سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

الفائز بجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة لا يزال يتعلم من مشكلاتها

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس
TT

سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس

بعد مسيرة متنوعة لنحو 40 عاماً في حقل الترجمة من اللغة الألمانية إلى العربية، وفي فروع الأدب المختلفة، حصل المترجم المصري سمير جريس أخيراً على جائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة، والذي يعدّها تتويجاً لمسار طويل قطعه في هذا المجال.
يقيم جريس في ألمانيا منذ سنوات، ويرى الترجمة رحلة شاقة وممتعة. ومن أبرز ترجماته «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك الحائزة على جائزة نوبل عام 2004، «الوعد» لفريدريش دورنمات، و«دون جوان» للكاتب النمساوي بيتر هاندكه الحائز جائزة نوبل 2019، و«الكونترباص» لباتريك زوسكيند، وصدرت له أخيراً ترجمة «اكتشاف البطء» لستن نادولني. هنا حوار معه حول الجائزة ومشاكل الترجمة.

غلاف مسرحية «الكونترباص»

> صدر لك نحو 40 عملاً مترجماً من الألمانية، كيف تتأمل بنظرة بانورامية تلك الرحلة والرصيد الحافل منذ بواكير ترجماتك إلى اليوم؟
- هي بالفعل رحلة حافلة، شاقة وممتعة في آن واحد. كانت بدايتها في أواخر الثمانينات محبطة جداً، عندما تقدمت بأول مجموعة قصصية من ترجمتي إلى هيئة الكتاب المصرية بالقاهرة، وحتى الآن ما زالت ترقد في غياهب أدراج الهيئة العتيقة، رغم الموافقة على نشرها، كانت هذه البداية المحبطة كفيلة بأن أتوقف عن الترجمة. لكني لم أفعل، وبدأت أعد مجموعة قصص أخرى لفولفجانج بورشرت، وأخرى لهاينريش بُل (نوبل 1972)، وقد تعطل نشر المجموعتين أيضاً سنوات طويلة.
في تلك الفترة انتقلت لأواصل دراسة علم الترجمة في جامعة ماينتس. وكانت فترة الدراسة في ألمانيا فترة خصبة جداً بالنسبة إليّ، حيث تعرفت على نظريات الترجمة المختلفة، وتعمقت في دراسة مشاكل الترجمة الأدبية نظرياً وعملياً، واستفدت كثيراً من عدد كبير من المراجع المكتوبة بالألمانية، ومنها الدراسة التي كتبها بالألمانية عبده عبود عن «تلقي الرواية الألمانية في المنطقة العربية»، ونال بها درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت. فيها قام عبود بعمل مسح شامل للروايات الألمانية التي ترجمت للعربية من أوائل القرن العشرين حتى عام 1975، وقدم تقييماً نقدياً للترجمات.


