مارسيل خليفة : لم أكتب بعد الموسيقى التي أحلم بكتابتها

زفّ في حوار مع «الشرق الأوسط» «جدارية» محمود درويش موسيقياً

الفنان والمؤلّف الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة
الفنان والمؤلّف الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة
TT

مارسيل خليفة : لم أكتب بعد الموسيقى التي أحلم بكتابتها

الفنان والمؤلّف الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة
الفنان والمؤلّف الموسيقي اللبناني مارسيل خليفة

يُسمّيه فعل «تساقُط»، هذا الذي أتى إليه «من السماء»، فبدأ مارسيل خليفة العمل منذ سنة ونصف السنة، على «جدارية» محمود درويش. عشق شعره وردّد أبياته منذ العام 1976، وعنه يقول، إنه «المقيم وحده في الضفة الأخرى من القلب». تحلّ الذكرى الرابعة عشرة لرحيله اليوم 9 أغسطس (آب) 2008، وهي مناسبة ليكشف مَن غنّى ولحّن من شعره «أحن إلى خبز أمي»، وغيرها الروائع، عن العمل الضخم.
حوار لـ«الشرق الأوسط»، من وطنه لبنان إلى منفاه الاختياري في أستراليا، مع موسيقي من الكبار؛ يقرأ بلا عدّ، في المساء الطويل إلى نومه، ولكن في «الجدارية» (قصيدة طويلة نشرها الشاعر الفلسطيني قبل أكثر من عشرين عاماً)، فكّر أنه ربما يتبرأ من وحشة الصمت ليملأ الفضاء بمحاكاة للحياة والموت.

«الجدارية» و«الخطيئة»
يُحرّرها من قبضة الوقت «قد يذهب الماضي والحاضر والمستقبل، لكن (الجدارية) تخطف كل ذلك وتزّف الزمن في موكب المعنى والصور». فيها يكتشف «أسراراً مقفلة وأسئلة مهملة ونساءً تستبد بهنّ رائحة الياسمين». فالنصّ الذي عمل عليه طويلاً، «يبوح بمكنونه في متّسع للصفاء الطفولي. وكلما أدمنتَ نكهته أقام لك على أنقاض فراغ المعنى كونَك. لقد قلّبتُ ما بين دفتي الديوان نصّا يينع من جديد مع الغناء والموسيقى».
يعود المؤلّف الموسيقي وعازف العود اللبناني إلى البدايات، منتصف سبعينات القرن الماضي، حين قرأ موسيقياً للمرة الأولى قصائد درويش الأولى، ثمّ تحولت بعد حين إلى «نشيد وطني»: «حين رحتُ ألوّن (الجدارية) بقلم الرصاص، بدأتُ اقترافَ الخطيئة. وكم من ليلة أرهقتُ الجفون لئلا تفرَّ مني جملة موسيقية فترمي نفسها في النسيان. لم يطل بي الزمان كثيراً لأدرك أنني جنيتُ على نفسي وعلى السامع لاحقاً، في عمل صادح تكثر فيه أسئلة لا جواب لها». أدمنَ العمل ولم يخطفه عنه بردٌ أو حرّ. داخل غرفة صغيرة محايدة في عزلته، يسكنه شعور بالسلام وتمسح «الجدارية» عينيه «بهدوء، أدوّن ما يتدفّق على ناظريّ. وفي كل يوم، يكبر في العالم والأشياء. من الغموض تخرج المعاني وتنقاد نحوي».
لا يرفع مارسيل خليفة رأسه عن المخطوطة ليشرب من الكوب «شفّة» ماء. يجلس لساعات رغم ضجيج العالم الذي يخرق الصمت «أغلقُ على الخارج الأذنين وأفتح العينين وأجرّد نفسي عن المكان. أعيد قراءة كل فقرة ثالثة ورابعة لأدرك كنه الأشياء. أقرأ ببطء. أعيد فقرة مرّت أو جملة فرّت أو بيتاً أخطأ الطريق في القراءة الموسيقية الأولى، فأبدأ بموسيقته من جديد. أمتثل للعمل وأنا أعلم أنّ الشعر لا يعطيك فرصة لتهمله أو تطيل الصحبة والتمعّن في المجاز والصورة والمعنى. غير أنّ لكل جلسة عمل مآلها. فجلسة تُمعن في الشعر طويلاً وتستهلّ، وأخرى تمسحها سريعاً وتستعجل. لكل مزاج أَجَلٌ، أأدركتُه أو أضعتُه أو استذقتَ جماله».

مارسيل خليفة ومحمود درويش «المقيم وحده في الضفة الأخرى من القلب»

يغلق الباب على نفسه ليفتح لها ألف باب «وما ضرّني إن استوحشتُ كثيراً في عزلة صارخة، فليس في العكوف ما يُعاب. كم من وقت مرّ وسيمرّ بعد على الزمان لأنهي ما بين يديّ؟»، يتساءل. لا يخفي هبوب حريق في شغفٍ كان بالنفس، فيؤجل العمل لوقت آخر. هل يطول بعد إنجازه؟ ردّه يوجز المراحل «في عام، التهمتُ من ثمار (الجدارية) الكثير، وفي كل أسبوع أنهي مقطعاً وفي كل شهر أطرق باباً. أنا الآن ملتزم بالمتابعة وعلى ظهري حِمْل الشعر وفي نفسي فيض المعاندة».

