أوغست كونت... عاشق على حافة الجنون

نشر رسائل كارولين ماسان إلى الفيلسوف الفرنسي بعد 150 سنة على وفاتها

أوغست كونت  -   كارولين ماسان
أوغست كونت - كارولين ماسان
TT

أوغست كونت... عاشق على حافة الجنون

أوغست كونت  -   كارولين ماسان
أوغست كونت - كارولين ماسان

لم يخطر على بالي إطلاقاً أن حياة الفيلسوف أوغست كونت كانت هائجة مائجة إلى مثل هذا الحد. فهي تشبه حياة الشعراء المنحوسين، من أمثال بودلير أو رامبو أو فيرلين، أكثر مما تشبه حياة الفلاسفة الرزينين الرصينين من أمثال ديكارت أو كانط أو هيغل. نقول ذلك، وبخاصة إذا كان الأمر يتعلق بمؤسس الفلسفة الوضعية في فرنسا، أي الفلسفة العقلانية المحضة التي اشتهرت بالدقة العلمية والصرامة الفكرية. إنها أبعد ما تكون عن التحليق في سماوات المثالية الوردية، أو الخيالات المجنَّحة والشطحات الشاعرية أو الصوفية. إنها فلسفة العصر الصناعي والتكنولوجي الذي كان في طور انبثاقه أيام أوغست كونت، إبان القرن التاسع عشر.
وترجع أهمية هذا الفيلسوف بالضبط إلى أنه عرف كيف يستبق هذا العصر الجديد، وينظِّر له حتى قبل أن يولد. هذا على المستوى العام. أما على المستوى الشخصي فقد كانت حياته مناقضة تماماً لفلسفته. لم تكن حياته عقلانية، علمية، محسوبة بدقة على غرار فلسفته، وإنما كانت متقلبة، مليئة بالخضَّات والهزات السيكولوجية المرعبة. كل شيء يحصل كما لو أن فلسفته كانت تعويضاً عن حياته. بمعنى آخر: لقد خسر الحياة وربح الفلسفة. من الصعب أن تربح على كلتا الجبهتين، وعبثاً تحاول. ينبغي أن تضحِّي بإحداهن من أجل الأخرى. وقد كان المبدعون من العباقرة يضحون عادة بكل شيء من أجل النجاح في تأدية رسالتهم. كانوا يعرفون أنه ينبغي عليهم أن يضحوا بحياتهم الشخصية من أجل شيء آخر يعلو عليهم ويتجاوزهم كلياً. العبقري «يحبل» بشيء واحد فقط، هو رسالته أو عبقريته. وما عدا ذلك فتفاصيل ثانوية لا يعتدُّ بها.
ولكن ليس من المؤكد أن العبقري يستطيع التوصل إلى هذه الحقيقة منذ البداية، وإنما بعد المرور بتجارب رهيبة وخطرة أحياناً، تجارب يدفع ثمنها غالياً وقد تودي به. فكثيراً ما يضيع وقته من أجل التفاصيل الثانوية، قبل أن يكتشف في لحظة ما أنه ضل الطريق، وأنه قد خُلق لشيء آخر غير الحب أو الزواج أو النجاح في الحياة أو الوصول إلى المناصب أو تجميع الثروات والأموال... في لحظة ما يشعر العبقري بأنه مدعو لتحقيق شيء واحد فقط: أن يشطب على حياته الشخصية إذا لزم الأمر. بمعنى آخر: عليه أن يفشل لكي ينجح!
لو أن همنغواي نجح في حبه الأول مع الممرضة الرائعة أنييس فون كوروفسكي، هل كان سيكتب «الشمس تشرق أيضاً»، أو «وداعاً أيها السلاح»؟ الأغلب لا. كان ينبغي أن يفشل في أول وأعظم حب في حياته، أن ينكسر شيءٌ ما في داخله، ألا يلتئم جرحه إلا بعد سنوات طويلة؛ هذا إذا التأم، لكي يستطيع أن يكتب ما كتب، ويبدع ما أبدع. وهل كان غيُّوم أبولينير سيكتب إحدى أجمل قصائد الشعر الفرنسي:
«تحت جسر ميرابو
يجري نهر السين
وحبُّنا...».
لولا أن حبيبته ماري لورانسان هجرته فجأة وتخلت عنه؟