غلاف «شتيلر» لـماكس فريش

تعلمت من هذه الدراسة النقد الموضوعي للترجمات. ثم اختتمت دراستي في جامعة ماينتس برسالة نلت عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز، وكان عنوانها «إشكاليات ترجمة الأدب الألماني إلى اللغة العربية - هاينريش بـُل مثالاً»، وفيها ترجمت قصة طويلة نسبياً لهاينريش بُل بعنوان «ميزان آل باليك»، ثم قمت بعرض وتحليل للمشاكل التي تعترض المترجم العربي عند نقلها من الألمانية، وقدمت اقتراحات لمواجهة هذه المشاكل. ولعل هذه الرسالة هي حجر الأساس في كل عملي اللاحق في مجال الترجمة الأدبية.
> قدمت أعمالاً من ألمانيا والنمسا وسويسرا للقارئ العربي، كيف تختار أعمالك، هل تحكمها ذائقتك الأدبية فقط، أم أن هناك معايير أخرى تراعيها في اختياراتك؟
- معاييري في الاختيار يختلط فيها الشخصي بالموضوعي. أحاول البحث عن أعمال ذات صبغة إنسانية عامة (مثل مسرحية «مدرسة المستبدين» لإيريش كستنر، ورواية «حياة» لديفيد فاجنر)، أو أعمال لها أهميتها أو شهرتها في السياق الألماني، وأراها جديرة بأن يتعرف إليها القارئ العربي (مثل رواية «عازفة البيانو» للحائزة نوبل إلفريده يلينك ورواية «دون جوان» لبيتر هاندكه الحاصل على نوبل 2019، والنوفيلا النفسية «حلم» لأرتور شنيتسلر، ورواية «اكتشاف البطء» لستن نادولني)، أو لأنها حققت نقلة فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل «مونتاوك» و«شتيلر» لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل يثير اهتمام القارئ العربي (مثلاً «الحيوان الباكي» لميشائيل كليبرج والذي يتحدث فيه عن رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أود أن أنقل عملاً لكاتب يجهله القارئ العربي (مثل توماس برنهارد وكتابه «صداقة»). كما أنني أهتم بأعمال الكتاب من ألمانيا الشرقية سابقاً؛ لأنها تعالج قضايا الديكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في المنطقة العربية. لهذا؛ قمت بترجمة رواية «قصص بسيطة» للكاتب إنجو شولتسه. وأخيراً، قد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل «الكونترباص» لباتريك زوسكيند و«العطل» و«الوعد» لفريدريش دورنمات.
> طرقت باب ترجمة باتريك زوسكند الشهير بـ«العطر» عبر «الكونترباص»، ما الذي جذبك في هذا النص؟
- قرأت «العطر» لزوسكيند بترجمة نبيل الحفار وأعجبت بها مثل ملايين من القراء في العالم كله. وفي مطلع التسعينات قدم أحد مسارح مدينة كولونيا مونودراما «الكونترباص»، فذهبت إلى لمشاهدتها، ولم أكن قرأت النص بعد.
وهناك انبهرت بهذه المسرحية، ثم قرأت النص، فزاد افتتاني به، بل اقتنيت المسرحية مسجلة على «سي دي» واستمعت إليها مرات عدة، حتى كدت أحفظ مقاطع بأكملها.
مع «الكونترباص» (1980) بدأ نجاح زوسكيند الذي جرب قلمه في أعمال نثرية عدة لم تجد من ينشرها. وقد جذبني إليها قدرته على مخاطبة الإنسان في كل مكان؛ لأن «عازفه» يجعلنا ندرك أن مشاكله الشخصية والمهنية في الأوركسترا هي صورة لمشاكلنا نحن، فالأوركسترا – بترتيبه الهرمي، وكما يقول العازف الذي يجهل المشاهد اسمه – «صورة طبق الأصل من المجتمع البشري».
> رغم القصر النسبي لنص «الكونترباص»، فإنه يحتشد بمصطلحات وآلات وسياقات موسيقية شديدة التخصص. كيف تعاملت مع تلك الخصوصية في الترجمة؟
- أشكرك على الالتفات إلى هذه التفصيلة التي تغيب عن كثيرين. في الحقيقة كانت تلك إحدى أكبر العقبات في ترجمة «الكونترباص»، ثم فيما بعد في ترجمة رواية «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك. كثير من المصطلحات الموسيقية الواردة في «الكونترباص» لا وجود لها في القواميس الشائعة، وكان عليّ أن أبحث عن معناها بالفرنسية أو الإنجليزية، ثم ترجمتها عبر هذه اللغات الوسيطة. بعد أن فعلت ذلك، لم أكن مطمئناً تماماً، وبحثت عن متخصص في الموسيقى أراجع معه هذه المصطلحات.
