(«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا ـ 2) الدورة الجديدة لمهرجان فينيسيا من زاوية مخرجيها

تعرض أساليب فنية مختلفة ورؤى ذاتية متعددة

المخرج دارن أرونوفسكي
المخرج دارن أرونوفسكي
TT

(«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا ـ 2) الدورة الجديدة لمهرجان فينيسيا من زاوية مخرجيها

المخرج دارن أرونوفسكي
المخرج دارن أرونوفسكي

من الصعب أن يجد أي مهرجان سينمائي مثل هذه المجموعة الكبيرة من المخرجين التي تتألف منها هذا العام الدورة الجديد (التاسعة والسبعين) التي بدأت رسمياً في الحادي والثلاثين من أغسطس (آب) الماضي وتنتهي في أعقاب ليلة العاشر من شهر سبتمبر (أيلول) الحالي.
أسباب الصعوبة متعددة. لديك أولاً احتمال أن يكون المخرج ما زال قيد العمل ولم يستطع إنجاز فيلمه في الوقت المحدد. أو أن يرتبط المخرج بمهرجان آخر طلب الفيلم لعرضه كعرض عالمي أول ورأى المنتجون بأنه من الأفضل تخصيص المهرجان الآخر به. وربما، فضل البعض التوجه إلى أي من المهرجانين المنافسين (برلين وكان) عوض فينيسيا، متلمّسين أجواء تجارية أفضل كونهما يحتويان على سوق دولية لها مريدوها وزبائنها.
لكن ما يبدو ماثلاً بالنسبة لمهرجان فينيسيا هذا العام، وفي الأعوام السابقة عموماً، قدرته على استحواذ العدد الكبير من المخرجين الآتين من شتّى أنحاء العالم المنتج بغزارة. قارن بينه وبين مهرجان «كان» الذي استعرضناه هنا في مايو (أيار) الماضي، وتجد أن دورة هذا العام من المهرجان الإيطالي لديها عدد أكبر بكثير من دورة مهرجان «كان» الأخيرة.

لقطة من فيلم بول شرادر {ماستر غاردنر}

للتحديد، لدى الدورة الجديدة من مهرجان فينيسيا الحالية، من بين المخرجين الكبار والمشهورين أسماء لا جدال في أهميّتها. على سبيل المثال أليهاندرو غونزاليز إيناريتو، ودارن أرونوفسكي، وفردريك وايزمان، وأندرو دومينيك، وولتر هِل، وكيم كي - دوك، وبول شرادر، وسيرغي لوزنتزا، وأوليفر ستون، ولارس فون تراير، وجياني أميليو، وتود فيلد، ولوكا غوادانينو، وجعفر باناهي، وأوليفيا وايلد، وجاينكارلو روزي.
بمثل هذا العدد الوفير من صانعي الأفلام ذوي البصمات، لا يمكن إلا والتمتع ببانوراما واسعة من فنون التعبير والأساليب الفنية والاهتمامات الإنسانية والفكرية. بعض هؤلاء في قمّة عطائه اليوم وفي صدارة الاهتمام العالمي، وبعضهم يقف في صف ثان قريب ساعياً لتجاوز المسافة الباقية بعد رحلة سنوات من المحاولات والمساعي الخالصة للوصول إلى المكانة التي يحتلها اليوم.
النظر إلى هذه الدورة من زاوية المخرجين أنفسهم يكشف عن السبب الذي من أجله امتهن المخرجون مهنتهم هذه. هناك الرغبة في التعبير تواكبها الرغبة في وضع المعبّر عنه في إطار فني يحمل بصمته الخاصة. في أقل الاحتمالات هو سعي لتصدير الفكر والفن مجبولين معاً في لُحمة واحدة.
كما تختلف النتائج كلما خاض أحد هؤلاء في غمار فيلم جديد، تختلف المنطلقات والدوافع التي حدت بكل منهم للعمل في السينما. التجارب السابقة تشحذ همم معظمهم للمزيد. لذلك الحالي الجديد ينتمي، كبصمة الإصبع، للأعمال السابقة. تصوّر، مثلاً، أن يكون لديك بول شرادر مخرجاً كوميدياً وهو الذي لم يكترث إلا لتسجيل حالات أفراد أميركيين في مواجهة ظروف قاسية. أو أن تجد فردريك وايزمان قد تجاهل أسلوبه التسجيلي وهو يقدم على فيلم روائي لا يحمل تأثره (أو مدرسته؟) في ذلك النوع من السينما.