لكن لنعد إلى أوغست كونت. فهذا الرجل الذي سيطرت فلسفته الوضعية العقلانية على فرنسا وعموم أوروبا طيلة القرن التاسع عشر، وحتى منتصف هذا القرن، لم يكن عقلانياً على الإطلاق! صدقوا أو لا تصدقوا، أنتم أحرار. علاوة على ذلك فقد عانى الأمرَّين في حياته الزوجية. والواقع أن قصة زواجه غريبة الشكل والمضمون. فقد تزوج من «مومس» محترفة معروفة من قبل الأوساط الباريسية كلها. والدليل على ذلك أنه هو شخصياً كان أحد زبائنها قبل بضعة أشهر فقط! ولم يكن يعرف أنه سيقع عليها يوماً ما في أحد المكاتب المحترمة، وأنه سيسقط في حبها غصباً عنه. هنا يكمن الخطأ الكبير للبروفسور أوغست كونت. فقد أحبها وأشفق عليها، وأراد أن ينقذها من مواصلة هذه «الصناعة» الرديئة: أقدم مهنة في العالم. وهكذا نقلها مباشرة من الرصيف إلى مكتب عمدة البلدية لكي يتزوجها، ويوقع اسمه إلى جانب اسمها! من يصدق ذلك؟ هنا تكمن عظمته ونزعته الإنسانية الحقيقية. ولكن المشكلة هي أن السيدة كارولين لم تستطع أن تتخلى عن عادتها، ولم «تعقل» بعد الزواج كما كان يتوقع أستاذنا الكبير. باختصار شديد: «عادت حليمة إلى عادتها القديمة».
فكلما نقصها فستان جميل أو قبعة زرقاء نزلت إلى الرصيف، وحلَّت المشكلة في أقل من عشر دقائق! وأحس أوغست كونت بالخطر، وخاف من «الشرشحة» والفضيحة. وراح يبكي ويتوسل ويتهدد ويتوعد، لكي تكفّ كارولين عن فعلتها تلك. وهكذا يتصالحان لمدة يومين أو ثلاثة، قبل أن تعود إلى سابق عهدها. بل وكانت تختفي أحياناً أسبوعاً أو أسبوعين متتاليين، ثم تتصل به لكي تعرض عليه إذا كان يقبل باستضافة تاجر غني في البيت... وهكذا يتشكل الزواج من ثلاثة أشخاص بدلاً من شخصين فقط! كان من المتوقع في مثل هذه الحالة أن يتراجع الفيلسوف عن حلمه بإعادتها إلى جادة الصواب، ويطالب بالطلاق فوراً. ولكنه على العكس، راح يتعلق بها أكثر فأكثر. كان يركض في شوارع باريس كالمجنون باحثاً عنها في كل مكان، سائلاً المارة، كلما اختفت. فالحب أعمى، الحب لا يرحم. وقد وصل الأمر بأحد المفجوعين إلى حد القول: أرجوكم مارسوا كل الموبقات، ارتكبوا كل المحرمات، تاجروا حتى بالمخدرات، ولكن إياكم ثم إياكم أن تعشقوا!
كان فيلسوفنا يطرق على كل الأبواب سائلاً عنها، وهو في حالة يرثى لها من الهلع والولع. ثم يعود إلى بيته خاسئاً حسيراً، ويمضي الليل كله في تدبيج الرسائل غير المفهومة إلى أصدقائه ومعارفه، راجياً منهم مساعدته في البحث عن كارولين. أين هي كارولين؟ رجاءً ابحثوا لي عن كارولين، إلخ. وفجأة تظهر كارولين في صبيحة أحد الأيام أمام البيت، وكأن شيئا لم يكن!
ولكن بعد أن تكررت هذه القصص مرات عديدة، راح الفيلسوف يفقد أعصابه شيئاً فشيئاً. حقاً لقد سحقته كارولين وأذلَّته أمام الناس. وراح يهذي ويتخيل أنه يشبه عيسى ابن مريم، وأنه يستطيع أن يمشي على الماء دون أن يغرق. واصطحب مرة كارولين معه في إحدى النزهات، ودخل البحيرة وغطس فيها ودعاها إلى أن تتبعه. ولكنها فضلت أن تنادي الشرطة لكي ينقذوه. فهذا أفضل حل. وهذا ما كان. وانقطعت دروس البروفسور كونت بعد أن وصلت به الأمور إلى هذا الحد من «الشرشحة» والتدهور وفقدان التوازن. نقول ذلك على الرغم من أن «دروسه في الفلسفة الوضعية» كانت تستقطب شخصيات كبيرة، من أمثال الفيلسوف الإنجليزي جون ستيوارت ميل، أو الأب لامنيس، أحد كبار رجالات الكنيسة الفرنسية في عصره، أو الفيلسوف والعالم اللغوي إميل ليتري، صاحب القاموس الشهير الذي يحمل الاسم نفسه، إلخ.
وانتشرت الإشاعة الرهيبة: لقد أصيب الفيلسوف الكبير بلوثة في عقله! فأحالوه إلى المصحات العقلية، وأشرف عليه أحد كبار الأطباء النفسانيين في القرن التاسع عشر: إيسكيرول. ونصحه بالاستحمام بالماء البارد عدة مرات في اليوم، بدلاً من الغطس في مياه البحيرة! ولكن عوضاً عن أن ينسى كارولين ومغامراتها التي لا تنتهي، راح زعيم الفلسفة الوضعية –أي العلمية والمادية الإلحادية- يطالب بالزواج منها شرعاً أمام الكنيسة الكاثوليكية! وجن جنون تلامذته وأتباعه: كيف يمكن لزعيمهم أن يتراجع عن مبادئه إلى مثل هذا الحد؟ كيف يمكن أن يخون قضية الإلحاد التي لا تعترف بالأوهام الميتافيزيقية الماورائية؟ ومعلوم أن الملاحدة يعتبرون الأديان كلها عبارة عن مجرد خيالات وأوهام ليس إلا. كيف يمكن أن يستسلم للكنيسة الرجعية ورجال الدين؟ لقد انتصرت كارولين بجسدها الفتان وعينيها اللتين تذبحان ذبحاً على أحدث النظريات الفلسفية! وتدخل الأب الليبرالي الشهير لامنيس لكي تقبل الكنيسة بهذا الزواج العسير على الهضم. فأرسل مطران باريس أحد كهنته لكي يباركه غصباً عنه. وعندما وصل الفيلسوف إلى الكنيسة ومثل أمام الكاهن مع كارولين، طلبوا منه التوقيع على سجل الزيجات، فوقع باسم «بروتوس-بونابرت»! وأطلق ضحكة مجلجلة مخيفة، أشعرت الكاهن المسكين بالهلع الشديد... باختصار شديد: لقد جن الفيلسوف!
ولكن هل أصبحت كارولين «عاقلة» بعد هذا الزواج الكنسي المهيب والمحترم إلى أقصى الحدود؟ في الواقع أنها أوهمته بذلك لفترة من الزمن. فقد لانت كثيراً وراحت تراعي الأستاذ الهش نفسياً (أو المريض) وتهتم به حتى استعاد توازنه أو كاد. وما إن شعرت بأنه قد هدأ قليلاً حتى راح شيطان المغامرة يعربد في جسدها من جديد. فاختفت فجأة في إحدى «الغزوات» الليلية المحمومة. وعندئذ فضل الفيلسوف هذه المرة الانتحار في ماء النهر على ماء البحيرة. فذهب إلى أقرب جسر على نهر السين ورمى بنفسه فيه. وهو الجسر القريب من معهد العالم العربي حالياً. ولكن يبدو أن الموت لا يريده هذه المرة أيضاً. فقد شاءت الصدفة أن يمر في تلك اللحظة بالضبط أحد ضباط الحرس الجمهوري فغطس عليه وانتشله، واقتاده إلى مقر البوليس، وبعد أن جفّفوا ثيابه وهدَّأوا من روعه اعترف بأنه مذنب، وأنه انصاع لحالة من الضعف المعنوي والنفسي.
وشعر أوغست كونت عندئذ لأول مرة بحقيقته. وأدرك مدى هشاشته أو هشاشة الوجود ذاته. وعرف أن أعماله العلمية أو رسالته الفلسفية بالأحرى هي المبرر الوحيد لوجوده على هذه الأرض. وأدرك أنها هي وحدها القادرة على إنقاذه من حمأة الجنون. وبالتالي فما عليه إلا أن «يشطب» كلياً على كارولين، ويكرس نفسه لتلك المهمة التي خُلق لأجلها في الحياة. وهذا ما كان. فبعد ذلك اليوم لم يسمعه أحد يتحدث عن كارولين أو يذكر اسمها مجرد ذكر. لقد تجاوز الفيلسوف محنته أخيراً، واستطاع أن يبدع ما أبدعه، ويخلد اسمه على صفحة التاريخ.
بقيت كلمة أخيرة عن الست كارولين قبل أن نختتم هذا المقال. يقال بأنها تابت توبة نصوحاً في نهاية المطاف؛ بل وأصبحت تحضر دروس الفيلسوف مع بعض الشخصيات الفرنسية والأجنبية. وكانت تجلس في الصفوف الخلفية وتصغي بكل خشوع لأكبر فيلسوف فرنسي في القرن التاسع عشر، والذي كان زوجها حتى أمد قريب. ولكن للأسف رفض مصالحتها رفضاً باتاً، وأهانها أمام الجميع إلى درجة أن تلميذه إميل ليتري انزعج من موقفه، وترجاه أن يقبل اعتذارها. ولكنه كان قد طوى الصفحة نهائياً بعد أن عذبته كثيراً، ولم تعرف من هو إلا بعد فوات الأوان. يضاف إلى ذلك أنه كان قد وقع في حب عذري صوفي لآنسة جديدة تدعى كلوتيلد دو فو. وهذا الحب الأفلاطوني طهر روحه وصفاها، وجعله يتجاوز كلياً الحب الحسي أو الجسدي.
وقد نشرت مؤخراً في باريس رسائل كارولين له بعد مائة وخمسين سنة على وفاتها! كنا نعرف رسائله الملتهبة إليها منذ زمن طويل، ولكن لم يكن أحد قد اطلع حتى الآن على رسائلها هي. وبعد أن نقرأها نكتشف أنها كانت إنسانة حساسة وتستحق الاحترام أكثر مما نتصور. حقاً لقد شوهت الإشاعات سمعة كارولين ماسان أكثر مما ينبغي. صحيح أنها لم تكن ملاكاً، ولكن من يعرف ظروفها أو من يقدر تلك الظروف؟


