القاهرة تتأهب لمواجهة حملة انتقادات دولية عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات «الإخوان»

محامي الجماعة: نعتزم الطعن على الأحكام > البيت الأبيض أبدى انزعاجه من قرار المحكمة.. وإردوغان: الحكم مجزرة ضد الحريات

الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
TT

القاهرة تتأهب لمواجهة حملة انتقادات دولية عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات «الإخوان»

الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)
الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي يحتج من داخل قفص الاتهام بعد أن صدر أمس حكم بإعدامه (إ.ب.أ)

أصدرت محكمة مصرية أمس حكمًا بإعدام 115 متهمًا من قيادات وأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، والمرشد العام للجماعة محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، والداعية يوسف القرضاوي، وذلك بعد إدانتهم في قضيتي اقتحام السجون خلال ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتخابر مع جهات أجنبية لتنفيذ عمليات إرهابية بمصر، كما شملت الأحكام السجن المؤبد والحبس لنحو 60 آخرين. في وقت يتوقع فيه خبراء أن تتعرض سلطات القاهرة لحملة انتقادات دولية متوقعة عقب الحكم بإعدام مرسي وقيادات الإخوان.
وشهدت مصر أمس حالة من الاستنفار بين قطاعات وزارة الداخلية، حيث تم تعزيز الميادين والمحاور الرئيسية بمختلف المحافظات، تحسبا لأي ردة فعل.
وكانت عدة دول غربية ومنظمات دولية قد وجهت انتقادات لاذعة لمصر إزاء أحكام الإعدام المتوالية بحق قيادات وأنصار جماعة الإخوان، منذ عزل مرسي في يوليو (تموز) 2013. لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية السفير بدر عبد العاطي قال لـ«الشرق الأوسط» أمس إن «الوزارة ستواصل الرد على تلك الانتقادات التي تنبع من اتهامات باطلة، وغير المدركة لطبيعة النظام القضائي في مصر، عبر توضيح حقيقة التهم الموجهة إلى المدانين، وكذلك مراحل التقاضي المختلفة التي تضمن الالتزام بمعايير حقوق الإنسان المعترف بها في العالم»، مضيفا أن «القضاء المصري قضاء مستقل لا يخضع لأي ضغوط، كما أن مصر ترفض التدخل في شؤونها الداخلية».
وعقب صدور الأحكام توالت ردود الفعل المتباينة داخل مصر وخارجها، ففي أنقرة ندد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشدة بتثبيت القضاء المصري عقوبة الإعدام بحق مرسي، ووصف الحكم بأنه «مجزرة ضد الحقوق الأساسية والحريات.. ومذبحة للقانون».
وقال إردوغان في بيان، إنه «من الضروري من أجل السلم الاجتماعي وإعادة الاستقرار إلى مصر منع تطبيق الحكم بالإعدام الصادر بحق مرسي»، داعيا المجموعة الدولية إلى «التحرك». كما قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أمس، إن «الحكم بإعدام الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي سياسي، ولا يستند إلى القانون». وتابع رئيس الوزراء التركي قائلا: «إننا ننتظر رد فعل الدول الغربية تجاه ما يجري في مصر».
وفي واشنطن، قال البيت الأبيض إنه «منزعج بشدة» بسبب صدور الحكم بإعدام مرسي، إذ قال جوش إيرنست، المتحدث باسم البيت الأبيض، أمس، إن واشنطن «منزعجة بشدة» بسبب ما وصفه بحكم بالإعدام «مدفوع بدوافع سياسية» ضد الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي.
