«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
TT

«اعترافات بيتهوفن»... للعبقرية أثمان باهظة

الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن»  -  بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)
الممثل اللبناني بديع أبو شقرا يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» - بديع أبو شقرا مصغياً إلى عزف نيكولا شُفرو على مسرح «مونو» (الشرق الأوسط)

تختلط أضواء المسرح ونغم البيانو بالكلام الخارج من حنجرة بديع أبو شقرا وهو يدلي بـ«اعترافات بيتهوفن» على خشبة «مونو». تتكامل المعاناة الصاعدة من الاعترافات مع العزف الناطق بها، بأنامل الفرنسي نيكولا شُفرو، حدّ التصاق النصّ بالنوتة، كأنهما خليطُ الخلود والأسى ولا سبيل لسلخ أحدهما عن الآخر. لنحو الساعة ونصف الساعة، تتجلّى عبقرية لودفيغ فان بيتهوفن بالتحمُّل والألم.
النصّ فرنسي للكاتب اللبناني الفرنكوفوني ألكسندر نجار، نقله الشاعر هنري زغيب إلى العربية بلغة تحذر السقوط في ميكانيكية الترجمة وتأبى تجويف روحها. تمرّ فصول من حياة طافحة بالندوب، عاشها عازف البيانو الألماني بيتهوفن (1770- 1827)، فخلّدته إلى الأبد. بصوت أبو شقرا المتماهي مع المعاناة، تخرج إلى المسرح اللبناني أبرز محطات صاحب السوناتات المذهلة، لتؤكد أنّ للعبقرية أثماناً باهظة.
العرض سبعة فصول، يقرأها الممثل اللبناني بانفعالات تعلو وتهدأ وفق حدّة السطور أمامه. تُعرّي الاعترافات موسيقياً لا يريد أن يكون سوى إنسان عادي. حياة جارفة، مرتطمة بصخور قاسية، مُشلّعة؛ شاء التصدّي لها فتصدّت له. أخرجت منه سلوكيات مُخجلة يعترف أنها لا تصلح للنشر. وهو بهذا النصّ لا يطلب مغفرة وإن أخفى المجد انحرافاته، بل يدلي بمصارحة ليُخفف العبء الأكبر.
إنه عبء الصراع بين التفوّق العبقري والضرر. في حياته، تلازما كأم تمسك بيد ابنها طوال درب طويل لئلا يُباغته طارئ. «سبّبتُ الضرر لأكثر من ضحية وكبش محرقة. ارتكبتُ أخطاء قاتلة»، يصرخ أبو شقرا كمن يُسقط عن صدره أثقاله.
يعود ألكسندر نجار إلى الجذور متسائلاً على لسان قارئ اعترافات بيتهوفن: «هل أنا ضحية طفولتي التعسة؟ هل قدري العذاب لأؤلّف موسيقاي؟». يشعر مؤلّف 16 مقطوعة رباعية وتريّة باقتراب نهايته، فيلاحق الصفح باتجاهين: أولاً تجاه ذاته، وثانياً تجاه مُتحمّلي فداحة ارتكاباته، منهم أرملة أخيه وابنها. «قلبي ليس من صوان»، يقول، مشعلاً رغبةَ أن يغمره السماح ويغسل قلبه الممتلئ بالضربات القاضية.
بين فصل وآخر، يعزف نيكولا شُفرو مقطوعات تجسّد النار في داخل بيتهوفن. عزفٌ ينبثق من المخاض، من الصراخ، من الشقاء والرفض والصفعة والخيبة. لم تربط مَن سُمّي على اسم جدّه، بوالده، علاقةٌ طيّبة، بل ما يطفح بالخشونة في العلاقات، وبالتشرذم والمرض. على عكس أمه «المُسالمة المُحبّة، تحمّلتْ أبي بصبر»، حسد العبقري الألماني عبقريَّ النمسا موزارت على أب بمرتبة «معلّم نموذجي، أتاح له تنمية موهبته». أبوه حفر جراحه العميقة فهوى في قعرها طوال حياته.