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
TT

هل يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات؟

 البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)
البعثات الأثرية المصرية اكتشفت العديد من الآثار بسقارة (وزارة السياحة والآثار)

مع احتفال الآثاريين المصريين بعيدهم السنوي في 14 يناير (كانون الأول) الحالي، وبعد ما حققته البعثات الأثرية المصرية من إنجازات تمثلت في اكتشافات بمواقع أثرية متعددة خلال الأعوام الماضية، إلى جانب البعثات المشتركة بين المؤسسات المصرية والأجنبية؛ تُثار تساؤلات حول إمكانية أن يأخذ الآثاريون المصريون زمام المبادرة من الأجانب في مجال الحفريات، ذلك المجال الذي اشتهر منذ بداياته بجهود العلماء الأجانب.

ويعمل في مصر نحو 350 بعثة أثرية مصرية وأجنبية، وفق ما ذكره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد إسماعيل خالد، في محاضرة علمية واكبت إقامة معرض أثري مصري مؤقت بهونغ كونغ في الصين خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وتعمل هذه البعثات في أماكن محددة وفق اتفاقيات التعاون الدولي المنعقدة بهذا الصدد بين جامعات ومؤسسات علمية أجنبية وبين المجلس الأعلى للآثار في مصر، وبعضها يعمل بالشراكة مع بعثات مصرية من الجامعات أو المؤسسات المصرية أو المجلس الأعلى للآثار.

البعثات الأثرية المصرية حققت اكتشافات في مواقع عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير الآثاري المصري حسين عبد البصير أنه «بعد عقود طويلة ظلّت فيها البعثات الأجنبية متصدّرة مشهد الحفريات الأثرية في مصر، من حيث القيادة العلمية والنشر الدولي وصناعة السرد الأثري، بدأت ملامح تحوّل حقيقي تفرض نفسها خلال الأعوام الأخيرة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الآثاريين المصريين حققوا إنجازات لافتة، لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها، أعادت طرح سؤال جوهري: هل بات المصريون اليوم قادرين على استعادة زمام المبادرة في مجال الحفريات الأثرية؟».