وسألت عدداً من الأصدقاء، وأعطاني أحدهم رقم تليفون الدكتورة سمحة الخولي، العميدة السابقة لمعهد الكونسرفتوار في القاهرة. اتصلت بالمؤرخة الموسيقية الجليلة وكلي خجل، وعندما ردت عليّ، شرحت لها أنني ترجمت عملاً يحفل بالمصطلحات الموسيقية، وأنني أود التأكد منها من صحة الترجمة. فرحّبت ترحيباً كبيراً، ولم تبخل عليّ بالشرح والتفسير والتصحيح، كانت سخية إلى أقصى حد، كانت، رحمها الله، نموذجاً للعالم المعطاء الذي يرى رسالته في نشر علمه على الناس دون مقابل.
> يتسع «فهرس بعض الخسارات» للتاريخ والعلم والخيال، كيف كانت انطباعاتك عن ترجمة كتاب يوديت شالانسكي وفلسفة هذا التجربة؟
- هذا الكتاب من التجارب الممتعة في الترجمة، وكذلك من أشقها. هو كتاب فريد، يمزج الوقائعَ التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وفيه تقدم يوديت شالانسكي وجوهاً مختلفة لتراجيديا الفناء والزوال.
والحقيقة، على قدر بهجتي بهذه التجربة، كان حزني على مصير الترجمة. لقد انتهيت منها مطلع عام 2020، لكنها لم تصدر إلا في ربيع هذا العام قبيل معرض أبوظبي للكتاب. الكتاب يبدو كالشبح، لا يجده أي شخص في أي مكتبة، لا في مصر ولا خارجها. وهذا شيء محزن للغاية الحقيقة.
> عادةً ما تكون عين المترجم على النقل الأمين وجودة الترجمة من جهة وفنون الأسلوب واللغة من جهة أخرى، كيف تتحرك بين هذين الهامشين بما يدعك مطمئناً في النهاية للترجمة التي تحمل توقيعك؟
- لخصت بسؤالك إشكالية مهمة من إشكاليات الترجمة، بين الوفاء للأصل، وبين مراعاة مقتضيات اللغة الهدف.
المترجم مثل لاعب السيرك، عليه أن يسير على هذين الحبلين، ويتوازن، فلا ينبغي في رأيي أن يكون نقله أميناً إلى الدرجة التي تشعر فيها في كل سطر أنك أمام نص مترجم، بل ركيك يحاكي أحياناً بنية اللغة الأصلية، وفي الوقت نفسه عليه أن يحرص على ألا تضيع كل سمات النص الأصلي، فيصبح مسخاً بلا روح. هي إشكالية كبيرة، وكل مترجم يحاول أن «يتوازن» على الحبلين بطريقته.
> بعد مسيرة طويلة من العمل الاحترافي للترجمة، هل ترى أن مشكلات الترجمة تتقلص، أم أنها تفتح مع الوقت والتجربة مزيداً من الأسئلة التي تخص اللغة والسياق الثقافي والفني؟
- الترجمة من الأعمال التي كلما مارستها، تعرفت على مزيد من إشكالياتها. ومع كل عمل، يتقلص يقيني بشأن «الترجمة المثلى». بالطبع يكتسب المترجم خبرة تمكنه من تجاوز عديداً من العوائق، لكن المترجم –وأتكلم هنا عن نفسي - يزداد وعياً بمدى عجزه عن نقل كل شيء إلى اللغة الأخرى، فهكذا، بمرور السنين يزداد وعيي بما يفقده النص الأصلي خلال الترجمة. لكن هذا شيء في صميم عملية الترجمة، لذلك أطلق عليها الكاتب وعالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو «عملية تفاوض»، لا يمكن أن تحصل خلالها على كل شيء، بل يجب أن تتخلى عن شيء، لتكسب شيئاً آخر.
> حصلت على عدد من الجوائز آخرها جائزة «الملك عبد الله العالمية للترجمة»... ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
- شعرت بغبطة كبيرة عندما أُعلن عن فوزي بهذه الجائزة التي تعدّ تتويجاً لمساري الطويل في الترجمة. لقد حصلت قبلها – مثلما أشرت - على جوائز عدة، إلا أنها كانت دائماً عن ترجمة عمل معين، وهذه هي الجائزة الأولى التي تكرّم منجزي كله، وتثمن، مثلما جاء في حيثيات منح الجائزة، جهودي في تشييد الجسور بين الثقافتين العربية والألمانية، وهو أمر أبهجني جدا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
TT