- أزمات ومصاعب
يقدّم المخرج المكسيكي أليهاندرو غونزاليز إيناريتو في المسابقة فيلمه الجديد «باردو» حول صحافي يعود إلى موطنه في المكسيك ليباشر إحدى أصعب المهمات: مراجعة ذاتية لنفسه وللعالم من حوله باحثاً عن هويّته الشخصية.
هذا هو الفيلم الطويل الثامن للمخرج إيناريتو وآخرها كان قبل سبع سنوات عندما حقق فيلمه «المنبعث» حول بطله الذي يتركه شريكه للموت في البرية القاسية لكنه يواجه الأزمات البدنية والمخاطر الطبيعية لكي يستعيد قوته ويلتقي بمن أساء إليه من جديد.
في عالم إيناريتو هناك مواضيع مختلفة بلا رابط قصصي واحد. لقد عمد إلى تقديم حكايات مختلفة بشخصيات لا ترابط وثيق بين مراجعها الإنسانية أو الاجتماعية أو الثقافية حتى - أحياناً - عندما كان يسرد عدّة شخصيات في فيلم واحد (كمال الحال في «21 غراماً» و«جميل». لكن خارج النص والحكاية فإن الرابط موجود في كنه الرغبة في استخدام كل عناصر الصورة لتلعب دورها الأساسي. أفلامه تتميز بإدارة واثقة للكاميرا وما تتألف منه. ما علينا إلا أن نتذكر في ذلك «جميل» (2010) و«بيردمان أو الفضيلة غير المتوقعة للجهل» (2014) و«المنبعث» (2015).
في منحى مختلف يجمع المخرج الأميركي دارن أرونوفسكي بين الاهتمام بأزمات أبطاله وتوفير الإطار التعبيري لها من دون كثير شغل على ما يجعل اللقطة قابلة للتحليل والدراسة لذاتها. لا يعتمد كثيراً على اختلاف ذلك الإطار أو تميّزه عن سواه، لكنه ينجز دوماً ما هو مثير على صعيد تأليف الحبكة كما كان حاله في أفلامه من «قدّاس لحلم» (2000) إلى فيلمه الأخير «أم» (مع جنيفر لورنس وخافييه باردم سنة 2017.
فيلمه الجديد «الحوت» (The Whale) مثل «أم» ينظر إلى فحوى العلاقات بين شخصياته وكيف يحكم بعضها على نفسه بالمأساة... بطله (براندون فريزر بعد غياب) رجل بدين جدّاً وحالته وحدها مدعاة لحياة مأسوية تزداد حدّة عندما يحاول التواصل مجدداً مع ابنته الشابّة. لا بد من القول هنا إنه ليس كل أفلام أرونوفكسكي جيدة. «نوح» (2014) التاريخي ليس بقوّة وتميّز «بجعة سوداء» (2010) الدرامي و«النافورة» (The Fountain) سنة 2006 أقل قيمة من «المصارع» (The Wrestler) سنة 2008. لكن اهتماماته فنية وتجيز له البقاء بين أولئك الذين يُنتظر منهم دوماً عملاً أفضل من سابقه.
الفيلم الجديد لبول شرادر «ماستر غاردنر» سينضم، غالباً، لأعماله المهمّة والجيدة التي حققها حتى الآن. هو مخرج يتحرّى عن القيمة الأخلاقية بين شخصياته وهذا التحرّي ازداد حضوراً في أفلامه منذ «محنة» (Affliction) قبل 27 سنة. خلال السنوات القليلة الماضية بعث برسالته الباحثة عما يقع في عالم ممزّق بين الأخلاقيات والمبادئ وبين الماديات اللاغية لها كما الحال في «إصلاح أول» (2017) وفيلمه الأخير «عدّاد ورق اللعب» (The Card Counter) قبل عامين. في هذا الفيلم دفع باتجاه أن أحداً عليه أن يدفع ثمناً لما نعانيه من مشاكل ذاتية، تماماً كما كان حال السيناريو الذي كتبه لمارتن سكورسيزي سنة 1975 تحت عنوان «تاكسي درايفر». هنا يقدم حكاية من ذات الفصيل بطلها عالم نباتات (جووَل إدغرتون يتقرّب من أرملة (سيغورني ويفر) لأسباب ومنافع.

