كشف أسرار الآثار الحجرية الغامضة في السعودية

باحثو «كاوست» يوظفون نظم الذكاء الصناعي في دراستها

الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
TT

كشف أسرار الآثار الحجرية الغامضة في السعودية

الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم
الهياكل الحجرية الضخمة التي تعرف بالمستطيلات تعد من أقدم الآثار بالعالم

وظف العلماء خوارزميات التعلم الآلي العميق لتسريع اكتشاف مستطيلات الصحراء السعودية العملاقة التي يعود تاريخها إلى آلاف ماضية من السنين. وكان وزير الثقافة السعودي، الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، أشار في تغريدة له عبر تويتر عام 2021، أن دراسة دولية أوضحت أن الهياكل الحجرية الضخمة والغامضة التي تعرف بالـ«مستطيلات» في شمال غربي المملكة، تعدّ من أقدم الآثار في العالم. ويعود تاريخ هذه المواقع الأثرية إلى حوالي 7000 عام، وشكلت لغزا كبيرا للباحثين والعلماء حول العالم لمعرفة طبيعتها وأسباب بنائها. وكانت دراسة من جامعة كمبريدج البريطانية قد أشارت إلى أن هذه الهياكل الضخمة أكثر تعقيداً مما كان يُفترض سابقاً، وتضم غرفاً ومداخل ومقاعد.

مسح أثري «ذكي»
في هذا الاتجاه، ولتسريع وتيرة الاكتشافات استخدم علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، نظم الذكاء الصناعي لتوفير مسح أرضي مفصل عن هذه المنطقة التي لم تحظ بدراسة كافية من قبل، وللإسهام في بناء معارف جديدة تعزز من الإرث الثقافي، ما يعود بالنفع على بقية قطاعات الاقتصاد بالمملكة.
ويتكون الفريق العلمي من فيرجيل بلوا، طالب زائر في مختبر إدراك الصورة والفيديو التابع لـ«كاوست» (IVUL)، ود. سيلفيو جيانكولا، عالم الأبحاث العلمية ومبادرة الذكاء الصناعي بالمختبر ذاته، ود. لورانس هابيوت زميلة «كاوست» للبحوث الأثرية والتواصل الثقافي، والبروفسيور برنارد غانم، الباحث الرئيس بمختبر إدراك الصورة والفيديو، ونائب مدير مبادرة الذكاء الصناعي، والذي حدد نطاق التعاون متعدد التخصصات. ويمول المشروع من قِبل مكتب الرئيس، ومكتب عميد الجامعة، ومختبر إدراك الصورة والفيديو (IVUL).
وتعد تقنيات الذكاء الصناعي أحد أفضل الطرق لقياس الآثار من خلال استكشاف طرق لتمثيل المعلومات الأثرية العامة والهياكل، خاصة عند تطبيقها على التحليلات المكانية مثل تحليل مجال الرؤية وتحليل المسار الأقل تكلفة والتي يصعب تنفيذها دون الاستعانة بمقدرات الحاسوب بسبب تعقيدها.

مستطيلات الصحراء
في عام 2020 أعلنت هيئة التراث في السعودية عن عثور فريق علمي على منشآت حجرية في صحراء النفود في المملكة عبارة عن مصائد للحيوانات تُعد من أقدم المصائد الحجرية في العالم حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 7000 عام.
وأوضحت الهيئة أن نتائج أعمال الفريق أكدت أن مناطق شمالي المملكة شهدت تطوراً حضارياً قبل حوالي 5000 سنة ق.م. بدليل تشييد أمكنة ضخمة ضمت مئات المنشآت الحجرية الكبيرة وهو تغيّر ثقافي مهم ونقلة حضارية في المنطقة.
وتناول العمل العلمي الميداني الذي قام به الفريق بدايات تطور المنشآت الحجرية ضمن سياقها الأثري والبيئي وخاصة المستطيلات منها التي وصفت بأنها مصائد للحيوانات. فلقد أدت تلك المستطيلات دوراً مشابهاً وعكست تطور سلوك التوجهات الإقليمية عند الإنسان من خلال المنافسة على المراعي في بيئات صعبة غير مستقرة في الجزيرة العربية حتى في الأزمنة الرطبة في عصر الهولوسين، حيث كانت البيئة تمر بفترات جفاف.