خطط مصرية لدعم السياحة بمسار «رحلة العائلة المقدسة»

دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)
دير المحرق بأسيوط من مسار رحلة العائلة المقدسة (وزارة السياحة والآثار)

بالتزامن مع إحياء ذكرى مرور العائلة المقدسة إلى أرض مصر، استضاف المتحف القبطي في القاهرة ندوة بعنوان «مبارك شعبي مصر» لتسليط الضوء على أحد أبرز المسارات الدينية والثقافية في التاريخ المصري، وطرح خطط ومقترحات للاستفادة من هذا المسار، سواء في محطات الاستقرار أو المواقع التي مرَّت بها العائلة المقدسة.

الندوة، التي نظمتها لجنة التاريخ والآثار في المجلس الأعلى للثقافة، الخميس، وأدارتها جيهان عاطف شوقي دوس، مدير عام المتحف القبطي وعضو اللجنة، شارك فيها نخبة من المتخصصين، من بينهم الدكتور عدلي أنيس، أستاذ الجغرافيا السياحية ورئيس قسم الجيوماتكس في كلية الآداب في جامعة القاهرة؛ والدكتورة إيفيلين جورج أندراوس، أستاذة الفنون الأثرية القبطية في معهد الدراسات القبطية؛ وبيشوي دميان، باحث الدكتوراه في قسم الآثار الإسلامية والقبطية بكلية الآثار في جامعة القاهرة.

وأكدت جيهان عاطف أن «هذه الندوة جاءت بهدف إلقاء الضوء على رحلة العائلة المقدسة من زوايا متعددة، تجمع بين البعد الجغرافي والتوثيق الفني والدراسة الأثرية، بما يتيح تكوين رؤية شاملة لهذا الحدث التاريخي الفريد»، مشيرة إلى أن رحلة العائلة المقدسة في أرض مصر تمثل رمزاً للسلام والمحبة والتعايش السلمي، وتعكس القيم الإنسانية التي احتضنتها مصر عبر تاريخها الطويل. كما أكدت أهمية الحفاظ على هذا التراث والتعريف به للأجيال الجديدة، والعمل على دمجه في الوعي الثقافي والسياحي المعاصر، وفق بيان لوزارة الثقافة.

ويضم مسار رحلة العائلة المقدسة 25 نقطة تمتد لمسافة 3500 كيلومتر ذهاباً وإياباً، من سيناء حتى أسيوط، حيث يضم كل موقع حلَّت به العائلة المقدسة مجموعة من الآثار، في صورة كنائس وأديرة وآبار مياه، إلى جانب مجموعة من الأيقونات القبطية الدالة على مرور العائلة المقدسة بهذه المواقع، وفقاً لما أقرته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر، حسب وزارة السياحة والآثار.

كنيسة أبي سرجة ضمن نقاط رحلة العائلة المقدسة في مصر (وزارة السياحة والآثار)

وتناول الدكتور عدلي أنيس رؤية تحليلية متكاملة لمسار رحلة العائلة المقدسة، عارضاً دراسة وصفها بأنها «نموذج يجمع بين التوثيق التاريخي والتحليل الجغرافي والتخطيط السياحي»، حيث تتبعت خط سير الرحلة من فلسطين مروراً بشمال سيناء والوجه البحري والقاهرة وصولاً إلى مصر الوسطى والعليا. وأكد أن الدراسة لا تركز على المحطات الأثرية والتاريخية فحسب، بل تمتد إلى دراسة المسارات والطرقات التي سلكتها العائلة المقدسة، بوصفها عنصراً أساسياً في تطوير المنتج السياحي المرتبط بالرحلة.

وأضاف أن «الرحلة في جوهرها كانت رحلة لجوء واحتماء، تعكس مكانة مصر التاريخية بوصفها أرضاً للأمن والأمان عبر العصور». وأشار إلى أنه اعتمد في دراسته على تقنيات نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد لتحليل شبكة الطرق والخدمات المرتبطة بالمسار، بما يشمل وسائل النقل، والفنادق، والخدمات الصحية، ومحطات الوقود وغيرها من المرافق الضرورية، بهدف تقييم جاهزية المسار للاستغلال السياحي وتحويله إلى منتج سياحي متكامل.

كما أوضح أن «الدراسة تتجاوز التوصيف التاريخي إلى التقييم العملي والتسويقي، من خلال رصد الخدمات والتسهيلات المتاحة، وحصر الشركات السياحية العاملة، وتحليل البرامج السياحية الحالية لاستخلاص نقاط القوة والضعف فيها، وصولاً إلى تصميم برنامج سياحي مقترح يستند إلى بنية تحتية مدروسة، مع تحديد الأسواق العالمية المستهدفة للترويج للمسار، بما يسهم في تعظيم العائد الاقتصادي والثقافي والديني».

