كيف يتجاوز الاقتصاد الروسي توقعات الانهيار؟

عملة الروبل الروسية (أرشيفية - رويترز)
عملة الروبل الروسية (أرشيفية - رويترز)
TT

كيف يتجاوز الاقتصاد الروسي توقعات الانهيار؟

عملة الروبل الروسية (أرشيفية - رويترز)
عملة الروبل الروسية (أرشيفية - رويترز)

منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، توقف البنك المركزي الروسي ووكالة الإحصاء الرسمية (Rosstat) عن نشر البيانات الاقتصادية في البلاد من التجارة إلى الاستثمار، كما شكك الكثيرون في مصداقية الأرقام التي لا تزال تنشر. وحسب تقرير نشرته مجلة «ذا إيكونومست»، لم تعد البنوك الاستثمارية تقدم المشورة للعملاء بشأن الشركات الروسية وقلّصت جهودها البحثية هناك. كما سحبت المنظمات الدولية الاقتصاديين التابعين لها من البلاد.
في خضم كل ما تمر به موسكو اليوم، اندلع نقاش حاد حول أداء الاقتصاد الروسي. تقول ورقة بحثية حديثة أعدها خمسة باحثين من جامعة «ييل» الأميركية، إن تراجع الشركات الغربية، بالإضافة إلى العقوبات، «يشل» الاقتصاد الروسي، مشيرة إلى أن القوة الاقتصادية الروسية الظاهرة هي وهم. يقول الباحثون «يتم الترويج للإحصاءات التي اختارها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر وسائل الإعلام وتستخدم من قِبل عدد كبير من الخبراء ذوي النوايا الحسنة ولكن غير المبالين لبناء توقعات تصبّ في صالح الكرملين بشكل غير واقعي».
مع بدء الحرب الروسية في أوكرانيا، بدأ الاقتصاد الروسي يتهاوى. فقد الروبل أكثر من ربع قيمته مقابل الدولار. انهارت سوق الأوراق المالية؛ مما أجبر القيّمين عليها على تعليق التداول. انسحبت الشركات الغربية من روسيا، أو تعهدت بذلك، بالمئات، حيث فرضت حكوماتهم عقوبات. في غضون شهر، راجع المحللون توقعاتهم للناتج المحلي الإجمالي الروسي في عام 2022 بعدما توقعوا نمواً بـ2.5 في المائة وقدروا أن ينكمش بنسبة 10 في المائة. وكان بعضهم أكثر تشاؤماً، فقد أعلن البيت الأبيض قائلاً «يتوقع الخبراء أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الروسي بنسبة تصل إلى 15 في المائة هذا العام؛ ما يمحو السنوات الـ15 الماضية من المكاسب الاقتصادية».
يتفق كلا طرفي النقاش على أن البلاد لا تزال تتأذى. دفعت الزيادات الهائلة في أسعار الفائدة في الربيع، والمصممة لتحقيق الاستقرار في الروبل المنهار، إلى جانب انسحاب الشركات الأجنبية، البلاد إلى الركود. ووفقاً للأرقام الرسمية، انخفض الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني بنسبة 4 في المائة على أساس سنوي. تضررت 300 مدينة ذات صناعة واحدة من العقوبات وتعيش في كساد شامل. هرب الكثير من الناس، وخاصة المتعلمين منهم بينما قام آخرون بنقل أصولهم خارج البلاد. حسب أحدث البيانات المتاحة، سحب الأجانب ما قيمته 15 مليار دولار من الاستثمار المباشر في الربع الأول من عام 2022، وهو أسوأ رقم على الإطلاق. في مايو (أيار) 2022، كانت التحويلات الروسية إلى جورجيا أعلى بعشر مرات من حيث القيمة الدولارية مقارنة بالعام السابق.
