«تاريخ فهيمة أمين»... يبرز دور النساء في الفن التشكيلي

معرض يوثق مشوار إحدى رائدات القرن العشرين في الوطن العربي

أحد أشكال الحياة اليومية في النصف الأول من القرن الماضي (الشرق الأوسط)
أحد أشكال الحياة اليومية في النصف الأول من القرن الماضي (الشرق الأوسط)
TT

«تاريخ فهيمة أمين»... يبرز دور النساء في الفن التشكيلي

أحد أشكال الحياة اليومية في النصف الأول من القرن الماضي (الشرق الأوسط)
أحد أشكال الحياة اليومية في النصف الأول من القرن الماضي (الشرق الأوسط)

في لمسة نوستالجية تتيح لنا الاقتراب من المشهد الفني المصري في النصف الأول من القرن العشرين يستضيف غاليري أكسيس بالقاهرة أول معرض استيعادي للفنانة التشكيلية الرائدة فهيمة أمين؛ ويقدم توثيقاً لجانب من أعمالها التي تمتد بين ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، كما نتعرف من خلاله أيضاً على ملامح الحياة الاجتماعية لهذه الحقبة المهمة من تاريخ مصر.
يحمل المعرض الذي يستمر حتى 7 سبتمبر (أيلول) المقبل، عنوان «تاريخ فهيمة أمين»، وهو يضم أعمال الفنانة الراحلة (1918ـ 1984) ويعرض مسار حياتها من إنجازات وما واجهته من صعوبات. وهي المرة الأولى التي تجمع أعمالها في معرض فني بعد وفاتها، فمنذ رحيلها وإلى يومنا هذا تظل سيرتها مجهولة لكثيرين بسبب نقص التوثيق، رغم أنها رائدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر، وواحدة من بين أول من التحقن بـ«المعهد العالي لمعلمات الفنون»، الذي مكن كثيرا من النساء المصريات خصوصاً والعربيات عموما من دراسة الفن، ثم الاشتغال به سواء بتدريسه أو بإنتاجه.

                                                                          إحدى لوحات أمين (الشرق الأوسط)
يقول التشكيلي ناجي موسى ابن الفنانة الراحلة لـ«الشرق الأوسط»: «يسلط المعرض الضوء على مشوار فنانة تعد من أوائل الفنانات في العالم العربي، وهو في الوقت نفسه يبرز بعض سمات النهضة الثقافية والفنية للنساء في هذه الفترة الزمنية، كما يؤكد المعرض الدور الريادي للمرأة المصرية ويظهر كيف استطاعت إثبات نفسها في وقت مبكر من التاريخ».
ويتابع: «رغم أن هذه الحقبة سبقت الحرب العالمية الثانية إلا أن ذلك لم يحل دون كفاح المرأة ونجاحها في كل المجالات وفي مقدمتها الفن والثقافة، والدليل على ذلك ظهور أسماء بارزة أصبحن رموزاً في أوقات لاحقة، فلم تكتف النساء بالزواج والإنجاب، وبدورهن الأسري، ولم يقبلن فكرة أن يبقين حبيسات للمنزل، إنما قاومن أي أفكار رجعية، وانطلقن للتعليم وحصد النجاحات، وكان من بينهن أمي».
حرص موسى على إتاحة كتابه «فهيمة أمين من رائدات الفن التشكيلي المصري» داخل قاعة العرض ليتمكن الحضور من الاطلاع على حياة الفنانة إلى جانب التعرف على بدايات الاهتمام بالتعليم الفني الأكاديمي للمرأة في مصر، يقول: «التحقت أمي بالدفعة الأولى لـ«المعهد العالي لمعلمات الفنون» في مصر الذي تأسس كمعهد مستقل في عام 1939، وقد تم تحديد الدراسة به بخمس سنوات؛ السنوات الثلاث الأولى لدراسة المواد الفنية والعلمية، كالتصوير بفروعه والنحت والرسم والزخرفة وتاريخ الفن، بينما تدرس الطالبات طرق التدريس خلال السنتين الأخيرتين، ويحصلن عند التخرج على درجة الدبلوم»، ويتابع: «ضمت الدفعة الأولى التي تخرجت عام 1944 ست طالبات، هن: فهيمة أمين ووهيبة عبد النبي وجميلة نسيم، بالإضافة إلى الطالبات زينات ورفيعة وإنصاف».