وأشاد أنيس بالجهود التي بُذلت خلال السنوات الأخيرة في تطوير محطات رحلة العائلة المقدسة، إلى جانب الاعتراف الرسمي من الفاتيكان بالمسار بوصفه أحد مسارات الحج الكاثوليكي، وهو ما يمثل قاعدة مهمة ينبغي البناء عليها لتعزيز مكانة مصر على خريطة السياحة الدينية العالمية.

وقال أنيس لـ«الشرق الأوسط»: «من الأمور الفريدة التي اختص الله بها مصر رحلة العائلة المقدسة ولجوؤها إلى مصر هرباً من بطش الملك هيرودس. ولأن الرحلة مرَّت بنحو 25 موقعاً في 17 محافظة مصرية، فإن زيارة هذا المسار من قِبل السائحين تُعد تجربة ثرية ومشوقة وتحمل في طياتها مشاعر روحية عميقة. ولكن، على قدر أهمية المسار ومحطاته، تأتي صعوبة تنميته وجذب السائحين إليه، إذ يمر بمواقع متعددة ويقطع مسافة كبيرة تمتد من الفرما في سيناء إلى أسيوط في جنوب مصر».

وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «يونيسكو» قد أدرجت، عام 2022، الاحتفالات الشعبية المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر على قائمتها للتراث الثقافي غير المادي.

ولفت أستاذ الجغرافيا السياحية ورئيس قسم الجيوماتكس في كلية الآداب في جامعة القاهرة إلى أن «التركيز السابق كان دائماً منصباً على نقاط الرحلة، أي محطاتها، وهو جانب واحد من عدة جوانب، منها الطرقات والخدمات السياحية والخدمات المساندة والتسويق السياحي من منظور جغرافي، فضلاً عن تحديد أهم الأسواق السياحية التي يوجد بها طلب كامن». وأضاف: «هذا ما رصدته في دراستي: (العائلة المقدسة في مصر: دراسة جغرافية سياحية باستخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد)».

وأشار إلى أنه قسَّم المسار إلى 12 قطاعاً، ورصد إمكانات كل قطاع وقدراته وطاقته السياحية، كما حدَّد أهم الشركات السياحية التي تنظم رحلات إلى مسار رحلة العائلة المقدسة، وقيَّم برامجها.

وقال: «من خلال التحليل والدراسة الجغرافية وتقنيات نظم المعلومات الجغرافية، حُدِّدت أهم الأسواق السياحية التي يمكن جذب السائحين منها، ولا سيما قارة أوروبا، وخصوصاً بين المسيحيين الكاثوليك».


كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
TT

كرة القدم في السينما المصرية بين «الكوميديا» و«الدراما»

لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)
لقطة من فيلم «غريب في بيتي» (يوتيوب)

استطاعت السينما المصرية، على مدى سنوات، اجتذاب جماهير لعبة «كرة القدم» بشكل بارز، عبر تقديم أعمال سينمائية متنوعة سلّطت الضوء على جوانب عدة من تفاصيل اللعبة الأشهر عالمياً.

وبالتزامن مع إقامة فعاليات «كأس العالم»، التي تُنظّم بمشاركة 48 منتخباً، وللمرة الأولى في ثلاث دول هي الولايات المتحدة الأميركية وكندا والمكسيك، نرصد عدداً من الأفلام المصرية التي تناولت أحداثها تفاصيل لعبة كرة القدم، بوصفها الرياضة الأهم والأكثر انتشاراً بين فئات مختلفة من الناس، مثل الأطفال والشباب والكبار. ومن بين هذه الأفلام: «غريب في بيتي»، و«الحريفة»، و«كابتن مصر».

وتركزت المعالجات الفنية في عدد لافت من هذه الأفلام على المزج بين تفاصيل اللعبة وعناصر «الكوميديا»، و«الدراما»، و«المشاعر الإنسانية»، أو الجمع بينها في كثير من الأحيان، مقارنة بألوان فنية أخرى، مثل الأعمال الاجتماعية وأفلام الأكشن والإثارة، على سبيل المثال. وقد منح ذلك هذه الأفلام قبولاً واسعاً وأسهم في تحقيقها نسب مشاهدة مرتفعة، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ويُعدّ فيلم «غريب في بيتي» من أشهر الأفلام التي ما زالت راسخة في أذهان كثيرين؛ إذ جمع بين سعاد حسني ونور الشريف، ودارت أحداثه حول «كرة القدم» في إطار كوميدي، وهو اللون الذي كان جديداً على الراحل نور الشريف، حسبما أكد الكاتب والناقد الفني طارق الشناوي الذي أشار إلى أن الفيلم، إلى جانب أحداثه الممتعة، قدّم الوجه الكوميدي النادر لنور الشريف.