مجال بحثي جديد
وتعتبر المبادرة جزءاً من مجال بحثي جديد يُعرف باسم علم «الآثار الحسابي»، حيث أنشأ الفريق برنامجاً لنمذجة الكشف عن الهياكل الحجرية، باستخدام الصور الملتقطة بواسطة صور الأقمار الصناعية.
ويهتم علم «الآثار الحسابي» بتوظيف طرق معالجة حاسوبية عالية الدقّة لكمية كبيرة من البيانات لدراسة السلوك البشري والتطور السلوكي على المدى الطويل، والذي يتضمن استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS). وعلى مدار أكثر من عقد، استخدم علماء الآثار المصادر المتاحة لصور الأقمار الصناعية يدويّاً، والبحث عن برنامج مثل خرائط غوغل؛ للحصول على أدلة عن المواقع الأثرية المحتملة، ثم بعد ذلك القيام بإجراء زيارات ميدانية لهذه المواقع.
في هذا المشروع استخدم فريق «كاوست» عملية آلية لإجراء مسح الأحجار العملاقة الغريبة المصطفة على شكل مستطيلات في صحراء النفود السعودية، وكذلك بقايا الأماكن الأثرية ذات الأشكال الدائرية والمثلثة. ويستخدم المنهج خوارزميات التعلم الآلي العميق المُدرّبة على مجموعة من البيانات التي تم تعريفها يدويّاً بواسطة د. هابيوت. وفي اللحظة التي تم تدريب الخوارزميات عليها، أصبح من الممكن عزل مئات الخصائص المتشابهة المماثلة على نطاقٍ واسعٍ. وبمجردِ اكتشاف هيكل جديد؛ فإنَّ الأداة المستخدمة يمكنها تحويل وحدات البكسل (نقطة الصورة) المتشابهة إلى إحداثيات جيوديسية (أقصر خط طول بين نقطتين)، عبر استخدام نظام الإحداثيات العالمي (جي بي إس) (GPS)، ودمج تلك النتائج في خريطة إلكترونية وقاعدة بيانات لتحليلها. ويمكن استخدام تلك التقنية لإجراء تمارين مسح أخرى لاكتشاف أي عنصر ضخم في منطقة مفتوحة.
تقول د. هابيوت: «هذا المشروع يوضّح أنَّ جامعة «كاوست» صرح فريد للبحوث متعددة التخصصات؛ إذ يمكن لبيئات قليلة جداً تعزيز التكامل السريع لمفاهيم تقنية عميقة؛ كالذكاء الصناعي بالتعاون مع علماء الآثار، والذي ينتج عنه فهم فريد للوجود العالمي لتلك الهياكل الحجرية».
وتتميز المساحة الشاسعة الخاضعة للدراسة في المملكة بوجود آلاف الهياكل الحجرية الضخمة، ونظراً لأنَّ مساحة السعودية تغطي تقريباً مليوني كيلومتر مربع؛ فإنَّ عمليات البحث التقليدية وطرق الاكتشاف قد تستغرق أشهرا وربما سنوات للانتهاء منها، مقارنة بالخمس ساعات التي تستغرقها منهجية الفريق الذي يستعين بالذكاء الصناعي.
وحول التقنيات الجديدة المستخدمة في هذا المجال، يقول الدكتور جاسر سليمان الحربش، الرئيس التنفيذي لهيئة التراث السعودية: «يحلل الذكاء الصناعي، والتعلُّم الآلي قدرا هائلا من البيانات للمواقع الأثرية السعودية بسرعة مذهلة، لذلك ترحّب هيئة التراث السعودي بجهود «كاوست» لاستخدام أحدث التقنيات لدراسة تلك الهياكل الحجرية القديمة، وهو ما يساعدنا في معرفة المزيد عن وظيفتها وتوزيعها، وكذلك عن السكان القدامى الذين بنوها».
ولن تساعد التقنية في تسريع عملية الاستكشاف فقط، لكنها تقدم إجابة عن الأسئلة المطروحة عن الحجم، والمساحة، وأماكن توزيع بقايا الآثار القديمة، وأيضاً تسهم في معرفة إذا ما كان اكتشاف موقع وجود هيكل قديم في منطقةٍ ما، يعني احتمالية العثور على هيكل مشابه أو مرتبط به في منطقة مجاورة.

منافع أخرى
كما لا تتوقف المنافع التي تحققها تقنية التعلم الآلي العميق المستخدمة من قبل «كاوست» عند اكتشاف المناطق الأثرية فحسب، لكنها تساعد أيضا في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030، من خلال الحفاظ على الإرث الفريد للدولة السعودية، بتوثيقه وتسليط الضوء عليه، فضلاً عن دعم قطاع السياحة. فهذه المنطقة المفتوحة في المملكة تمثل نموذجاً مثالياً لهذا النوع من التقنية، والذي يصلح للاستخدام في أماكن أخرى في المنطقة، لها ذات الخصائص المشابهة لسطح الأرض، التي تعرف بـ«الطوبوغرافيا» أو علم التضاريس. وفي هذا الصدد يمكن إطلاق مبادرة في هذا الشأن، تعزز استفادة علم الآثار من الذكاء الصناعي، ويصبح بإمكان علماء الآثار، وعلماء البيانات تبادل المعرفة في تخصصاتهم، لتحقيق نتائج واعدة على المستوى التطبيقي.
ويعني علم الآثار بدراسة كل النشاط الإنساني الذي قام به أسلافنا في مكان ما، خلال حقبة ما من الزمن. وقد يشمل هذا النشاط الأدوات التي صنعها الإنسان لمواجهة متطلبات الحياة، والأبنية التي أشادها، والنشاط الاجتماعي والاقتصادي الذي قام به، والنصوص المكتوبة وكل الأعمال الفنية والمعمارية والعلمية. كما اهتم علم الآثار كذلك بدراسة أصل الإنسان والحضارة مستعيناً بأحدث التقنيات التي تدرس أدق التفاصيل المتعلقة بحياة أسلافنا القدماء. وفي النصف الثاني من القرن العشرين برز مصطلح «علم الآثار الجديد» الذي يعنى بدراسة تنظيم الجماعات البشرية في داخل مناطقها ومعرفة بنيتها الاجتماعية بهدف ربط ذلك كله بنظام عام للسلوك الإنساني.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟
TT

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

بالعالم الغربي: هل سترسم النساء مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لطالما نُصحت الشركات بالاستعداد للمستقبل من خلال التركيز على الشباب، والكفاءة الرقمية، والمهارات التقنية، وحُثّت على الاستثمار في «الكفاءات العالية» والتركيز على الجيل القادم. وفي الوقت نفسه، أغفلت هذه الشركات لسنواتٍ طويلة أحد أهم مصادر المواهب الاستراتيجية المتاحة لها: النساء، خصوصاً اللواتي يمتلكن الخبرة الكبيرة، كما كتبت ليتيسيا فيتو(*).

