سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

الفائز بجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة لا يزال يتعلم من مشكلاتها

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس
TT

سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس

بعد مسيرة متنوعة لنحو 40 عاماً في حقل الترجمة من اللغة الألمانية إلى العربية، وفي فروع الأدب المختلفة، حصل المترجم المصري سمير جريس أخيراً على جائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة، والذي يعدّها تتويجاً لمسار طويل قطعه في هذا المجال.
يقيم جريس في ألمانيا منذ سنوات، ويرى الترجمة رحلة شاقة وممتعة. ومن أبرز ترجماته «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك الحائزة على جائزة نوبل عام 2004، «الوعد» لفريدريش دورنمات، و«دون جوان» للكاتب النمساوي بيتر هاندكه الحائز جائزة نوبل 2019، و«الكونترباص» لباتريك زوسكيند، وصدرت له أخيراً ترجمة «اكتشاف البطء» لستن نادولني. هنا حوار معه حول الجائزة ومشاكل الترجمة.

غلاف مسرحية «الكونترباص»

> صدر لك نحو 40 عملاً مترجماً من الألمانية، كيف تتأمل بنظرة بانورامية تلك الرحلة والرصيد الحافل منذ بواكير ترجماتك إلى اليوم؟
- هي بالفعل رحلة حافلة، شاقة وممتعة في آن واحد. كانت بدايتها في أواخر الثمانينات محبطة جداً، عندما تقدمت بأول مجموعة قصصية من ترجمتي إلى هيئة الكتاب المصرية بالقاهرة، وحتى الآن ما زالت ترقد في غياهب أدراج الهيئة العتيقة، رغم الموافقة على نشرها، كانت هذه البداية المحبطة كفيلة بأن أتوقف عن الترجمة. لكني لم أفعل، وبدأت أعد مجموعة قصص أخرى لفولفجانج بورشرت، وأخرى لهاينريش بُل (نوبل 1972)، وقد تعطل نشر المجموعتين أيضاً سنوات طويلة.
في تلك الفترة انتقلت لأواصل دراسة علم الترجمة في جامعة ماينتس. وكانت فترة الدراسة في ألمانيا فترة خصبة جداً بالنسبة إليّ، حيث تعرفت على نظريات الترجمة المختلفة، وتعمقت في دراسة مشاكل الترجمة الأدبية نظرياً وعملياً، واستفدت كثيراً من عدد كبير من المراجع المكتوبة بالألمانية، ومنها الدراسة التي كتبها بالألمانية عبده عبود عن «تلقي الرواية الألمانية في المنطقة العربية»، ونال بها درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت. فيها قام عبود بعمل مسح شامل للروايات الألمانية التي ترجمت للعربية من أوائل القرن العشرين حتى عام 1975، وقدم تقييماً نقدياً للترجمات.