فيلم «الحريفة» شهد نجاحاً لافتاً (الشركة المنتجة)

وأضاف الشناوي لـ«الشرق الأوسط»، أن «(غريب في بيتي) من أكثر الأفلام حضوراً في الذاكرة؛ لأنه كان يراهن على ما هو أبعد من كرة القدم. فالملعب بالنسبة إليه كان ساحة ثانوية، في حين كانت المشاعر هي الأساس»، لافتاً إلى أن قيمة الفيلم تكمن في ابتعاده عن أجواء الملعب، رغم تناوله كواليس اللعبة.

وفي هذا السياق، قدمت السينما المصرية فيلمَين بعنوان «كابتن مصر»؛ الأول أُنتج في خمسينات القرن الماضي، وقام ببطولته إسماعيل ياسين ومحمد الكحلاوي، فيما عُرض الفيلم الآخر قبل 11 عاماً، من بطولة محمد إمام. كما تناولت اللعبةَ مجموعةٌ من الأفلام الكوميدية، منها «رجل فقد عقله» بطولة عادل إمام وفريد شوقي، و«424» بطولة يونس شلبي وسمير غانم، و«الشياطين والكورة»، إلى جانب الدراما التي جسّدها فيلم «الحريف» لعادل إمام. وفي السنوات الأخيرة قُدّمت أفلام مثل «العالمي»، و«الزمهلوية»، و«المطاريد»، و«الحريفة»، و«فوي فوي فوي»، وغيرها.

وعن رأيه في الأفلام التي تناولت لعبة «كرة القدم» في «السينما المصرية» عبر مسيرتها، وأسباب تركيز معالجاتها على اللونين الكوميدي والدرامي أو المزج بينهما، أكد الناقد الفني المصري أحمد النجار، أن السينما المصرية، على مدى عقود، اقتحمت عالم كرة القدم من أكثر من زاوية، غير أن الطابع الكوميدي كان الغالب على هذه الأعمال، انسجاماً مع طبيعة الإنتاج السينمائي السائد، ولا سيما خلال ثمانينات القرن الماضي.

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»: «خلال العامين الأخيرين حقق فيلم (الحريفة) نجاحاً لافتاً، وقد قُدم في قالب كوميدي»، لافتاً إلى أن «كرة القدم» هي اللعبة الشعبية الأولى، مما يجعل الأفلام التي تتناولها أكثر قدرة على جذب الجمهور وتحقيق النجاح.

فيلم «كابتن مصر» تناول عالم الكرة (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن «إيمان السينما بانتشار اللعبة وشعبيتها بين الجماهير دفعها إلى الاستعانة ببعض نجوم كرة القدم في أدوار تمثيلية أو بطولات فنية، بهدف استثمار جماهيريتهم وأسمائهم الجاذبة، مثل صالح سليم، وعادل هيكل، وجمال عبد الحميد، وشريف عبد المنعم، وعصام بهيج؛ فمنهم من واصل مشواره الفني، ومنهم من ابتعد عنه».

وأوضح الناقد الفني أن ثنائية «كرة القدم والكوميديا» تمثّل، في الغالب، وصفة مضمونة للنجاح وتحقيق الإيرادات في شباك التذاكر. واستشهد بفيلم «الحريف» مثالاً على ذلك، موضحاً أنه «لم يحقق النجاح المتوقع عند عرضه، رغم أهميته الفنية ووجوده ضمن قائمة أهم 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية؛ لأنه تناول عالم كرة القدم بجدية، وخلا من العناصر الكوميدية، على خلاف معظم أفلام عادل إمام. حتى إن (الزعيم) يعدّه من أقل أعماله نجاحاً جماهيرياً»، وفق تعبيره.