                                                                    بورتريه من تنفيذ الفنانة الراحلة (الشرق الأوسط)
وبحسب موسى فإن المعهد عند تأسيسه أوكلت عمادته إلى سيدة إنجليزية، ثم تتابعت على عمادته المصريات، وأشهر من تولين هذا المنصب كانت إنصاف سري، وهي واحدة من رائدات التعليم في مصر، إذ شغلت منصب ناظرة لأكثر من مدرسة من مدارس البنات في العشرينيات، مثل مدرسة شبرا الثانوية للبنات في العام 1925، وتحمل عديد من المدارس الآن في مصر اسم «إنصاف سري» تكريما لها.
ومما يدل على شغف فهيمة أمين بالفن وموهبتها أنها قبل التخرج شاركت في معرض القاهرة الرابع والعشرين للتصوير والنحت، وقد ترشحت إحدى لوحاتها إلى الجائزة الأولى بالمعرض. وبعد تخرجها، عملت بتدريس الفنون في عدد من المدارس، ومنها مدرسة الفنون الزخرفية للبنات، ومدرسة فنون الفلكي.
وفي إطار هذا الشغف أيضاً عادت إلى دراسة الفن إذ التحقت في عام 1962 بالقسم المسائي بمعهد ليوناردو دافنشى للفنون الجميلة، وكان عمرها آنذاك 44 عاما، ومن المعروف أن المعهد مقره بالقنصلية الإيطالية في القاهرة، وكان الهدف منه هو تمكين المصريين من دراسة اللغة الإيطالية، وفنون التصوير والرسم والعمارة والنحت، فضلاً عن التعرف على الثقافة الإيطالية.
قدمت الفنانة خلال حياتها الفنية مجموعة متنوعة من اللوحات الفنية، وعرضتها في عدد من المعارض التي أقامتها في مدينة القاهرة، وتباينت ما بين لوحات لأشخاص والمعروفة أيضاً باسم البورتريه، ولوحات تصور الأجساد العارية، ولوحات الطبيعة والحياة البرية، ولوحات تعرض مشاهد من الحياة اليومية، ويضم المعرض القائم الآن نحو 45 عملاً منها، وذلك من خامات الألوان المائية والباستيل والحبر على الورق.

                                                                                                                                                                                    من أعمال فهيمة أمين (الشرق الأوسط)
يذكر أنه من أهم منجزات فهيمة أمين هو قاموس أعدته لتوثيق السير الذاتية للفنانين التشكيليين المصريين والأجانب الذين أقاموا بمصر، حتى لا تندثر سيرهم، وقد صدر هذا القاموس لأول مرة في عام 1971، إلا أن ابنها يرى أنه مما لا يقل أهمية عن ذلك دورها في تعليم أجيال من الفتيات القواعد الفنية وتبنيها لموهبتهن كمعلمة: «كانت تصحب الطالبات في المدرسة الثانوية التي تعمل بها إلى الحدائق العامة وحديقة الحيوان للرسم الحي، ولا تبخل عليهن بعلمها، وهو ما يعكس كيف كانت المدارس الفنية تحتفي بتدريس الفن إلى حد الانطلاق خارج جدران الفصول الدراسية إلى الطبيعة». ويردف: «كذلك كانت تفعل معي كأم تشعر بالمسؤولية تجاه طفلها الوحيد».
ووفق ناجي موسى عاصرت أمين في «المعهد العالي لمعلمات الفنون» مجموعة أخرى من الفنانات المصريات اللاتي لعبن دوراً بارزاً في الحركة الفنية منهن صوفي حبيب جورجي، زوجة رمسيس ويصا النساجة وشريكة مؤسسة في مركز رمسيس واصف للفنون، يقول: «صوفي دفعتها لكن كانت تدرس في قسم آخر، وكذلك الفنانة الشهيرة جاذبية سري التي تخرجت بعدها وظلت وفية لها حتى بعد رحيلها» ويتابع: «تمنيت طويلاً إقامة معرض ضخم يضم أعمال خريجات هذا المعهد الذي يعد رمزاً لاحتفاء مصر بالفن والمرأة معا منذ النصف الأول من القرن الماضي؛ لأنه كان يعد معلمات متخصصات في التدريس الفني فقط لطالبات المرحلة الثانوية، ما يثبت أن مصر رائدة أيضاً في التعليم المتخصص».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


