«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
TT

«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)

تختلط أضواء المسرح ونغم البيانو بالكلام الخارج من حنجرة بديع أبو شقرا وهو يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» على خشبة «مونو». تتكامل المعاناة الصاعدة من الاعترافات مع العزف الناطق بها، بأنامل الفرنسي نيكولا شُفرو، حدّ التصاق النصّ بالنوتة، كأنهما خليطُ الخلود والأسى ولا سبيل لسلخ أحدهما عن الآخر. لنحو الساعة ونصف الساعة، تتجلّى عبقرية لودفيغ فان بيتهوفن بالتحمُّل والألم.
النصّ فرنسي للكاتب اللبناني الفرنكوفوني ألكسندر نجار، نقله الشاعر هنري زغيب إلى العربية بلغة تحذر السقوط في ميكانيكية الترجمة وتأبى تجويف روحها. تمرّ فصول من حياة طافحة بالندوب، عاشها عازف البيانو الألماني بيتهوفن (1770- 1827)، فخلّدته إلى الأبد. بصوت أبو شقرا المتماهي مع المعاناة، تخرج إلى المسرح اللبناني أبرز محطات صاحب السوناتات المذهلة، لتؤكد أنّ للعبقرية أثماناً باهظة.
العرض سبعة فصول، يقرأها الممثل اللبناني بانفعالات تعلو وتهدأ وفق حدّة السطور أمامه. تُعرّي الاعترافات موسيقياً لا يريد أن يكون سوى إنسان عادي. حياة جارفة، مرتطمة بصخور قاسية، مُشلّعة؛ شاء التصدّي لها فتصدّت له. أخرجت منه سلوكيات مُخجلة يعترف أنها لا تصلح للنشر. وهو بهذا النصّ لا يطلب مغفرة وإن أخفى المجد انحرافاته، بل يدلي بمصارحة ليُخفف العبء الأكبر.
إنه عبء الصراع بين التفوّق العبقري والضرر. في حياته، تلازما كأم تمسك بيد ابنها طوال درب طويل لئلا يُباغته طارئ. «سبّبتُ الضرر لأكثر من ضحية وكبش محرقة. ارتكبتُ أخطاء قاتلة»، يصرخ أبو شقرا كمن يُسقط عن صدره أثقاله.
يعود ألكسندر نجار إلى الجذور متسائلاً على لسان قارئ اعترافات بيتهوفن: «هل أنا ضحية طفولتي التعسة؟ هل قدري العذاب لأؤلّف موسيقاي؟». يشعر مؤلّف 16 مقطوعة رباعية وتريّة باقتراب نهايته، فيلاحق الصفح باتجاهين: أولاً تجاه ذاته، وثانياً تجاه مُتحمّلي فداحة ارتكاباته، منهم أرملة أخيه وابنها. «قلبي ليس من صوان»، يقول، مشعلاً رغبةَ أن يغمره السماح ويغسل قلبه الممتلئ بالضربات القاضية.
بين فصل وآخر، يعزف نيكولا شُفرو مقطوعات تجسّد النار في داخل بيتهوفن. عزفٌ ينبثق من المخاض، من الصراخ، من الشقاء والرفض والصفعة والخيبة. لم تربط مَن سُمّي على اسم جدّه، بوالده، علاقةٌ طيّبة، بل ما يطفح بالخشونة في العلاقات، وبالتشرذم والمرض. على عكس أمه «المُسالمة المُحبّة، تحمّلتْ أبي بصبر»، حسد العبقري الألماني عبقريَّ النمسا موزارت على أب بمرتبة «معلّم نموذجي، أتاح له تنمية موهبته». أبوه حفر جراحه العميقة فهوى في قعرها طوال حياته.
بالشتيمة والصفع على أقل خطأ في النوتة، تغذّى الشرخ بين أب قرّر ألا فائدة من ارتياد ابنه المدرسة، وابن لوّعته معاملة أبٍ أخَّر تاريخ ميلاده سنتين ليوهم الناس زوراً أنّ لديه ولداً متفرّداً. موته بنوبة قلبية، لم يُنجّه من تهكّم حاضري الدفن، وردّاً عليهم يعتزم المواجهة: «لأنّ اسم أبي يثير التهكّم، سأنتقم برفع اسم بيتهوفن إلى الصف الأول في تاريخ الموسيقى».
