رجل مقطوع الرأس: جريمة مروعة لا تزال لغزاً بعد 27 عاماً على ارتكابها

رجل مقطوع الرأس: جريمة مروعة لا تزال لغزاً بعد 27 عاماً على ارتكابها

الأحد - 24 محرم 1444 هـ - 21 أغسطس 2022 مـ
الضحية كريستوف دوار يوم زفافه (نقلاً عن صحيفة «ليبيراسيون» الفرنسية الصورة ﻟ Jerome Chabanne/Hans Lucas).

«العثور على رجل مقطوع الرأس»، جريمة هزت مدينة فيشي الفرنسية يوم عيد الميلاد سنة 1995، لا يزال الكشف عن خيوطها لغزاً حتى يومنا هذا، وقد أعيد فتح ملف الجريمة مرات عدة، آخرها سنة 2020، حيث تولى 15 محققاً هذه القضية، لمحاولة الوصول إلى نتيجة، ووُضعت زوجة الضحية أخيراً في السجن ليُفرج عنها الأربعاء الماضي مع وضعها في الإقامة الجبرية، فيما التحقيقات لا تزال مستمرة.

أفادت مجلة «لو بي إس» الفرنسية، في تقرير لها عن هذه الجريمة، بأنه في صباح يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) 1995، يتلقى الشرطي ريمون (اسم مستعار) في مدينة فيشي الفرنسية اتصالاً هاتفياً يفيد بالعثور على جثة كريستوف دوار، الصياد الذي كان مفقوداً من تسعة أيام، ويقول ريمون إن ما سيراه عند كشفه على مسرح الجريمة في ذاك اليوم، سيظل يطارد لياليه حتى بعد انقضاء حوالي 30 سنة على الحادثة.

وجد الشرطي جثة الشاب المفقود البالغ من العمر 28 عاماً يرقد في خندق، بطنه على الأرض مرتدياً ثياب صيد، اكتشف صيادان الجثة للتو، وعلى مرأى من مسرح الجريمة، الجميع يغمره الرعب، الجسد مقطوع الرأس، وتم وضع حذاء الضحية في مكان رأسه، الذي لن يتم العثور عليه أبداً، وجسده لم يعد يحتوي على قطرة دم، ويقول الشرطي المتقاعد متذكراً الحدث: «لم نواجه قط مشهداً كهذا».

تم التعرف على الجثة من أوراق جيبه، وتبين أن الرأس قد قُطع بعد الوفاة، وفُتح تحقيق قضائي في «القتل العمد»، ولكن، ولمدة سبعة وعشرين عاماً، ستظل هذه الجريمة بلا عقاب، والأسوأ من ذلك أن رجلاً سيظل مشتبهاً به لفترة طويلة جداً عن طريق الخطأ.

لذلك، منذ أكثر من شهر بقليل، عندما أعلن مدعي عام مدينة كوسي الفرنسية إريك نيفو، في مؤتمر صحافي، أن التحقيق قد أُعيد إطلاقه، وأنه نجح أخيراً، ولأول مرة، في إصدار لائحة اتهام، فإن الخبر أثار الدهشة، بعد كل هذه السنوات التي اعتقد فيها بفرضية الخلاف بين الصيادين، أصبحت ماريا أرملة الضحية، هي المشتبه الجديد بقيامها بعملية القتل، ووُجه الاتهام إليها للتو، وتم اعتقالها.


زوج عنيف في بعض الأحيان

بدأت قصة ماريا وكريستوف عندما تعرفا على بعضهما في سن المراهقة، وتزوجا في عام 1987، وتظهر الصورة التي ظهرت في الصحافة في ذلك اليوم كل الابتسامات، وهو يرتدي بدلة داكنة وربطة عنق متناسقة، وهي ترتدي فستاناً أبيض طويلاً مبهرجاً، يحيط بهم صيادون يرتدون أحذية سوداء.

ورغم أن الزوجين أنجبا طفلاً، لكن سعادة الزواج لم تدم، إذ تشهد مستندات ملف التحقيق الذي اطلعت عليه مجلة «لو بي إس»، أن كريستوف كان عندما ينتهي من عمله في شركة أغذية زراعية، يقضي كل وقت فراغه تقريباً في الصيد، ويشرب كثيراً، و«يضرب زوجته أحياناً».

بدأت زوجته الموظفة في مصنع ألبان صناعية إجراءات الطلاق في عام 1993، قبل أن تتراجع عن هذه الخطوة عندما وافق زوجها على طلب العلاج.

لكن العنف استمر، ففي بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) 1995، بعد أن عاد زوجها ثملاً من الصيد مرة أخرى، عاتبته على ذلك وتلقت ضربات جديدة منه مقابل عتابها.


حادثة تثير الشبهات

يعود كريستوف يوم السبت 16 سبتمبر إلى المنزل للاستحمام قبل الانضمام إلى شقيقه، الذي يعيش في الجوار، لقضاء أمسية كرة قدم على شاشة التلفزيون، وعندما وصل كريستوف عند أخيه، كان في حالة صدمة، فقبل بضع دقائق، بينما كان في حوض الاستحمام، وكانت زوجته ماريا تجفف شعرها بجواره، ألقت زوجته، حسب ما كتب المحققون، طوعاً أو عن غير قصد، بالجهاز الكهربائي في الماء حيث يستحم كريستوف، لكن كريستوف نجا من صعقة كهربائية.

وفي الساعة 11:30 مساءً، قبل كريستوف شقيقه وأخذ سيارته للعودة إلى المنزل، وهذه كانت آخر مرة شوهد فيها حياً.