مصر ترفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام إلى 8 آلاف جنيه شهرياً

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (رويترز)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (رويترز)
TT

مصر ترفع الحد الأدنى للأجور في القطاع العام إلى 8 آلاف جنيه شهرياً

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (رويترز)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (رويترز)

قال رئيس الوزراء المصري ‌مصطفى ‌مدبولي، ‌الأربعاء، ⁠إن ​الحكومة سترفع ⁠الحد الأدنى للأجور للعاملين ⁠في ‌القطاع ‌العام ​إلى ‌8 آلاف ‌جنيه مصري (149.62 دولار) ‌شهرياً ابتداء من يوليو (⁠تموز) ⁠2026، حسبما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار مدبولي في مؤتمر صحافي، إلى أن ‌احتياطيات مصر ‌من ​السلع ‌الاستراتيجية ⁠تكفي ​ستة أشهر، ⁠وأن الحكومة تعمل على زيادة هذه الكمية بما ⁠يكفي شهرين ‌إضافيين.

وذكر ‌وزير ​المالية ‌أن ‌مصر سترفع أيضاً سعر شراء القمح المحلي إلى ‌2500 جنيه (46.76 دولار) لكل ⁠إردب (150 كيلوغراماً).


ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
TT

ما الخيارات البديلة لـ«الإغلاق المبكر» في مصر؟

جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)
جانب من اجتماع الحكومة المصرية الأربعاء (مجلس الوزراء المصري)

تدفع توجهات الحكومة المصرية نحو تخفيف قرارات «الإغلاق المبكر» مؤقتاً خلال أعياد المسيحيين تساؤلات حول ما إذا كان بإمكانها اتخاذ قرارات أخرى لترشيد الطاقة، بدلاً من «الغلق» الذي يواجه تذمراً من قطاعات إنتاجية وتجار، وفي ظل مخاوف من تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري.

وقرّرت الحكومة المصرية، الأربعاء، «غلق المحال العامة، والمراكز التجارية، والمطاعم، وغيرها في الساعة 11 مساءً بدلاً من التاسعة مساءً بدءاً من الجمعة، الموافق 10 أبريل (نيسان) الحالي، حتى الاثنين الموافق 13 أبريل». وقالت، في بيان لها، إن قرارها جاء «استجابة لتوصية صادرة عن اللجنة المركزية لإدارة الأزمات؛ وذلك بمناسبة أعياد المواطنين المسيحيين».

وكانت «اللجنة المركزية لإدارة الأزمات» انعقدت مساء الثلاثاء، وترأسها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، وأوصت «بتعليق العمل بقرارات الإغلاق الخاصة بالمحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم والكافتيريات والأندية والمنشآت الرياضية والشعبية، خلال أسبوع أعياد المواطنين الأقباط، على أن تعرض هذه التوصية على مجلس الوزراء».

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن أمام الحكومة العديد من الخيارات البديلة عن «الإغلاق المبكر»، في مقدمتها الاعتماد على الطاقة الشمسية في إنارة الشوارع لترشيد الاستهلاك، والاعتماد على أنظمة إنارة موفرة، وتوجيه المصانع الكثيفة نحو العمل في أوقات بعيدة عن ذروة الاستهلاك، وتقليص الفقد من توزيع الكهرباء، والتعامل بإجراءات أكثر حسماً مع جرائم «سرقة التيار»، إلى جانب إجراءات طويلة المدى عبر التوسع في إنتاج الطاقة البديلة.

وبدأت الحكومة المصرية، السبت الماضي، تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في 10 مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في محافظتَي جنوب سيناء، وأسوان، ومدينة الأقصر، ومدينتَي الغردقة ومرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، والمحال العامة والمنشآت السياحية على النيل في القاهرة والجيزة.