المخرج إيناريتو (وسط) خلال تصوير «باردو»

- من خارج السرب
بالنسبة لجعفر باناهي فإن مصدر الاهتمام به متعدد. عملياً، لا يلتقي هذا المخرج الإيراني في أسلوب سرده وأسلوب تنفيذه لما يعرضه سواء أكان دراما أو تسجيلياً، مع أي مدرسة غربية. الأقرب لمنهجه هذا هو بعض أعمال الراحل عبّاس كيارستمي والمعتزل محسن مخملباف، لكن حتى في ذلك هو مختلف من حيث مزجه بين الموضوع الدال على حقائق اجتماعية وبساطة تكوين رؤيته لها. سواء أكان التصوير داخل سيّارة (كما «تكسي طهران» (2015) أو في منزل («ستائر مغلقة» (2013 - وهو أحد أفضل أفلامه) أو في مكان كبير ومزدحم كما الحال في «أوفسايد» (2006) فإن هذا البحث عن حقائق الوضع الاجتماعي يزعج الحكومة الإيرانية التي، شأنها في ذلك شأن النظم الشبيهة، تواجه ذلك بقرارات المنع والسجن.
والسجن الذي يتعرّض له باناهي هو سبب آخر لتحلّق المهرجانات الكبرى حول أفلامه. هو نموذج الزمن الحالي بين الذين تعرّضوا للمعاملة ذاتها (مثل سيرغي بارادجانوف أيام الاتحاد السوفياتي) في السابق.
إلى حد بعيد، لا بد من اعتبار باناهي سينمائياً من خارج السرب المعتاد. وهذا هو الحال مع المخرج الأميركي وولتر هِل إنما لأسباب مختلفة.
ليس هناك من جدال فعلي حول التزامات وولتر هِل بالتوليفية الهوليوودية التي يؤمها بكامل مواصفاتها كلما وقف وراء الكاميرا. وهي المواصفات التي قلّما اكترثت لها المهرجانات الدولية كونها تعكس الرغبة في الترفيه، مهما كان تنفيذها جيداً، وبصرف النظر عما تطرحه.
هِل، الذي يقدم خارج المسابقة في الدورة الحالية لمهرجان فينيسيا فيلمه الجديد «ميت لدولار»، لن يخون تاريخه القائم على حكايات تتنوع بين التشويقي والوسترن. فيلمه الجديد عذراً لتحقيق فيلم وسترن جديد وهو النوع الذي يعشقه والنوع الذي أقدم عليه أكثر من مرّة. حتى أفلامه المنتمية إلى البوليسي والتشويقي يعالجها كما لو كانت أفلام وسترن تصلح لأن تعود بنفسها إلى القرن التاسع عشر ومشاغله.
أمّ هِل الإخراج سنة 1975 بعد أن عمل مساعداً ثانياً في بضعة أفلام من بينها «قضية توماس كراون» لنورمان جوويسُن و«بوليت» لبيتر ياتس (كلاهما سنة 1968).
تمتع فيلمه الأول «هارد تايمز» بوجود ممثلين من عصر كان لا يزال يحتفظ بذكرى لأولئك الذين انطلقوا في التمثيل وأدوار البطولة في الستينات. هو من بطولة جيمس كوبرن وتشارلز برونسون. الأول يدير الثاني في مصارعات غير قانونية مكانها الشوارع وبلا حلبات وكل شيء مسموح فيها.
فيلمه اللاحق لا يزال أحد أفضل. إنه «السائق» (1973) مع رايان أونيل في دور سائق سيارة تستخدمها عصابات سرقة المصارف للهرب بها. كل ما يطلب منه هو أن يجلس وينتظر ثم ينطلق حال فرار أفراد العصابة من البنك الذي سرقوه، ثم مهارته في تجنب مطاردة سيارات البوليس. لكن اللفتة الجيدة (أو واحدة منها على الأقل) هي أن رجل البوليس الصارم (بروس ديرن) يلاحقه شخصياً لأنه يعلم حقيقة عمله ولو أنه لا يملك دليلاً ضده.
فيلم هِل الوسترن الأول هو The Long Riders عن حياة الجريمة لعصابة يونغر وجيمس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. الحكاية حقيقية بشخصياتها وبعض أحداثها، وجمعت ثلاثة أشقاء من آل كاردين هم روبرت وكيث وديفيد وشقيقان من آل كيتش هما ستايسي وجيمس. الفيلم جوهرة بين أترابه في تلك الفترة وفي كل الأحوال أفضل من أي فيلم آخر عن هذه العصابة على كثرة الأفلام التي تعرضت لها.
بعد ذلك تعددت علامات النبوغ غير المقدّر من أهل النقد غير الغربي ومن بينها Southern Comfort وStreets of Fire وJohnny Handsome و24Hrs و- على الأخص - Gernonimo‪:‬ And American Legend.‬