من جانبه، عبر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن قلقه «العميق» جراء أحكام الإعدام. وقال المكتب الصحافي لبان كي مون في بيان، إن «الأمم المتحدة تعارض استخدام عقوبة الإعدام في كل الأحوال.. والأمين العام يشعر بالقلق من أن مثل تلك الأحكام التي صدرت عقب محاكمات جماعية قد يكون لها أثر سلبي على فرص الاستقرار في مصر في المدى البعيد».
من جهتها، أصدرت جماعة الإخوان المسلمين، التي أعلنتها السلطات تنظيما إرهابيا، بيانا وصفت فيه الأحكام بـ«الهزلية»، واعتبرتها «محاكمة لثورة يناير ولأهدافها ومكتسباتها والمشاركين فيها»، من قبل من سمتهم بـ«الثورة المضادة». وطالبت الجماعة أنصارها في الداخل والخارج باستمرار وتصعيد ما سمته «نضالهم الثوري ضد سلطة الانقلاب العسكري وأفرعه الأمنية السياسية والاقتصادية والإعلامية والقضائية»، خلال الجمعة القادمة. من جانبه، قال يحيى حامد، القيادي البارز في الجماعة خلال مؤتمر صحافي احتضنته مدينة إسطنبول التركية، إن «هذا الحكم يدق مسمارا في نعش الديمقراطية في مصر»، واصفا المحاكمة بأنها «افتقرت إلى كل المعايير الدولية».
وتعد هذه الأحكام باتة وواجبة النفاذ، لكنها غير نهائية وقابلة للطعن أمام محكمة النقض، التي تعد أعلى جهة قضائية في البلاد، وفي حال قبول الطعن يوقف النفاذ لحين إعادة المحاكمة أمام دائرة جديدة. وفي هذا الصدد قال عبد المنعم عبد المقصود، محامي الجماعة، لـ«الشرق الأوسط» إن «هيئة الدفاع تعتزم الطعن على تلك الأحكام بعد الاطلاع على حيثياتها.. وليس لنا سبيل سوى مسايرة القانون في النهاية».
وشهدت البلاد أمس حالة من الاستنفار الأمني تحسبا لأي تهديدات أو أعمال عنف في أعقاب الحكم بالإعدام على مرسي وقيادات الإخوان، وقال مصدر أمني رفيع لـ«الشرق الأوسط» أمس إنه «رغم أخذ قوات الأمن كل احتياطاتها الأمنية، إلا أننا غير قلقين من ردة فعل الجماعة بعد أن فقدت قدرتها على الحشد، وأدرك الشعب المصري زيف ادعاءاتها».
وجاء في تفاصيل الأحكام التي أصدرتها أمس محكمة جنايات القاهرة، الإعدام شنقا لستة متهمين حضوريا، هم محمد مرسي وبديع ونائبه رشاد البيومي، ومحيي حامد عضو مكتب الإرشاد، وسعد الكتاتني رئيس مجلس الشعب المنحل، والقيادي الإخواني عصام العريان، لإدانتهم بالاشتراك في ارتكاب جرائم اقتحام السجون المصرية والاعتداء على المنشآت الأمنية والشرطية وقتل ضباط شرطة إبان ثورة يناير، وفق مخطط سبق إعداده بالاتفاق مع حركة حماس الفلسطينية وميليشيا حزب الله اللبنانية، وبمعاونة من عناصر مسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني. كما قضت المحكمة غيابيا بإجماع آراء أعضاء هيئتها، بمعاقبة 93 متهما هاربا بالإعدام شنقا، من بينهم الداعية المصري المقيم في قطر يوسف القرضاوي، والباقي معظمهم يحمل الجنسية الفلسطينية.
وقضت المحكمة أيضا بمعاقبة 20 متهما، حضوريا، بالسجن المؤبد، بينهم القيادات الإخوانية البارزة حجازي والحسيني وصبحي صالح، وحمدي حسن، والبلتاجي. كما قضت أيضا بمعاقبة 16 متهما بالحبس مع الشغل لمدة عامين، وأيضا بمعاقبة 8 متهمين آخرين غيابيا بالحبس مع الشغل لمدة سنتين، بينما قضت بمعاقبة المتهم طارق أحمد قرعان السنوسي بالحبس مع الشغل لمدة 3 سنوات.
وتضم القضية 129 متهما، يحاكم فيها 27 متهما حضوريا و102 آخرين غيابيا، لأنهم هاربون ويوجدون خارج البلاد. ووفق للقانون تعاد محاكمة المحكوم عليهم غيابيا تلقائيا إذا ألقت الشرطة القبض عليهم أو سلموا أنفسهم.