وبينما أكد عبد البصير أن «الساحة الأثرية المصرية شهدت سلسلة من الاكتشافات الكبرى التي قادتها بعثات مصرية خالصة، خصوصاً في مواقع مثل سقارة، والأقصر، والغريفة، وتونا الجبل، وسيناء والبحر الأحمر، وهي اكتشافات جاءت نتيجة عمل ميداني منظم، وتخطيط علمي، وتعاون بين تخصصات مختلفة داخل الفريق الواحد»، فإنه رأى أن «تفوق البعثات الأجنبية تاريخياً لم يكن ناتجاً عن كفاءة ميدانية أعلى فحسب، بل عن منظومة علمية متكاملة شملت التمويل السخي، والمعامل المتطورة، والتخصصات البينية، وشبكات النشر الأكاديمي الدولية. غير أن هذه الفجوة بدأت تضيق تدريجياً، مع تحسّن البنية المؤسسية للعمل الأثري في مصر، وتراكم الخبرة لدى الأجيال الجديدة من الباحثين المصريين».

وشهدت السنوات الأخيرة أكثر من كشف أثري قامت به بعثات مصرية من بينها الكشف عن بقايا تحصينات عسكرية، ووحدات سكنية للجنود، وخندق يشير إلى إمكانية وجود قلعة أخرى بموقع تل أبو صيفي بمنطقة آثار شمال سيناء في 2025، والكشف عن مقبرة لقائد عسكري من عصر الملك رمسيس الثالث، ثاني ملوك الأسرة الـ20، ومجموعة من المقابر الجماعية والفردية من العصور اليونانية الرومانية والعصر المتأخر بمنطقة المسخوطة بمحافظة الإسماعيلية وكذلك اكتشاف البعثة الأثرية المصرية العاملة في سقارة عام 2023 أكبر وأكمل ورشتين للتحنيط آدمية وحيوانية من عصر الأسرة الـ30 والعصر البطلمي.

ويؤكد الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور محمد عبد المقصود، أنه لا يوجد موقع أثري في مصر إلا وبه بعثة أثرية مصرية، وهو أمر له كل التقدير، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عدد البعثات الأثرية الأجنبية نحو 250 بعثة، وجهودها مقدرة ومعتبرة لما تقوم به من نشاط مميز وكذلك النشر العلمي في الدوريات الدولية الكبرى حول الحفريات المصرية»، مشيراً إلى أن تلك البعثات الأجنبية «تقدم خدمة دعائية لمصر في الخارج بالنشر العلمي وغيره، كما أن علم المصريات موجود في الجامعات الكبرى حول العالم وليس حصراً على مصر، وبالتالي وجود هذه البعثات من دول متعددة يتسق وعالمية علم المصريات ويؤكد على قوة الحضور المصرية أثرياً وعلمياً في التراث العالمي».

من اكتشافات البعثات المصرية (وزارة السياحة والآثار)

وإن كان العالم الآثاري رفض فكرة أخذ زمام المبادرة للآثاريين المصريين في الحفريات من الأجانب، فإنه أشاد بالجهود التي تقوم بها البعثات المصرية في كل المواقع الأثرية، سواء بشكل منفرد أو بالشراكة مع البعثات الأجنبية.

ومن بين البعثات الأجنبية التي تعمل في مصر بعثات من فرنسا، وألمانيا، والنمسا، وبولندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، وسويسرا، والتشيك، وإسبانيا، واليابان وغيرها، في مواقع متعددة مثل دهشور، وسقارة، والأقصر، وأسوان، والفيوم، وتونا الجبل بالمنيا. وفق تصريحات للخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «هذه البعثات تعمل على نفقتها الشخصية وبأحدث تقنيات علمية للحفر والرفع المساحي والآثاري وتسجيل وتوثيق الآثار ونشرها نشراً علمياً بالدوريات العالمية ومن خلال إشراف مفتشي الآثار على أعمالها».

ورغم ذلك، وفق ريحان، «فهناك تقدم هائل في عمل البعثات المصرية نتيجة التدريب مع البعثات الأجنبية ودورات التدريب الميدانية بالمجلس الأعلى للآثار التي خرّجت جيلاً مؤهلاً للعمل وخبرات من الآثاريين مع وجود عدد كبير من الآثاريين بالمجلس مؤهلين لتوثيق وتسجيل هذه الآثار ونشرها نشراً علمياً».

واستشهد رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية بعدة اكتشافات للبعثات المصرية من بينها كشف البعثة المصرية المشتركة بين المجلس الأعلى للآثار ومؤسسة الدكتور زاهي حواس للآثار والتراث برئاسته، خلال 2025 عن مقبرة الأمير «وسر إف رع» ابن الملك «أوسر كاف» أول ملوك الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وذلك أثناء أعمال البعثة بمنطقة سقارة الأثرية.