مقالات ذات صلة

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

يوميات الشرق جانب من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات (وزارة الثقافة المصرية)

مصر لاستئناف مهرجاناتها السينمائية المتوقفة بعد حل أزماتها

قررت وزارة الثقافة المصرية استئناف تنظيم المهرجانات السينمائية التي توقفت منذ فترة مع بدء العمل على حل أزماتها.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق بيومي فؤاد بين ابنتيه نور وجود خلال العرض الخاص للفيلم (الشركة المنتجة)

«شيش دو»... كوميديا سوداء «تفقد البوصلة»

تخوض نور ابنة الفنان بيومي فؤاد تجربتها الأولى في التمثيل من خلال الفيلم

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق ناصر القصبي وأحمد عز وتارا عماد في مشهد من الفيلم (imdb)

«7 دوجز» يكتب رقماً جديداً في شباك التذاكر السعودي

كسرت مبيعات فيلم «7 دوجز» في دور السينما السعودية حاجز المليون تذكرة، مسجلة رقماً قياسياً جديداً في شباك التذاكر المحلي.

يوميات الشرق الملصق الترويجي للفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (الشركة المنتجة)

السينما الفلسطينية توسّع رواية غزة أمام العالم

قوة هذه الأعمال لا تكمن فقط في عرض صور الدمار والضحايا، وإنما في قدرتها على مساءلة الروايات السائدة حول الحرب.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مع زوجها الممثل خافييه باردم في مهرجان فينيسيا السينمائي (أ.ف.ب)

بينيلوبي كروز: من نجمة ألمودوفار إلى ضمير «الملجأ»

في آخر أفلامها، تلعب بينيلوبي كروز دور زوجة تشعر بأن زوجها المهندس المعماري قد يتخلّى عن بعض مبادئه إذا ما قبل تكليفاً مغرياً من أحد كبار أثرياء العالم.

محمد رُضا (تورنتو)

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
TT

أحمد حسّونة: الحرب كانت تكتب أحداث «المواطن أسامة» أمامنا

أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)
أسامة العشّي بين عائلته ومهنته في «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

يُضيف فيلم المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة «المواطن أسامة» جديداً إلى الأفلام التي تناولت القضية الفلسطينية، وهي كثيرة، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة. تكمن جدّته في تناول حياة العاملين في المهنة الصحافية أنفسهم. فأسامة مصوّر صحافي ينتقل من فاجعة إلى أخرى ليوثّقها وينقلها إلى العالم، فيما يجد نفسه، شأن كلّ فلسطيني في غزّة، مطالَباً بالاهتمام بعائلته وتأمين الأمان والطعام والشراب لها. باختصار، هو إنسان عليه أن يعيش ويبني، فيما يمضي العدو في القتل والتدمير.

لدى المخرج كثير مما يقوله في هذا الحديث عن الفيلم وظروف تصويره وإنتاجه. إنها تجربة مهمّة بذاتها، عُرضت في «مهرجان فينيسيا السينمائي»، حيث لم يتمكّن المخرج من الحضور، ومن المقرّر عرض الفيلم في الدورة المقبلة من «مهرجان الجونة السينمائي». كذلك اختير لتمثيل السينما الفلسطينية في سباق «أوسكار» أفضل فيلم دولي لعام 2027.

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

اختيارات ومخاطر

> كيف تكوّنت فكرة تصوير فيلم عن المصوّر أسامة؟

- بدأت الفكرة من حياة المصوّر أسامة العشي اليومية خلال الحرب. كان أسامة يعمل صحافياً في شمال قطاع غزّة، وفي الوقت نفسه أصبح أباً للمرة الأولى. ما جذبني لم يكن عمله صحافياً فحسب، بل الإنسان الموجود خلف الكاميرا؛ الأب والزوج والمواطن الذي يعيش الحرب نفسها التي يقوم بتغطيتها.