عالم محتدم بالتوترات

يبدو هذا التجاهل الآن أكثر خطورة. فمستقبل العمل يلوح في الأفق وسط التضخم، وأزمات النفط، والحروب، ومختلف أنواع التوترات الجيوسياسية، والقلق الاقتصادي، والشيخوخة السكانية، وتغير المناخ، والآثار المزعزعة للاستقرار للذكاء الاصطناعي. في مثل هذا العالم، تحتاج المؤسسات إلى أشخاص قادرين على التعامل مع الغموض، واجتياز التحولات، والحفاظ على العلاقات، واتخاذ قرارات سليمة تحت الضغط.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل النساء فوق سنِّ الخمسين في غاية الأهمية. إذ إنهن يُعدّون من بين أكثر مصادر المرونة والذكاء والقدرات العملية التي لا تُستغلّ بالشكل الأمثل في سوق العمل (خصوصاً في الدول الغربية التي ينحسر فيها النمو الديموغرافي- المحرر).

أسباب تدعو إلى عدم تجاهل النساء

إذا كانت الشركات جادةً في البقاء والنمو في عصر التقلبات، فإليكم 9 أسباب تدعوها إلى التوقف عن تجاهلهن.

1- التركيبة السكانية. السبب الأول هو الواقع الديموغرافي، ففي المجتمعات التي تشهد شيخوخةً سكانيةً، تُشكِّل النساء فوق سنِّ الخمسين جزءاً متزايداً من السكان، وبالتالي جزءاً متزايداً من القوى العاملة المتاحة. تعيش النساء أطول من الرجال، وغالباً ما يعملن لفترة أطول من الأجيال السابقة، ويُمثّلن نسبةً متناميةً من المواهب ذات الخبرة. ومع ذلك، لا يزلن ممثلات تمثيلاً ناقصاً في مسارات التوظيف، وفي المناصب القيادية، وفي التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة،لذا فإنهن أحد أكبر مخزونات المواهب المتاحة.

2- الخبرة والتحولات المهنية. غالباً ما تكون النساء فوق سنِّ الخمسين خبيرات في التحولات المهنية. لطالما تضمَّنت حياتهن العملية انقطاعات، وتغييرات جذرية، وإعادة ابتكار، وفترات من العمل بدوام جزئي، والعمل الحر، ورعاية الآخرين، والعودة إلى العمل. لذا فإن ما فسَّره أصحاب العمل التقليديون في كثير من الأحيان على أنَّه عدم استقرار، هو في الواقع إلمام عميق بالتغيير. ويتمتع أولئك الذين اجتازوا بالفعل تحولات متعددة بميزة تنافسية.

إجادة التعلم... والحكمة

3- إجادة التعلم. يقودنا هذا إلى ميزة ثالثة: يجيدن التعلم. في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر العاملون الأكثر قيمة على مَن يمتلكون المعرفة فحسب، بل يشملون مَن يستطيعون تطوير أنفسهم باستمرار. غالباً ما تملك النساء فوق سنِّ الخمسين اللواتي اضطررن إلى تغيير قطاعاتهن أو إعادة بناء ثقتهن بأنفسهن بعد النكسات قدرةً فائقةً على التعلم، والتخلي عن بعض المفاهيم القديمة، وإعادة التعلم. إنهن معتادات على التكيُّف، وعلى إثبات أنفسهن من جديد.

4- التمتع بالحكمة في عالم آلي. السبب الرابع هو الحكمة. المعلوم أن الذكاء الاصطناعي يجيد توليد النصوص، وتلخيص المعلومات، وأتمتة المهام المعرفية الروتينية. لكن المؤسسات لا تزدهر بالمعلومات وحدها، بل تزدهر بالتمييز: القدرة على فهم الموقف، وإدراك السياق، وموازنة الخيارات، واستشراف العواقب. هذه ليست مهارات تقنية بحتة، بل هي مهارات إنسانية، وتزداد رسوخاً مع الخبرة. غالباً ما تتمتع النساء فوق سنِّ الخمسين بحكمة متمرسة تُصبح ذات قيمة خاصة في ظلِّ بيئة غير مستقرة. فهنّ أكثر خبرة في التمييز بين الابتكار الحقيقي والضجة الإعلامية الفارغة.

الذكاء العاطفي والتعامل مع الأجيال

5- إضفاء الذكاء العاطفي على المؤسسات. مع ازدياد رقمنة العمل، وازدياد هجينه، وتجزئته، يزداد اعتماد المؤسسات على الأشخاص القادرين على بناء الثقة، وحل التوترات، والحفاظ على سير عمل الفرق. غالباً ما تتمتع النساء فوق سنِّ الخمسين بمهارات شخصية قوية، لم تُصقل فقط من خلال الخبرة العملية الرسمية، بل من خلال سنوات من العمل غير المرئي: التنسيق، والاستماع، والوساطة، والاهتمام، واستشراف الاحتياجات، وإدارة العلاقات. وهي أساسية لأداء المؤسسات.

6- تعزيز بيئات العمل متعددة الأجيال. توظف العديد من الشركات اليوم أجيالاً متعددة في آن واحد، لكن قليلاً منها يعرف كيف يحوّل التنوع العمري إلى ميزة. غالباً ما يظل التركيز منصباً على استقطاب الموظفين الأصغر سناً، وكأن الخبرة عبء وليست ميزة. يمكن للنساء فوق سن الخمسين أن يلعبن دوراً حاسماً في هذا الصدد. بإمكانهن توجيه زميلاتهن الأصغر سناً دون إعادة إنتاج التسلسلات الهرمية الجامدة. بإمكانهن نقل المعرفة، واستقرار فرق العمل، وتقديم منظور تاريخي. كما يمكنهن المساعدة في سد الفجوات الثقافية والمهنية بين الأجيال.

