«سكة الترامواي» يروي نجاحات «معركة التغيير» في دمشق... وخيباتها

أمين معلوف عن كتاب المؤرخ سامي مبيض: يوقظ فينا الحنين وشيئاً من الأمل

ترامواي القصاع
ترامواي القصاع
TT

«سكة الترامواي» يروي نجاحات «معركة التغيير» في دمشق... وخيباتها

ترامواي القصاع
ترامواي القصاع

«كتابٌ يوقظ فينا الحنين، وشيئاً من الأمل». هكذا وصف الأديب العالمي أمين معلوف كتاب سامي مروان مبيّض الجديد «سكّة الترامواي: طريق الحداثة مرّ بدمشق»، الذي يصدر عن «دار رياض نجيب الريّس»، في بيروت، مطلع شهر سبتمبر (أيلول).
هذا هو التعاون السادس بين مبيّض و«دار الريّس»، بعد سلسلة من المؤلفات عن تاريخ مدينة دمشق المعاصر، بدأت سنة 2015 بكتاب «تاريخ دمشق المنسي». وجاء بعدها «شرق الجامع الأموي»، ثم «غرب كنيس دمشق»، وصولاً إلى «عبد الناصر والتأميم» و«نكبة نصارى الشام»، سنة 2020.
في هذه الكتب، يركز مبيّض جهوده على كشف النقاب عن جوانب مهمة من تاريخ مدينته؛ سواء كانت غائبة أم مغيبة. وهذا ما يفعله في كتابه الجديد، حيث يطرح سؤالاً: «هل كانت دمشق مستعدة للتغيير؟ وهل قبلت به عن قناعة؟ هل كانت فعلاً مدينة كلاسيكية محافظة غارقة في إرثها التاريخي، أم مدينة متجددة ومنفتحة على كل جديد؟ وأخيراً، هل كانت دمشق مُتعصبة أم أنها كانت متسامحة مع شبابها وصباياها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين؟».

بطاقة ركوب  الترامواي

«الحداثة»، ومعركة التغيير في المجتمع السوري من نهايات القرن التاسع عشر، ولغاية منتصف القرن العشرين، عنوانان أساسيان في الكتاب. و«معركة التغيير» شنّت على ثلاث جبهات بين ثلاثة مكونات اجتماعية: بين الشباب المتعلّم وآبائهم المحافظين، بين الرجل والمرأة، وبين العلمانيين ورجال الدين. عليه، «تنوّعت منصّات الصراع وكثرت أمكنته: في الأزقة والحارات، داخل المنازل، في المساجد، في حرم جامعة دمشق، على خشبات المسارح، في ملاعب كرة القدم، وداخل الأحزاب والأندية والصحف».
يأتي هذا الكتاب لتسليط الضوء على كل هذه التجارب، بما لها وما عليها، بنجاحاتها وفشلها، مع إشارة إلى أنها بقيت تجارب متفرقة لا تلبي رغبات بعض المتنورين بإحداث تغيير حقيقي في المجتمع، وذهبت كلها أدراج الرياح، بسبب الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا منذ سنة 1949.
يقع الكتاب في 416 صفحة، فيها كثير من الصور النادرة، منضوية تحت قسمين: الأول يحكي تجربة التغيير في السياسة والمجتمع منذ عهد الملك فيصل الأول (1919 - 1920) إلى انفصال سوريا عن مصر سنة 1961. الثاني يتناول «معركة التغيير» في مجالات الفنون والثقافة منذ سبعينات القرن التاسع عشر، التي وُلدت على يد رائد التمثيل في سوريا ومؤسس مسرح «الميوزيكال»، أبي خليل القباني.
ويقول مبيّض إنه اختار «سكّة الترامواي» عنواناً لكتابه نظراً للحياة الجديدة التي وُلدت في دمشق بفضل شبكة النقل العام التي ظهرت خارج أسوار المدينة القديمة ابتداء من عام 1907. ساهمت هذه شبكة مع الكهرباء التي دخلت دمشق في نفس السنة، في إنشاء أحياء كاملة خارج أسوار دمشق القديمة، ظهرت تباعاً على طرفي خط مسير الترامواي، بالتزامن مع إنشاء عدد من المدارس والمستشفيات و«معهد الطب»، الذي شكّل نواة الجامعة السورية فيما بعد.
ترافق كل ذلك مع هجرة عدد من الشباب لدراسة الطب والهندسة والقانون في جامعات أوروبية، حيث سكنوا في عمارات طابقية، وعاشوا في مجتمعات تشرب من ينابيع مختلفة. وبعد عودتهم إلى مدينتهم، وجدوا أن بعض أبنية دمشق باتت مماثلة لما شاهدوه في المهجر. وشاهدوا، أيضاً، شبكة شوارع رئيسية تصل بينها ساحات صغيرة تليها شوارع فرعية منظمة. وفي هذه الأحياء الجديدة شيّدت أبنية طابقية على الطراز الأوروبي. «هجر» الكثير من أولاد الميسورين بيوت أهلهم في دمشق القديمة ليسكنوا في هذه الشقق الجديدة... «الأوروبية».