لكن تحليل «ذا إيكونومست» لبيانات من مجموعة متنوعة من المصادر يشير إلى أن الاقتصاد الروسي يعمل بشكل أفضل حتى من التوقعات الأكثر تفاؤلاً، حيث غذت مبيعات الهيدروكربونات فائضاً قياسياً في حساب موسكو. في يونيو (حزيران)، انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 1.8 في المائة عن العام الساب، وفقاً لورقة نشرها بنك «جيه بي مورغان تشيس». يُظهر مؤشر نمو قطاع الخدمات، الذي تم تجميعه عن طريق إرسال استبيانات إلى المديرين، تأثراً أقل مما كان عليه خلال الأزمات السابقة. حتى أن استهلاك الكهرباء عاد لينمو، بعد انخفاض أولي.
في غضون ذلك، يتراجع التضخم. منذ بداية عام 2022 وحتى نهاية مايو، ارتفعت أسعار المستهلك بنحو 10 في المائة. أدى انخفاض الروبل إلى زيادة قيمة الواردات؛ أدى انسحاب الشركات الغربية إلى قطع العرض. لكن الأسعار آخذة في الانخفاض اليوم، وفقاً لـ«Rosstat». يُظهر مصدر مستقل، نشرته شركة «State Street Global Markets»، وهي شركة استشارية، وشركة «PriceStats»، وهي شركة بيانات مستمدة من الأسعار عبر الإنترنت، اتجاهات مماثلة. في بياناته العامة، يشعر البنك المركزي الإنجليزي اليوم بالقلق من انخفاض الأسعار بالإضافة إلى التضخم.
أدى ارتفاع قيمة الروبل إلى خفض تكلفة الواردات. وانخفضت توقعات التضخم لدى الروس. تظهر مجموعة بيانات من بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، وشركة «مورنينغ كونسلت»، ورافائيل شونلي من جامعة «برانديز»، أن التضخم المتوقع خلال العام المقبل قد ينخفض من 17.6 في المائة في مارس (آذار) إلى 11 في المائة في يوليو (تموز). في ظل وفرة الغاز، من غير المرجح أن تشهد روسيا ارتفاعاً على النمط الأوروبي في التضخم الناتج من ارتفاع أسعار الطاقة.
انخفاض الأسعار ليس الشيء الوحيد الذي يساعد الأسر. صحيح أن معدل البطالة، الذي سجل أدنى مستوى له على الإطلاق عند 3.9 في المائة في يونيو، يعد مضللاً، حيث قامت العديد من الشركات بإعطاء إجازات للموظفين، وبعضهم من دون أجر، من أجل تجنب تسجيل حالات تسريح الموظفين. لكن لا توجد أدلة كثيرة على وقوع كارثة في الوظائف. تشير البيانات من «HeadHunter »، وهو موقع توظيف روسي، إلى أن نسبة الباحثين عن عمل مقارنة بالوظائف الشاغرة على مستوى الاقتصاد قد ارتفعت من 3.8 في يناير (كانون الثاني) إلى 5.9 في مايو؛ مما يجعل العثور على وظيفة أكثر صعوبة من ذي قبل - ثم تراجعت قليلاً. تشير البيانات الواردة من «سبيربنك»، أكبر بنك في روسيا، إلى أن متوسط الأجور الحقيقية قد ارتفع بشكل حاد منذ الربيع.