7- التحمّس للمساهمة. غالباً ما يكنَّ متحمسات للمساهمة. وعلى عكس الصورة النمطية، فإن كثيراً من النساء فوق سنِّ الخمسين لا يتراجعن عن العمل. بل على العكس تماماً. غالباً ما يجلب منتصف العمر فهماً أعمق لنقاط القوة والحدود والتطلعات. تهتم كثير من النساء في هذه المرحلة بالمساهمة الفعّالة أكثر من الاهتمام بالمظاهر الشكلية في الشركات. إنهن يعرفن ما يهمهن، وما يبرعن فيه، وما لا يرغبن في تحمله. وهذا غالباً ما يجعلهن فعّالات للغاية.

المرونة خلال الأزمات

8- التمتع بالمرونة في أوقات الأزمات. مع ازدياد احتمالية حدوث صدمة نفطية، واضطرابات اقتصادية، وعدم استقرار جيوسياسي - أو حتى حدوثها بالفعل بحسب وجهة النظر - تحتاج الشركات إلى أشخاص يعرفون كيف يعملون عندما لا تُجدي الخطط التقليدية نفعاً. غالباً ما أمضت النساء فوق سنِّ الخمسين سنوات في التكيُّف مع الندرة وعدم اليقين والخلل المؤسسي - سواء في العمل أو المنزل أو كليهما. إنهنّ يعرفن كيف يُنجزن المزيد بموارد أقل. يعرفن كيف يُعيدن ترتيب الأولويات، ويُبدعن، ويُواصلن العمل عندما تفشل الأنظمة. غالباً ما يكنّ عمليات أكثر من كونهنّ آيديولوجيات، ولديهن مرونة أكثر من الهشاشة. إنهن يعرفن كيفية النجاة من الاضطرابات.

9- فهم المجتمع. النساء يساعدن الشركات على فهم المجتمع الذي تخدمه، إذ إنهن يسهمن في مساعدة المؤسسات على فهم العالم الذي تعمل فيه فعلياً. لذا، يُعدّ توظيف النساء فوق سنِّ الخمسين وسيلةً لفهم المجتمع بشكل أعمق.

هذه بعض الأسباب التي تجعل النساء مستقبل العمل. فظروف الاقتصاد المقبل تُشجِّع أنواع القدرات التي أُجبرن في كثير من الأحيان على تطويرها في صمت. وقد عبّرت كاتبة الخيال العلمي أورسولا ك. لو غوين عن هذه الفكرة ببراعة في مقالتها «عجوز الفضاء». فعندما طُلب منها تخيّل من ينبغي للبشرية أن تُرسل لتمثيل نفسها أمام الكائنات الفضائية، لم تقترح رئيساً أو عالماً بارزاً، بل امرأة مُسِنّة، لأنها وحدها من عاشت كامل مراحل الحياة. لقد عرفت الشباب، والتغيير، والفقد، وإعادة ابتكار الذات، والصمود.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي خريطة الورم… قبل أن يختار الطبيب العلاج

الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم
الذكاء الاصطناعي يفك شفرة الورم

في الطب الحديث لم يعد السرطان مجرد كتلة من الخلايا الشاذة تنمو في أحد أعضاء الجسم، بل يُنظَر إليه، اليوم، بوصفه نظاماً بيولوجياً معقَّداً تتفاعل فيه الخلايا السرطانية مع جهاز المناعة والأنسجة المحيطة بها، ضِمن شبكة دقيقة من الإشارات الجزيئية.

الورم يحمل بصمته الجينية الخاصة

كل ورم يحمل بصمته الجينية الخاصة وسلوكه البيولوجي المختلف، حتى بين مرضى يعانون النوع نفسه من السرطان.

لهذا بدأ العلماء يدركون أن السؤال الحقيقي في علاج السرطان لم يعد ببساطة: ما الدواء المناسب لهذا المرض؟ بل أصبح سؤالاً أكثر دقة وعمقاً: ما العلاج الأنسب لهذا المريض تحديداً؟ أيْ أن الطب لم يعد يكتفي بتشخيص المرض، بل يسعى لفهم الخصائص الفردية لكل ورم وكل مريض.

هذا التحول الفكري يقود، اليوم، ثورة علمية جديدة في علم الأورام، تقف في قلبها تقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الجينية والصور النسيجية والسجلات السريرية. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الهائلة، بدأ العلماء يتحدثون عن مرحلة جديدة قد يتمكن فيها الذكاء الاصطناعي من قراءة خريطة الورم البيولوجية قبل أن يقرر الطبيب أي علاج هو الأنسب.

الذكاء الاصطناعي يحلل البيئة الدقيقة للورم

لغة الورم الخفية

خلال مؤتمر الطب الدقيق العالمي «Precision Medicine World Conference»، الذي عُقد في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) 2026، عرض باحثون من شركة «بوسطنجين» (BostonGene) نماذج متقدمة من الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل التعقيد البيولوجي للأورام السرطانية، بهدف اختيار العلاج المناعي الأكثر فاعلية لكل مريض. وتعتمد هذه النماذج على تحليل كميات ضخمة من البيانات الجزيئية والجينية الخاصة بالورم، بما يسمح بفهمٍ أعمق للبيئة البيولوجية التي ينمو فيها السرطان داخل الجسم.