مارسيل خليفة عمل طويلاً على «جدارية» محمود درويش

مفتون لا مجنون
تمرّ أكثر من سنة على تجربته الجديدة مع الشعر، ولا يدري، مع أنه أنجز الكثير، إلى أين سيأخذه الشغف بلعبة الألفاظ وإيقاع الموسيقى «صرت ضيفاً على المجرّد وانغمستُ في الجدل لأستبين كيف تنشأ الأشياء من الأضداد، وأطلتُ التأمل في الفارق بين الأرواح والأجساد».
«هل كنتُ مجنوناً حين بدأتُ بهذا العمل؟»، يتساءل ويجيب «لقد كنت مفتوناً، أغرق في التأمّل. رافقت الكلمة النغمة فلسفياً فتركّبت من لقائهما السيرورة والصيرورة والكينونة والحركة والتغيير والوردة والحسرة والمرأة والجمرة والمرج والموج والريح والشمس والمطر والقطاف والحياة والموت. أرهقتني الجدارية وعذبتني وأذاقت جفني السهاد. قرأتُها من عشرين سنة وطويتها، ثم عادت اليوم بإلحاح لم أستطع لجمه لتوقظ السؤال عن الفارق بين المدى والصدى. ليس في الأفق جواب عن خاطر طائش أصابني ربما لأداوي جرحاً في القلب».
قرأ في «الجدارية» اسمه: مارسيل ابن ميشال وماتيلدا من حي «العَرْبة» ببلدة عمشيت الساحلية «وقرأتُ فيها لوحة الحياة والموت، لأقود شمعة في عتمة فراغ مُجهد ولأهِب المعنى للأشياء وأقهر خوفي المدفون لئلا يضيع مني الليل وتنسدل الجفون، وحتى لا يحاصرني طويلاً فتطاردني الظنون. حين أتعب أعود أقرأ، ثم أكتب، وهكذا دواليك».

رفيقه العود في غربته وحفلاته

بعد التساؤل «ماذا يبقى في عتمة الأيام غير الشعر واحتراف الموسيقى؟»، يتابع «أسمع موسيقى (الجدارية) كمن يستمع إلى خفقان قلب جنين. أرى ملامحها وحركاتها ومقاماتها، وأقول هنا ثأرنا من الوقت والمسافة والتلاشي وانتصارنا على العبث والعدم».
يتحدّث عن لقاء الموسيقى والشعر ويراه استعادة للحوار بين الأنا والأنا الآخر، لُبّ «الجدارية»: «هو استرجاع لأصواتٍ وتريّاتُها في السير على البحيرة ودروب القوافل». ينظر إلى نفسه، فيلمح عوداً وحيداً على كرسي بعدما غادر الموسيقيون المكان وأسدلت الستارة على المسرح. من هذا العود، يدع صوت درويش ينساب في بعض مقاطع الأنا ومقاطع الموت، فيوحي كأنه يتحدّث من العالم الآخر «كحي يتحدّى الموت رفقة غناء الروح الأبدي».

تساءل حين بدأ العمل على الجدارية عن ارتكاب «الخطيئة»

بوفاء، يذكُر مَن فارقنا في مثل هذا اليوم: «عندما يصدح صوت درويش تطمئن إلى أنّ الزمان لا يزال حياً وحظه في البقاء أطول. صوتُه سيأتي كسحابة تعبُر، وعلى الموسيقى أن تعرف كيف تجعل السحابة غمامة، وتبعث في كثافتها الرغبة في التحوّل إلى (مطر ناعم في خريف بعيد)، كي تسقي المعنى الظامئ إلى ما يجعله معنى».
ولصوت درويش مفعول السحر «يَفتِنُ ما فاض عن حاجة التعبير. كان لا بدّ لهذه الملحمة الشعرية الموسيقية الغنائية من هواء هو إيقاع صوت درويش، يتسلّل ليروّضه على تنظيم معنى يهيم في (الجدارية). وهي تخرج مع صوته من بطن الموت وينضج المعنى وتتقاطر الصور الموسيقية. صوتان يتبادلان الحب والجمال الحياة والموت».
يُكمل الأوصاف «الجدارية مرثية الحقيقة الأبدية. حارّة مالحة وشهيّة، كنسمة محمّلة برائحة الياسمين. شممتُها قبل أن تمسحها عيناي وتخيطها شفتاي ليرنّ صوت معدنها في صدى السماع». فلنُقاطع هذه الحميمية، لنسأل عن «طقوس» التأليف، أيها يتبع مارسيل خليفة؟ يجيب متبرئاً من القواعد «أدعُ النصّ الموسيقي أو الصوت يخرج مني عفوياً، ولا أرهقه بالأصول فأخسره. أكتبُ بلا تردّد لينبلج الشروق المسيّج بالضوء. أكتبُ الموسيقى على ورقة النوتة بحبر سرّي. أكتبُ ما أسمعه وما لا أسمعه في ومضة زمان عجول لا ينتظر. أكتبُ الموسيقى حين أعجز عن الكلام. روحي وحياتي تكوّنتا من سلسلة الإضاءات والمسوغات التي تؤدي أدوارها دون توقّف في داخلي. أترجم ذلك بصوت الموسيقى لأحرّض الناس على التوهّج». خلاصته وقناعته «الخصوصية أن تصنع لغتك. الموسيقى بصمات والعالم لا يحتاج إلى نسخ متشابهة».

الطفولة ومصادر السماع الأولى
نسأله عن طفولة تخترق نصوصه الموسيقية لتستعيد عالماً مفقوداً، فيذكُر «في بيتنا الصغير، البيت الضيّق - الواسع، كتبتُ أول أعمالي وأسمعتُها لأمي وأبي وجدّي وجدّتي. كتبتُ النوتات المليئة بأصوات البحّارة والفلاحين وما سمعته وما شاهدته. ورغم ذلك، ولليوم، لم أكتب بعد الموسيقى التي أحلم بكتابتها. أسمعها في الحلم، وعندما أصحو تضجّ بها أذني بصمت صارخ إلى ما لا نهاية. أليس في الموسيقى عبث لا ينتهي؟».
وماذا عن مصادر السماع الأولى؟ يجيب «كانت صوتَ الغجر في خيامهم مع البزق والغناء والرقص الساحر. أغانٍ بدويّة ذات حنين جارف. وما زلت إلى اليوم أسمع الصدى الجميل الذي عجز الزمن الطويل عن إسكاته. أصوات أولاد الحيّ، نغنّي سويّة على إيقاع التنك وعلب الحليب الفارغة. الحنين إلى تلك الأصوات في قريتي لازمني كل الفترات. صوت جدّي العذب في جلسات الطرب وعزفه على الشبّابة”.
كان والده يُسلطن على صوت العود، لكنّ الأثر الهائل للأم «أمي بفضلها أصبحتُ موسيقياً، ولقد لاحظتْ منذ طفولتي رغبتي في تعلّم الموسيقى. ترعرعتُ على تراتيلها في سرير خشبي تهزّه بيمينها. وكان لصوتها جمال غامض، حيث اختلط بصوت الريح الآتي من صوب البحر. لكن أمي رحلت قبل الأغنية وقبل الموسيقى، ولم تسمع أعمالي ولم تشهد كيف بعثرتُ أيامي في الحقائب والمطارات والمدن البعيدة».