في هذه الأحياء الجميلة والحديثة والمنظمة، ظهر جيل جديد من السوريين، مختلف عن الآباء والأجداد، «متحرر» في أفكاره ولباسه وسلوكه، متأثر بطرق العيش الأوروبية، حيث عاد هؤلاء «من دراستهم الجامعية في أوروبا مرتدين القبعة بدلاً من الطربوش، والبنطال بدلاً من القمباز المقصّب». عادوا إلى مدينتهم حاملين أفكاراً أجنبية عن الدين والدولة والمجتمع، رافعين راية العلمانية في حياتهم الخاصة وفي تربية أولادهم. وقد انتقلت هذه «الأفكار التحررية» من منازلهم إلى أماكن عملهم، في دوائر الدولة وفي الجامعات ومكاتب الصحف والمحاماة، وصولاً إلى النوادي والمقاهي، ومن ثم إلى الأحزاب السياسية التي قاموا بإنشائها في مرحلة الاستقلال. إذ يقول: «لولا سفرهم واطلاعهم على تجارب الآخرين لما كان هذا التحول في حياتهم، ولولا الحداثة في العمران وطرق العيش، لما انعكست هذه الأفكار على بيوتهم وعاداتهم وتجربتهم الحياتية».
البداية إذن كانت مع «الترامواي» وكل الأحياء الحديثة التي وُلدت من حوله وبسببه، والتي أصبحت معقلاً لشباب دمشق وصباياها مع سقوط الحكم العثماني سنة 1918.
وقد عبر الكاتب أمين معلوف عن ذلك في تعريفه عن الكتاب، قائلاً: «من مآسي مشرقنا أن الحداثة الاجتماعية والفكرية، التي تبدو في يومنا هذا بعيدة المنال، بدأت تسري قبل أجيال في عروق أبنائه وبناته، بفضل رواد مبدعين كان في وسعهم أن يحوّلوا هذه البقعة من العالم إلى منارة حقيقية للتقدم والحضارة. هذا ما يرويه لنا سامي مبيّض في عمله الرائع عن دمشق».
الكتاب وثق محاولات فردية وعامة للتنوير في العاصمة السورية. بعضها كان فاشلاً وبعضها نجح في ترك البصمات. هنا الأهمية الأولى لهذا الكتاب. أهمية أخرى، تأتي من أنه يضع «معركة التغيير» في سوريا، في العقد الأخير، في سياق تاريخي، وإن كان هذا النص يركز على البعد الاجتماعي والتنويري لـ«معركة دمشق»، وليس الجوانب السياسية في «المعركة» الحالية ومآلاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية في شوارع دمشق وباقي الأنحاء السورية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«يوم سعيد» يقتنص «هيباتيا الفضية» بـ«الإسكندرية للفيلم القصير»

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
TT

«يوم سعيد» يقتنص «هيباتيا الفضية» بـ«الإسكندرية للفيلم القصير»

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)
المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

اقتنص الفيلم السعودي «يوم سعيد» للمخرج محمد الزوعري جائزة «هيباتيا الفضية» لأفضل فيلم في مسابقة الأفلام العربية، ضمن الدورة 12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير» التي شاركت فيها 8 أفلام. ويُعد «يوم سعيد» أول أعمال الزوعري، وقد صوَّرت أحداثه في مدينة الرياض. تدور قصة الفيلم حول شاب سعودي يُدعى سعيد، يمر بيوم مليء بالمفارقات والتحديات، ويواجه خلاله أزمات ومطاردات في إطار كوميدي ساخر. ويشارك في البطولة كل من عبد الحميد العمير، وعبد الله أحمد، وحسين الزوعري، وسراء العتيبي.