تناقض في أقوال ماريا

فوجئ الصيادون بعدم العثور على كريستوف في اليوم التالي، وقلقوا عليه، ويتذكر الصياد باتريك بوديه: «كان الجميع ينظرون في كل مكان، ولم يفهم أحد ماذا يجري، لقد كان الأمر غريباً».

انتظرت ماريا دوار زوجة كريستوف حتى يوم الاثنين لتعلن اختفاء زوجها، وأوضحت للشرطة أنها اعتقدت أن زوجها كان غائباً لأنه في الصيد، وقالت إنها لم تبدأ بالقلق عليه إلا بعد أن جاء زميله في العمل صباح يوم الاثنين ليبحث عنه، ولاحقاً ستقول ماريا إنها اكتشفت أن زوجها عاد إلى المنزل بأمان، ووجدت الملابس التي كان يرتديها ليل السبت بين الغسيل المتسخ.


الاشتباه بصياد

طُرحت فرضية نزاع بين الصيادين، واشتُبه بواحد منهم على وجه الخصوص: دومينيك ميليه، وبسرعة تم وضع دومينيك ميليه في حجز الشرطة، واعترف بسرقة كلبة كريستوف لتلقينه درساً بسبب خلاف على الصيد معه، لكن ميليه بقي ينفي رسمياً أي مشاركة له في القتل.

وبعد تسعة أشهر، في سبتمبر (أيلول) 1996، قُبض على ميليه، ووُضع مرة أخرى في حجز الشرطة، وبقي ينكر بشدة ضلوعه في الجريمة.

وأعلن قاضي التحقيق في القضية في مارس (آذار) 2000، أن «التحقيقات المعمقة التي أُجريت في قضية جريمة قتل كريستوف دوار عن احتمال تورط دومينيك ميليه بالجريمة لم تسمح بتأكيد ضلوع الأخير بالجريمة»، وبدا أن التحقيق قد أُغلق.

لكن بعد عامين، في جنازة والد دومينيك ميليه، اتهمت إحدى شقيقاته ميليه أخاها بالقتل، فأُعيد فتح الملف، دون الوصول إلى نتيجة.

وكتب قاض آخر في فبراير (شباط) 2007: «في نهاية هذا التحقيق الجديد، رغم الوسائل العديدة المستخدمة، لا يوجد أي دليل لتحديد مرتكب جريمة القتل».


27 عاماً من الإهانات والتهديدات

ورغم عدم الحكم عليه، وُسم اسم دومينيك ميليه بجريمة قتل كريستوف دوار، ويقول هذا المتقاعد البالغ من العمر 69 عاماً، «طوال هذه السنوات، أُطلق عليّ اسم (قاطع الرأس)».

ويتحدث ميليه عن معاملات الحراس القاسية له أثناء توقيفه، وإطلاق النار عليه في يوم من أيام عمله، ونجاته من محاولة القتل، ليصبح تحت حماية الشرطة، كما يحكي عن حياة الإهانات والتهديدات وعواقبها على أحبائه، حتى أن أحد أبنائه انتحر في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويقول، «سوف أرتاح حقاً فقط عندما يتم العثور على الجناة حقاً، ويدفع الثمن أولئك الذين أثاروا الشائعات ضدي».


مايو 2020: النيابة تعيد فتح الملف

في مايو 2020، ألقى المدعي العام في مدينة كوسيت نظرة جديدة على الملف المترامي الأطراف، وقرر بدء تحقيق جديد، في أقصى درجات السرية، وتم جمع فريق خاص من حوالي خمسة عشر محققاً، مع منسق عمليات الطب الشرعي والمحللين السلوكيين والجنائيين.

تبنى المحققون فرضيات مختلفة قد تكون أدت إلى الجريمة: الزوج، والأسرة، والصيادون، والعلاقات العاطفية للضحية... وقد أتى عملهم الدقيق ثماره، ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، وصل قاضيا تحقيق إلى نتيجة.

في 15 أبريل (نيسان) 2022، تم استخراج جثة كريستوف دوار، وأُجريت تحليلات جديدة للحمض النووي، ففي وقت وقوع الجريمة (عام 1995)، كان استخدام علم الوراثة في تحقيقات الطب الشرعي لا يزال في مهده، وبعد ذلك، أعلن المدعي العام إريك نيفو في نهاية يونيو (حزيران) الماضي: «في ضوء جميع التحقيقات، وتصريحاتها (تصريحات ماريا زوجة الضحية) الأولية، التي غالباً ما كانت غير متماسكة ومتغيرة منذ ديسمبر (كانون الأول) 1995، والأدلة المقنعة التي تم العثور عليها في منزلها، وموقفها أثناء التحقيق، تم وضع ماريا أرملة كريستوف دوار البالغة من العمر 55 عاماً، في حجز الشرطة».

وأضاف المدعي العام الأسباب التالية لاحتجاز ماريا: «بعد افتقارها (ماريا) إلى تفسيرات ذات مصداقية، وكذلك إنكارها، لا سيما فيما يتعلق بوضع الزوجين (طبيعة العلاقة الخلافية مع زوجها قبل الجريمة)»، ووُجهت إليها تهمة القتل العمد، ووُضعت في الحبس الاحتياطي.


الزوجة تنفي ارتكاب الجريمة

أنكرت ماريا في حجز الشرطة وأمام القضاة، أنها صاحبة جريمة القتل، ولا يزال التحقيق مستمراً، والقاضي لا يستبعد القيام بتوقيفات أخرى.

وقررت غرفة التحقيق بمحكمة استئناف، يوم الأربعاء الماضي، الإفراج عن أرملة كريستوف دوار، ولكن تحت الإشراف الشديد عليها، ووُضعت في الإقامة الجبرية تحت المراقبة الإلكترونية.


أوروبا فرنسا لبنان عالم الجريمة محاكمة منوعات

اختيارات المحرر

فيديو