يُبدّل بديع أبو شقرا كرسيّه، وأنامل العازف الفرنسي تُطرب على البيانو. إنه أقسى الفصول؛ مأساة بيتهوفن مع الصمّ! سنة بعد سنة، يئس من تحسّن سمعه، ليميل إلى العزلة والانطواء. كان في السابعة والعشرين حين فقد السمع، فتعكّر مزاجه وزاد سلوكه حدّة. صممُه فجيعتُه، فشعر الموسيقي الذي يصفّق له الجمهور من وراء ظهره ولا يسمعه، بأنّ حاسة السمع تسلّلت منه وخنقته، لتتقهقر حياته على نحو دراماتيكي.
مرّة أخرى، يُعاند: «سأواصل التأليف طالما أسمعه في داخلي. سأجعل الموسيقى أفقي اللامحدود»، ويُضاعف مؤلّفاته، «فقد كان عليَّ أن أجني حصاداً معنوياً من عاهتي لأكون جديراً بمغفرة الله».
في الحب، ليست الأمور أفضل حالاً! عاش بيتهوفن حياة عاطفية هدّدتها الخلافات، وبكل بساطة يعترف: «مغامراتي كلها انتهت بالفشل». كان ردّد أنّ الحب يمنح السعادة وتضرّع ليجد حبيبة. مراراً، أخذ عليه أصدقاؤه التورّط بعلاقات صعبة لتجنُّب الارتباط. «مخطئون!». حاول فعلاً الزواج، فنال رفضاً بحجّة أنه بشع ونصف مجنون، أو لفوارق الطبقات الاجتماعية ومزاجه الصعب. إخفاق وخيبات، «وكما استقلتُ من صحتي، كذلك استقلتُ من الحب».
بيتهوفن تحت مجهر ألكسندر نجار بالفرنسية ومواطنه هنري زغيب بالعربية، يتوصّل إلى عبرة: «لا عزاء سوى الموسيقى، وحده الفن خلاصي». أنقذته من الانتحار لتصبح أصدق رفيقاته والأسمى على الإطلاق.
يتابع أبو شقرا قراءة الفصول، فيحطّ عند «بيتهوفن والسياسة». أيضاً، القاعدة واحدة: التقلُّب. اعترف بأنّ نابليون بونابرت أبهره حين لمح فيه رمز عصر الأنوار والثورة الفرنسية، ثم خذله لتسبّبه بموت مئات الآلاف وهو ينصّب نفسه إمبراطوراً. «أحسستُني مغشوشاً (...)، هو ليس سوى رجل عادي كسواه، يحرّكه التكبّر، قادر على قمع الحرّيات والتحوّل طاغية».
تُكمل الأمسية استخراج الجروح البليغة في اعترافات مَن رأى أنّ «نغماً من آلة موسيقية يرتفع، يرفعنا معه أعلى بكثير من حماقات البشر». محطة أبو شقرا قبل الختام في الفصل المضطرب عاطفياً بين بيتهوفن وابن أخيه. «مارستُ معه امتلاكية مرضية ضاغطة»، يعترف. أراده مبدعاً موسيقياً بالقوة وحرمه من أمه بعد محاكمة فَبْرك أدلّتها امتدّت لسنوات، إلى أن هرب من بيته وحاول الانتحار.
اسمه كارل، «قليل التهذيب، كثير المعاشرة السيئة»، يرفض السير بجانب عمه بذريعة مظهره المجنون. «أمسيتُ أسوأ لكثرة ما أرادني أفضل»، يقول. محاولة انتحاره وصمة على ضمير بيتهوفن، فحرّره. لم يعد يريده مبدعاً يرفض أن يكونه.
ليس ثمة سوى بيتهوفن واحد ترك موسيقى للخلود. لم يتزوّج، فكانت مؤلّفاته أولاده. لم يفهمه والده وهجرته نساؤه؛ وعزاؤه أنّ هذه المؤلّفات منحته حباً. يقف بديع أبو شقرا بعدما قرأ كل الاعترافات جالساً: «لست إنساناً متفوّقاً بل عادي، وحده تسامحكم يكفيني». تصفيق حارّ لصلابة المواجهة.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.