«القلق فعل بطولة»
مارسيل خليفة مُختَبر قلق. يراه «الشق الأهم في الفعل الوجودي» ويرفعه إلى مصاف البطولة «القلق الشخصي الفردي الذي أعيشه قد ينتهي إلى فعل يؤثّر في الآخرين أو قد لا يؤثّر فيهم. وقد يكون هذا العذاب نتيجة الالتزام أو لا يكون؛ غير أنه منفعل، في معظم الحالات، بعشرات المؤثّرات الأخرى من غربة وفقر ومرض... في القلق شيءٌ من الرفض، وهذا في صلب الإبداع. لعله من المحتّم علينا اللجوء إلى الداخل، إلى القلق الجوّاني، حيث يواجه الإنسان منّا ضميره وكيانه، حيث يرى ذاته عارية».

طغيان السياسة والازدحام
لا يمكن مقابلة مارسيل خليفة بلا تطرّق للسياسة. يلمح طغيانها على الواقع ومصير الفرد حدّ أنها «غمرت بيوتنا وشوارعنا وكل زاوية من حياتنا، وما عدنا نرى إلا من خلال هذا الطغيان». يعدّ الحاجة ماسّة إلى «الصحو وسلامة الفكر»، ويضيف «يعيش الفنان اليوم فترة صعبة، ناقمة على تاريخه، متجسّسة على خصوصياته، مريعة بما فيها من فقر وجوع وقهر. فإذا لم يدافع عن وجوده الفردي، فسيفقد وجهه وملامحه. للفنان سحرٌ، إن تُرك للطائفيين والسياسيين، فسيمحق كل ما يميّزه من رؤية خاصة للحياة أو فهم متفرّد للتاريخ أو تعاطف خلاّق مع البشر».
يربط الاضطراب السياسي ببلبلة مريعة تمسّ القيم وتُمزّق النفوس «علينا أن نكون متيقّظين. ففي غمرة البرامج النظرية التي تهتف بها كل فئة، من دون تفعيلها في الواقع، يستشري الرياء والفساد فيصعب التغاضي عنه». يُكمل «إلى جانب هذا كلّه، نعيش طغيان الكثرة والازدحام. كذلك هي الوسائل الجماعية الطاحنة للذهن، من إذاعات ومطبوعات وتلفزيونات ومسلسلات ومواقع إلكترونية. بطلٌ من يحاول الوقوف على رجليه في لجّة هذا السيل الطاغي ليعيد إلى ذاته الإنسانية كرامتها».
لا يساوم على ضرورة أن «يكون الفنان شجاعاً باستيعابه هذه الحالة المعقدّة وتمكنه من النظر إلى مصير الإنسان برؤية نافذة وخلّاقة». ورغم الشحّ في الإبداع والكثرة في الإنتاج «علينا تخصيب تربة الإبداع خارج سطوة هذا الجرف، فنهيب بشبابنا أن يتأملوا ويُبدعوا. على الفن أن يتمسّك بدوره البطولي الخلّاق. حين نفترض أنه إنساني في الجوهر، يبقى السؤال: أهو جيّد أم رديء؟ بذلك يكون وسيلة لتعزيز الاندفاع، لا وسيلة للتجميد».
يكرر كحسرة «ماذا يبقى في عتمة الأيام غير الشعر والفلسفة والموسيقى؟». بسؤاله عن مفهومه للموسيقى وهل يكترث لانتشارها الجماهيري، يردّ «هي عملية مواجهة، والموسيقي الشجاع لا بدّ أن يجد لغته الجديدة في كل زمن. يجب أن تصل الموسيقى إلى كثر وليس إلى قلّة. فحين يتخلّف أحد عن سماعي، أذهب إليه وأعتذر. ربما كانت غلطتي، أو أنّ موسيقاي عصيّة على التواصل معه. لذلك؛ أحاول إيجاد معادلة تستطيع الوصول إليه».
الرجل الغارق في غربته، يرى الناس «بداية الموسيقى والنهاية. هم البوصلة التي تحدّد لي الاتجاه. والموسيقي الذي لا جمهور لموسيقاه يكون قد أضاع عنوان الجمهور. والذي لا يستطيع أن يكتب مقطوعة يمكنها التواصل مع الجمهور، لديه مشكلة. أؤمن إيماناً مطلقاً بالذوق العام. هو الذي يستطيع أن يقيّم العمل الفني، يُقبل عليه أو يُهمله».