غلاف «شتيلر» لـماكس فريش

تعلمت من هذه الدراسة النقد الموضوعي للترجمات. ثم اختتمت دراستي في جامعة ماينتس برسالة نلت عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز، وكان عنوانها «إشكاليات ترجمة الأدب الألماني إلى اللغة العربية - هاينريش بـُل مثالاً»، وفيها ترجمت قصة طويلة نسبياً لهاينريش بُل بعنوان «ميزان آل باليك»، ثم قمت بعرض وتحليل للمشاكل التي تعترض المترجم العربي عند نقلها من الألمانية، وقدمت اقتراحات لمواجهة هذه المشاكل. ولعل هذه الرسالة هي حجر الأساس في كل عملي اللاحق في مجال الترجمة الأدبية.
> قدمت أعمالاً من ألمانيا والنمسا وسويسرا للقارئ العربي، كيف تختار أعمالك، هل تحكمها ذائقتك الأدبية فقط، أم أن هناك معايير أخرى تراعيها في اختياراتك؟
- معاييري في الاختيار يختلط فيها الشخصي بالموضوعي. أحاول البحث عن أعمال ذات صبغة إنسانية عامة (مثل مسرحية «مدرسة المستبدين» لإيريش كستنر، ورواية «حياة» لديفيد فاجنر)، أو أعمال لها أهميتها أو شهرتها في السياق الألماني، وأراها جديرة بأن يتعرف إليها القارئ العربي (مثل رواية «عازفة البيانو» للحائزة نوبل إلفريده يلينك ورواية «دون جوان» لبيتر هاندكه الحاصل على نوبل 2019، والنوفيلا النفسية «حلم» لأرتور شنيتسلر، ورواية «اكتشاف البطء» لستن نادولني)، أو لأنها حققت نقلة فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل «مونتاوك» و«شتيلر» لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل يثير اهتمام القارئ العربي (مثلاً «الحيوان الباكي» لميشائيل كليبرج والذي يتحدث فيه عن رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أود أن أنقل عملاً لكاتب يجهله القارئ العربي (مثل توماس برنهارد وكتابه «صداقة»). كما أنني أهتم بأعمال الكتاب من ألمانيا الشرقية سابقاً؛ لأنها تعالج قضايا الديكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في المنطقة العربية. لهذا؛ قمت بترجمة رواية «قصص بسيطة» للكاتب إنجو شولتسه. وأخيراً، قد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل «الكونترباص» لباتريك زوسكيند و«العطل» و«الوعد» لفريدريش دورنمات.
> طرقت باب ترجمة باتريك زوسكند الشهير بـ«العطر» عبر «الكونترباص»، ما الذي جذبك في هذا النص؟
- قرأت «العطر» لزوسكيند بترجمة نبيل الحفار وأعجبت بها مثل ملايين من القراء في العالم كله. وفي مطلع التسعينات قدم أحد مسارح مدينة كولونيا مونودراما «الكونترباص»، فذهبت إلى لمشاهدتها، ولم أكن قرأت النص بعد.
وهناك انبهرت بهذه المسرحية، ثم قرأت النص، فزاد افتتاني به، بل اقتنيت المسرحية مسجلة على «سي دي» واستمعت إليها مرات عدة، حتى كدت أحفظ مقاطع بأكملها.
مع «الكونترباص» (1980) بدأ نجاح زوسكيند الذي جرب قلمه في أعمال نثرية عدة لم تجد من ينشرها. وقد جذبني إليها قدرته على مخاطبة الإنسان في كل مكان؛ لأن «عازفه» يجعلنا ندرك أن مشاكله الشخصية والمهنية في الأوركسترا هي صورة لمشاكلنا نحن، فالأوركسترا – بترتيبه الهرمي، وكما يقول العازف الذي يجهل المشاهد اسمه – «صورة طبق الأصل من المجتمع البشري».
> رغم القصر النسبي لنص «الكونترباص»، فإنه يحتشد بمصطلحات وآلات وسياقات موسيقية شديدة التخصص. كيف تعاملت مع تلك الخصوصية في الترجمة؟
- أشكرك على الالتفات إلى هذه التفصيلة التي تغيب عن كثيرين. في الحقيقة كانت تلك إحدى أكبر العقبات في ترجمة «الكونترباص»، ثم فيما بعد في ترجمة رواية «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك. كثير من المصطلحات الموسيقية الواردة في «الكونترباص» لا وجود لها في القواميس الشائعة، وكان عليّ أن أبحث عن معناها بالفرنسية أو الإنجليزية، ثم ترجمتها عبر هذه اللغات الوسيطة. بعد أن فعلت ذلك، لم أكن مطمئناً تماماً، وبحثت عن متخصص في الموسيقى أراجع معه هذه المصطلحات.