بالشتيمة والصفع على أقل خطأ في النوتة، تغذّى الشرخ بين أب قرّر ألا فائدة من ارتياد ابنه المدرسة، وابن لوّعته معاملة أبٍ أخَّر تاريخ ميلاده سنتين ليوهم الناس زوراً أنّ لديه ولداً متفرّداً. موته بنوبة قلبية، لم يُنجّه من تهكّم حاضري الدفن، وردّاً عليهم يعتزم المواجهة: «لأنّ اسم أبي يثير التهكّم، سأنتقم برفع اسم بيتهوفن إلى الصف الأول في تاريخ الموسيقى».
يُبدّل بديع أبو شقرا كرسيّه، وأنامل العازف الفرنسي تُطرب على البيانو. إنه أقسى الفصول؛ مأساة بيتهوفن مع الصمّ! سنة بعد سنة، يئس من تحسّن سمعه، ليميل إلى العزلة والانطواء. كان في السابعة والعشرين حين فقد السمع، فتعكّر مزاجه وزاد سلوكه حدّة. صممُه فجيعتُه، فشعر الموسيقي الذي يصفّق له الجمهور من وراء ظهره ولا يسمعه، بأنّ حاسة السمع تسلّلت منه وخنقته، لتتقهقر حياته على نحو دراماتيكي.
مرّة أخرى، يُعاند: «سأواصل التأليف طالما أسمعه في داخلي. سأجعل الموسيقى أفقي اللامحدود»، ويُضاعف مؤلّفاته، «فقد كان عليَّ أن أجني حصاداً معنوياً من عاهتي لأكون جديراً بمغفرة الله».
في الحب، ليست الأمور أفضل حالاً! عاش بيتهوفن حياة عاطفية هدّدتها الخلافات، وبكل بساطة يعترف: «مغامراتي كلها انتهت بالفشل». كان ردّد أنّ الحب يمنح السعادة وتضرّع ليجد حبيبة. مراراً، أخذ عليه أصدقاؤه التورّط بعلاقات صعبة لتجنُّب الارتباط. «مخطئون!». حاول فعلاً الزواج، فنال رفضاً بحجّة أنه بشع ونصف مجنون، أو لفوارق الطبقات الاجتماعية ومزاجه الصعب. إخفاق وخيبات، «وكما استقلتُ من صحتي، كذلك استقلتُ من الحب».
بيتهوفن تحت مجهر ألكسندر نجار بالفرنسية ومواطنه هنري زغيب بالعربية، يتوصّل إلى عبرة: «لا عزاء سوى الموسيقى، وحده الفن خلاصي». أنقذته من الانتحار لتصبح أصدق رفيقاته والأسمى على الإطلاق.
يتابع أبو شقرا قراءة الفصول، فيحطّ عند «بيتهوفن والسياسة». أيضاً، القاعدة واحدة: التقلُّب. اعترف بأنّ نابليون بونابرت أبهره حين لمح فيه رمز عصر الأنوار والثورة الفرنسية، ثم خذله لتسبّبه بموت مئات الآلاف وهو ينصّب نفسه إمبراطوراً. «أحسستُني مغشوشاً (...)، هو ليس سوى رجل عادي كسواه، يحرّكه التكبّر، قادر على قمع الحرّيات والتحوّل طاغية».
تُكمل الأمسية استخراج الجروح البليغة في اعترافات مَن رأى أنّ «نغماً من آلة موسيقية يرتفع، يرفعنا معه أعلى بكثير من حماقات البشر». محطة أبو شقرا قبل الختام في الفصل المضطرب عاطفياً بين بيتهوفن وابن أخيه. «مارستُ معه امتلاكية مرضية ضاغطة»، يعترف. أراده مبدعاً موسيقياً بالقوة وحرمه من أمه بعد محاكمة فَبْرك أدلّتها امتدّت لسنوات، إلى أن هرب من بيته وحاول الانتحار.
اسمه كارل، «قليل التهذيب، كثير المعاشرة السيئة»، يرفض السير بجانب عمه بذريعة مظهره المجنون. «أمسيتُ أسوأ لكثرة ما أرادني أفضل»، يقول. محاولة انتحاره وصمة على ضمير بيتهوفن، فحرّره. لم يعد يريده مبدعاً يرفض أن يكونه.
ليس ثمة سوى بيتهوفن واحد ترك موسيقى للخلود. لم يتزوّج، فكانت مؤلّفاته أولاده. لم يفهمه والده وهجرته نساؤه؛ وعزاؤه أنّ هذه المؤلّفات منحته حباً. يقف بديع أبو شقرا بعدما قرأ كل الاعترافات جالساً: «لست إنساناً متفوّقاً بل عادي، وحده تسامحكم يكفيني». تصفيق حارّ لصلابة المواجهة.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
TT