رفضُ التصنيف
لا يهوى تصنيف الفنان؛ هذا ثوري، وذاك فنان الغزل أو الحماسة «أرفض أن يحدّد لي الآخرون صفتي وهويتي سلفاً. لا أؤمن بشيء كإيماني بالحرية، ولا أكره شيئاً ككراهيتي لكل ما من شأنه الحدّ منها ولو كان متأتياً من طريق المحبة. فما قيمة الفنان عندما يريده الناس كما هم يريدون، لا كما يريد هو أن يكون؟ وإلى أي مدى يستطيع أن يلبّي رغباتهم من دون أن ينتقص ذلك من تجرّده الفكري وأصالة لغته وحريته. إلى أي حدّ هو ملزم على التجاوب مع هذه الرغبات؟».
يجيب عن أكثر ما يدور في بال أحبّته، بسؤال «هل أنا ثائر حقاً؟ نعم! ولكن، هل يمكن اختزالي في كوني ثائراً؟ لا! أنا لستُ هذا فقط. فكما أثور، كذلك أهدأ. وكما أصرخ كالمجنون في أعمالي، أهمس كالطيف أو أختنق كالغريق. إنها معركة بيني وبين أصالتي وامتحان لشجاعتي الروحية. لا أتملّق الجمهور ولا أستجدي التصفيق. لست ضعيفاً أمام محبّتهم لي. أفضّل حريتي على إعجاب الناس. أعيش أرقاً دائماً، ولا ألين للمساومة».
يرفض نهائياً الزيف والغشّ الفني «إذا كنت أملكُ هذا الرصيد الشعبي، فسببه أنني لم أغشّ في ورق اللعب. باقٍ في وجدان الناس ولا يعنيني البقاء في ذاكرة ناقد. إذا استطعتُ الوصول إلى وجدانهم فأكون قد نجحت. تعبتُ لأخترع لغتي خلال كل تلك السنوات، ولتكوين حالة تُعرِّف بي وأُعرَّف بها. الخصوصية أن تصنع لغتك».
يبحث اليوم عن موطئ قدم في زحمة العالم والتاريخ «الأصعب هو كيف تحقق نفسك على نحو خاص وسط هذا الزحام. كنتُ أعتقد أنّ الموسيقى ستبقى هواية، فلا يمكن لأحد أن يقرّر سلفاً بأنه سيكون موسيقياً. حتى الآن، ورغم الطريق الطويلة، ما زلت أنوس بين الهواية والحرفة. بقيت هاوياً ومحترفاً في آن».

الغياب ودروس الوقت
يحضر سؤال عن الغياب والعتب في عيون الأصدقاء. فلِمَ الهجران؟ يربط فنان «بين ريتا وعيوني بندقية» (شعر درويش)، أسباب الغربة بانهيار بلد «بأمه وأبوه» وسرقة المدّخرات كما لم يحدث على الأرض. يندسّ في غرفته ليواري وحشة حيال الجماعة والأحداث والجائحة والفساد «ألازم غرفتي، ألتهم الشعر وأتلهّى أحياناً بالسماع لموسيقى العالم لأرتاح من عبء العمل».
ينتبه اليوم إلى الوقت أكثر من أي زمن مضى «كل يوم يمرّ ولا أعمل فيه، أشعر بإحباط شديد. يعلّمني العمر احتساب الوقت بدقّة بحثاً عن الموسيقى الصافية. الموسيقى المتحرّرة من عبء تاريخها وعبء الواقع. فبتُّ أسعى إلى البحث عن الجوهر والعمق. علينا محاولة تصديق وجودهما توقاً إلى الموسيقى المستحيلة».


مقالات ذات صلة

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهم مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما، طريقة موحدة لتأليف موسيقاه المتنوعة، وهي البحث في تفاصيل الموضوعات التي يتصدى لها، للخروج بثيمات موسيقية مميزة. ويعتز خرما بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، التي تم افتتاحها في القاهرة أخيراً، حيث عُزفت مقطوعاته الموسيقية في حفل افتتاح البطولة. وكشف خرما تفاصيل تأليف مقطوعاته الموسيقية التي عُزفت في بطولة العالم للجمباز، إلى جانب الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم 13»، الذي يجري عرضه حالياً في دور العرض المصرية. وقال خرما إنه يشعر بـ«الفخر» لاختياره لتمثيل مصر بتقديم موسيقى حفل افتتاح بطولة العالم للجمباز التي تشارك فيها 40 دولة من قارات

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

للمرة الأولى... تسجيل مراسم تتويج الملك البريطاني في ألبوم

تعتزم شركة تسجيلات بريطانية إصدار حفل تتويج ملك بريطانيا، الملك تشارلز الشهر المقبل، في صورة ألبوم، لتصبح المرة الأولى التي يتاح فيها تسجيلٌ لهذه المراسم التاريخية للجمهور في أنحاء العالم، وفقاً لوكالة «رويترز». وقالت شركة التسجيلات «ديكا ريكوردز»، في بيان اليوم (الجمعة)، إنها ستسجل المراسم المقرر إقامتها يوم السادس من مايو (أيار) في كنيسة وستمنستر، وأيضاً المقطوعات الموسيقية التي ستسبق التتويج، تحت عنوان «الألبوم الرسمي للتتويج»، وسيكون الألبوم متاحاً للبث على الإنترنت والتحميل في اليوم نفسه. وستصدر نسخة من الألبوم في الأسواق يوم 15 مايو.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

مزاد في سبتمبر على 1500 قطعة عائدة إلى المغني الراحل فريدي ميركوري

تُطرح للبيع في مزاد يقام في لندن خلال سبتمبر (أيلول) المقبل نحو 1500 قطعة عائدة إلى مغني فرقة «كوين» البريطانية الراحل فريدي ميركوري، من بينها أزياء ارتداها خلال حفلاته ومخطوطات لنصوص أغنيات، وكذلك لوحات لماتيس وبيكاسو، كما أعلنت دار «سوذبيز» اليوم الأربعاء. وستقام قبل المزاد معارض لأبرز هذه القطع في نيويورك ولوس أنجليس وهونغ كونغ في يونيو (حزيران)، ثم في لندن من 4 أغسطس (آب) إلى 5 سبتمبر (أيلول). ومن بين القطع التي يشملها المزاد تاج مستوحى من ذلك الذي يضعه ملوك بريطانيا في احتفالات تتويجهم، ورداء من الفرو الصناعي والمخمل الأحمر. وارتبطت هاتان القطعتان بصورة الفنان البريطاني الذي حقق شعبية واس

«الشرق الأوسط» (لندن)

«وديات المونديال»: النمسا تكتسح غانا بخماسية

فرحة نمساوية بأحد الأهداف أمام غانا (أ.ف.ب)
فرحة نمساوية بأحد الأهداف أمام غانا (أ.ف.ب)
TT

«وديات المونديال»: النمسا تكتسح غانا بخماسية

فرحة نمساوية بأحد الأهداف أمام غانا (أ.ف.ب)
فرحة نمساوية بأحد الأهداف أمام غانا (أ.ف.ب)

حقق المنتخب النمساوي فوزاً كبيراً على ضيفه الغاني 1/5، الجمعة، في مباراة دولية ودية، في إطار استعدادات الفريقين لـ«كأس العالم 2026».

