأصلي لنحو 70 في المائة من أشجار المكاديميا المزروعة تجارياً حول العالم. وهناك ثلاثة أنواع أخرى؛ تُزرع المكاديميا رباعية الأوراق تجارياً، بينما تُعد المكاديميا ثلاثية الأوراق والمكاديميا اليانسنّية بريتين وشديدتي الندرة، وثمارُهما تكاد تكون غير صالحة للأكل.

وبدأت زراعة المكاديميا تجارياً في هاواي خلال عشرينات القرن الماضي، في حين لم تبدأ أستراليا إنتاجها التجاري إلا في الستينات. ويرى مكوناشي أن مرور جيلين أو ثلاثة فقط على انتقالها من البرية إلى الزراعة «مدة قصيرة للغاية في عالم البستنة»، ولذلك لا تزال إمكانات أشجارها البرية غير معروفة.

وتنتمي الأنواع الأربعة إلى منطقة محدودة من الغابات المطيرة شبه المدارية في جنوب شرقي كوينزلاند وشمال نيو ساوث ويلز. وقد تكون الأشجار البرية مفتاح إنتاج جيل جديد قادر على مقاومة تغير المناخ والأمراض، بفضل إمكاناتها الجينية.

لكن أكثر من 80 في المائة من الموائل التي تطورت فيها هذه الأشجار على مدى 120 مليون عام اختفى، ولم يتبقَّ منها سوى أجزاء متناثرة. وتواجه المكاديميا اليانسنّية خطراً شديداً بالانقراض؛ إذ يمكن أن يقضي عليها حريق واحد في الأدغال. لذلك تبقى مواقع أشجارها سرية لحمايتها. ورغم أن ثمارها شديدة المرارة، فإن قدرتها على التحمل قد تجعلها أداة مهمة في مواجهة التغيرات المناخية، فيما أُدرجت الأنواع الثلاثة الأخرى ضمن الأنواع المهددة أو المعرضة للخطر.

وأمضى مكوناشي عقوداً في البحث عن أشجار المكاديميا البرية وتوثيقها في موائلها الطبيعية، برفقة راسل بينيت، أحد أبناء شعب كابي كابي وحراس الأرض وشيوخها. ومع ذلك، لم يحصل الأستراليون من السكان الأصليين إلا على قدر ضئيل للغاية من العوائد المالية الناجمة عن الشعبية العالمية التي حققتها هذه المكسرات.


اختبار جديد يحدد مؤشرات ألزهايمر بدقة عالية

الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
TT

اختبار جديد يحدد مؤشرات ألزهايمر بدقة عالية

الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)
الاختبار الجديد يساعد في تحديد السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر (جامعة واشنطن في سانت لويس)

أجازت إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) تسويق اختبار دم مبتكر للمساعدة في تقييم الإصابة بمرض ألزهايمر، بعدما أظهرت الدراسات قدرته على الكشف عن مؤشرات مرتبطة بالمرض بدقة تتجاوز 90 في المائة.

وأوضح باحثون من كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس أن الاختبار قد يوفر وسيلة أبسط وأقل تدخلاً من بعض طرق التشخيص التقليدية، وفق ما نشرته الجامعة على موقعها الإلكتروني، الجمعة. ويُعرف الاختبار باسم «PrecivityAD2»، وطورته شركة ناشئة انبثقت عن جامعة واشنطن، اعتماداً على تقنيات طورتها فرق بحثية في كلية الطب بالجامعة. ويهدف إلى المساعدة في تحديد وجود لويحات الأميلويد في الدماغ، وهي إحدى السمات الرئيسية المرتبطة بألزهايمر، لدى فئات محددة من المرضى.

ويعتمد الاختبار على مطياف الكتلة عالي الدقة لقياس 4 مؤشرات حيوية مرتبطة بالمرض، هي شكلان من بروتين الأميلويد «Aβ42» و«Aβ40»، إضافة إلى شكلين من بروتين تاو هما «p-tau217» والتاو الكلي. ويساعد الجمع بين هذه المؤشرات في تقدير احتمال وجود أمراض الأميلويد في الدماغ، وهي تغيرات قد تظهر قبل سنوات من المراحل المتقدمة للمرض.

وأظهرت دراسات سابقة أن الاختبار يستطيع الكشف عن أمراض الأميلويد المرتبطة بألزهايمر بدقة تتجاوز 90 في المائة، كما أظهر أداءً مماثلاً لبعض طرق التشخيص الأكثر تدخلاً، مثل تحليل السائل الدماغي الشوكي وتصوير الدماغ للكشف عن لويحات الأميلويد. وفي دراسة للتحقق من أداء الاختبار شملت 192 شخصاً يعانون ضعفاً إدراكياً، بلغت دقته الإجمالية نحو 91 في المائة، فيما وصلت حساسيته إلى 90 في المائة ونوعيته إلى 92 في المائة، ما يعني قدرته على اكتشاف معظم الحالات التي لديها مؤشرات للمرض، واستبعاد معظم الأشخاص الذين لا توجد لديهم هذه المؤشرات. كما أظهرت دراسة أكبر شملت 1213 شخصاً أن الاختبار حقق دقة تقارب 90 في المائة لدى المرضى الذين خضعوا للتقييم في عيادات الذاكرة أو الرعاية الأولية.

ووفق الباحثين، تكمن أهمية الاختبار في إمكانية الحصول على معلومات عن التغيرات المرتبطة بألزهايمر من خلال عينة دم واحدة، بدل اللجوء مباشرة إلى إجراءات أكثر تدخلاً أو تعقيداً. فعلى سبيل المثال، يتطلب تحليل السائل الدماغي الشوكي إجراء بزل قطني، فيما تعتمد بعض فحوص تصوير الدماغ المتخصصة على تقنيات مكلفة وغير متاحة على نطاق واسع. وقد تساعد هذه الاختبارات في المستقبل على تسريع عملية التقييم، وتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى فحوص أكثر تخصصاً، فضلاً عن دعم الأطباء في اتخاذ قرارات أدق بشأن المتابعة والعلاج.

ومع ذلك، يشير الفريق إلى أن الاختبار الجديد لا يُستخدم بمفرده لتشخيص ألزهايمر، ولا تعني النتيجة الإيجابية بالضرورة إصابة الشخص بالخرف؛ فالاختبار يساعد على الكشف عن أمراض الأميلويد المرتبطة بألزهايمر، ويجب تفسير نتائجه إلى جانب أعراض المريض وتاريخه الطبي والفحص السريري ونتائج الاختبارات الأخرى.

يشار إلى أن ألزهايمر مرض تنكسي عصبي تدريجي يصيب الدماغ، ويُعد السبب الأكثر شيوعاً للخرف. ويؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء المهام اليومية، ويرتبط بتراكم بروتينات غير طبيعية في الدماغ، أبرزها لويحات الأميلويد وتشابكات بروتين تاو. وتزداد أهمية اكتشافه مبكراً مع ظهور علاجات يمكن أن تبطئ تطور المرض لدى بعض المرضى.