فاز الفيلم اللبناني «كب القهوة خير» للمخرج إليو طربيه بجائزة «هيباتيا الذهبية» لأفضل فيلم، وتدور أحداثه حول شابة تعمل في غسل الصحون بأحد المطاعم اللبنانية. فيما حصل الفيلم التونسي «المسمار» على تنويه من لجنة التحكيم التي ضمت المخرج السوداني محمد كردفاني، وغادة جبارة أستاذة المونتاج في معهد السينما، والمخرج العماني عبد العزيز الحبسي.

المخرج السعودي محمد الزوعري مع الفائزين بالمسابقة العربية ولجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

وجاء فيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبد الوهاب شوقي الأفضل مصرياً، حيث نال الجائزة الذهبية في «مسابقة خيري بشارة» للأفلام المصرية، التي استحدثها المهرجان هذا العام، في حين حصل فيلم «الحاخام الأخير» للمخرج أحمد عصام على الجائزة الفضية. ونوهت لجنة التحكيم بأداء الفنانة ماجدة منير في فيلم «غاب البحر» للمخرج مايكل يبوح، كما منحت تنويهاً لفيلم «س الديب» للمخرج سامح علاء.

ويأتي فوز فيلم «آخر المعجزات» بذهبية الأفلام المصرية بعد فوزه قبل أيام بالجائزة الكبرى للأفلام القصيرة في مهرجان «عنابة للفيلم المتوسطي»، وقبل ذلك بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان «مالمو للسينما العربية»، والفيلم مأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ.

وقال عبد الوهاب شوقي في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «جائزة مهرجان الإسكندرية هي الجائزة الوحيدة التي تمنيتها وسعدت بها، وكنت بحاجة لجائزة من مصر بعد جائزتي (مالمو) و(عنابة)، خشية من سردية قد تراني مضطهداَ أو غير مُقدر في مصر، وهي سرديات أمقتها بشدة»، وقد عدَّ هذه الجائزة «نهاية سعيدة لمعركة عنيفة خاضها هذا الفيلم».

وأضاف أنه خاض مناقشات لا يمكن نسيانها مع الجمهور السويدي والعرب المهاجرين، وأن هذا هو التقدير الأعظم ومعجزة السينما، لافتاً إلى أن لديه سيناريو فيلم قصير جديد من المهم أن يخرج للنور قريباً، كما يعمل منذ فترة على فيلمه الطويل الأول «يونس في بلاد الشوق» الذي فاز بمنحة دعم مؤسسة «آفاق» لمرحلة التطوير.

المخرجان يسري نصر الله وخيري بشارة مع صناع الأفلام على السجادة الحمراء (إدارة المهرجان)

أُقيم حفل ختام الدورة الـ12 لـ«مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير» بحضور لافت من صناع السينما. وصرح المخرج محمد محمود، رئيس المهرجان، بأن هذه الدورة كانت غنية ومليئة بالتفاصيل، حيث شهدت عرض أفلام من مختلف دول العالم، إلى جانب لقاءات مع صناع سينما يتمتعون بشغف حقيقي، ما أسهم في إيجاد مساحة للحوار والتواصل بين المشاركين. من جانبه، أكد المنتج محمد العدل، الرئيس الشرفي للمهرجان، أن هذه الدورة كانت مميزة سواء من حيث جودة الأفلام المشاركة أو الإقبال الجماهيري، موجّهاً الشكر للمتطوعين والقائمين على المهرجان الذين قدموا مستوى مشرفاً. كما شهد الحفل تكريم صانع الأفلام الإسباني روبرتو إركولالو، مدير جائزة مدريد السينمائية.

وفي المسابقة الدولية، فاز الفيلم البلجيكي «الصياد» للمخرج لوكا جال بجائزة «هيباتيا الذهبية»، بينما حصل الفيلم المصري - الأميركي «الأراضي الفارغة» للمخرج كريم الدين الألفي على الجائزة الفضية. ونوهت لجنة التحكيم، التي ضمت الفنان الفلسطيني كامل الباشا، والممثلة الأردنية ركين سعد، والدكتورة ميرفت أبو عوف، والمخرج الإسباني جاومي كويلز، عن الفيلم المكسيكي «يوم الأحد العائلي»، والفيلم الفرنسي «خط الحياة».