وتقدَّم المنتخب النمساوي في الدقيقة 12 عن طريق مارسيل سابيتزر، نجم وسط بوروسيا دورتموند، من ضربة جزاء، ثم أضاف ميكائيل جريجوريتش الهدف الثاني في الدقيقة 51.

وفي الدقيقة 59 سجل ستيفان بوستش الهدف الثالث للمنتخب النمساوي، ثم عاد المنتخب الغاني للمباراة بتسجيل لاعبه المخضرم جوردان آيو في الدقيقة 77.

وبعد ذلك بثلاث دقائق، سجل كارني تشوكوميكا هدف النمسا الرابع، وهو الأول له في أول مباراة يشارك فيها مع المنتخب بعد اختياره تمثيله عوضاً عن إنجلترا التي سبق له اللعب مع منتخبات الشباب بها.

وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع للشوط الثاني، سجل نيكولاس سيوالد الهدف الخامس للنمسا.

ويوجد المنتخب النمساوي في المجموعة العاشرة بـ«المونديال» إلى جانب منتخبات الأرجنتين والجزائر والأردن، في حين يوجد المنتخب الغاني في المجموعة 11 إلى جانب منتخبات البرتغال وكولومبيا وأوزبكستان.


الشوفان مقابل البيض... أيهما أفضل للإفطار من حيث الألياف والبروتين؟

البيض مصدر غني بالبروتين مع نسبة قليلة من الكربوهيدرات (بيكسباي)
البيض مصدر غني بالبروتين مع نسبة قليلة من الكربوهيدرات (بيكسباي)
TT

الشوفان مقابل البيض... أيهما أفضل للإفطار من حيث الألياف والبروتين؟

البيض مصدر غني بالبروتين مع نسبة قليلة من الكربوهيدرات (بيكسباي)
البيض مصدر غني بالبروتين مع نسبة قليلة من الكربوهيدرات (بيكسباي)

يُعدّ الشوفان والبيض من الأطعمة الشائعة الغنية بالعناصر الغذائية في وجبة الإفطار، لكنهما يقدمان فوائد صحية مختلفة.

فالبيض أغنى بالبروتين، بينما يوفر الشوفان المزيد من الألياف وبعض المعادن. ويعتمد الخيار الأفضل من بينهما على أهدافك الغذائية، وفق ما ذكره موقع «فيري ويل هيلث».

ويُوفر كلا الطعامين عناصر غذائية مهمة، لكن تركيبتهما من المغذيات الكبرى تختلف اختلافاً كبيراً. والمغذيات الكبرى (البروتين، والكربوهيدرات، والدهون)، أو «العناصر الغذائية الأساسية»، هي العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم بكميات كبيرة ليعمل بكفاءة عالية.

أي وجبة إفطار تحتوي على بروتين أكثر؟

البيض مصدر غني بالبروتين مع نسبة قليلة من الكربوهيدرات. في المقابل، الشوفان غني بالكربوهيدرات ولكنه يوفر بروتين أقل.

تحتوي بيضتان كبيرتان على نحو 12.6 غرام من البروتين و1.12 غرام من الكربوهيدرات، بينما يحتوي كوب واحد من الشوفان على نصف كمية البروتين تقريباً ونحو 28 غراماً من الكربوهيدرات.

ويعد البيض والشوفان خيارين جيدين لتزويد الجسم بالأحماض الأمينية الأساسية لتلبية احتياجاته.

ماذا بخصوص الألياف؟

الألياف نوع من الكربوهيدرات لا يستطيع الجسم هضمها، لكنها مفيدة لصحة الجهاز الهضمي. ولا يحتوي البيض على أي ألياف. أما الشوفان، فهو مصدر ممتاز للألياف.

فالشوفان حبوب كاملة غنية بالألياف، وخاصةً «بيتا غلوكان»، الذي يساعد على خفض الكوليسترول وتنظيم مستوى السكر في الدم. كما يساعد «بيتا غلوكان» على التحكم في الوزن لأنه يُشعرك بالشبع، ويقلل من الإحساس بالجوع.

أيهما أفضل لإنقاص الوزن؟

يُعدّ البيض خياراً أفضل لإنقاص الوزن لاحتوائه على سعرات حرارية أقل من الشوفان، كما أنه يستغرق وقتاً أطول للهضم، فلا يُسبب ارتفاعاً مفاجئاً في مستويات السكر في الدم. كما أنه يُساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول.

وأظهرت الدراسات أن الأشخاص يشعرون بالشبع لفترة أطول بعد تناول وجبة إفطار تحتوي على البيض مقارنةً بوجبة إفطار تحتوي على الشوفان.

وقد يكون الشوفان خياراً أفضل لمن يسعون إلى بناء العضلات لاحتوائه على نسبة أعلى من السعرات الحرارية والكربوهيدرات. وتُساعد السعرات الحرارية الإضافية، إلى جانب البروتين، على بناء وإصلاح أنسجة العضلات، بينما تُوفر الكربوهيدرات الإضافية الطاقة اللازمة لرفع الأثقال.


هجمات إسرائيل تشتد على منشآت نووية في إيران

ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)
ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)
TT

هجمات إسرائيل تشتد على منشآت نووية في إيران

ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)
ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)

كثّفت إسرائيل، الجمعة، ضرباتها داخل إيران عشية دخول الحرب شهرها الثاني، مركزةً على منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي ومواقع إنتاج الصواريخ، بالتوازي مع توسيع الهجمات على البنية الصناعية، بما شمل منشآت الفولاذ، بينما واصلت طهران الردّ بالصواريخ والمسيّرات، ورفعت لهجتها بشأن مضيق هرمز، في وقت يخطط الجيش الأميركي لإرسال تعزيزات إضافية، لتوسع خياراته الميدانية، وفي مقدمتها جزر إيرانية.