دواء شائع يؤخِّر ظهور أعراض «الروماتويد» لسنوات

يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)
يؤخر العلاج ظهور أعراض المرض لعدة سنوات (كلية كينغز لندن)

كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن البريطانية، عن أنه يُمكن لدواء شائع تأخير ظهور أعراض المرض عدة سنوات عند الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي (الروماتويد)، كما يُتوقع أن تستمر فوائده حتى بعد التوقف عن تناوله.

وأظهرت التجربة أن العلاج لمدة عام واحد بدواء أباتاسيبت Abatacept، الذى يعمل على تنشيط الخلايا المناعية، يُقلل من تطور الروماتويد لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة به.

ووجد الباحثون أن فوائد العلاج استمرت لفترة طويلة بعد التوقف عن تناوله. كما استغرق الأشخاص الذين تلقوا الدواء وقتاً أطول بكثير للإصابة بالمرض، مقارنةً بمن تلقوا العلاج الوهمي، حيث تأخر ظهور المرض لمدة تصل إلى 4 سنوات بعد انتهاء فترة العلاج.

وقال البروفسور أندرو كوب، أستاذ أمراض الروماتيزم بكلية «كينغز كوليدج لندن» والمؤلف الرئيسي للدراسة: «إن التدخل المبكر لدى الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي يمكن أن يحقق فوائد طويلة الأمد».

وأضاف في بيان نُشر، الأربعاء، على موقع الجامعة: «لقد أثبتنا أن هذا النهج آمن ويمكنه الوقاية من المرض خلال فترة العلاج، فضلاً عن تخفيف الأعراض بشكل كبير».

وأوضح أن الأهم من ذلك، أنه يمكن أن يؤخِّر ظهور التهاب المفاصل الروماتويدي لسنوات عدة، حتى بعد توقف العلاج، وهذا من شأنه أن يقلل من مدة معاناة المرضى من الأعراض والمضاعفات، مما يحسن جودة حياتهم بشكل جذري.

وعلى الرغم من أن الدواء لم يمنع التهاب المفاصل الروماتويدي بشكل دائم، فإن النتائج تُشير إلى أن العلاج المبكر يُمكن أن يُغير من مسار المرض عن طريق تأخير تطوره، مما قد يُقلل من عدد السنوات التي يعيشها المرضى مع الأعراض والمضاعفات.

تجربة سابقة

تستند الدراسة الجديدة المنشورة، الثلاثاء، في مجلة «لانسيت لأمراض الروماتيزم»، إلى نتائج تجربة سابقة أجراها باحثون من كلية كينغز لندن ونُشرت نتائجها عام 2024.

وبينما تابعت التجربة الأصلية 213 مشاركاً من المملكة المتحدة وهولندا لمدة عامين، تُقدم الدراسة الجديدة نتائج فترة متابعة تتراوح بين 4 و8 سنوات.