وتنتمي هذه الأنظمة إلى ما يُعرَف في علوم الذكاء الاصطناعي باسم نماذج الأساس «Foundation Models»، وهي خوارزميات متقدمة صُممت للتعامل مع مجموعات هائلة من البيانات البيولوجية؛ مثل المعلومات الجينية، وخصائص الخلايا المناعية، وبيئة الورم الدقيقة. ومن خلال هذه القدرة التحليلية الواسعة، تستطيع الخوارزميات اكتشاف أنماط خفية في سلوك الورم يصعب على الإنسان ملاحظتها، الأمر الذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة قد يصبح فيها اختيار العلاج مبنياً على قراءة دقيقة لخريطة الورم البيولوجية.

حين يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة السرطان

يوضح الدكتور ناثان فاولر، المدير الطبي بشركة «بوسطنجين»، أن التحدي الحقيقي في علم الأورام لم يعد نقص البيانات، بل القدرة على فهمها وتحليلها بصورة متكاملة. فكل ورم سرطاني يُنتج شبكة معقدة من المعلومات البيولوجية تشمل الطفرات الجينية، وأنماط التعبير الجيني، واستجابة الجهاز المناعي للخلايا السرطانية. وتُعرف هذه الشبكة المعقدة في علم الأورام باسم «البيئة الدقيقة للورم» وهي البيئة البيولوجية التي يتفاعل فيها الورم مع الخلايا المحيطة به داخل الجسم.

إن تحليل هذه البيئة الدقيقة يتطلب قدرة حسابية هائلة تتجاوز قدرة التحليل البشري التقليدي، وهنا يظهر الدور المتزايد لتقنيات الذكاء الاصطناعي القادرة على دراسة ما يُعرَف ببيانات «متعددة الأوميكس» (Multi-Omics)، وهي مجموعات بيانات تشمل علم الجينوميات الذي يدرس المادة الوراثية، وعلم البروتيوميات؛ أي دراسة البروتينات التي تنتجها الخلايا، إضافة إلى بيانات الجهاز المناعي والسجلات السريرية للمريض. ومن خلال دمج هذه الطبقات المتعددة من المعلومات، يستطيع الذكاء الاصطناعي رسم خريطة بيولوجية شاملة للورم تساعد الأطباء على فهم سلوكه واختيار العلاج الأكثر دقة.

الذكاء الاصطناعي يقود الطب نحو العلاج الشخصي

أبحاث حديثة: التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي

في دراسةٍ نُشرت، عام 2026، بمجلة «إن بي جيه بريسيجن أونكولوجي» (NPJ Precision Oncology) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، أظهر فريق بحثي دولي من مراكز أبحاث السرطان بالولايات المتحدة وأوروبا أن تحليل البيئة المناعية للأورام باستخدام نماذج حاسوبية متقدمة يمكن أن يساعد في التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج المناعي بدقّةٍ تفوق الطرق التقليدية. وقد أوضحت الدراسة أن فهم العلاقة بين الخلايا السرطانية والخلايا المناعية داخل الورم قد يصبح مفتاحاً أساسياً لاختيار العلاج الأكثر فاعلية لكل مريض.

كما كشفت دراسات أخرى حديثة أن استخدام الشبكات العصبية الرسومية (Graph Neural Networks) يتيح للعلماء دراسة العلاقات المكانية بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية داخل نسيج الورم. ويُعد هذا التفاعل المكاني عاملاً مهماً في علم الأورام؛ لأنه يرتبط بصورة مباشرة بمدى استجابة المرضى للعلاج وبفرص بقائهم على قيد الحياة. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتحليل البيانات الجينية، بل بدأ أيضاً قراءة البنية الميكروسكوبية المعقدة للورم وفهم كيفية تفاعل خلايا الورم مع البيئة المحيطة بها.

ثورة العلاج المناعي

خلال العقد الأخير، أصبح العلاج المناعي أحد أهم التحولات في علم الأورام الحديث. فبدلاً من مهاجمة الورم مباشرة، كما يحدث في العلاج الكيميائي، يعمل هذا النوع من العلاج على تنشيط جهاز المناعة ليقوم هو نفسه بالتعرّف على الخلايا السرطانية ومهاجمتها. وقد غيّرت هذه المقاربة الجديدة طريقة التفكير في علاج السرطان؛ لأنها تعتمد على تسخير قدرات الجسم الدفاعية، بدلاً من الاعتماد فقط على الأدوية السامّة للخلايا.

لكن التحدي الكبير في هذا المجال أن العلاج المناعي لا ينجح إلا لدى نسبة محدودة من المرضى، فبعض الأورام تستجيب له بصورة ملحوظة، بينما لا يظهر تأثيره لدى مرضى آخرين، لهذا يسعى العلماء، اليوم، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل الخصائص البيولوجية لكل ورم، والتنبؤ مسبقاً بالمرضى الذين يمكن أن يستفيدوا من هذا العلاج، قبل البدء به. وقد يفتح هذا النهج الباب أمام مرحلة جديدة من الطب الشخصي، حيث يصبح اختيار العلاج مبنياً على فهم دقيق لخريطة الورم لدى كل مريض على حدة.