وأفاد الجيش الإسرائيلي، في بيانات منفصلة أمس، بأنه نفّذ موجة ضربات واسعة في قلب طهران استهدفت منشآت تُستخدم في إنتاج الصواريخ الباليستية وأسلحة أخرى، إضافة إلى منصات إطلاق ومواقع تخزين في غرب إيران.

وأضاف أن الهجمات طالت عشرات المنشآت العسكرية، من بينها قواعد تدريب وتخزين منظومات صاروخية موجهة ضد الطائرات، ومواقع تصنيع مكونات الصواريخ الباليستية، ومنشآت لإنتاج بطاريات الأسلحة، ومواقع تصنيع تابعة لـ«الحرس الثوري».

وأشار الجيش إلى استهداف مجمعات إطلاق وتجهيز صاروخي ومنشآت مراقبة، إضافة إلى قتل عناصر من وحدات الصواريخ خلال عملهم داخل منشآت عسكرية في طهران. وقال إن هذه العمليات تأتي ضمن حملة مستمرة لتقويض القدرات العسكرية والصناعية الإيرانية، مع مواصلة استهداف منظومات الصواريخ والبنية الإنتاجية المرتبطة بها.

أعلن أيضاً عن استهداف منشأة مركزية في مدينة يزد، تُستخدم لإنتاج الصواريخ والألغام البحرية، موضحاً أنها موقع رئيسي لتطوير وتجميع وتخزين منظومات صاروخية موجهة نحو أهداف بحرية، بما في ذلك منصات الإطلاق من الغواصات والطائرات، واعتبر أن الضربة تمثل «ضربة مهمة» لقدرات الإنتاج البحري الإيراني.

ضربات على مدينة كاشان وسط إيران (تلغرام)

توسع بنك الأهداف

في أبرز محور من الضربات، أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، من بينها منشأة الماء الثقيل في أراك، التي تُستخدم في تشغيل مفاعلات قادرة على إنتاج البلوتونيوم، إضافة إلى منشأة في يزد تُستخدم لاستخراج ومعالجة المواد الخام اللازمة لتخصيب اليورانيوم، في إطار استهداف ما وصفه بـ«سلسلة الإنتاج النووي».

وفي المقابل، أكدت المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية أن مجمع «خنداب» للماء الثقيل في أراك تعرض لهجومين، لكنه قال إن الهجمات لم تسفر عن خسائر بشرية، وإنه لا يوجد خطر تلوث إشعاعي على سكان المنطقة نتيجة الإجراءات الوقائية المتخذة مسبقاً.

كما أعلن مسؤول محلي في محافظة «مركزي» استهداف موقع خنداب، موضحاً أنه لم تُسجّل أي انبعاثات إشعاعية، وأن الموقع هو ذاته منشأة الماء الثقيل الواقعة على طريق أراك - خنداب، مشيراً أيضاً إلى استهداف وحدة صناعية في مدينة «خير آباد» من دون تسجيل خسائر بشرية.

وفي محافظة يزد، أعلنت «الذرية الإيرانية» أن مصنع إنتاج «الكعكة الصفراء» في أردكان تعرض لهجوم، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية أظهرت عدم حدوث أي تسرب لمواد مشعة خارج المنشأة، وبالتالي لا يوجد خطر على السكان أو المناطق المحيطة. وأكدت وكالة «فارس» ووسائل إعلام أخرى عدم وقوع إصابات أو حصول تسرب إشعاعي من الموقع.

وتعدّ «الكعكة الصفراء» المادة الخام لليورانيوم قبل دخوله في دورة التخصيب، عبر تحويلها إلى سداسي فلوريد اليورانيوم، وهو المادة الخام لأجهزة الطرد المركزي، بحيث يمكن تخصيبه.

مصانع الفولاذ

امتدت الهجمات أيضاً إلى قطاع الصناعات الثقيلة. ففي أصفهان، أفاد التلفزيون الرسمي نقلاً عن شركة «فولاد مباركة» بأن هجوماً استهدف أجزاءً من منشآت الكهرباء وخط الإنتاج في المجمع، ضمن سلسلة الضربات الأخيرة، مضيفاً أن فرق السلامة والإطفاء تدخلت فوراً، وأن الوضع بات تحت السيطرة، فيما يواصل الخبراء تقييم حجم الأضرار.

وفي الأحواز، نقل التلفزيون الرسمي عن نائب المحافظ للشؤون الأمنية أن طائرات «العدو الأميركي - الإسرائيلي» استهدفت شركة «فولاد خوزستان»، مشيراً إلى أن العاملين غادروا الموقع سالمين بسبب توقف الأفران، ولم تُسجّل أي إصابات بشرية.

وأفادت معطيات أوردتها تقارير محلية ورسائل ميدانية، لم يتسن التحقق من كثير منها بشكل مستقل، بأن موجة واسعة من الضربات الجوية خلال ليل الخميس - الجمعة امتدت من طهران إلى البرز وأصفهان ويزد وكاشان وقم وتبريز وأرومية وشيراز وعبادان، مع تركّز واضح على مواقع عسكرية وصاروخية وبنى صناعية حساسة، إلى جانب إصابات طالت مباني سكنية ومحيطاً مدنياً في بعض المواقع.

تجدد الضربات على مداخل منشأة صاروخية تحت الجبال في مدينة يزد وسط إيران (تلغرام)

في طهران، أفادت شهادات عن تحليق منخفض ومكثف للطائرات المقاتلة وانفجارات متلاحقة خلال موجتين ليلاً وفجراً، وطال القصف مواقع عسكرية وأمنية ومخازن ومنشآت مرتبطة بـ«الحرس الثوري» في غرب العاصمة وجنوبها الغربي.