جزئياً، لأن سوق العمل لا يزال مستقراً، يمكن للناس الاستمرار في الإنفاق. تشير بيانات «سبيربنك» إلى أن الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي في يوليو ظل دون تغيير إلى حد كبير منذ بداية العام. وتراجعت الواردات في الربيع لأسباب من بينها توقف العديد من الشركات الغربية عن توريدها. ومع ذلك، لم يكن الانخفاض حاداً وفقاً لمعايير فترات الركود الأخيرة.
هناك ثلاثة عوامل تفسر سبب استمرار روسيا في تجاوز التوقعات. الأول هو السياسة. لا يفهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاقتصاد كثيراً، لكنه سعيد بتفويض الإدارة الاقتصادية لمن يفعلون ذلك. البنك المركزي الروسي لديه موظفين مؤهلين اتخذوا إجراءات سريعة لمنع الانهيار الاقتصادي. أدت مضاعفة أسعار الفائدة في فبراير (شباط)، إلى جانب ضوابط رأس المال، إلى دعم الروبل؛ مما ساعد على خفض التضخم.
العامل الثاني يتعلق بالتاريخ الاقتصادي الحديث. هذه هي الأزمة الاقتصادية الخامسة التي تواجهها البلاد منذ 25 عاماً، بعد أعوام 1998 و2008 و2014 و2020، أي شخص يزيد عمره على 40 عاماً لديه ذكريات عن الاضطرابات الاقتصادية غير العادية التي أحدثها سقوط الاتحاد السوفياتي. لقد تعلم الناس التكيف، بدلاً من الذعر «أو التمرد».
لطالما كانت أجزاء من الاقتصاد الروسي منفصلة إلى حد ما عن الغرب. يأتي ذلك على حساب انخفاض النمو، لكنه جعل الزيادة الأخيرة في العزلة أقل إيلاماً. في عام 2019، بلغ رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 49 في المائة. قبل الغزو، كان نحو 0.3 في المائة فقط من الروس الذين لديهم وظيفة يعملون في شركة أميركية، مقارنة بأكثر من 2 في المائة في جميع أنحاء العالم الغني. تتطلب البلاد عدداً قليلاً من الإمدادات الأجنبية نسبياً من المواد الخام. وبالتالي، فإن العزلة الإضافية لم يكن لها تأثير كبير على الأرقام حتى اليوم.
العامل الثالث يتعلق بالهيدروكربونات. كان للعقوبات تأثير محدود على إنتاج النفط الروسي، وفقاً لتقرير حديث صادر عن وكالة الطاقة الدولية. منذ الغزو، باعت روسيا في المنطقة ما قيمته 85 مليار دولار من الوقود الأحفوري إلى الاتحاد الأوروبي. الطريقة التي تنفق بها روسيا العملة الأجنبية المتراكمة بهذه الطريقة أمر غامض؛ نظراً للعقوبات المفروضة على الحكومة. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن هذه المبيعات تساعد روسيا على الاستمرار في شراء الواردات - ناهيك عن دفع رواتب الجنود وشراء الأسلحة.
إلى أن يترك بوتين منصبه، سيحجم المستثمرون الغربيون عن الدخول إلى روسيا. ستبقى العقوبات. يقرّ البنك المركزي الروسي بأنه على الرغم من أن روسيا لا تعتمد كثيراً على المواد الأجنبية، فإنها في أمس الحاجة إلى الآلات الأجنبية. بمرور الوقت، ستؤثر العقوبات سلباً، وستنتج روسيا سلعاً ذات جودة أسوأ بتكلفة أعلى. لكن اقتصادها يتعثر في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع أوكرانيا

أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية - الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع أوكرانيا

الكرملين ينفي تحديد مكان وزمان جولة محادثات ثلاثية مع كييف، وتقارير حول أكثر من 1780 أفريقياً من 36 دولة «يقاتلون في الجيش الروسي».

الولايات المتحدة​ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب) p-circle

زيلينسكي وفيكو يتفقان على مناقشة الأزمة الناتجة من خط أنابيب النفط الروسي

اتفق الرئيس الأوكراني ورئيس الوزراء السلوفاكي، الجمعة، على لقاء من حيث المبدأ، على خلفية اتهام براتيسلافا كييف بعرقلة إمدادات النفط الروسي عبر خط أنابيب دروجبا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا تجمع للصحافيين خارج مدخل فندق إنتركونتيننتال خلال محادثات السلام الروسية الأوكرانية في جنيف (إ.ب.أ) p-circle

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي

الجولة المقبلة من المحادثات الثلاثية تنتقل من جنيف إلى أبوظبي، والكرملين ينفي أي علاقة بتحليق مسيرة قريباً من حاملة طائرات فرنسية

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المفاوض الأوكراني رستم عمروف لدى وصوله إلى جنيف أمس (إ.ب.أ)

واشنطن وكييف تختتمان محادثات في جنيف تمهيداً لجولة مفاوضات مع موسكو

اختتم مبعوثون أميركيون وأوكرانيون محادثات في جنيف، الخميس، لتعزيز التنسيق والإعداد لجولة تفاوض جديدة مرتقبة مع روسيا بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أفريقيا فيستوس أوموامبا مؤسس وكالة التوظيف «غلوبال فايس للموارد البشرية» (رويترز)

اتهام كيني أرسل مواطنين للقتال في روسيا بـ«الاتجار بالبشر»

أعلن الادعاء العام في نيروبي الخميس توجيه تهمة الاتجار بالبشر لعنصر رئيسي في شبكة أرسلت أكثر من ألف كيني للقتال في صفوف الجيش الروسي.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

حرب إيران تربك حسابات النمو والفائدة في اليابان

رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل أمن يمر بجوار سور مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يقول محللون إن اليابان تواجه مخاطر انخفاض النمو وارتفاع التضخم إذا أدى استمرار الصراع في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط وإلحاق الضرر بالاقتصاد المعتمد على الاستيراد، مما يعقد جهود البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة التي لا تزال منخفضة.

وارتفعت أسعار النفط بنسبة 7 في المائة يوم الاثنين، مسجلةً أعلى مستوى لها منذ أشهر، مع تصعيد إيران وإسرائيل هجماتهما في الشرق الأوسط، مما أدى إلى تعطيل الشحنات من هذه المنطقة المنتجة الرئيسية، في ضربة قوية لليابان التي تستورد أكثر من 90 في المائة من نفطها الخام من الشرق الأوسط.

وصرحت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، للصحافيين يوم السبت، بأنها أصدرت تعليماتها لمجلس وزرائها بإعداد تقديرات حول الأثر الاقتصادي المحتمل لضربات نهاية الأسبوع على إيران.

ونظراً لاعتماد اليابان على واردات النفط، فإن حجم الضرر الذي سيلحق باقتصادها سيتوقف على ما إذا كان الصراع سيؤدي إلى انقطاع طويل الأمد في الشحنات من الشرق الأوسط.

وأعلنت شركات الشحن اليابانية يوم الأحد أنها ستوقف عملياتها في مضيق هرمز بعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران.

وبينما تمتلك اليابان احتياطيات نفطية تكفيها لثلاثة أشهر، فإن ارتفاع أسعار النفط الخام أو إغلاق المضيق قد يضر بالاستهلاك الضعيف أصلاً، من خلال رفع أسعار مجموعة واسعة من السلع والخدمات.

وقالت تاكايتشي أمام البرلمان، رداً على سؤال حول استجابة الحكومة: «نأمل في اتخاذ الخطوات اللازمة بمرونة للحد من تأثير الأزمة على معيشة الناس والنشاط الاقتصادي».

ويرى محللون أن مزيج ضعف الطلب وارتفاع التضخم قد يدفع بنك اليابان إلى التريث، مما قد يؤخر رفع سعر الفائدة المقبل الذي توقعت الأسواق أن يكون في أبريل (نيسان) قبل أزمة نهاية الأسبوع.

وتتوقع «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10 في المائة إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنحو 0.1 في المائة.

وقال تاكيشي ياماغوتشي، كبير الاقتصاديين اليابانيين في «مورغان ستانلي إم يو إف جي» للأوراق المالية: «سيشكل الارتفاع الحاد في أسعار النفط مخاطر ركود تضخمي على المدى القصير، بينما من المرجح أن يتباطأ التضخم الأساسي على المدى الطويل»، وأكد أنه «من المرجح أن يتبنى بنك اليابان موقفاً أكثر حذراً، مما يقلل من احتمالية رفع أسعار الفائدة على المدى القريب».

ويتوقع معهد نومورا للأبحاث أن يؤدي النزاع إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لليابان بنسبة 0.18 في المائة، وارتفاع التضخم بنسبة 0.31 في المائة إذا ما تسبب النزاع العسكري في تعطيل العمليات حول المضيق لفترة طويلة.