ويُعد التهاب المفاصل الروماتويدي مرضاً مناعياً مزمناً يُصيب نحو نصف مليون شخص في المملكة المتحدة وحدها. ويتطور هذا المرض عندما يهاجم الجهاز المناعي المفاصل عن طريق الخطأ، مما يُسبب الألم والتورم والإرهاق والإعاقة طويلة الأمد.

وغالباً ما يتوقف الأشخاص المعرضون لخطر الإصابة بهذا المرض عن العمل قبل ظهور أعراضه، مما يُؤدي إلى عواقب اقتصادية وخيمة.

وعلى الرغم من وجود علاجات فعّالة للأشخاص المصابين بالتهاب المفاصل الروماتويدي، فإنه لا يوجد حالياً أي علاج مُرخص يمنع تطوره لدى المعرضين لخطر الإصابة به.

وأظهرت الدراسة الجديدة أن دواء أباتاسيبت كان أكثر فاعلية لدى الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بالتهاب المفاصل الروماتويدي، والذين تم تحديدهم من خلال فحص دم يكشف عن وجود أجسام مضادة ذاتية محددة. وبينما كان هؤلاء المشاركون الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالمرض، كانوا أيضاً أكثر استفادة من التدخل المبكر.

وخلال مرحلة الخطر، قلل العلاج بدواء أباتاسيبت من أعراض مثل آلام المفاصل والإرهاق، وحسّن من الصحة العامة. كما أنه بمجرد توقف العلاج، تقاربت مستويات الأعراض بين مجموعتي العلاج والدواء الوهمي، مما يشير إلى أن استمرار تعديل المناعة قد يكون ضرورياً للحفاظ على السيطرة على الأعراض.


لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تتزايد الاضطرابات الجوية الخطيرة؟ وما أفضل طرق الوقاية منها؟

طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)
طائرات متوقفة في قاعدة دوبندورف الجوية التي تُستخدم لركن طائرات المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (إ.ب.أ)

أصبحت الرحلات الجوية في كثير من مناطق العالم تشهد اضطرابات متزايدة، ما حوّل السفر جواً لدى البعض إلى تجربة مقلقة. ففي الشهر الماضي وحده، أُصيب شخصان بكسور في الكاحل بعد أن واجهت رحلة تابعة للخطوط الجوية البريطانية اضطرابات جوية شديدة في أثناء توجهها إلى المملكة المتحدة.

أما الحادثة الأبرز خلال السنوات الماضية، فقد وقعت في مايو (أيار) 2024، عندما لقي رجل بريطاني يبلغ من العمر 73 عاماً مصرعه، وأُصيب أكثر من 30 شخصاً بجروح، عقب تعرض رحلة تابعة للخطوط الجوية السنغافورية لاضطرابات جوية عنيفة. وخلال تلك الحادثة، هوت الطائرة نحو ستة آلاف قدم، ما أدى إلى اندفاع ركاب غير مربوطين بأحزمة الأمان داخل المقصورة وارتطامهم بخزائن الأمتعة العلوية.

ولسوء الحظ، يُرجّح أن يواجه المسافرون جواً فترات أكثر اضطراباً في المستقبل. فوفقاً لدراسة أجرتها جامعة ريدينغ في المملكة المتحدة عام 2023، شهدت الاضطرابات الجوية في الهواء الصافي - وهي مطبات هوائية تحدث على ارتفاعات عالية في غياب السحب - زيادة ملحوظة في مناطق مختلفة حول العالم.

وبين عامي 1979 و2020، ارتفع إجمالي المدة السنوية للاضطرابات الجوية الشديدة فوق شمال المحيط الأطلسي، أحد أكثر مسارات الطيران ازدحاماً في العالم، بنسبة 55 في المائة. وفي الفترة نفسها، زادت الاضطرابات الجوية المتوسطة بنسبة 37 في المائة، بينما سجلت الاضطرابات الخفيفة ارتفاعاً بنسبة 17 في المائة.