وأسندت النيابة العامة للمتهمين في القضية اتهامات بـ«الاتفاق مع هيئة المكتب السياسي لحركة حماس، وقيادات التنظيم الدولي الإخواني، وحزب الله اللبناني، على إحداث حالة من الفوضى لإسقاط الدولة المصرية ومؤسساتها، تنفيذا لمخططهم، وتدريب عناصر مسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني لارتكاب أعمال عدائية وعسكرية داخل البلاد، وضرب واقتحام السجون المصرية إبان ثورة يناير».
وقال المستشار شعبان الشامي، رئيس هيئة المحكمة، في مقدمة مطولة قبل النطق بالحكم، إنه ثبت قيام عدد من الأشخاص ليسوا مصريين ويتحدثون بلهجة عربية ويحملون أسلحة متنوعة، لارتكاب جرائم مكلفة تم تنفيذها وفقا لمخططات معدة مسبقا، كما تلا رأي مفتي الجمهورية الذي دعم تلك الأحكام من الناحية الشرعية.
أما في القضية الأخرى، المعروفة إعلاميا بـ«التخابر»، فقد قضت محكمة جنايات القاهرة حضوريا بمعاقبة مرسي، بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما، وذلك لإدانته بارتكاب جرائم التخابر مع منظمات وجهات أجنبية خارج البلاد، وإفشاء أسرار الأمن القومي، والتنسيق مع تنظيمات جهادية داخل مصر وخارجها، بغية الإعداد لعمليات إرهابية داخل الأراضي المصرية. كما قضت المحكمة حضوريا بمعاقبة الشاطر، نائب المرشد العام لجماعة الإخوان، والقياديين البلتاجي، وأحمد عبد العاطي، مدير مكتب رئيس الجمهورية الأسبق، بالإعدام شنقا، وذلك بإجماع آراء أعضاء هيئة المحكمة، عن ذات الاتهامات.
وقضت المحكمة بمعاقبة 13 متهما آخرين هاربين من قيادات وعناصر الجماعة بالإعدام شنقا، وهم كل من محمود عزت نائب المرشد، وصلاح عبد المقصود وزير الإعلام الأسبق، وعمار فايد البنا، وأحمد رجب سليمان، والحسن خيرت الشاطر، وسندس عاصم شلبي، وأبو بكر كمال مشالي، وأحمد محمد الحكيم، ورضا فهمي محمد خليل، ومحمد أسامة العقيد، وحسين القزاز، وعماد الدين عطوة شاهين، وإبراهيم فاروق الزيات.
وتضمن الحكم معاقبة 17 متهما من قيادات وعناصر جماعة الإخوان بالسجن المؤبد لمدة 25 عاما، بصفة حضورية، وهم إضافة إلى مرسي كل من بديع، والكتاتني والعريان والحسيني، وحازم فاروق، وعصام الحداد ومحيي حامد، وأيمن علي وصفوت حجازي، وخالد حسنين، وجهاد الحداد، وعيد إسماعيل دحروج، وإبراهيم خليل الدراوي، وكمال محمد، وسامي أمين حسين، وخليل أسامة العقيد. كما قضت المحكمة حضوريا أيضا بمعاقبة اثنين من المتهمين بالسجن لسبع سنوات، وهما محمد فتحي رفاعة الطهطاوي، الرئيس الأسبق لديوان رئاسة الجمهورية، ونائبه أسعد الشيخة، وقضت المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية بالنسبة للمتهم فريد إسماعيل خليل، نظرا لوفاته.
وقالت النيابة العامة في القضية التي وصفتها بأنها أكبر قضية تخابر في تاريخ مصر إن «جماعة الإخوان خططت لإرسال عناصر إلى قطاع غزة لتدريبهم من قبل كوادر حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ثم الانضمام لدى عودتهم إلى مصر لجماعات متشددة تنشط في شمال سيناء».
وتضاف تلك الأحكام الصادرة بحق مرسي أمس، إلى حكم صدر ضده قبل نحو شهر بالسجن المشدد 20 عامًا في قضية أحداث الاتحادية، ليصبح بذلك محاطا بثلاثة أحكام تتراوح ما بين الإعدام شنقا، والسجن المؤبد، والسجن المشدد 20 عاما. غير أنها كلها أحكام أولية من المتوقع نقضها. كما يحاكم مرسي أيضا في قضيتين أخريين وهما إهانة القضاة، وتسريب وثائق إلى قطر.
وبدا مرسي خلال جلسة النطق بالحكم أمس متماسكا وهادئا، بينما هتف عدد من المحكوم عليهم «يسقط يسقط حكم العسكر» رافعين إشارة «رابعة».