ضغوط على الفائدة

وقال تاكاهيدي كيوتشي، العضو السابق في مجلس إدارة بنك اليابان والخبير الاقتصادي الحالي في معهد نومورا للأبحاث: «بالنظر إلى تصاعد المخاطر السلبية على الاقتصاد، قد يحتاج بنك اليابان إلى توخي المزيد من الحذر بشأن رفع أسعار الفائدة».

وفي خطاب ألقاه يوم الاثنين، قال نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، إنه من المتوقع أن يواصل البنك المركزي رفع أسعار الفائدة مع اقتراب التضخم الأساسي من هدفه البالغ 2 في المائة. ولم يعلق بشكل مباشر على وتيرة وتوقيت رفع أسعار الفائدة في المستقبل.

ونما الاقتصاد الياباني بنسبة 0.2 في المائة سنوياً في الربع الأخير من العام الماضي، مع تأثير ارتفاع تكاليف المعيشة على الاستهلاك.

ويتوقع المحللون تسارع النمو مع انخفاض التضخم الغذائي ودعم الوقود، مما يخفف العبء عن الأسر ويحول الأجور الحقيقية إلى مستويات إيجابية.

المخزون النفطي

وفيما يخص القلق حول الإمدادات النفطية، صرَّح متحدث باسم الحكومة اليابانية يوم الاثنين بأن الحكومة لا تخطط للإفراج عن أي نفط من مخزونها، على الرغم من تعطُّل بعض ناقلات النفط المتجهة إلى البلاد في الخليج بسبب النزاع مع إيران. وتستورد اليابان نحو 95 في المائة من إمداداتها النفطية من الشرق الأوسط، ويمر نحو 70 في المائة من هذه الشحنات عبر مضيق هرمز. وبعد أن شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، بدأت شركات الشحن اليابانية بتعليق عملياتها حول مضيق هرمز. وقال كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني، مينورو كيهارا، في مؤتمر صحافي: «بعض ناقلات النفط الخام المتجهة إلى اليابان من الشرق الأوسط تنتظر في الخليج العربي، متجنبةً المرور عبر مضيق هرمز». وأضاف أن اليابان ليس لديها خطط فورية للإفراج عن مخزوناتها من النفط الخام، التي تُعد من أكبر المخزونات في العالم.

وتمتلك اليابان احتياطيات نفطية تعادل 254 يوماً من صافي وارداتها، وقد سبق لها أن فرجت عنها لتحقيق استقرار أسواق النفط العالمية، وكان آخرها في عام 2022 بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية وجهات أخرى. وصرَّح مسؤول في وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية يوم الاثنين بأنه لم يُطلب حتى الآن أي تنسيق دولي بشأن الإفراج عن المخزونات. وأفادت شركة إيتوشو اليابانية للتجارة، في بيان عبر البريد الإلكتروني، بأنها بدأت تشعر ببعض التأثير على شحنات النفط الخام والمنتجات البترولية من الخليج، حيث تأثَّرت عدة موانئ هناك بتداعيات النزاع. وأضافت إيتوشو أنها ستستجيب بتأمين الإمدادات من مناطق خارج الشرق الأوسط، وأنها تراقب مدى استمرار الاضطرابات اللوجيستية. وقالت شركة إينيوس، أكبر شركة تكرير في اليابان، إنها ستقيّم التأثير على مشتريات النفط الخام المستقبلية مع مراقبة الأوضاع.

كما تُعد اليابان ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، على الرغم من أن معظم إمداداتها تأتي من أستراليا. ومع ذلك، أظهرت بيانات وزارة المالية أن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط، بما في ذلك قطر وعُمان والإمارات العربية المتحدة، شكَّلت 11 في المائة من واردات اليابان في عام 2025.

ووفقاً لكيهارا، تمتلك شركات المرافق اليابانية حالياً مخزوناً يكفي لاستهلاك الغاز الطبيعي المسال في اليابان لمدة ثلاثة أسابيع تقريباً.