في البداية، كانت الفكرة بسيطة، أن أتابع أسامة داخل بيته وفي عمله، ونرى كيف يعيش الصحافي حياته عندما يترك الكاميرا ويعود إلى عائلته. لكن الأحداث نفسها هي التي كوّنت الحكاية وغيَّرت مسارها باستمرار.

لم يكن لدينا سيناريو يستطيع التنبّؤ بما سيحدث، لأننا أصلاً لم نكن نستطيع توقّع الأحداث المأساوية التي ستقع في اليوم التالي. في النهاية، ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما كان يحدث على الأرض هي التي رسمت مسار الفيلم. كنّا نتابع أسامة وعائلته، والحرب هي التي كانت تكتب الأحداث أمامنا.

> ماذا كان يعني تصوير فيلم في غزّة خلال هذه المحنة، وما الخطر الذي كان التصوير يمثّله؟

- كان يعني ببساطة أننا نصوّر واقعاً نحن أنفسنا محاصرون داخله. نحن أشخاص موجودون في بقعة صغيرة ومحاصرة، نتعرّض للقصف ونعيش الخوف والنزوح وفقدان الأشخاص من حولنا، مثل بقية الناس. لذلك لا أحبّ أن أقدّم استمرارنا في التصوير على أنه فعل بطولي.

كانت هناك لحظات لم أستطع فيها أصلاً حمل الكاميرا، وفي أوقات أخرى كان أعضاء من الفريق يتوقّفون للاهتمام بعائلاتهم، أو نتوقّف جميعاً لأن الظروف لا تسمح بالعمل. لكن الحرب استمرّت طويلاً، ولم تتوقّف الأحداث، ومع الوقت شعرنا بأن مسؤولية تقع علينا، نحن الموجودين داخل غزّة، بأن نحفظ شيئاً من هذه الذاكرة. ليست هناك بطولة تُذكر، بل كنّا هنا ونعيش ما يحدث.

> لماذا اخترت أسامة دون سواه من المصوّرين الصحافيين؟ ولماذا تناولت مصوّراً واحداً عوضاً عن تقديم فيلم عن مجموعة منهم؟

- كنتُ أبحث عن شخص واحد أستطيع من خلاله الدخول بعمق إلى الحياة اليومية للإنسان خلال الحرب. عندما بدأنا التصوير، كان أسامة زميلاً أعرفه، ولم تكن بيننا في البداية تلك الصداقة العميقة. لكن خلال صناعة الفيلم، ومع قلّة عدد الأشخاص الذين بقوا في شمال قطاع غزّة والظروف التي كنّا نعيشها، أصبحت قريباً من أسامة وعائلته، ونشأت بيننا ألفة كبيرة، وتحوّلت العلاقة مع الوقت إلى صداقة.

كما أنّ أسامة أصبح أباً للمرة الأولى خلال الحرب، وهذا فتح أمامي مساحة إنسانية مهمّة جداً؛ صحافي يحاول القيام بعمله، وفي الوقت نفسه أب جديد يحاول حماية طفله وزوجته، ومواطن يبحث مثل الجميع عن الطعام والأمان وأبسط حاجات الحياة.

لهذا فضّلت البقاء مع شخصية واحدة بدلاً من مجموعة شخصيات. كنت أريد الذهاب إلى العمق، لا إلى العدد.

من كواليس تصوير «المواطن أسامة» (رشيد مشهراوي)

مرحلة ما بعد التصوير

> كيف كانت العلاقة المهنية مع المنتج رشيد مشهراوي؟ هل اقترح خطّة عمل أو تعديلات؟

- كان رشيد مشهراوي مُشرفاً على المشروع، لكن طبيعة التواصل بيننا خلال الحرب كانت مختلفة جداً بسبب الظروف والخطر الذي كنّا نعيشه. كنت أتواصل معه من وقت إلى آخر للاطمئنان، لكنني كنت أتجنّب الحديث بوضوح عن الفيلم أو تفاصيل ما نعمل عليه. في الحقيقة، لم تكن لديه صورة واضحة عمّا إذا كنّا لا نزال نصوّر أم لا، لأننا لم نكن نعرف إن كان هذا الفيلم سيُنجز في النهاية.

كانت الظروف في غزّة شديدة الخطورة. كنّا نعرف أنّ أي طارئ يمكن أن يحدث في أي لحظة. قد أُقتل أنا، أو يحدث شيء لأسامة، أو يُصاب أحدنا إصابة بالغة، أو نتوقّف عن العمل نهائياً. لذلك لم يكن منطقياً بالنسبة إليّ أن أتعامل مع المشروع كأنه فيلم يسير وفق خطّة وسيكتمل بالتأكيد.