كما تمكنت البعثة المصرية العاملة بمنطقة منقباد بمنطقة آثار أسيوط من الكشف عن مبنى من الطوب اللبن يرجع تاريخه إلى الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الميلادي.


شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
TT

شقيق هشام ماجد يلحق بعالم الفن عبر فيلم قصير

أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)
أشرف عبد الباقي في صورة مع عدد من صناع الفيلم بالعرض الخاص (الشركة المنتجة)

لحق الفنان المصري الشاب محمود ماجد بشقيقه الأكبر هشام ماجد في عالم الفن من خلال كتابة وبطولة فيلمه القصير «ده صوت إيه ده»، الذي شاركه في بطولته أشرف عبد الباقي، واحتفل صنّاعه بإطلاقه في عرض خاص أقيم بالقاهرة، مساء الثلاثاء، وسط حضور عدد من نجوم الفن الذين حرصوا على مساندته في تجربته الأولى بالبطولة، ومن بينهم شقيقه، والمنتج محمد حفظي.

الفيلم الذي تدور أحداثه في أقل من 18 دقيقة شارك فيه الملحن إيهاب عبد الواحد، ومن إخراج محمد ربيع، وجرى طرحه على «يوتيوب»، بالتزامن مع إقامة العرض الخاص له.

وينتمي الفيلم لنوعية الأفلام الغنائية الاستعراضية، وتدور الأحداث حول شاب يجد نفسه فجأة أمام منعطف حاد يقلب موازين حياته رأساً على عقب، حيث تتراكم الأسئلة والشكوك وتضيق الدائرة من حوله، فلا يجد من يقف إلى جانبه سوى شخص واحد يمد له يد العون في لحظة فارقة.

أحد الملصقات الترويجية للفيلم (الشركة المنتجة)

وهذا الدعم البسيط في ظاهره يتحول إلى نقطة تحول عميقة، تدفعه إلى إعادة النظر في اختياراته ومخاوفه ورغبته في النجاة من حالة التيه التي يعيشها، في عالم تتداخل فيه الحقيقة بالخيال، وتتحول المشاعر إلى إيقاع وصورة وحركة.

وقال محمود ماجد، مؤلف وبطل الفيلم، إن فكرة العمل بدأت منذ عام 2020، حين كتبها في البداية بوصفها فيلماً تقليدياً، مدفوعاً بحلمه القديم بتقديم فيلم موسيقي، لكن بعد مراجعة النسخة الأولى شعر بأن هناك شيئاً ناقصاً، وأن تحويل الفكرة إلى عمل غنائي قد يجعلها أكثر بساطة في الوصول إلى الجمهور، وأكثر انسجاماً مع الأجواء الخيالية والكرتونية التي تقوم عليها الفكرة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «عرضت الفكرة على المخرج محمد ربيع، الذي كان لديه هو الآخر رغبة في تقديم عمل موسيقي، قبل أن تبدأ المناقشات مع محمد نوار وإيهاب عبد الواحد لوضع التصور النهائي للعمل»، مرجعاً فترة التحضير الطويلة للفيلم إلى «طبيعة المشروع الخاصة، وتصميمهم على تنفيذ الفيلم في قالب موسيقي، رغم أنه لم يكن يجيد الغناء في البداية، ما دفعه إلى خوض تدريبات مكثفة على الغناء».

ولفت إلى أن أول نسخة قام بتسجيلها لم تكن مُرضية بالنسبة له على الإطلاق، فقرر التوقف وتعلم الغناء بشكل جاد. كما أثرت تداعيات جائحة «كورونا» في وتيرة العمل، إلى جانب الحرص على توفير إنتاج جيد يليق بصورة الفيلم النهائية.

أشرف عبد الباقي على ملصق ترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنه كان يرى الفنان أشرف عبد الباقي مناسباً لدور الكاهن، وكان يتخيل ملامحه وحضوره في الشخصية منذ البداية، مؤكداً أن «اللقاء الذي جمعنا للمرة الأولى استمر قرابة نصف ساعة، قدمنا خلاله عرضاً كاملاً للفكرة، وكانت الأغنية جاهزة بالفعل، وحين استمع إليها أبدى تعاوناً كبيراً وتعاملاً مريحاً شجع فريق العمل على المضي قدماً بثقة».