«إيتوتشو» اليابانية تبحث عن إمدادات نفط من خارج الشرق الأوسط

ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
TT

«إيتوتشو» اليابانية تبحث عن إمدادات نفط من خارج الشرق الأوسط

ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)
ناقلة نفط روسية تمر من مضيق البسفور في تركيا (رويترز)

قالت شركة «إيتوتشو» اليابانية للتجارة ‌إن ‌شحناتها ​من ‌النفط ⁠والمنتجات ​البترولية من الخليج ⁠بدأت تتأثر ⁠بتداعيات الهجمات ‌الأميركية ​والإسرائيلية على ‌إيران.

وأضافت ‌«إيتوتشو» أنها ستتعامل ‌مع هذه الأزمة عبر ⁠الحصول على الإمدادات من مناطق خارج الشرق الأوسط.

وتتصاعد وتيرة الهجمات بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وسط مخاوف متصاعدة من توسع رقعة الحرب في المنطقة.


كيف أعاد نزاع الشرق الأوسط صياغة مخاوف المستثمرين؟

متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
TT

كيف أعاد نزاع الشرق الأوسط صياغة مخاوف المستثمرين؟

متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون داخل بورصة نيويورك (رويترز)

تحوّل الصراع في الشرق الأوسط من مجرد خطر هامشي إلى أحد أبرز مصادر القلق لدى المستثمرين، الذين يشعرون بعدم الاستقرار جراء احتمالية نشوب نزاع على السلطة في إيران، وحرب إقليمية طويلة الأمد، مع تداعيات تمتد إلى كل شيء؛ من التجارة العالمية حتى التضخم.

يتسوق أشخاص داخل متجر متعدد الأقسام في مانهاتن بمدينة نيويورك يوم 27 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وارتفعت أسعار النفط يوم الاثنين، في حين صعد الذهب بالتوازي مع تكاليف الاقتراض الحكومية، فيما حاولت الأسواق المالية استيعاب الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع، التي أسفرت عن قتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي.

حتى الآن، يسعّر المستثمرون السيناريو الذي يبقي النزاع ضمن حدود محصورة نسبياً، وفق محللين، وهو ما يترك مجالاً واسعاً لتقلبات السوق في حال تصاعد الصراع أكثر. فقد ردّت إيران بضرب مدن خليجية، وأوقفت شركات الطيران رحلاتها، وعلّقت ناقلات النفط وغيره من البضائع عبورها عبر مضيق هرمز الحيوي.

ويكمن أول المخاطر في حالة عدم اليقين بشأن ما سيحدث لاحقاً في إيران؛ نظراً إلى تعقيدات نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية، مما يزيد صعوبة التنبؤ بأسعار النفط التي كانت ترتفع لأسابيع والآن أصبحت رهينة لما ستفعله الدول المنتجة للنفط وكيفية تأثر مرور الناقلات عبر الشرق الأوسط، مع انعكاسات كبيرة على التضخم العالمي وحتى على أمان السندات، وفق «رويترز».

خريطة لمضيق هرمز وإيران خلف نموذج ثلاثي الأبعاد لخط أنابيب نفط في رسم توضيحي (رويترز)

وارتفع «خام برنت» بنحو 10 في المائة، ليصل إلى 79 دولاراً للبرميل يوم الاثنين، مسجلاً مكاسب بنحو 30 في المائة منذ بداية العام، لكنه لا يزال أدنى بكثير من مستوى 100 دولار الذي يتوقعه المحللون في حال استمرار الصراع طويلاً.

وقال يورغ كرامر، كبير الاقتصاديين في «كومرتس بنك»: «رد الفعل الحالي معتدل نسبياً بالنظر إلى أن مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من استهلاك النفط العالمي، شبه مغلق فعلياً. في الوقت الحالي، يبدو أن المشاركين في السوق يتوقعون حرباً قصيرة لبضعة أسابيع فقط، وهو السيناريو الأعلى احتمالاً».