ويُرجع الخبراء هذا الارتفاع المتزايد في الاضطرابات الجوية إلى تغيّر المناخ.

وقال البروفسور بول ويليامز، عالم الغلاف الجوي في جامعة ريدينغ والمشارك في إعداد الدراسة: «بعد عقد من الأبحاث التي أظهرت أن تغيّر المناخ سيؤدي إلى زيادة اضطرابات الهواء الصافي مستقبلاً، لدينا الآن أدلة تشير إلى أن هذه الزيادة قد بدأت بالفعل».

فكيف تحمي نفسك من الاضطرابات الجوية؟

الالتزام بربط حزام الأمان

لا توجد وسيلة سحرية لتجنّب الإصابة في أثناء رحلة جوية مضطربة. وغالباً ما يكون الحفاظ على السلامة أمراً بسيطاً، كما تؤكد إرشادات السلامة الجوية، ويتمثل في ربط حزام الأمان.

وقال غاري ليف، الخبير في شؤون الطيران وصاحب موقع «نظرة من الجناح»، لصحيفة «نيويورك بوست»: «أهم ما يجب عليك فعله هو ربط حزام الأمان في أثناء جلوسك في مقعدك»، مشيراً إلى أن معظم الإصابات الناتجة عن المطبات الهوائية تحدث لأشخاص لم يكونوا يرتدون أحزمة الأمان.

اختيار المقعد

رغم أن غالبية المطبات الهوائية لا تكون خطيرة، فإن الاضطراب الجوي المتوسط قد يثير الذعر أو الشعور بالغثيان لدى الأشخاص الذين يعانون من رهاب الطيران.

ولحسن الحظ، يمكن لهؤلاء المسافرين التقليل من حدة الشعور بالاضطراب من خلال اختيار الجلوس فوق الأجنحة أو في مقدمة الطائرة، بدلاً من الجلوس في مؤخرتها.

وفي هذا السياق، صرّح الكابتن دينيس تاجير من الخطوط الجوية الأميركية قائلاً: «تقع الأجنحة بالقرب من مركز ثقل الطائرة، لذا يكون الشعور بالاضطراب أقل عند الجلوس بجوارها مقارنةً بالجلوس في مؤخرة الطائرة، حيث يكون التأثير أقوى». وأضاف: «وعلى الرغم من أن الجلوس في مؤخرة الطائرة قد يكون أقل اهتزازاً في بعض الحالات، فإن الإحساس بالرحلة يختلف تبعاً لحركة الهواء».

ولا تقتصر فائدة الجلوس في منتصف الطائرة على تقليل الاضطراب فحسب، إذ قالت مضيفة طيران تابعة للخطوط الجوية البريطانية، فضّلت عدم الكشف عن هويتها: «يسهّل هذا الموقع أيضاً الحركة داخل الطائرة، ما يخفف من الشعور بالخوف من الأماكن المغلقة».

الانسجام مع حركة الطائرة

عندما يصبح المرور بمطبات هوائية أمراً لا مفر منه، لا يزال بإمكان المسافرين اتباع بعض التقنيات للتقليل من حدتها.

ومن بين الأساليب التي يستخدمها طاقم الضيافة الجوية - والتي قد تبدو غير مألوفة - محاولة التمايل مع حركة الطائرة.

وفي مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر تطبيق «تيك توك»، شرحت إحدى المضيفات هذه الطريقة قائلة: «عندما تضرب المطبات الهوائية الطائرة، تحرّك في مقعدك كقنديل بحر صغير... ستشعر بتحسّن كبير».

ومن خلال التحرك بتناغم مع حركة الطائرة، يمكن للمسافرين تقليل توتر العضلات والتخفيف من قوة الصدمة عند اصطدام الطائرة بالتيارات الهوائية.


رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
TT

رسالة حبّ عمرها 2000 عام ومشهد مصارعة على جدار في بومبي

بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)
بين حجر وآخر... نجت تفاصيل الحياة من الرماد (إ.ب.أ)

أعلن متنزه بومبي الأثري هذا الأسبوع اكتشاف نقوش قديمة على أحد الجدران، تضمَّنت رسالة حب يعود تاريخها إلى ألفي عام ومشهداً مصوراً لقتال المصارعين.

وذكرت «سي بي إس نيوز» أنّ هذه النقوش، التي تُعد بمثابة «غرافيتي» ذلك العصر، اشتملت أيضاً على قصص من الحياة اليومية، وأحداث رياضية، وعبارات تُعبّر عن الشغف، وأخرى تحتوي على إهانات؛ وقد نُحتت جميعها في ممر كان يربط منطقة المسارح في بومبي بأحد طرقها الرئيسية. ورغم أنّ الجدار قد نُقِّب عنه منذ أكثر من 230 عاماً، فإنّ نحو 300 نقش محفور عليه ظلَّت مخفيّة، إلى أن سمحت التقنيات الحديثة للباحثين بتحديدها.

غرافيتي بومبي يعيد رسم الحياة قبل الكارثة (رويترز)

جاءت جهود الكشف عن هذه الكتابات لكونها جزءاً من مشروع يُدعى «إشاعات الممرات»، برئاسة لويس أوتين وإلويز ليتيلير تايفير من جامعة سوربون في باريس، وماري أديلين لو جينيك من جامعة كيبيك في مونتريال، بالتعاون مع متنزه بومبي الأثري. وعبر موجتين من العمل نُفّذتا عام 2022، ومرة أخرى عام 2025، استخدم الباحثون تقنيات تصوير أثرية وحاسوبية متنوعة لإعادة إظهار تلك الرسائل المفقودة.

«أنا في عجلة من أمري؛ انتبهي لنفسك يا عزيزتي (سافا)، وتأكدي من أنكِ تحبينني!»؛ هكذا كُتب في أحد النقوش التي ظهرت مجدّداً على الجدار، وفق المتنزه الأثري، الذي صرَّح بأنّ هذه الكتابات «تشهد على الحيوية وتعدُّد التفاعلات وأشكال التواصل الاجتماعي التي تطوَّرت في فضاء عام كان يرتاده سكان بومبي القديمة بكثرة».

وجه حميمي وعنيف لبومبي القديمة (إ.ب.أ)

يُذكر أنّ بومبي، التي كانت يوماً مدينة رومانية صاخبة بما يُعرف اليوم بجنوب إيطاليا، قد دُفنت تحت أكوام من الرماد البركاني والحجارة عقب ثوران بركان جبل فيزوف عام 79 ميلادي. وقد تسبَّب هذا الحادث الكارثي في تجميد المنطقة عبر الزمن. واليوم، تُعد بومبي أحد مواقع التراث العالمي لـ«اليونيسكو»، ومقصداً سياحياً شهيراً، فضلاً عن كونها مصدراً للاستكشاف الأثري المستمر.

الجدار يحتفظ بأصوات مَن مرّوا على المكان (إ.ب.أ)

وقال مدير المتنزه الأثري، غابرييل زوكتريغل، في بيان حول الاكتشافات الأخيرة: «التكنولوجيا هي المفتاح الذي يفتح غرفاً جديدة في العالم القديم، وعلينا أيضاً مشاركة تلك الغرف مع الجمهور. نحن نعمل على مشروع لحماية هذه الكتابات التي يتجاوز عددها 10 آلاف نقش وتعزيزها في أنحاء بومبي، وهو تراث هائل. واستخدام التكنولوجيا وحدها يمكنه ضمان مستقبل هذه الذاكرة من الحياة التي عاشت في المدينة».