كما حاز الفيلم المصري «القصة السرية لحجز مقدس» للمخرج أسامة السمدوني على الجائزة الأولى في مسابقة «أفلام الذكاء الاصطناعي»، فيما جاء الفيلم الكوري الجنوبي «32 من أغسطس» في المركز الثاني، إلى جانب تنويه للفيلم الصيني «الكابوس الشره».

الفائزون بالمسابقة الدولية مع لجنة التحكيم (إدارة المهرجان)

ووفقاً للناقد محمد عبد الخالق، جاءت جوائز الدورة الـ12 متوقعة في مختلف فئاتها، نظراً للمستوى الفني المتميز للأفلام وتفاعل الجمهور معها أثناء العروض. وأوضح في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن المهرجان اعتمد منذ بدايته على تفاعل الجمهور السكندري المحب للفن، سواء من خلال مشاركات صناع الأفلام أو حضور العروض، مشيراً إلى أن المناقشات التي تلت العروض تحولت إلى محاضرات فنية جمعت بين الجانبين النظري والتطبيقي.


هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
TT

هاني شاكر الذي أحبَّ لبنان وحرست حنجرته أحزاننا المُقيمة

في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)
في صوته نجد ما تركناه في منتصف الشعور (فيسبوك)

رحل هاني شاكر وترك في الذاكرة العربية صوتاً يعرف الطريق إلى أضعف نقطة في القلب. كان أحد الذين علَّمونا كيف يبدو الحزن حين يرتدي أناقته، وكيف يستطيع الوجع أن يبقى نبيلاً وخفيضاً ومهذّباً.

في أغنياته، تعرَّفنا مبكراً إلى النزيف. كبر كثيرون على صوته وهو يقول ما عجزوا عن قوله. في الفراق والخذلان واللهفة المستمرّة والذاكرة التي ترفض أن تُشفَى. كانت أغنياته تُشبه الرسائل التي كتبناها في داخلنا ولم نُرسلها. في «نسيانك صعب أكيد»، تحوَّل النسيان إلى معركة خاسرة مع ما تبقَّى من الحبّ، وإلى محاولة مستمرّة لانتزاع أثر استقرَّ عميقاً في الروح. «يا ريتك معايا» من الأغنيات التي تلتقط لحظة الغياب وهو يفرض حضوره الكامل. فيها الاشتياق يُعيد توزيع الأماكن والأوقات، فيصبح كلّ شيء ناقصاً بحجم فراغات حفرها الآخر. الأغنية تُلامس منطقة حسّاسة في التجربة الإنسانية، حين يدرك الفرد أنّ الوحدة لا تُقاس بعدد الأشخاص من حوله، إنما بغياب شخص واحد تحديداً.

وقد غنَّى العزلة حين تأتي نتيجة مباشرة لتراجُع الثقة وتكرار الخيبات. شكَّلت أغنياته لحظة وعي قاسية بأنّ الدوائر القريبة قد تخذل، والسند الذي بدا ثابتاً قابلٌ للانهيار عند أول هزَّة. من خلالها، تبلوَر إدراكٌ مُبكر بأنّ الوحدة تنشأ من توالي الإخفاق العاطفي، والصحبة تدخل حيّز المراجعة بما تنطوي عليه من وعود قابلة للإخلال.

امتلك هاني شاكر طبقة نادرة من الحزن. حزنٌ لا يستعطف. كان يضع الجملة في منطقة الانكسار ويتركها هناك، مُعلَّقة بين الوقار والدمعة. لذلك بدت أغنياته جزءاً من وعينا الشعوري الأول، منها فهمنا أنّ الحبّ قد ينتهي من دون أن يخرج من الجسد، والفراق قد يسكن الإنسان مثل الندوب أبدية. عنده، لا يبحث الحزن عن ذروة، إنما يستقرّ في طبقة ثابتة، ويُلازم الصوت من بدايته حتى نهايته. وعوض أن يندفع نحو الانفجار، يختار البقاء على عتبة البوح؛ حيث المعنى يكتمل بالسكوت بقدر ما يكتمل بالكلمة.

حتى أغنيات الفرح لديه حملت ظلاً داخلياً. هاني شاكر غنَّى الإنسان حين يرفع صوته بالضحكات كي يغطّي ارتجافاً لا يريد كشفه. الضحكة عنده محاولة لتأجيل الحزن قليلاً. لوضع وردة صغيرة على حافة الهاوية.