وفي محافظة البرز، سُجلت انفجارات وضربات قرب مواقع عسكرية أو لوجستية في كرج ومحيطها، خصوصاً في الجهات الغربية والجنوبية الغربية المتاخمة لطهران. أما في أصفهان، فتوزعت الضربات على منشآت عسكرية، بما في ذلك ورشات صناعة الطائرات المسيّرة، فضلاً عن ضربات قرب ثكنات ومواقع عسكرية في محيط المدينة، مع تقارير عن قصف منشآت فولاذ وصناعات ثقيلة في جنوب المحافظة.

وفي قم، وردت تقارير عن ضربة في منطقة برديسان، أصابت 3 مبانٍ سكنية، مع إفادات بمقتل 15 على الأقل وإصابة 10 آخرين. وفي تبريز، أشارت مصادر إلى انفجارات في مركز مرتبط بصناعات المحركات الصاروخية، فيما سُجلت في أرومية ضربة صاروخية مباشرة على مجمع سكني، أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من المدنيين، ولا تزال عمليات الإنقاذ جارية.

وفي شيراز، تكررت تقارير عن تحليق منخفض وانفجارات في الجنوب ومحيط المدينة العسكرية التي تضم معسكرات أو ثكنات. وفي الأحواز، أشارت الإفادات إلى ضربات على صناعات فولاذ ومرافق إنتاجية ثقيلة، بينما وردت روايات عن ضربة في عبادان، أصابت موقعاً داخل المدينة قرب منشآت نفطية من دون أن تصيبها مباشرة.

كاتس يحذر طهران

في الموازاة، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس لهجته، قائلاً إن إيران واصلت إطلاق صواريخ صوب مناطق مدنية في إسرائيل، وإن هجمات إسرائيل على إيران «ستتصاعد وتتوسع لتشمل أهدافاً إضافية».

وقال، في بيان، إن إيران «ستدفع ثمناً باهظاً ومتزايداً لهذه الجريمة الحربية»، مضيفاً أن الجيش الإسرائيلي ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «حذّرا النظام الإيراني الإرهابي من وقف إطلاق الصواريخ على السكان المدنيين في إسرائيل».

وقال كاتس: «على الرغم من التحذيرات، يستمر إطلاق النار. وبالتالي، فإن الهجمات في إيران ستتصاعد وتتوسع لتشمل أهدافاً ومناطق إضافية تساعد النظام في بناء وتشغيل أسلحة ضد المواطنين الإسرائيليين».

وأضاف الجيش الإسرائيلي أن وابلًا ثالثاً من الصواريخ الإيرانية استهدف البلاد يوم الجمعة، في وقت واصلت فيه أنظمة الدفاع الجوي اعتراض الصواريخ.

تشدد بمضيق هرمز

في المقابل، أصدر «الحرس الثوري» بياناً هدّد فيه بأن حركة مرور السفن «من وإلى» مواني «حلفاء وداعمي» إسرائيل والولايات المتحدة عبر أي ممر ستكون ممنوعة.

وجاء في البيان، نقلاً عن القوة البحرية التابعة له، أن «مضيق هرمز مغلق، وأي تحرك أو عبور في هذا المضيق سيواجه بردّ قاسٍ».

كما أعلن «الحرس الثوري» أن 3 سفن حاويات تحمل جنسيات مختلفة اضطرت إلى العودة بعد «تحذير» من القوة البحرية التابعة له. وذكرت وكالة «مهر» أن «الحرس» حثّ المدنيين في الشرق الأوسط على إخلاء المناطق القريبة من القواعد الأميركية، بينما ذكرت وكالة «فارس» أن التحذير جاء ضمن سلسلة إنذارات أصدرها منذ بدء الحرب.

ضربات على منشأة عسكرية في ضواحي أصفهان وسط إيران (تلغرام)

وقال «الحرس الثوري» إن «العدو الأميركي - الإسرائيلي» نفّذ هجمات على مراكز صناعية داخل إيران رغم التحذيرات السابقة، مضيفاً أن قواته «تنفذ حالياً هجمات انتقامية».

ودعا جميع العاملين في الشركات الصناعية، التي تضم «مساهمات أميركية»، وكذلك الصناعات الثقيلة الحليفة لـ«إسرائيل» في المنطقة، إلى مغادرة مواقع عملهم فوراً، كما دعا السكان القاطنين ضمن دائرة كيلومتر واحد من هذه المنشآت إلى الابتعاد حتى انتهاء الهجمات.

جاء ذلك، بعدما هدّدت إيران بضرب مواقع غير عسكرية، بينها فنادق في بيروت ودمشق، وزعمت أنها «تُستخدم لإقامة عسكريين وخبراء غربيين»، إضافة إلى مواقع قالت إنها مرتبطة بانتشار قوات «مارينز» أميركية في جيبوتي، واصفة التحذير بأنه «شامل وحاسم».

«اللعب بالنار»

وكتب قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، أن إيران سبق أن تعرضت للاختبار، لكن العالم يرى اليوم أن الطرف المقابل عاد إلى «اللعب بالنار» وشنّ هجمات على البنى التحتية.

وأضاف أن المعادلة هذه المرة «لن تكون عيناً بعين»، موجهاً تحذيراً بانتظار ردّ مختلف. كما دعا العاملين في الشركات الصناعية المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل إلى مغادرة مواقع عملهم سريعاً حتى لا تتعرض حياتهم للخطر.

وتوعد وزير الخارجية عباس عراقجي بـ«ثمن باهظ» بعد ضرب مصنعين للصلب في إيران.

ومن جانبه، قال النائب إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، إن استمرار عضوية إيران في معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية «لم يعد ذا معنى»، معتبراً أن المعاهدة «لم توفر حماية للبلاد، رغم الهجمات المتكررة على منشآتها النووية».

وأكّد أن إيران «لا تنوي إنتاج سلاح نووي»، وأن سياستها في هذا المجال «لم تتغير»، لكنه وصف تصريحات مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن البرنامج النووي الإيراني بأنها «تحريضية وخطيرة».

وأشار إلى أن الولايات المتحدة «انسحبت من عشرات الاتفاقيات والمنظمات الدولية»، مضيفاً أنه إذا قررت طهران الانسحاب من المعاهدة «فستواجه على الأرجح اعتراضاً غربياً»، وختم بالقول إن «الوقت قد حان للخروج».