من ابن سينا إلى الطب الدقيق

رغم حداثة هذه التقنيات المتقدمة، فإن الفكرة الأساسية التي تقوم عليها ليست جديدة تماماً في تاريخ الطب. ففي كتابه الشهير «القانون في الطب» شدّد الطبيب والفيلسوف العربي ابن سينا على أن مهمة الطبيب لا تقتصر على علاج المرض بوصفه ظاهرة عامة، بل تمتد إلى فهم طبيعة المريض نفسه بكل اختلافاته الفردية. وقد أشار إلى أن استجابة الناس للأمراض والعلاجات ليست واحدة، وأن الطبيب الحكيم ينبغي أن يراعي خصائص كل مريض وظروفه الجسدية والبيئية.

واليوم، يعود هذا المبدأ القديم في إطار علمي جديد يُعرف باسم الطب الدقيق «Precision Medicine»، حيث لم تعد القرارات العلاجية تعتمد فقط على اسم المرض، بل على الخصائص البيولوجية الفريدة لكل مريض، مثل التركيب الجيني، وخصائص الورم، وطبيعة استجابة الجهاز المناعي. وفي هذا السياق أصبح الذكاء الاصطناعي أداة مركزية تساعد الأطباء على تحليل هذه الطبقات المعقَّدة من البيانات واختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة على حدة.

التحدي الأخلاقي

إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب القرار الطبي يطرح سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل يمكن للآلة أن تشارك في قرارٍ قد يرتبط بحياة إنسان ومستقبله الصحي؟ فالتقنيات الحاسوبية أصبحت قادرة، اليوم، على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية والجينية، لكن هذا التطور يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة التفكير في حدود الدور الذي ينبغي أن تلعبه الخوارزميات داخل الممارسة الطبية.

ويرى معظم الباحثين في أخلاقيات الطب الرقمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب. فالخوارزمية تستطيع اكتشاف الأنماط البيولوجية المعقدة في البيانات الجينية أو النسيجية، لكنها لا تستطيع أن تدرك البعد الإنساني للمريض، أو أن تُوازن بين الاعتبارات الطبية والنفسية والاجتماعية التي تدخل في القرار العلاجي. لهذا يؤكد الخبراء أن دور الطبيب سيبقى محورياً؛ لأنه الوحيد القادر على الجمع بين الدقة العلمية والحكم الإنساني عند اختيار العلاج الأنسب لكل مريض.

طبّ المستقبل

مع تسارع تطور هذه التقنيات قد يصبح تحليل الجينوم والبيئة المناعية للورم جزءاً روتينياً من تشخيص السرطان، خلال السنوات القليلة المقبلة. فعوضاً عن الاعتماد على نماذج علاجية عامة تُطبَّق على جميع المرضى، يتجه علم الأورام نحو مرحلةٍ يُبنى فيها القرار العلاجي على الخريطة البيولوجية الفريدة لكل ورم ولكل مريض. وهنا قد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة قادرة على قراءة ملايين الإشارات الجينية والمناعية التي تُشكل شخصية الورم وسلوكه داخل الجسم.

إن ما نشهده، اليوم، ليس مجرد تطور تقني، بل هو تحول عميق في فلسفة علاج السرطان. فالعلاج لم يعد يستند فقط إلى اسم المرض، بل إلى فهم دقيق لتفاعلات الخلايا والأنسجة والجهاز المناعي داخل الورم. ومع قدرة الخوارزميات على تحليل هذه الطبقات المعقّدة من البيانات، قد يصبح اختيار العلاج في المستقبل أقرب إلى قراءة خريطة بيولوجية دقيقة لكل مريض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة لغة الخلايا والأنسجة والبيانات الجينية، يبقى دور الطبيب أن يقرأ شيئاً لا تستطيع الخوارزميات إدراكه بالكامل: الإنسان نفسه. ففي النهاية يظل الطب علماً بالدقة... لكنه أيضاً فنٌّ بالحكمة والرحمة.


الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها
TT

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية... بل سيكشف عيوبها

على مدى العامين الماضيين، جرى تأطير الذكاء الاصطناعي بوصفه محركاً للإنتاجية، وأداة لخفض التكاليف، وسباقاً في تطوير البنية التحتية، بل إنه وُصف في الأيام الأكثر دراماتيكية بكونه «نقطة تحول حضارية». وفي هذه الأجواء تطالب مجالس الإدارات بخرائط طريق للذكاء الاصطناعي، ويعلن الرؤساء التنفيذيون عن أجندات تضع «الذكاء الاصطناعي أولاً»، بينما تُعاد هيكلة أقسام بأكملها حول أدوات تتغير قدراتها كل ربع سنة.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق الوضوح الاستراتيجي

ولكن، خلف هذا الضجيج، تكمن حقيقة أكثر هدوءاً وأبعد أثراً: الذكاء الاصطناعي لا يخلق وضوحاً استراتيجياً، وإنما يكشف مدى وجود ذلك الوضوح بالأساس.

لقد جادلتُ سابقاً بأن الطبقة التالية من المزايا التنافسية للشركات في مجال الذكاء الاصطناعي لن تأتي من امتلاك البنية التحتية، وإنما من بناء نماذج داخلية أفضل لكيفية عمل بيئة الأعمال فعلياً. كما حذرتُ من أن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد أداة لتقليص القوى العاملة هو «قصر نظر استراتيجي»؛ لأن التقنيات العامة نادراً ما تقدم قيمتها الحقيقية من خلال برامج الكفاءة البسيطة.

والنتيجة المنطقية التالية حتمية: الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الاستراتيجية، وإنما سيكون اختباراً كاشفاً لها.