بعد وقف إطلاق النار، استطعنا إيصال المواد إلى مرحلة أصبح فيها إعداد النسخة الأولى من الفيلم ممكناً. وعندما أنجزت المسودة الأولى، أرسلتها إليه، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة تماماً من علاقتنا المهنية.

بدأ دوره يتّسع بكونه منتجاً ومشرفاً فنياً على العمل، خصوصاً في مرحلة ما بعد التصوير، من مشاهدة النسخة والعمل على البناء والترتيب والتفاصيل التي تقود إلى النسخة النهائية. ثم برزت أهمية خبرته في المرحلة التالية أيضاً. فرشيد مخرج ومنتج فلسطيني من غزّة، لديه خبرة طويلة في السينما والمهرجانات الدولية، ولذلك كان لدوره أهمية كبيرة في استكمال الفيلم ومرافقته في رحلته إلى المهرجانات والجمهور خارج غزّة.

> هل تعرّضتم لخطر ما خلال التصوير؟

- نعم، مرّات كثيرة. لم يكن الخطر حادثة منفصلة وقعت خلال صناعة الفيلم، وإنما كان جزءاً من الواقع اليومي الذي كنّا نعمل داخله.

أُصيب أحد أفراد فريق التصوير، حاتم سيلمي، خلال العمل. وفي مراحل مختلفة، اضطر بعض أعضاء الفريق إلى التوقّف للاهتمام بعائلاتهم، وكنّا نتوقّف عن التصوير عندما يشتدّ الخطر أو نُضطرّ إلى النزوح.

وفي إحدى المرّات، كان هناك تهديد خطير بجوار منزلي، وكان عليَّ إخلاء عائلتي بينما كنت بعيداً عنها. في تلك اللحظة، لم أفكّر في الفيلم أو المواد المصوَّرة؛ كان كلّ تفكيري منصبّاً على إخراج عائلتي من منطقة الخطر. ولم أتذكّر المواد الموجودة في المنزل إلا بعدما أصبحت عائلتي في مكان آمن. وبعد قصف المنزل المجاور، عدت عندما أصبح ذلك ممكناً، ووجدت أنّ المواد المصوَّرة لا تزال محفوظة.

وهناك أيضاً الخطر النفسي والإنساني، وليس الجسدي فحسب. بعد استشهاد شقيقي، توقّفت عن التصوير شهرين أو 3 تقريباً. في لحظات مثل هذه، لا تفكّر في كونك مخرجاً، وإنما في أنك إنسان فَقَدَ شخصاً من عائلته.


شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
TT

شاشة الناقد: «أرض الأجداد» و«جبان» في سباق «الأوسكار»: ذاكرة المنفى وخنادق الخوف

ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)
ساندرا هولر وهانز زيشلر في «أرض الأجداد» (إكستريم إيموشنز)

«Fatherland»

★★★إخراج: بافل بافليكوفسكي

الإنتاج: بولندا، ألمانيا، إيطاليا، فرنسا (2026)

«الأوسكار»: ثالث فيلم للمخرج تختاره بولندا لتمثيلها في سباق «أفضل فيلم دولي»

هناك مستويان لهذا الفيلم الذي يتناول جزءاً من سيرة الروائي الألماني توماس مان: مستوى ظاهري يتّسم بنظرة باردة ومتقشّفة تمنع المُشاهد من التآلف مع الفيلم وشخصياته، وآخر باطني يكشف عن غضب داخلي ناجم عن التوتّر بين الأب وابنته، إلى جانب أسباب أخرى.

يتناول الفيلم الأديب الألماني توماس مان (يؤدّيه هانز زيشلر)، الذي غادر موطنه عام 1933 مع صعود النازية. وتتمحور الأحداث حول عودته إلى ألمانيا عام 1949، عندما استجاب لدعوة لتسلّم «جائزة غوته» من مدينة فرانكفورت. ترافقه في الرحلة ابنته «إريكا» (ساندرا هولر)، التي لم تكن راغبة في الزيارة أصلاً.