Your Premium trial has ended


رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
TT

رحيل ديفيد هوكني... الرّسام الذي أعاد الاعتبار للفن التشخيصي عن 88 عاماً

أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)
أمام إحدى لوحاته «غراند كانيون عن قرب» في مركز جورج بومبيدو بباريس (رويترز)

برحيل الفنان البريطاني ديفيد هوكني عن عمر ناهز 88 عاماً في العاصمة البريطانية لندن، يفقد عالم الفن أحد أبرز رموزه وأكثرهم تأثيراً في القرنين العشرين والحادي والعشرين. فقد اشتهر هوكني بألوانه النابضة بالحياة، وأسلوبه التشخيصي المميز، ونهجه التجريبي المبتكر في الفنون البصرية، وأسهم في إعادة الاعتبار للفن التمثيلي في فترة هيمنت فيها المدارس التجريدية على المشهد الفني. وقد ترك خلفه إرثاً فنياً امتد لأكثر من 6 عقود من الإبداع والتجديد.

مقابلة مع ديفيد هوكني أمام لوحته «المجموعة الخامسة» (رويترز)

وُلد هوكني في 9 يوليو (تموز) 1936 بمدينة برادفورد في مقاطعة يوركشاير لأسرة من الطبقة العاملة، وبرزت موهبته الفنية منذ طفولته. وبعد دراسته في مدارس فنية محلية، التحق بالكلية الملكية للفنون في لندن عام 1959، حيث تأثر إلى حد كبير بأعمال بابلو بيكاسو، وطوَّر أسلوباً خاصاً جمع بين التجريب الفني والموضوعات المألوفة.

شكّلت زيارته إلى نيويورك عام 1961 محطة مهمة في مسيرته، إذ عززت انجذابه إلى الولايات المتحدة التي رآها أكثر تحرراً اجتماعياً من بريطانيا آنذاك.

وسرعان ما اتسعت شهرته خلال ستينات القرن الماضي. وبعد زيارته لوس أنجليس عام 1964، استلهم من ضوء المدينة الساطع، وأحواض السباحة، وأسلوب الحياة المريح فيها عدداً من أشهر أعماله، من بينها لوحات جسدت أجواء جنوب كاليفورنيا، ورسخت مكانته بوصفه أحد أبرز الفنانين الذين وثّقوا هوية المنطقة بصرياً.

هوكني أمام لوحتيه «لاعبو الورق رقم 3» و«لاعبو الورق الأكبر» خلال عرض صحافي لمعرضه «الرسم والتصوير» في لندن (أ.ف.ب)

وبرز فن البورتريه بوصفه أحد أهم مجالات إبداعه وأكبر إنجازاته. ففي أواخر الستينات وأوائل السبعينات أنجز سلسلة من البورتريهات المزدوجة الشهيرة التي صوّرت أصدقاءه وجامعي الأعمال الفنية وشخصيات ثقافية بارزة، وجمعت بين الدقة والملاحظة البصرية والعمق النفسي، كاشفةً عن علاقات معقدة بين الموضوعات.

وعُرف هوكني بشغفه الدائم بتجربة وسائط وتقنيات جديدة طوال مسيرته الفنية. ففي مطلع سبعينات القرن الماضي بدأ إنتاج أعمال فوتوغرافية مركبة بأسلوب الكولاج، تجمع صوراً متعددة في تكوين واحد مستلهماً أفكار المدرسة التكعيبية. وتحدّت هذه الأعمال المنظور الأحادي التقليدي من خلال تقديم الموضوعات من زوايا مختلفة في الوقت نفسه، قبل أن يطوّر لاحقاً هذه الأفكار في لوحات طبيعية واسعة مستوحاة من ريف يوركشاير.

هوكني خلال تقديم معرضه «منظور أوسع» في متحف غوغنهايم بمدينة بلباو الإسبانية عام (إ.ب.أ)

كما عارض هيمنة منظور عصر النهضة التقليدي، معتبراً أن الفن ينبغي أن يمنح المشاهد تجربة أكثر انغماساً وتفاعلاً. واستلهم رؤيته من الفن التكعيبي واللفائف التصويرية الصينية التي تقدِّم أكثر من منظور داخل العمل الواحد، وهو اهتمام ظل حاضراً في مجمل إنتاجه الفني.