وسألت عدداً من الأصدقاء، وأعطاني أحدهم رقم تليفون الدكتورة سمحة الخولي، العميدة السابقة لمعهد الكونسرفتوار في القاهرة. اتصلت بالمؤرخة الموسيقية الجليلة وكلي خجل، وعندما ردت عليّ، شرحت لها أنني ترجمت عملاً يحفل بالمصطلحات الموسيقية، وأنني أود التأكد منها من صحة الترجمة. فرحّبت ترحيباً كبيراً، ولم تبخل عليّ بالشرح والتفسير والتصحيح، كانت سخية إلى أقصى حد، كانت، رحمها الله، نموذجاً للعالم المعطاء الذي يرى رسالته في نشر علمه على الناس دون مقابل.
> يتسع «فهرس بعض الخسارات» للتاريخ والعلم والخيال، كيف كانت انطباعاتك عن ترجمة كتاب يوديت شالانسكي وفلسفة هذا التجربة؟
- هذا الكتاب من التجارب الممتعة في الترجمة، وكذلك من أشقها. هو كتاب فريد، يمزج الوقائعَ التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وفيه تقدم يوديت شالانسكي وجوهاً مختلفة لتراجيديا الفناء والزوال.
والحقيقة، على قدر بهجتي بهذه التجربة، كان حزني على مصير الترجمة. لقد انتهيت منها مطلع عام 2020، لكنها لم تصدر إلا في ربيع هذا العام قبيل معرض أبوظبي للكتاب. الكتاب يبدو كالشبح، لا يجده أي شخص في أي مكتبة، لا في مصر ولا خارجها. وهذا شيء محزن للغاية الحقيقة.
> عادةً ما تكون عين المترجم على النقل الأمين وجودة الترجمة من جهة وفنون الأسلوب واللغة من جهة أخرى، كيف تتحرك بين هذين الهامشين بما يدعك مطمئناً في النهاية للترجمة التي تحمل توقيعك؟
- لخصت بسؤالك إشكالية مهمة من إشكاليات الترجمة، بين الوفاء للأصل، وبين مراعاة مقتضيات اللغة الهدف.
المترجم مثل لاعب السيرك، عليه أن يسير على هذين الحبلين، ويتوازن، فلا ينبغي في رأيي أن يكون نقله أميناً إلى الدرجة التي تشعر فيها في كل سطر أنك أمام نص مترجم، بل ركيك يحاكي أحياناً بنية اللغة الأصلية، وفي الوقت نفسه عليه أن يحرص على ألا تضيع كل سمات النص الأصلي، فيصبح مسخاً بلا روح. هي إشكالية كبيرة، وكل مترجم يحاول أن «يتوازن» على الحبلين بطريقته.
> بعد مسيرة طويلة من العمل الاحترافي للترجمة، هل ترى أن مشكلات الترجمة تتقلص، أم أنها تفتح مع الوقت والتجربة مزيداً من الأسئلة التي تخص اللغة والسياق الثقافي والفني؟
- الترجمة من الأعمال التي كلما مارستها، تعرفت على مزيد من إشكالياتها. ومع كل عمل، يتقلص يقيني بشأن «الترجمة المثلى». بالطبع يكتسب المترجم خبرة تمكنه من تجاوز عديداً من العوائق، لكن المترجم –وأتكلم هنا عن نفسي - يزداد وعياً بمدى عجزه عن نقل كل شيء إلى اللغة الأخرى، فهكذا، بمرور السنين يزداد وعيي بما يفقده النص الأصلي خلال الترجمة. لكن هذا شيء في صميم عملية الترجمة، لذلك أطلق عليها الكاتب وعالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو «عملية تفاوض»، لا يمكن أن تحصل خلالها على كل شيء، بل يجب أن تتخلى عن شيء، لتكسب شيئاً آخر.
> حصلت على عدد من الجوائز آخرها جائزة «الملك عبد الله العالمية للترجمة»... ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
- شعرت بغبطة كبيرة عندما أُعلن عن فوزي بهذه الجائزة التي تعدّ تتويجاً لمساري الطويل في الترجمة. لقد حصلت قبلها – مثلما أشرت - على جوائز عدة، إلا أنها كانت دائماً عن ترجمة عمل معين، وهذه هي الجائزة الأولى التي تكرّم منجزي كله، وتثمن، مثلما جاء في حيثيات منح الجائزة، جهودي في تشييد الجسور بين الثقافتين العربية والألمانية، وهو أمر أبهجني جدا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
TT