تكشف المَشاهد التي تجمع الأب وابنته، سواء أكانا وحدهما أم وسط آخرين، عن توتّر بينهما، خصوصاً بعدما قرّر الأب قبول جائزة ألمانية ثانية. وهكذا يحيط الفيلم بوضعَين: شخصي؛ يتمثّل في العلاقة المتوتّرة بين مان وابنته، وعام؛ يتمثّل في ألمانيا الخارجة من حرب خسرتها.

لكن المخرج لا يدخل في التفاصيل، ولا يبني على ما يؤسّسه من أحداث بما يمكّن الفيلم من سبر أبعادها، مكتفياً بكاميرا تلاحظ ولا تشترك. أكثر من ذلك، كان التصوير بالأبيض والأسود في فيلمَيه السابقَين «آيدا» (2013) و«حرب باردة» (2018) أعلى حيويةً وفعلاً ممّا هو عليه في هذا الفيلم.

«Coward»

★★إخراج: لوكاس دونت

الإنتاج: بلجيكا، فرنسا، هولندا (2026)

«الأوسكار»: الفيلم البلجيكي المختار لسباق «أفضل فيلم دولي»

الحرب التي يختار المخرج دونت وضع حكايته فيها هي «العالمية الأولى». وقد كانت محطّ اهتمام عشرات الأفلام، بينها كلاسيكيات عدّة، كلّ منها كافٍ لدفن هذا الفيلم الجديد في خنادقها. أفلام مثل «الوهم العظيم» لجان رنوار (1937)، و«ممرات المجد» لستانلي كوبريك (1957)، و«طفولة إيفان» لآندريه تاركوفسكي (1962)، تناولت مآسيَ الحرب كما انعكست على شخصياتها في خطوط المواجهة الدامية. وكانت الحالات التي استعرضتها ترمي إلى ما هو أبعد من تمرير تجربة شخصية أو التوقّف عند ما يحدث لصاحبها دون الآخرين.

مشهد من «جبان» (ذا ريونيون)

في «جبان»، لا يهمّ كلّ هذا؛ لأن الحكاية التي يريد المخرج سردها تتناول شاباً يُدعى «بيار» (إيمانويل ماكيا)، يصفه رفاق السلاح بأنه جبان. يريد أن يبرهن على أنه ليس كذلك، لكنه لا يستطيع؛ لأنه بالفعل هكذا. لا نرى أمثلة فعلية على جبنه، ولا ينتهي الفيلم بموقف مغاير لبطله، ولا يدخل في عمق شخصيته، رغم تخصيص مشهد طويل لخوضه تجربة كان من المفترض أن يخرج منها شجاعاً، أو مختلفاً على الأقل.

الرهان هنا على الحبكة، مع الإصرار على توظيف الحرب العالمية الأولى ديكوراً.

يتحاشى الفيلم مشاهد الحرب بالمعنى المُتعارف عليه، رغم توافر مناسبات لها. وما يقدّمه منها يأتي من باب الضرورة أكثر ممّا يعبّر عن موقف أو بُعد من أي نوع. خيار المخرج الوحيد يقع بين كاميرا محمولة لتصوير المشاهد الرومانسية، وأخرى محمولة ومرتجّة لتصوير رفاق السلاح في أرض المعركة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
TT

فيلمان من «تورنتو»... أحدهما عن مستقبل مجهول والآخر عن ماضٍ منسيّ

باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)
باردام وكروز في «ملجأ» (بلو مورنينغ بيكتشرز)

BUNKER

★★★⭐︎

• إخراج: فلوريان زَلر

• فرنسا/ إسبانيا (2026)

• عروض: بمهرجانَي فينسيا وتورنتو

يبدأ «ملجأ» ببطله خافييه باردام وهو جالس إلى طاولة طعام يتحدّث. أتذكّر سريعاً أنها بداية فيلمه ما قبل الأخير «المحبوبة» لرودريغو سوروغويان؛ إذ يبدأ الفيلم بالبطل جالساً إلى طاولة (في مطعم آخر طبعاً) وهو يتحدّث أيضاً. لكن عند هذا الحد ينتهي التشابه بين الفيلمين اللذين ينتميان إلى نوع من الدراما التي تسبر أعماق شخصياتها. في «المحبوبة» هو مخرج يحاول دفع ابنته (فكتوريا لوينغو) لتجاوز موقفها تجاهه، وقبول الفرصة التي يتيحها لها لتصبح ممثلة أفضل. وهنا هو مهندس معماري يواجه أزمة مع زوجته (بينيلوبي كروز) تكاد تؤدي بهما إلى قطيعة.