وأشار المحللون إلى أن الخطر الأكبر يكمن في تراخي الأسواق التي افترضت أن تداعيات الصراع ستكون محدودة، كما حدث خلال «حرب الـ12 يوماً» في إيران خلال يونيو (حزيران) الماضي، أو خلال الهجمات الروسية المتكررة على أوكرانيا.

وقالت مجموعة محللي «بنك باركليز»، في مذكرة يوم السبت: «يشير التاريخ بقوة إلى بيع علاوة المخاطر الجيوسياسية عند بدء الأعمال العدائية. ما يقلقنا هو أن المستثمرين تعلموا هذا النمط الآن وقد يقللون من قيمة السيناريو الذي يفشل فيه احتواء الصراع».

كما أشار المحللون إلى عوامل أخرى قد تزيد من حدة البيع إذا تصاعد الصراع، مثل المخاوف القائمة بشأن طفرة الذكاء الاصطناعي وأسواق الائتمان الخاص.

وقال موهيت كومار، الاقتصادي في «جيفريز»: «نتوقع مزيداً من الهبوط في الأيام المقبلة. عند نقطة معينة سنكون مستعدين للشراء عند التراجع، لكن تلك النقطة تبدو بعيدة حالياً».

الأمان مقابل التضخم

في تقليد الرحلة إلى الأصول الآمنة، ارتفع الدولار يوم الاثنين، وصعد الذهب بأكثر من اثنين في المائة، بينما تراجعت الأسهم الأوروبية بنحو اثنين في المائة، مع توقعات بفتح مماثل للأسواق الأميركية. وارتفع الفرنك السويسري، بوصفه ملاذاً آمناً، إلى أعلى مستوى له منذ 2015 مقابل اليورو، بينما ضعُف الين مقابل الدولار.

وارتفعت عوائد السندات الحكومية بعد انخفاضها أولاً، مع تقليص المستثمرين رهاناتهم على خفض أسعار الفائدة لدى البنوك المركزية الكبرى؛ مما يعكس تركيز الأسواق على الآثار التضخمية المحتملة لارتفاع أسعار النفط.

ويتوقع ويليام جاكسون، كبير خبراء الأسواق الناشئة في «كابيتال إيكونوميكس»، أن صراعاً طويل الأمد يؤثر على الإمدادات قد يدفع بأسعار النفط نحو 100 دولار للبرميل؛ مما قد يضيف ما بين 0.6 و0.7 نقطة مئوية للتضخم العالمي.

امرأة تمر بجانب شاشة تعرض الأخبار وتحديثات سوق الأسهم في بورصة مومباي (رويترز)

وقال طارق دينيسون، مستشار الثروات في «جي إف إم» لإدارة الأصول في زيوريخ: «في رأيي، الأسواق بالغت بالفعل في تقدير القوى التضخمية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا سيغير الكثير. سيكون التأثير أكبر على أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة؛ نظراً إلى قرب مضيق هرمز من مصادر النفط والغاز بعد روسيا». وأضاف أن ارتفاع أسعار النفط قد يذكّر «الاتحاد الأوروبي» بأزمة الطاقة خلال بداية غزو روسيا أكرانيا عام 2022.

وقالت مجموعة «آي إن جي»: «كان المستثمرون متفائلين بأوروبا هذا العام، لكن هذا التفاؤل سيتعرض لتحدٍ طبيعي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة».

ويتوقع بعض المحللين أن إيران لن تتمكن من تعطيل التجارة في الخليج، وبالتالي سيكون تأثير ذلك على أسعار النفط محدوداً.

وقال إد يارديني، رئيس شركة «يارديني» للأبحاث في نيويورك: «لن نفاجأ إذا تحولت أي موجة بيع في مؤشر (ستاندرد آند بورز 500) صباح الاثنين إلى ارتفاع، بدافع توقع انخفاض أسعار النفط بمجرد انتهاء الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط».

وأضاف: «قد يعود سعر الذهب أيضاً إلى مستوياته السابقة على يوم الاثنين، وقد تنخفض عوائد السندات بفعل الطلب على الملاذ الآمن وتوقعات ما بعد الحرب لانخفاض أسعار النفط».