ثم جاء الفَقْد الأكبر حين رحلت ابنته دينا بعد المرض. عندها تغيَّر الصوت من الداخل. استمرَّ هاني شاكر في الغناء، لكنَّ الحنجرة صارت تحمل ثقلاً لا يُمحى. راح كلّ أداء بعد ذلك يمرُّ عبر أب جُرِح في أعمق مَوْضع. وصارت الأغنية عنده طريقة للنجاة أو محاولة للوقوف أمام جمهور يعرف أنه يسمع رجلاً يُخبئ ابنته في طبقته الصوتية.

أغنية واحدة تكفي ليعود كلّ ما ظننّاه انتهى (فيسبوك)

كان في حضوره لطفٌ لا يُصطنع. ابتسامته تُشبه توقيعاً شخصياً على صورة الفنان المهذَّب والمُتواضع والقريب من الناس. أحبَّ لبنان وغنّى له وفيه، فبادله اللبنانيون محبّة خاصة لأنهم وجدوا في صوته ما يُشبههم. وجدوا حزناً يعرف كيف يظلُّ واقفاً. لم يتعامل مع البلد كأنه محطة سريعة ضمن جولات فنّية. رأى فيه مساحة قريبة منه، يعود إليها ويُغنّي منها، ويُطلق أعماله على أرضها في مراحل مختلفة من مسيرته. حافظ على حضوره في الحفلات اللبنانية، حتى في أوقات ابتعد فيها كثيرون حين بدت الساحة أقلّ استقراراً وأصعب على المستوى التنظيمي والإنتاجي.

استمرَّ في الوقوف على مسارحه، يُقدّم أغنياته للجمهور نفسه الذي رافقه طويلاً، من دون تبديل في النبرة أو المسافة. وفي لبنان، لم يُستَقبل هاني شاكر على أنه فنان ضيف؛ هو أهلُ البيت. حضوره اندرج ضمن تقليد فنّي استمرّ عبر سنوات. في حفلاته، كان التفاعل يبدأ قبل أن ينطق الجملة الأولى، فيسبقه الجمهور إلى الكلمات، ويستعيد معه مقاطع كاملة من أرشيفه. هذا الحفظ كان عاطفياً أيضاً ومبنياً على زمن ممتدّ من التراكم والتكرار.

يبقى هاني شاكر في موقع يصعب فصله عن بنية الذاكرة العربية. أغنياته تُردَّد كما لو أنها كُتبت الآن. تُلازم منعطفاتنا الحاسمة، وتجد صداها في آلامنا العاطفية، وتعود حين تضيق العبارة، فنستعيرها لنقول ما لم نعد نعرف كيف نقوله.


فرقة «تلاته اخوات» تستعيد الأغنيات الكلاسيكية بشوارع القاهرة

مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
TT

فرقة «تلاته اخوات» تستعيد الأغنيات الكلاسيكية بشوارع القاهرة

مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)
مع والدهم المطرب تامر نور (الشرق الأوسط)

بعفويتها وخفة ظلها، استطاعت فرقة «تلاته اخوات» التي تتكون من شاب وشقيقتيه، تحقيق شهرة وانتشاراً لافتين عبر مجموعة من الفيديوهات التي يسجلوها وهم يغنون في شوارع القاهرة، لا سيما بعد الخبرة التي اكتسبوها خلال طفولتهم.

والد أعضاء الفرقة كان يتمتع بموهبة غنائية في مطلع شبابه، حيث فاز بجائزة حصل عليها ضمن نشاط جامعي حين كان يدرس الحقوق، بعدها توجه لدراسة الموسيقى، وأنتج ألبوماً بعنوان «كل الحكاية» عام 2005 لكنه لم يأخذ نصيبه من الشهرة، وتحول بعده إلى رعاية أطفاله، حتى كبروا، وكانت لديه قناعة راسخة أنهم بمواهبهم سيكونون امتداداً لطموحاته في الفن.

محمد تامر أثناء الغناء على مسرح «الغوري» (الشرق الأوسط)

تعمّد تامر نور إشراك أبنائه في الأنشطة المسرحية ما أكسبهم خبرة في التعامل مع الجمهور، وحين كبروا بدأت مرحلة أخرى من العمل حين حاول تقديمهم في ألبوم غنائي بعنوان «مارشيملو» تضمن 5 أغنيات منها: «لحد ما نعجز» و«عشان المركب تمشي»، و«الناس الفرفوشة»، وقد اختارها من بين 10 ألحان تم تجهيزها، لكن لم يكتب لها الانتشار الذي كان يتمناه، وفق قوله. فتوقف عن استكماله.