وتهدف الحكومة من قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

غير أن قراراتها واجهت اعتراضات من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية، وفي ظل مخاوف من فقدان «عمالة المساء» فرص عملهم، إلى جانب تأثيرات أخرى متوقعة على قطاع السياحة، رغم استثناء المنشآت السياحية من قرارات «الغلق المبكر».

ظلام يخيم على أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير غلق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

رئيس وحدة دراسات الطاقة «بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، أحمد قنديل، يرى أن الأيام الماضية أثبتت أن خفض الاستهلاك عبر إجراءات «الغلق المبكر» ترك آثاراً سلبية واضحة على حياة المواطنين والأنشطة التجارية، وقد تمتد للأمن العام.

وأضاف، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك بدائل أكثر كفاءة وأقل ضرراً يمكن الاعتماد عليها، من بينها الاعتماد على «الإنارة الذكية» في الأماكن العامة والشوارع، بحيث يتم خفض الإضاءة تلقائياً حال لم تكن هناك حاجة إليها، مع الاعتماد على مصابيح «الليد» الموفرة للكهرباء، وهي توفر ما بين 50 في المائة إلى 70 في المائة، مقارنة بالمصابيح العادية.

وأشار إلى أن الحكومة سيكون عليها تركيب أعمدة الإنارة التي تعمل بالطاقة الشمسية لتخفيف الضغط عن الشبكة العامة للكهرباء، مع إمكانية إلزام «المولات التجارية» والأماكن التجارية بتركيب أجهزة تكييف منخفضة الاستهلاك، أو تحديد حدّ أقصى لاستهلاك الكهرباء على مدار اليوم، وهو أمر يمكن التحكم فيه بسهولة عبر «العدادات الكودية» التي تعمل في الجزء الأكبر من المنشآت التجارية.

وشدّد قنديل على «ضرورة تحسين كفاءة شبكات الكهرباء والتعامل مع مشكلات النقل والتوزيع، إضافة إلى اتخاذ إجراءات أكثر حسماً مع جرائم سرقة التيار الكهربائي».

ويستمر الطلب على الكهرباء في الارتفاع، بحسب وزير الكهرباء محمود عصمت، الذي أكد أن ​الاستهلاك ينمو 7 في المائة سنوياً في المتوسط. وتستهلك المنازل وحدها نحو 38 في المائة، مقارنة بنحو الربع للقطاع الصناعي.

ولا تزال مصر تعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي لتوليد الطاقة. وقال عصمت إن الدولة توفر الغاز بسعر 4 دولارات تقريباً للوحدة ​لإنتاج الكهرباء، وهو أقل من أسعار السوق العالمية، ما ‌يسلط الضوء على الضغوط المالية، مع ارتفاع تكاليف الطاقة عالمياً.

ويشير الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، إلى أن بدائل «الغلق المبكر» لا بد أن تكون من خلال إيجاد بدائل لإنتاج الطاقة، والتوسع في استخدامات الطاقة النظيفة والمتجددة، مشيراً إلى أن الاستمرار في تطبيق الإجراءات الحالية قد يؤدي إلى فقدان 40 في المائة من العمالة غير المنتظمة وظائفهم في القطاع الخدمي وقطاعات التجزئة، مع احتمالات تقلص إيرادات القطاعات التجارية والإنتاجية المحلية.

وأكّد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن إجراءات ترشيد الاستهلاك ممكنة عبر قرارات «تخفيف الأحمال» التي تقوم الحكومة باتخاذها بين الحين والآخر، غير أن «الغلق» قد لا يؤدي للغرض ذاته، كون وجود صعوبات جمة في ضمان التزام المحال التجارية في الأزقة والحواري والمناطق الشعبية، مشدداً على ضرورة تقليص استهلاكات وقود مواكب الوزراء والمسؤولين وإقناع المواطنين بأهمية الترشيد وتطبيقه على الجميع دون استثناء.


الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)
توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)
TT

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)
توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضع غير قانوني، مما يعكس رغبة الطرفين في تعميق التعاون الأمني والفني، بعيداً عن الأنماط التقليدية، حسب ما رشح من تصريحات لوزير خارجية الجزائر أحمد عطاف.