وأكد محمود ماجد أن هدفه الأكبر هو التمثيل، وأن حلمه بالوقوف أمام الكاميرا يرافقه منذ الطفولة، وأوضح: «مشاركتي في هذا الفيلم تمثل خطوة مهمة في تحقيق هذا الحلم، لكن لا مجال للمقارنة بيني وبين شقيقي هشام ماجد الذي سبقني بسنوات».

وأشاد الناقد الفني المصري، محمد عبد الرحمن، بإقامة صناع الفيلم عرضاً خاصاً له، عادّاً هذه الخطوة «تمثل دفعة إيجابية مهمة تسهم في إنعاش حركة الأفلام القصيرة ومنحها مساحة أكبر من الاهتمام والانتشار، إلى جانب وجود الممثل أشرف عبد الباقي الذي منح العمل أحد مصادر قوته الإضافية».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفيلم ينتمي إلى نوعية الأفلام الموسيقية، وهي نوعية نادرة ومحدودة الحضور داخل السينما المصرية، مما يجعل خوضها حتى في إطار فيلم قصير خطوة مشجعة وقابلة للتطوير لاحقاً في أعمال أطول وأكثر اتساعاً»، معتبراً أن «تقديم القصة التي تحمل طابعاً فانتازياً منح العمل مسحة تأملية ورمزية واضحة».

وأكد الناقد الفني أن «عناصر الفيلم مجتمعة جاءت جيدة إلى حد كبير من حيث الفكرة والتنفيذ والمشاركة الفنية، إلا أن الملاحظة الأساسية التي يسجلها تتمثل في غياب العمق الدرامي الكافي، وعدم اكتمال البناء الدرامي والتأسيس النفسي للشخصيات بالشكل الذي يخلق حالة من التشويق، أو يدفع المتفرج إلى فهم دوافع الشخصية الرئيسية والتماهي معها بصورة أعمق».


«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
TT

«شبل صغير يستريح» لرمبرانت تعرض في الرياض

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)
لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

في التراث الفني العالمي تحتل أعمال الرسام الهولندي رمبرانت مكانة وحدها، تكفي مجموعة الصور الشخصية (البورتريه) التي رسمها وسجل بها مراحل عمره وعُدَّت سيرة ذاتية فريدة من نوعها، وغيرها من البورتريهات واللوحات التي لا تزال تجذب الزوار أينما عرضت.

وللمرة الأولى منذ عشر سنوات تعرض لوحة للفنان العالمي في مزاد لدار سوذبيز في شهر فبراير (شباط) المقبل. اللوحة «شبل صغير يستريح» من مقتنيات مجموعة «ليدن» الشهيرة، إحدى أهم المجموعات الخاصة في العالم للفن الهولندي والفلمنكي من القرن السابع عشر. اللوحة تصور رسماً مقرباً لشبل جالس نفذه رمبرانت في القرن الـ17. لا يعرف أين ولا حتى كيف صادف الفنان هذا الشبل، ولكن ما يكفي لأي عاشق لفنه هو التفاصيل التي التقطتها عينا الفنان وسجلها في لوحة صغيرة الحجم. وستعرض اللوحة للبيع في مزاد أعمال الأساتذة بدار سوذبيز بنيويورك في 4 فبراير.

اللوحة هي أهم رسمة لرامبرانت تُعرض في مزاد علني منذ 50 عاماً وتُقدّر قيمتها بما بين 15 و20 مليون دولار.

لوحة «شبل صغير يستريح» لرمبرانت (سوذبيز)

بالنسبة لغريغوري روبنستين، الرئيس العالمي لقسم رسومات الأساتذة القدامى في «سوذبيز»، فالرسم يعبر عن عبقرية رمبرانت الفنية وقدرته على «الغوص في أعماق موضوعه، سواء أكان إنساناً أم مخلوقاً من عالم الطبيعة، وتتجلى هذه الحساسية بوضوح في هذه الدراسة الحميمة بشكل لافت». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «تتميز اللوحة بحيوية وقرب شديدين، وكأننا ننظر من فوق كتف الفنان. هنا، ينبض الأسد، الذي رُسم من الواقع ببراعة وطاقة استثنائيتين، بالحياة في كل ضربة فرشاة».

ولكن للشبل الصغير رحلة أخيرة قبل أن يعرض في نيويورك، فاللوحة ستعرض في الرياض يومي 24 - 25 يناير (كانون الثاني) الحالي مسجلة المرة الأولى التي تقدم فيها الدار لوحة من أعمال كبار الفنانين في السعودية.