وهم «الذكاء المستورد»

ثمة افتراض مُغرٍ يترسخ في الكثير من أدبيات الذكاء الاصطناعي اليوم، مفاده أن «الذكاء» يمكن إضافته إلى المؤسسة بالطريقة نفسها التي تُضاف بها تراخيص البرمجيات... أي يكفي أن تنشر نموذجاً لغوياً كبيراً، وتدمج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في سير العمل، وتؤتمت التحليلات، وتدعم الموظفين؛ ليزداد الذكاء تلقائياً.

بيد أن المؤسسات ليست «أوعية فارغة» تنتظر من يملؤها بالمعرفة. وإنما هي أنظمة معقدة من الحوافز، والعمليات التراكمية الموروثة، والافتراضات الضمنية، وتدفقات البيانات المجزأة، والتوازنات السياسية.

كشف العيوب

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا النظام، فإنه لا يطفو فوقه، إنما يتفاعل معه... فإذا كانت بياناتك مجزأة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على إبراز هذا التجزؤ وتضخيمه على نطاق واسع.

وإذا كانت حوافزك غير متوافقة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين النتائج الخاطئة... وإذا كانت استراتيجيتك غامضة، فسيعمل الذكاء الاصطناعي على توسيع نطاق هذا الغموض وتغليفه بصياغات إنشائية بليغة.

إن النماذج اللغوية الكبيرة هي «آلات أنماط» قوية، ولكنها — كما استعرضتُ سابقاً — لا تمتلك فهماً راسخاً. فهي «مجرد» أدوات لتوليد مخرجات محتملة ذات دلالة إحصائية. وينسحب الأمر نفسه على المستوى المؤسسي؛ فالفصاحة ليست تماسكاً، والنشاط ليس بالضرورة استراتيجية.

إن البنية التحتية المشتركة لا تنتج فهماً مشتركاً، والأدوات المشتركة لا تنتج حكماً (تقديرياً) مشتركاً.

الذكاء الاصطناعي: «اختبار للجهد الاستراتيجي»

كل موجة تكنولوجية تكشف عن نقاط ضعف هيكلية. فقد عاقبت شبكة الإنترنت الشركات التي تعاملت معها كمجرد «كتيّب دعائي»، وعاقبت تقنيات الهاتف المحمول أولئك الذين تمسكوا بافتراضات أنها مثل الحواسيب المكتبية، كما عاقبت الحوسبة السحابية الشركات المهووسة بامتلاك الأجهزة بدلاً من بناء القدرات.

بيد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق إلى أبعد من ذلك؛ لأنه يعمل على مستوى الإدراك والمعرفة: في التنبؤ، والتسعير، والتوظيف، وتقييم المخاطر، والتفاعل مع العملاء، وتطوير المنتجات... وفي كل مجال تقريباً تتخذ فيه المؤسسات قرارات مصيرية ذات عواقب ملموسة.

وهذا ما يجعل منه «اختبار جهد» استراتيجياً.

مثالان لمسارين مختلفين باعتماد النموذج نفسه

بإمكان شركتين اعتماد نماذج تقنية متماثلة، ومع ذلك تمران بمسارين مختلفين تماماً:

الشركة (أ): تمتلك رؤية واضحة لكيفية خلق القيمة الخاصة بها، حيث تتدفق البيانات بسلاسة عبر جميع الوظائف، وتسمح قيادتها بالتجريب. وهي تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات». وتكون حلقات التغذية الراجعة صريحة. ويجري تحديث الافتراضات بصورة منهجية.

الشركة (ب): تعلن عن مبادرة للذكاء الاصطناعي، فتنتشر المشاريع التجريبية في «جزر منعزلة». ويعمل كل قسم على تحسين عائد الاستثمار الخاص به فقط، ويهيمن منطق «خفض التكاليف» على المشهد. تُعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «إجابات نهائية»، وتظل الاستراتيجية مجرد شعارات في عروض «باور بوينت».

أدوات متماثلة... ونتائج متباينة

تؤكد الأبحاث أن تأثيرات الذكاء الاصطناعي ليست متساوية، بل تعتمد على السياق المؤسسي؛ حيث يصف «معهد تصميم البيانات الرقمية» بجامعة هارفارد ما يسميه «الحدود التكنولوجية المتعرجة - jagged technological frontier»، حيث يتفوق الذكاء الاصطناعي في مهام محددة بينما يخفق في أخرى، ما يعيد تشكيل أنماط التعاون بطرق غير متوقعة. وهذا «التعرج» يعني أن الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع، وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع.

وبالمثل، كشفت دراسة واسعة النطاق أجراها «المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية - NBER» حول الذكاء الاصطناعي التوليدي في دعم العملاء عن مكاسب إنتاجية ملموسة بصفة عامة، لكن مع تأثيرات متفاوتة؛ حيث استفاد العمال الأقل خبرة بشكل أكبر، ما أعاد تشكيل كيفية انتشار المعرفة داخل الشركات. ففي هذه الحالة، لم يعمل الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للأتمتة، وإنما عمل كآلية لنقل «أفضل الممارسات».

والدلالة هنا واضحة: الذكاء الاصطناعي يضخم المنطق المؤسسي القائم ولا يحل محله.

* الأفضلية لن تكون من نصيب من ينشر التقنية بصورة أسرع وإنما من نصيب من يتعلم بصورة أسرع*

أتمتة الارتباك

من أخطر الغرائز القيادية في هذه اللحظة هو السؤال: «كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين هذه العملية؟».

إنه سؤال أول خاطئ؛ فإذا كانت العملية نفسها تعكس افتراضات عفى عليها الزمن، فإن تحسينها بالذكاء الاصطناعي سيجعل من هذا الخلل أسرع وأرخص فحسب. أنت هنا لا تغير العمل، بل «تؤتمت الارتباك».