وتأتي هذه الخطوة في سياق دبلوماسي لافت؛ تميز باستعادة الجزائر تعاونها مع فرنسا بخصوص استقبال مواطنيها المهاجرين محل أوامر إدارية بالإبعاد، بعد أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين، كانت مشكلة الهجرة أحد أبرز ملفاتها الساخنة.

جانب من لقاء وفدي خارجيتي الجزائر وبلجيكا (وزارة الخارجية الجزائرية)

وأعلن وزير الخارجية أحمد عطاف، أمس الثلاثاء، خلال زيارة إلى العاصمة البلجيكية بروكسل، عن توقيع اتفاقين يضافان إلى سلسلة تفاهمات بين البلدين، تمت في قطاعي الصحة والنقل. الاتفاق الأول يمنح إعفاء كاملاً من التأشيرات لحاملي جوازات السفر الدبلوماسية وللخدمة.

أما الاتفاق الثاني فيضع إطاراً قانونياً شاملاً للتعاون في مجال تنقل الأشخاص، حسبما تضمنه تصريح مصور لعطاف، بثته وزارة الخارجية الجزائرية.

من جانبها، كشفت وزيرة اللجوء والهجرة البلجيكية، أنيلين فان بوسويت، عن الجوانب التنفيذية لهذا التعاون، واصفة اتفاق إعادة قبول المواطنين المقيمين بصفة غير قانونية، بأنه «تاريخي تعذر الوصول إليه لنحو عقدين من الزمن». وأوضحت أن هذا الإطار القانوني الجديد «يمثل حجر الزاوية في بناء سياسة هجرة موثوقة ومتسقة، تضمن العودة الفعلية لمن لا يملكون حق الإقامة، مما يساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط على السجون البلجيكية وتعزيز الأمن المجتمعي».

آليات لتجاوز عقبة الترحيل

يتضمن الاتفاق بنوداً إجرائية متطورة لتجاوز العقبات الإدارية السابقة، منها تسهيل اللوجيستيات، عبر إمكانية ترحيل مجموعات من الأشخاص في رحلة واحدة، مع مرونة في اختيار مسارات الرحلات سواء كانت مباشرة أو عبر محطات توقف. وتسريع الهوية، عبر تقليص المدد الزمنية لتحديد الجنسية، ما يمنع استغلال الثغرات القانونية للبقاء غير الشرعي، حسبما جاء في تصريحات الوزيرين.

وزير خارجية الجزائر مع رئيس وزراء بلجيكا (وزارة الخارجية الجزائرية)

كما ينص الاتفاق على أن تلتزم الجزائر بتأكيد جنسية الشخص المعني بسرعة أكبر، بعدما كانت هذه العملية تستغرق أحياناً عدة أشهر، حيث سيتم تقليصها إلى نحو أسبوعين، وهو أمر مهم في تقدير السلطات البلجيكية، لأن بعض المهاجرين يدّعون خطأً أنهم جزائريون بسبب صعوبة إعادتهم إلى بلدهم.

كما يمنح الاتفاق بلجيكا وقتاً أطول لترحيل الأشخاص، إذ لم تعد وثيقة السفر صالحة لمدة 24 ساعة فقط، بل سيتم تمديدها إلى 30 يوماً، بعدما كانت عمليات الترحيل تفشل في كثير من الأحيان بسبب قصر مدة صلاحية الوثائق.

ويسمح الاتفاق بإعادة عدة أشخاص على الرحلة الجوية نفسها، دون أن يكون من الضروري أن تكون الرحلة مباشرة، ويتيح كذلك لبلجيكا الاستعانة بمرافقين جزائريين، بحيث لا تبقى مهمة تأمين رحلات الإعادة مقتصرة على الشرطة الفيدرالية البلجيكية فقط.