«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended


الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يطلقون أسماء قتلاهم على مدارس في صنعاء

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)
طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، موجةً جديدةً من التغييرات في القطاع التعليمي، مع إقدام الجماعة الحوثية على تعديل أسماء عدد من المدارس الحكومية والأهلية، في إطار سياسة الجماعة لإعادة تشكيل الوعي المجتمعي وفق توجهات آيديولوجية بصبغة طائفية.

وقالت مصادر تربوية إنَّ هذه الإجراءات لا تقتصر على تغيير الأسماء، بل تمتد إلى إعادة صياغة البيئة التعليمية، بما يشمل الأنشطة الثقافية والمضامين التربوية، في سياق سعي الجماعة لترسيخ خطاب فكري أحادي داخل المؤسسات التعليمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وطالت التعديلات الحوثية مدارس معروفة بأسمائها التاريخية، حيث جرى استبدال أسماء شخصيات مرتبطة بالجماعة أو قتلى سقطوا في صفوفها، بأسماء تلك المدارس. ومن أبرز الأمثلة، تغيير اسم مدرسة «آزال الوادي» في مديرية الوحدة إلى اسم أحد قتلى الجماعة المعروف بـ«أبو زعبل»، إضافة إلى تغيير اسم مدرسة «موسى بن نصير» في مديرية معين إلى اسم «هاني طومر».

طلبة خلال طابور الصباح في مدرسة بصنعاء (إ.ب.أ)

وأثارت هذه الخطوة استياءً واسعاً في الأوساط التربوية والطلابية، حيث عدّها معلمون وأولياء أمور محاولةً لطمس الهوية التعليمية والوطنية، مشيرين إلى أنَّ أسماء المدارس تمثل جزءاً من الذاكرة الثقافية، وأنَّ تغييرها يعكس توجهاً نحو «حوثنة» المؤسسات التعليمية، وفرض رموز ذات دلالات طائفية.

تعديلات موازية

وأكد عاملون في القطاع التربوي أنَّ قرارات تغيير الأسماء رافقها إدخال تعديلات على الأنشطة المدرسية والمحتوى الثقافي، بما يعزِّز خطاباً فكرياً موجَّهاً داخل المدارس. ويرى مختصون أنَّ هذه التغييرات قد تسهم في تقليص مساحة التنوع الفكري، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى أدوات لنشر توجهات آيديولوجية.

من جهتهم، عبَّر طلاب في المدارس المستهدفة عن امتعاضهم من هذه الإجراءات، مؤكدين أنَّ التعليم يجب أن يبقى بعيداً عن أي توظيف سياسي أو طائفي. كما أبدى عدد من أولياء الأمور قلقهم من هذه التحولات، مشيرين إلى توجه بعضهم لنقل أبنائهم إلى مدارس أخرى، رغم محدودية الخيارات المتاحة.

تحذيرات أممية

تتزامن هذه التطورات مع أزمة تعليمية عميقة في اليمن، حيث يعاني القطاع من تدهور البنية التحتية، وانقطاع رواتب المعلمين، ونقص حاد في الموارد.

وفي هذا السياق، كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أنَّ نحو 3 ملايين و200 ألف طفل في اليمن خارج مقاعد الدراسة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية.

الحوثيون يجبرون منتسبي الجامعات والمدارس على تمجيد زعيم الجماعة (إكس)

وأوضحت المنظمة أنَّها تعمل خلال عام 2026 على إعادة أكثر من 172 ألف طفل إلى المدارس، إلى جانب توزيع مستلزمات تعليمية على أكثر من 316 ألف طالب، ودعم نحو 1200 معلّم عبر برامج تدريب وتأهيل مهني. إلا أنَّ هذه الجهود تصطدم بواقع معقد، في ظلِّ استمرار النزاع، وتداخل العوامل الاقتصادية والاجتماعية.

ويحذِّر مراقبون من أنَّ استمرار التلاعب بالعملية التعليمية، سواء عبر تغيير الأسماء أو المناهج، قد يؤدي إلى تعميق الانقسام المجتمعي، وتقويض فرص التعافي، مؤكدين أنَّ تحييد التعليم عن الصراعات يمثل شرطاً أساسياً لحماية مستقبل الأجيال.