في فيلمه الجديد يلعب باردام دور المهندس المعماري الإسباني «ميغويل» الذي يعيش مع زوجته «صوفيا» وابنتَيهما في لندن. يتلقّى عرضاً مغرياً لتصميم ملجأ عميق تحت الأرض استعداداً لمستقبل يلفّه الغموض. العارض هو واحد من رجال المؤسسات الملياردية الكبيرة (فكّر أمازون أو يوتيوب)، وهو معجب بفن «ميغويل»، ويرفع الأجر المغري إلى الضعف عندما يصل إليه نبأ تردد المهندس في قبوله. سبب التردد هو أن «صوفيا» لديها سؤال مهم حول هذا المشروع وصاحبه: ما الذي يعرفه هذا الملياردير عن المستقبل لا نعرفه بحيث يصر على بناء ذلك الملجأ المحصّن المزوّد بمؤونة كافية لسنة كاملة؟ يتنامى لدى «ميغويل» شعور بأن مشاعر زوجته نحوه بدأت تتبدد. هي رئيسة تحرير كتبت في دار نشر، وتتعامل حالياً مع مؤلف أميركي شاب وجذّاب اسمه «جيريمي» (باتريك شوازنيغر)، وهناك بوادر بداية علاقة خارج المهنة يحسب الزوج لها حساباً كبيراً.

هناك أيضاً جاره «توبي» (ستيفن غراهام) الذي يهدم جزءاً من جدار بيته، ما يجعله قادراً على رؤية ما يدور في منزل «ميغويل» الذي يستاء من ذلك، ويطالب «توبي» بسد الثغرة. سيلي ذلك تحوّل بسبب أحداث لاحقة تُساهم في تغيّر موقف «ميغويل» من كل شيء.

المعالجة الكلّية لمجمل هذه الأحداث ونتائجها جيّدة. ما زال المخرج في هذا الفيلم (الثالث له) متمكناً من إدارة الممثلين كما ظهر في فيلمَيه السابقين «الأب» (مع أنطوني هوبكنز) و«الابن» (مع زن ماغراث).

بعض ذلك يعود إلى خلفية المخرج المسرحية التي يمكن ملاحظتها جيّداً في هذا الفيلم، ليس فقط على صعيد إدارة الممثلين بفاعلية، بل كذلك باختيار سرد حكايته (أو حكاياته بالأحرى) في مشاهد داخلية غالباً، وعلى نحو لا خلل فيه مع غياب شبه دائم للمشاهد الخارجية.

BEING HEUMANN

★★

• إخراج: شيان هيدر

• الولايات المتحدة (2026)

• عروض: فيلم افتتاح «تورنتو»

«أن تكون هيومان» هو ثاني فيلم للمخرجة هيدر عن شخصيات تعاني من إعاقة. في فيلمها السابق «كودا» (CODA)، تناولت هيدر قصة فتاة شابة تنتمي إلى عائلة من الصم، وتُعدّ الوحيدة القادرة على السمع والنطق بينهم، في حين تحلم بمستقبل مهني في الغناء. هنا تعود هيدر إلى موضوع الإعاقة عبر سيرة جودي هيومان، الناشطة التي قادت في سبعينات القرن الماضي حملة للمطالبة بحقوق ذوي الإعاقة الحركية في الولايات المتحدة. الفيلم مقتبس من مذكراتها، وتؤدي شخصيتها روث ماديلي.

لقطة من «أن تكون هيومان» (آبل فيلمز)

عودة المخرجة لتقديم فيلم عن معاقين لا تخلو من الرغبة في استخدام السلّم الذي أوصلها للفوز بثلاث أوسكارات عن «كودا» سنة 2022. يكشف الفيلم الجديد رغبة هيدر في تكرار نجاح «كودا»، لكن من دون امتلاك المقومات ذاتها. فكما يعود إلى موضوع الإعاقة، يعود أيضاً إلى استثمار القضية سعياً وراء التعاطف والإعجاب، من دون معالجة درامية ناضجة أو مقنعة. ليس هناك من مشهد واحد في كلا الفيلمين بريء من الاستغلال الفوري للفكرة، ومن تنفيذ خفيف لموضوع مهم يتم تقديمه عبر أسلوب هو أقرب لمن ينقر على مفاتيح البيانو من دون تأليف معزوفة.