وتأتي زيارة وزير الخارجية الجزائري إلى بروكسل بعد زيارة وزير خارجية بلجيكا ماكسيم بريفوت إلى الجزائر في يوليو (تموز) 2025، حيث تم التعهد حينها بـ«تدارك الوقت الضائع» فيما يخص التعاون الثنائي. وقد تجسّد هذا الالتزام جزئياً من خلال عقود حصلت عليها شركات بلجيكية، وفتح آفاق جديدة للتعاون في مجالات الطاقة والموارد المعدنية.

وأكدت الصحافة البلجيكية أن الاتفاقيات التي أبرمت، أمس الثلاثاء، جزء من سياسة تتبعها بلجيكا في مجال الهجرة، تركز على تعزيز التعاون مع بلدان المنشأ، بهدف تقليل طلبات اللجوء وزيادة عدد عمليات العودة الفعلية، بعد صدور أوامر بمغادرة الأراضي البلجيكية. مشيرة إلى الأرقام الرسمية، التي تفيد بأن 2251 شخصاً صرحوا بأنهم يحملون الجنسية الجزائرية تلقوا أمراً بمغادرة الأراضي العام الماضي، لكن 85 فقط غادروا فعلياً، في حين يوجد حالياً 780 شخصاً يصرحون بأنهم جزائريون في السجون، من بينهم 700 دون إقامة قانونية.

خلال الربع الأخير من عام 2025، تلقى 115,440 شخصاً أمراً بمغادرة أراضي إحدى دول الاتحاد الأوروبي، حسب «يوروستات» (المكتب الإحصائي التابع للاتحاد الأوروبي)، وهو رقم يشهد ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 2.7 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. ويشكل الجزائريون أكبر فئة من الأشخاص الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل في أوروبا، حيث تم إصدار 12,325 أمراً بمغادرة الأراضي بحقهم، ما يمثل 10 في المائة من إجمالي قرارات الإبعاد الصادرة داخل الاتحاد الأوروبي خلال تلك الفترة.

ووفق «يوروستات»، تحتل الجنسية الجزائرية صدارة الترتيب، من حيث عدد قرارات مغادرة الأراضي الأوروبية الصادرة عن دول الاتحاد الأوروبي. ويأتي في المرتبة الثانية المواطنون المغاربة بـ6,670 قراراً، يليهم المواطنون الأتراك في المرتبة الثالثة بـ6,350 قراراً.

شراكة تتجاوز الهجرة

أبرز وزير الخارجية البلجيكي فرصاً جديدة أمام الشركات البلجيكية، إضافة إلى إمكانية تعزيز الشراكة مع الجزائر في مجال الطاقة، مشيراً إلى أن الجزائر تُعد رابع أكبر مزود للغاز في الاتحاد الأوروبي، والثاني عبر خطوط الأنابيب، ما يجعلها شريكاً استراتيجياً خصوصاً في ظل الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة، وتأثير الأزمات الدولية على الأسعار والأمن الغذائي. كما أعلن عن زيارة مرتقبة لمبعوث خاص للطاقة إلى الجزائر لتعزيز التعاون في مجالات الطاقة، والطاقات المتجددة والموارد المعدنية.

الوفد الجزائري بقيادة وزير الخارجية خلال اجتماعه بالمسؤولين البلجيكيين (وزارة الخارجية الجزائرية)

وأشار بيان مشترك توج زيارة أحمد عطاف إلى وجود مناقشات جارية لإقامة شراكة بين شركة «سوناطراك» الجزائرية للمحروقات، مع مجموعة «جون كوكريل» البلجيكية، المتخصصة في مجالات الطاقة، خصوصاً الهيدروجين الأخضر، والدفاع والصلب والبيئة.

وحالياً، يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 1.7 مليار يورو سنوياً، مع وجود إمكانات كبيرة غير مستغلة بعد في مجالات مواد البناء، وتجريف الموانئ، والمركبات الثقيلة، والتنقل، والخدمات اللوجيستية للمطارات. وقد رحّب وزير الخارجية الجزائري بعودة اهتمام الشركات البلجيكية بالسوق الجزائرية، داعياً إلى تعزيز حضورها، مؤكداً وجود فرص استثمار مهمة خصوصاً في قطاعات الطاقة والمناجم والزراعة، بما في ذلك الزراعة الصحراوية، والصناعة والنقل والابتكار.