السعودية تؤسس معهداً ملكياً للأنثروبولوجيا لتوثيق التحولات الاجتماعية ودراسة المجتمعات

يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)
يمثل تأسيس المعهد منصة علمية لتوثيق التراث وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية (واس)

يطلق «المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية» الذي أقرّ تأسيسه مجلس الوزراء السعودي، يوم الثلاثاء، مرحلة جديدة من النضج للأعمال البحثية والمعرفية المتعلقة بدراسة المجتمع السعودي وفهم تحولاته، عبر أدوات علمية رصينة.

وثمَّن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة، للقيادة السعودية، إطلاقها هذا المسار، مؤكداً أن المعهد سيمثل «راوياً موثوقاً لثقافتنا، ومنارة إلهام في دراسات فهم الإنسان». وأوضح الأمير بدر أن تأسيس المعهد يمثل منصة علمية لتوثيق التراث السعودي وتعميق الوعي بالثقافة المحلية عبر الأبحاث الأنثروبولوجية، ما يسهم في تقديم رؤى ثقافية فاعلة تشجع التبادل الثقافي العالمي.

وتكتسب السعودية أهمية خاصة في حقل الدراسات الأنثروبولوجية والثقافية؛ نظراً لما تختزنه من عمق تاريخي وحضاري ممتد منذ قرون حتى اليوم، كما تتميز بتنوع ثقافي واجتماعي ومناطقي واسع، يتجلى في أنماط الحياة، والعادات والتقاليد، واللغة والتعبير الشفهي، فضلاً عن تجلياته في الآداب، والفنون الأدائية، والعمارة، والفنون البصرية، وفنون الطهي، والأزياء، وغيرها من الممارسات والتمثلات الثقافية التي تشكل مادة غنية للدراسة والتحليل والتوثيق.

وسيعمل المعهد على تطوير بحوث أكاديمية وتطبيقية متخصصة في الأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، بما يشمل دراسة المجتمعات المحلية، وأنماط العيش، والنظم الرمزية، والتحولات الاجتماعية، وأشكال التعبير الثقافي في المملكة العربية السعودية. كما سيعنى المعهد بتوثيق التراث الثقافي المادي وغير المادي في سياقاته الاجتماعية والتاريخية، ورصد ما يتصل به من معارف وممارسات وتمثلات وقيم، بما يضمن تقديم فهم علمي متكامل للعناصر الثقافية بوصفها جزءاً من الخبرة الإنسانية الحيّة.

كسر «العداء القديم» تجاه علم الأناسة

يرى مراقبون وأكاديميون أن هذا القرار ينهي عقوداً من التوجس تجاه علم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة)، واعتبر الدكتور حمزة بن قبلان المزيني أن تأسيس المعهد «برهان على ما بلغناه من وعي بأهمية هذا التخصص الذي كان البعض يعاديه عداءً مفرطاً». واستحضر المزيني في حديث مع «الشرق الأوسط» نضال الأكاديميين السعوديين الأوائل، وفي مقدمتهم الدكتور سعد الصويان، الذي واجه معارضة شديدة لمحاولة تدريس هذا التخصص في الجامعات، مما اضطره للعمل «خارج الأسوار» لتقديم أبحاث أناسية مذهلة حول المجتمع السعودي.

وقال المزيني: «هنا يجب علينا أن نتذكر ما عاناه بعض الأكاديميين السعوديين من معارضة شديدة حين حاولوا إنشاء قسم في الجامعة لهذا التخصص، ويأتي الزميل الأستاذ الدكتور سعد الصويان في مقدمة هؤلاء، واضطرت المعارضة الشديدة لتدريس هذا التخصص في الجامعة الدكتور الصويان إلى أن يقوم بجهد فائق خارج أسوار الجامعة في البحث والتنقيب في جوانب مجتمعنا عن بعض المظاهر الأناسية التي تعمل تحت مستوى وعينا، وأنجز في ذلك أعمالاً رائعة».

وأكد المزيني أن المجتمع السعودي لا يزال بكراً لم يُدرس بما يكفي، وبناء عليه سيكون ميداناً غنياً للدارسين الأناسيين السعوديين. وأضاف: «الهدف من هذا التخصص المعرفة العلمية الموثوقة التي تؤدي إلى اكتشاف سمات مجتمعنا لنزداد معرفة بأنفسنا، ولا بأس باكتشاف مظاهر مجتمعنا ونفسيتنا السلبية؛ فهذا هو الطريق الصحيح لمعالجتها، بدلاً من تجاهلها أو التكتم عليها. يُضاف إلى ذلك أن تأسيس هذا المعهد يأتي برهاناً آخر على التغيرات الإيجابية الكثيرة التي تحققت في بلادنا».


أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

أولريكه أوتينغر: استوحيت «كونتيسة الدم» من زيارتي لمدن منسية

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الألمانية، أولريكه أوتينغر، إن فكرة فيلم «كونتيسة الدم»، الذي عرض في الدورة الأحدث من مهرجان برلين السينمائي، لم تولد من رغبة مباشرة في تقديم عمل عن مصاصي الدماء، بل جاءت نتيجة رحلة شخصية قامت بها في أواخر التسعينات، حين دُعيت إلى فيينا وقررت أن تسلك طريقاً طويلاً بالسيارة مروراً ببرلين وشرق ألمانيا وعدد من دول أوروبا الشرقية في طريقها إلى النمسا، وهي الرحلة التي جعلتها تشعر بأن تلك المدن القديمة تبدو وكأنها مدن منسية، تقبع خارج الزمن، بما تحمله من عمارة وتاريخ وطبقات من الذاكرة، فكانت الشرارة الأولى التي أوحت لها بفيلم عن مصاصي الدماء.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم لم يكن مشروعاً بسيطاً يمكن إنجازه بشكل اعتيادي كما يحدث مع الأفلام الأخرى نظراً لطبيعته الخاصة وما يحتاجه من تفاصيل وتجهيزات عدة، وهو أمر جعل العمل عليه مستمراً لأكثر من 27 عاماً حتى يرى النور، وهي فترة كانت كفيلة بإعادة كتابة السيناريو عدة مرات وإحداث تغيرات كبيرة، لكن مع ثبات فكرة العمل وطبيعته.

وأوضحت أن تعاونها في كتابة الحوار مع الكاتبة النمساوية الحاصلة على نوبل إلفريدي يلينيك أضاف للنصّ بعداً ثقافياً وساخراً، مشيرة إلى أنها تواصلت معها في أوائل الألفية الجديدة، وكتبت مقاطع تحمل إشارات دقيقة إلى التاريخ النمساوي والبنية الاجتماعية، لكن بعض تلك المقاطع حُذف لاحقاً بسبب ضرورة تقليص زمن الفيلم، وما بقي من مساهمتها يمنح العمل نبرة نقدية خفية، تتسلل عبر الحوار دون مباشرة.

المخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر (الشركة المنتجة)

وفي ما يتعلق ببناء السيناريو، قالت إنها تعتمد دائماً على دفتر ضخم من الصور والرسوم والمواد البصرية التي تجمعها على مدار سنوات، وصنعت من هذه المواد لوحات قصصية استعانت بها في مناقشة مدير التصوير، فالصور كانت نقطة البداية، قبل أن تبني حكاية تقوم على تنويعات المطاردة، وفق قولها «فمصاصو الدماء يبحثون عن دم جديد، والكونتيسة تنقب في تاريخ عائلتها، والخيط الرئيسي يتمثل في البحث عن كتاب غامض يهدد وجود مجتمع مصاصي الدماء نفسه».

وأكدت أن شخصية «مصاص الدماء» جذبتها لأنها نموذج حي لكيفية تحديث الأساطير القديمة باستمرار، مع بقاء الصور ذاتها تتكرر عبر العصور، وكانت مهتمة بإعادة قراءة هذا الكائن من زاوية مختلفة، لذلك أدخلت شخصية «مصاص الدماء النباتي»، الشاب المتمرد الذي يذهب إلى العلاج النفسي في محاولة لاستعادة طبيعته، في مفارقة ساخرة مع الصورة النمطية للكائن المتعطش للدماء.

وأشارت إلى أن الكونتيسة وخادمتها تمثلان في المقابل ذروة الإغواء والقوة، بينما تحاول «قوى النظام» من أطباء نفسيين وشرطة وباحثين في مصاصي الدماء القبض عليهم، غير أن خوفهم نفسه هو ما يسمح بوجودهم، مؤكدة أن طبيعة الفيلم الباروكية، واعتماده على مواقع تاريخية وديكورات معقدة وأزياء استثنائية، جعلته عملاً مكلفاً بطبيعته، وهو ما أبطأ خروجه للنور.