ويؤمن نور منذ البداية بقيمة دراسة الفن، وقد دفعه ذلك لتحفيز أبنائه الثلاثة «ماسة، وحور، ومحمد»، للالتحاق بأكاديمية الفنون، حيث درسوا الموسيقى والتمثيل والإخراج والغناء؛ وكان كل هذا، حسب رأيه، مدعوماً بما اكتسبوه في طفولتهم من رعاية أسرية.

وعَدّ اشتراك نجله محمد في المهرجان القومي للمسرح، وحصوله على جائزة أفضل ممثل صاعد، نتيجة لجهد كبير، كما ترشحت «حور» لجائزة أفضل ممثلة في مهرجان ظفار الدولي للمسرح بـ«سلطنة عمان».

بصحبة المخرج خالد جلال أثناء برنامج «كاستينج» (الشرق الأوسط)

سعي محمد تامر وشقيقتيه يتركز حالياً في البحث عن شكل موسيقي خاص بهم، يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «نريد أن نقدم الأغنيات التي تناسبنا وتليق بنا، لذا نفكر ونسمع الموسيقى كثيراً لنصل لغناء يحقق شخصيتنا ويعجب الجمهور».

ويضيف: «هناك من يقدمون أغنيات يحركها بالأساس السوق، لكنّ همَّنا أن نقدم ما نحبه، حاولنا ذلك في ألبوم (مارشميلو)، لكننا لم نضع أيدينا على الشكل بعد».

يؤمن محمد بفكرة التخصص، وهي التي تجعلهم يتعاملون مع شعراء مشهورين مثل عمرو المصري، ومحمد مصطفى ملك، وقال: «أحب التلحين لكنني لا أتصدى لكل الأغنيات، أرى أن هناك ضرورة للتعامل مع ملحنين آخرين لإثراء تجارب الفرقة»، ويضيف محمد: «نتلقى في سبيل ذلك دعماً من والدنا، فهو الذي يقودنا بخبراته الموسيقية، وحفز لدينا مواهب التمثيل والرقص والغناء».

فكرة تقديم الفيديوهات التي ظهرت بها فرقة «تلاته اخوات» في شوارع القاهرة جاءت صدفة، يقول محمد: «كنت وشقيقتاي في حي الزمالك الراقي، حيث صورنا أغنية لكايروكي بمساعدة أحد أصدقائنا، وحققت مشاهدات كبيرة، وفي يوم آخر قمنا بالغناء لأحد الأشخاص كان يجلس أمام إحدى العمارات هناك، وبعد هذه البداية، زاد نشاطنا في النزول للناس في المقاهي والشوارع، بهدف إضفاء نوع من البهجة والسعادة عليهم، نريد فقط أن يشعروا بنوع من الانبساط».

الانسجام بين «الأشقاء الثلاثة» وحالة التوافق التي يتمتعون بها رأتها «ماسة تامر» أصغر أعضاء الفرقة نتيجة لكثرة الغناء بينها وبين شقيقيها، حور ومحمد، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «وجودنا الدائم رفقة بعضنا البعض وفرّ لنا فرصة كبيرة للتفاهم والانسجام».

مع الفنانة إسعاد يونس في برنامج «صاحبة السعادة» (حساب البرنامج على فيسبوك)

وعَدّت «ماسة» فكرة تقديم الأغنيات القديمة لكبار المطربين أمثال أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز لرغبتهم في إعادة الشباب لسماعها وتقريبها إليهم بما فيها من موسيقى وكلمات جميلة، نغنيها ونحن مستمتعون بها لأننا تربينا عليها منذ طفولتنا، نفهم معانيها ونختار الأغاني ذائعة الصيت.

شخصية الفرقة، كقول ماسة، ستظهر بالاستمرار، وتضيف: «سنسعى لإظهار شخصيتنا الخاصة، وإمكانياتنا، بأغان جماعية، أو فردية. قدمنا حفلين في ساقية الصاوي منذ شهور، وغنينا في شرم الشيخ بفندق (ريكسوس)، وقبة الغوري، واستضافتنا برامج شهيرة على غرار (صاحبة السعادة) مع إسعاد يونس، وبرنامج (معكم منى الشاذلي)».