السؤال الأنسب هو: «ما هي الافتراضات حول عملائنا، ووضعنا الاقتصادي، وموقعنا التنافسي المتضمنة في سير العمل هذا؟ وماذا سيحدث إذا لم تعد تلك الافتراضات صالحة؟».

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي «مزعجاً»؛ لأنه يجبر المؤسسات على مواجهة تناقضات نجحت في تجاهلها طويلاً.

المرآة المزعجة

ثمة سبب يدفع العديد من الشركات للاكتفاء بسرديات «خفض التكاليف» عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي. فالكفاءة قابلة للقياس، وتقليص عدد الموظفين يترجم بوضوح في الأرباح ربع السنوية، وهي قصة مفهومة للجميع، على عكس «التأمل الاستراتيجي» الذي يفتقر لهذا الوضوح.

وعندما يكشف الذكاء الاصطناعي عن بُنى بيانات مجزأة، فإن ذلك يعكس سنوات من نقص الاستثمار في التكامل. وعندما يكشف عن مؤشرات أداء متناقضة بين الأقسام، فإن ذلك يشير إلى فشل في الحوكمة. وعندما ينتج مخرجات غير متسقة بسبب انعزال المعرفة الداخلية، فإن ذلك يضع التشرذم الثقافي تحت مجهر الاختبار.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق هذه المشكلات، وإنما يُسلط الضوء عليها

إن التاريخ يدعونا للحذر من التسرع في وضع مقاييس الأداء المبكرة؛ فقد لاحظ الاقتصادي روبرت سولو في مقال شهير بملحق مراجعة الكتب في صحيفة «نيويورك تايمز» عام 1987: «يمكنك أن ترى عصر الحوسبة في كل مكان، إلا في إحصاءات الإنتاجية». لاحقاً، أُعيدت صياغة «مفارقة الإنتاجية» لعصر تقنية المعلومات عبر مفهوم «منحنى جيه للإنتاجية - Productivity J-Curve»؛ حيث تتأخر المكاسب الملموسة لأن الاستثمارات المكملة (مثل إعادة التصميم التنظيمي، وتطوير المهارات، ونماذج الأعمال الجديدة) هي أصول غير ملموسة ولا تظهر بوضوح في البيانات الأولية.

ومن المرجح أن يتبع الذكاء الاصطناعي مساراً مماثلاً؛ إذ ستكون أهم المكاسب مشتتة وكامنة في العمليات المعاد تصميمها وأشكال التنسيق الجديدة، ولن تظهر بشكل فوري في نسب التكاليف. لذا، فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كآلية لتقليص كشوف الرواتب ينطوي على مخاطرة بالتضحية بالمزايا الهيكلية طويلة الأمد في سبيل تحقيق «وضوح ظاهري» قصير الأجل.

من مجرد أدوات إلى «إدراك مؤسسي»

إن الفرصة الأعمق في الذكاء الاصطناعي لا تكمن في الأتمتة، وإنما في التعلم المؤسسي. فالنماذج المتقدمة تتيح محاكاة السيناريوهات، وإظهار الحالات الشاذة (كشف الثغرات)، واختبار الافتراضات البديلة، وضغط دورات التغذية الراجعة بشكل هائل. ولكن، هذه السرعة لا تخلق قيمة إلا إذا كانت المؤسسة قادرة على «تحديث قناعاتها».

بهذا المعنى، تنتقل الميزة التنافسية إلى مستوى أعلى: من البنية التحتية إلى «الإدراك». وكما جادل يانسيتي ولاخاني في كتابهما «المنافسة في عصر الذكاء الاصطناعي»، فإن المنافسة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي تنحاز بشكل متزايد للشركات القادرة على دمج البيانات والخوارزميات والعمليات التنظيمية في «أنظمة تعلم متماسكة». إن الفارق الجوهري ليس في النموذج التقني بحد ذاته، وإنما في مدى إحكام دمجه ضمن عملية اتخاذ القرار.

هذه هي «الحدود» التي يجب على المديرين التنفيذيين التفكير فيها.

والسؤال هنا ليس: «أي نموذج يجب أن نعتمد؟»، وإنما: «ما الذي نؤمن به حقاً حول كيفية تحقيقنا للفوز؟ وهل نحن مستعدون لأن يتحدى الذكاء الاصطناعي هذه القناعات؟».

شكل جديد للميزة التنافسية

تتحول البنية التحتية للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى سلعة عامة متاحة للجميع؛ فالنماذج التأسيسية متاحة على نطاق واسع، والحوسبة السحابية مشتركة، والأنظمة البيئية مفتوحة المصدر تتطور بسرعة مذهلة. وبينما تصبح البنية التحتية أمراً شائعاً، ينتقل التميز إلى مستوى أعلى وآفاق أرحب.

ولا يكمن التميز في الرقائق الاحتكارية، ولا في المشاريع التجريبية المشتتة؛ وإنما في «الذكاء المؤسسي المُنظم».

إن الشركات التي ستتسارع وتيرتها وتحقق قفزات نوعية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تكون تلك التي «تؤتمت» عملياتها بأسرع شكل، وإنما تلك التي تتعلم بأسرع شكل؛ تلك التي تعامل مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها «فرضيات»، وتجعل التغذية الراجعة جزءاً من بنيتها المؤسسية، والتي توائم حوافزها مع التكيف طويل الأمد بدلاً من «المكاسب الجذابة» قصيرة الأجل.

لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الاستراتيجية، ولكنه سيجعل إخفاء غيابها أمراً مستحيلاً.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»