ولم تقتصر إنجازاته على الرسم، إذ حقق نجاحاً ملحوظاً في تصميم الديكورات والأزياء المسرحية لعدد من العروض المسرحية والأوبرالية، من بينها أعمال لمهرجان غليندبورن وأوبرا متروبوليتان، حيث نالت تصميماته إشادة واسعة بفضل ألوانها الجريئة وطابعها التشكيلي المبتكر.

الملك تشارلز الثالث يتحدث مع الفنان خلال مأدبة غداء لأعضاء وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام بلندن (إ.ب)

ومع تقدمه في العمر، أصبح من أبرز المدافعين عن الفن التشكيلي، وانتقد المؤسسات التي فضّلت الفن التجريدي. كما روّج لنظريات مثيرة للجدل حول استخدام فناني عصر النهضة للأدوات البصرية في إنتاج أعمالهم. ونشر عام 2001 كتابه «المعرفة السرية»، الذي استعرض فيه اعتماد كثير من الفنانين التاريخيين على المرايا والعدسات لإنتاج تأثيرات بصرية واقعية.

ورغم الجدل الذي أحاط ببعض آرائه، ظل هوكني فناناً غزير الإنتاج على نحو استثنائي. فقد عمل في مجالات الحفر والطباعة والتصوير الفوتوغرافي ورسوم الغرافيك الحاسوبية والرسم الرقمي، وكان من أوائل الفنانين الذين تبنوا الأدوات الرقمية خلال حقبة الثمانينات. كما استخدم لاحقاً جهاز «آيباد» وسيلةً إبداعية لإنتاج العديد من الأعمال الفنية الرقمية حتى السنوات الأخيرة من حياته. وعكست رغبته المستمرة في تبني الوسائل التكنولوجية الحديثة فضوله الدائم ورفضه أن يُقيَّد بالحدود الفنية التقليدية.

وأمضى هوكني معظم حياته متنقلاً بين بريطانيا والولايات المتحدة وأوروبا. ورغم حبه لصحبة الأصدقاء والمتعاونين، كان يفضل في كثير من الأحيان البيئات الهادئة التي تساعده على التركيز في عمله. وخلال سنواته الأخيرة واجه صعوبات متزايدة في التواصل الاجتماعي بسبب ضعف السمع، لكنه ظل نشيطاً وواصل العمل والإبداع رغم تراجع حالته الصحية.

الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا تُقلّد الفنان وسام الاستحقاق في قصر باكنغهام (رويترز)

كما حظيت مسيرته بتقدير عالمي واسع من خلال معارض كبرى وتكريمات عدَّة. وعلى الرغم من رفضه وسام الفروسية عام 1990، فإنه قبل لاحقاً وسام الاستحقاق البريطاني، أحد أرفع الأوسمة في المملكة المتحدة. كما استضافت مؤسسات عالمية مرموقة معارض لأبرز أعماله، من بينها «متحف تيت»، و«متحف المتروبوليتان للفنون»، و«مركز بومبيدو»، في حين ضمَّ معرضه الكبير الأخير في «مؤسسة لوي فويتون» بباريس أكثر من 400 عمل فني، مستعرضاً الاتساع الاستثنائي لمسيرته المهنية.

واصل هوكني خلال السنوات الأخيرة من حياته الرسم من مرسمه في لندن رغم القيود الجسدية التي فرضها التقدم في العمر. وظل متمسكاً بشغفه الفني ومخلصاً للفن حتى النهاية، محافظاً على مكانته بوصفه مبتكراً تحدَّى باستمرار القواعد الفنية السائدة من دون أن يتخلَّى عن اهتمامه بالإنسان وتفاصيل الحياة اليومية.

هوكني في معرض «الرسم والتصوير» بغاليري «آنيلي جودا للفنون الجميلة» في لندن (إ.ب.أ)

ويبقى إرث هوكني مرتبطاً ليس بإنجازاته التقنية والفنية فقط، بل أيضاً بقدرته على تصوير الألفة، والمشاعر الإنسانية، والحياة اليومية بصدق وعمق. وهذا الجمع بين التفوُّق الفني والبصيرة الإنسانية سيظل أحد أبرز إسهاماته الراسخة في تاريخ الفن الحديث.

* خدمة «نيويورك تايمز»