هرمز تحت الضغط

وتصرّ إيران على تثبيت نفسها بوصفها الجهة المسيطرة فعلياً على مضيق هرمز. وتشير الاتصالات الإيرانية مع السلطة البحرية التابعة للأمم المتحدة والسفن العابرة إلى إنشاء ما يشبه «كشك تحصيل الرسوم». وبحسب المعطيات الواردة، يتعين على السفن دخول المياه الإيرانية والخضوع للتفتيش من قبل «الحرس الثوري»، فيما دفعت سفينتان على الأقل رسوم العبور بالعملة الصينية.

ونقلت وكالات الأنباء الإيرانية عن أحد المشرعين قوله إن «البرلمان يسعى إلى وضع خطة لتقنين سيادة إيران وسيطرتها وإشرافها على مضيق هرمز بشكل رسمي، مع توفير مصدر للدخل من خلال تحصيل الرسوم». وأدّى هذا الوضع إلى انخفاض حركة المرور عبر المضيق بنسبة 90 في المائة، ما تسبب في ارتفاع أسعار النفط العالمية بشكل حادّ ونقص مقلق في دول آسيوية على وجه الخصوص.

كما أفادت وسائل إعلام إيرانية بأن سفينة شحن ترفع العلم التايلاندي جنحت بعد تعرضها لهجوم في المضيق وتخلي طاقمها عنها. وقالت وزارة الخارجية التايلاندية إن السلطات الإيرانية والعمانية تمكنت من الوصول إلى السفينة «مايوري ناري» في مهمة إنقاذ، فيما لا يزال 3 بحارة في عداد المفقودين. وأفادت وكالتا «تسنيم» و«فارس» بأن السفينة جنحت قرب قرية رامشة في جزيرة قشم.

تعزيزات أميركية

في ظل التصعيد، تحدثت تقارير عن إرسال تعزيزات أميركية إضافية إلى المنطقة. وذكرت «وول ستريت جورنال» نقلاً عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأميركية أن البنتاغون يدرس إرسال ما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي من القوات البرية إلى الشرق الأوسط. كما أُفيد في تقارير أخرى بأن سفناً أميركية اقتربت من المنطقة تحمل نحو 2500 من مشاة البحرية، فيما أُرسل ما لا يقل عن 1000 مظلي من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى الشرق الأوسط.

وقال البنتاغون لـ«رويترز» إن الولايات المتحدة نشرت زوارق مسيّرة لتنفيذ دوريات ضمن عملياتها ضد إيران، في أول تأكيد أميركي على استخدام هذه الوسائل في صراع قائم. ولم يرد البنتاغون على طلبات إضافية للتعليق على تقارير إرسال قوات برية جديدة.

«توماهوك» وجزر مستهدفة

وفي سياق العمليات الأميركية، ذكرت «واشنطن بوست» نقلاً عن مصادر مطلعة أن الجيش الأميركي أطلق أكثر من 850 صاروخ «توماهوك» (كروز) خلال 4 أسابيع من الحرب مع إيران، ما أدى إلى استهلاك هذه الأسلحة الدقيقة بوتيرة أثارت قلق بعض مسؤولي البنتاغون، ودفعتهم إلى مناقشات داخلية بشأن كيفية توفير مزيد منها. ولم تتمكن «رويترز» من التحقق من صحة التقرير، لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت قالت إن الجيش الأميركي يمتلك ما يكفي من الذخيرة والعتاد والأسلحة لتحقيق أهداف العملية التي وضعها ترمب، «بل أكثر من ذلك».

وفي بعد آخر من التصعيد، برزت الجزر الإيرانية كأهداف محتملة لعملية عسكرية أميركية. ولفتت تقارير إلى جزيرة خارك، الواقعة في شمال الخليج على بعد نحو 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، التي تضم أكبر مواني النفط الإيرانية، وتوفر نحو 90 في المائة من صادرات الخام، وفق مصرف «جاي بي مورغان». كما طُرح اسم جزيرة لارك، ذات الموقع الاستراتيجي عند أضيق نقطة في المضيق، وارتبطت أخيراً بمسألة المسارات الملاحية التي يرجح أن «الحرس الثوري» خصّصها للسفن التي يجيز لها العبور.

وشملت السيناريوهات المحتملة أيضاً جزيرة قشم، أكبر جزر الخليج، والجزر الإماراتية المحتلة، ولا سيما طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، إضافة إلى جزيرة سيري. وتقول التقديرات إن السيطرة على بعض هذه الجزر قد تمنع إيران من استخدامها لأغراض هجومية ضد الملاحة البحرية.

حصيلة الضحايا

على الجانب الإنساني، قالت ماريا مارتينيز، من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، إن أكثر من 1900 شخص قُتلوا، وأصيب 20 ألفاً على الأقل في إيران. كما قالت منظمات حقوقية إن أكثر من 1400 مدني إيراني قُتلوا منذ بدء الحرب، بينهم ما لا يقل عن 217 طفلاً، مع توقع ارتفاع العدد.

وأفادت السلطات بأن أكثر من 1100 شخص قُتلوا في لبنان، وأكثر من 1900 في إيران، فيما قُتل 18 شخصاً في إسرائيل و4 جنود إسرائيليين في لبنان، إلى جانب إصابة جنديين بجروح خطيرة في حادث عملياتي. كما قُتل 13 جندياً أميركياً، و4 أشخاص في الضفة الغربية، و20 في دول الخليج، فيما قُتل 80 عنصراً من قوات الأمن في العراق.

وقال يان إيغلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، إن «عدداً لا يحصى من المنازل والمستشفيات والمدارس تضررت أو دمرت»، وإن معظم أحياء طهران تعرضت لأضرار. كما أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن 82 ألف مبنى مدني في إيران، بينها مستشفيات ومنازل، لنحو 180 ألف شخص، تضررت، محذرة من خطر «كارثة إنسانية أوسع» إذا استمر النزاع.