تصف الدار اللوحة بأنها «صغيرة وحميمية» وربما ذلك يعود لقرب الشبل الصغير من الناظر ولوضعه الذي يوحي بالاسترخاء، ولكنه لا يستبعد الوثوب المفاجئ.

تطل لوحة الشبل الصغير على السعودية وتجد هناك صلات عميقة وقديمة مع صور من الحياة البرية فيها، مثل مقبرة الأسود الدادانية في العلا، وأيضاً تنسجم مع حرص المملكة على حماية الحياة البرية وهي مهمة تبنتها الهيئة الملكية للعلا. وهو أيضاً ما يتوافق مع ما تريد مجموعة «ليدن» من تحقيقه ببيع اللوحة؛ فالعائد سيخصص منظمة «بانثيرا» وهي المنظمة الرائدة عالمياً في مجال حماية القطط البرية. وتتجذر أعمال المنظمة بعمق في المملكة، ولا سيما في العلا، حيث تتعاون مع الهيئة الملكية للعلا لحماية وإعادة توطين النمر العربي المهدد بالانقراض، رابطةً بذلك بين الوجود التاريخي للرسم والحياة البرية في المنطقة.

وبالنسبة للدكتور توماس كابلان، مؤسس منظمة «بانثيرا» ومجموعة «ليدن»، فاللوحة تحمل معاني خاصة؛ فهي أول لوحة لرمبرانت اقتنتها المجموعة، وبالكشف عنها الآن وعرضها للبيع وتخصيص العائد نحو الحفاظ على البيئة، يكتسب العمل مستقبلاً مستداماً، ويربط بين الفن والتراث وحماية القطط البرية.

ويرى روبنستين أن عرض اللوحة في السعودية «أمر مناسب بشكل خاص في الوقت الذي تقود فيه منظمة (بانثيرا) عملية إعادة النمور المحلية إلى العلا؛ ما يخلق حواراً مؤثراً بين الفن والمكان والوجود الدائم للقطط الكبيرة في ماضي المنطقة ومستقبلها».

لوحة للفنان السعودي ضيا عزيز ضيا (سوذبيز)

وتعرَض اللوحة في الوقت نفسه الذي تقيم فيه «سوذبيز» في الدرعية بالرياض معرضاً لأعمال مزادها الثاني للفن الحديث والمعاصر بعنوان «أصول 2» والذي يضم أعمالاً لفنانين من الشرق الأوسط، منها لوحات لرواد الفن السعودي أمثال صفية بن زقر ومحمد السليم وعبد الحليم رضوي وضيا عزيز ضيا إلى جانب أعمال لفنانين عرب مثل لوحة «صيادان» للفنان المصري محمود مرسي ولوحة «المظاهرة» للفنان العراقي محمود صبري ولوحة «نحاس» للفنانة الفلسطينية سامية حلبي.

كما يضم المزاد مجموعة أعمال لفنانين عالميين، مثل بيكاسو وآندي وارهول وروي ليختنشتين وأنيش كابور. كما يقدم المزاد تمثالاً نادراً من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة. ويستمر المعرض حتى 31 يناير حين يقام المزاد العلني.

تمثال نادر من المرمر لامرأة من جنوب الجزيرة العربية القديمة (سوذبيز)

تتميز في المزاد أربع مطبوعات للفنان الأميركي آندي وارهول صوَّر فيها الملاكم العالمي محمد علي كلاي أنجزها في عام 1978. ومن أعمال الفنان العالمي أنيش كابور تعرض مرآة مقعرة ضخمة من سلسلة أعماله الشهيرة، ومن أعمال الفنان روي ليختنشتاين «لوحة داخلية مع أجاك س (دراسة)»، وهي عبارة عن ورق مقصوص ومطلي ومطبوع وجرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذھا في عام 1997. یصوّر ھذا العمل البطل الیوناني الشھیر في حرب طروادة، وھي دراسة للوحة طلبھا مصمم الأزیاء الراحل جیاني فیرساتشي مباشر ة من الفنان. كما یعرض في المزاد عمل «رایة الھرم الأكبر (دراسة)»، وھو عبارة عن شریط لاصق وورق مقصوص ومطلي ومطبوع وغرافیت على ورق مقوى، تم تنفیذه في عام 1980. كما يعرض المزاد من أعمال بيكاسو لوحة «منظر طبيعي» التي رسمها الفنان في 1965.

لوحة «منظر طبيعي» لبيكاسو (سوذبيز)