وأوضحت أولريكه أوتينغر أنها خلال وجودها في فيينا بدأت تبحث عن مواقع تحمل طابعاً غرائبياً وتاريخياً في آن واحد، مثل برج الحمقى الذي كان من أقدم المصحات النفسية في أوروبا وتحول إلى متحف، إضافة إلى الأنفاق السرية والمناجم والمواقع المرتبطة بتاريخ مضطرب، وهو ما عزّز لديها فكرة العبور بين الماضي والحاضر داخل حكاية واحدة، مؤكدة أن السفر والمكان يشكلان دائماً مصدر إلهامها الأساسي، وأعمالها تتحرك غالباً على خطوط التماس بين التحولات السياسية والاقتصادية الكبرى وما تخلقه من مخاوف وأوهام بالخلاص.

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

وأكدت أن اللون الأحمر يسيطر على الفيلم بوصفه محوراً بصرياً، مشيرة إلى أنه «يظهر في المخمل والحرير والشموع والسلالم الرخامية حتى تفاصيل الطعام، فالأحمر ظهر ليس رمزاً مباشراً للدم فقط، بل طاقة جمالية تخلق توتراً دائماً بين الغواية والخطر».

وأكدت أوتينغر أنها منذ البداية كانت ترى في النجمة الفرنسية إيزابيل أوبير تجسيداً مثالياً لشخصية «الكونتيسة»، وأنها ناقشت المشروع معها على مدى ما يقرب من 20 عاماً، وأبدت حماسة واضحة، لكن تعثر التمويل كان يؤجل التنفيذ في كل مرة، إلى أن توفرت الميزانية أخيراً فانضمت فوراً إلى فريق العمل، مؤكدة أن الدور مختلف جذرياً عن الأدوار النفسية المعقدة التي اشتهرت بها أوبير، فـ«الكونتيسة» في الأحداث ليست شخصية تحليلية تُشرح دوافعها، بل تمثل حضوراً أيقونياً طاغياً، متسلطاً، يفرض نفسه بالصمت والهيبة.

وأوضحت أن «الفيلم يتنقل لغوياً بين الألمانية والفرنسية، في انعكاس لحياة تعبر الحدود الثقافية»، مؤكدة أن «أوبير عملت على تحسين لغتها الألمانية، فيما تعلمت الممثلة بيرجيت مينيشماير الفرنسية، ليصبح الحوار انتقالاً طبيعياً بين لغتين لا تفصل بينهما حدود صارمة»، معتبرة أن تمسك فريق العمل وحماسهم للتجربة جعلاها تتجاوز صعوبات عدة، أهمها إكمال التصوير في 30 يوماً فقط.


جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
TT

جيهان الشماشرجي تطالب بـ«عدم تشويه سمعتها» عقب إحالتها لـ«الجنايات»

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)
الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

خطف خبر إحالة الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي إلى محكمة الجنايات، الاهتمام في مصر، على خلفية قضية تعود لعام 2025 تضمنت اتهامات بـ«السرقة بالإكراه»، وتصدر اسم الفنانة «الترند» على «غوغل» و«إكس» بمصر، الأربعاء، خصوصاً بعد إصدارها بياناً عبر ممثلها القانوني تطالب فيه بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف».

وأحالت جهات التحقيق القضية رقم 6553 لسنة 2025 جنايات قصر النيل، والمقيدة برقم 1434 لسنة 2025 كلي وسط القاهرة إلى محكمة الجنايات لاتهام الفنانة و4 آخرين بارتكاب سرقة بالإكراه والتسبب في إصابة سيدة بإصابات بالغة، وتحددت أولى جلسات المحاكمة في 26 مارس (آذار) الجاري، وفق ما نشرته وسائل إعلام محلية.

ونشر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على الواقعة، وكتب الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن على صفحته بـ«فيسبوك» أن «ما وصلني من معلومات يرجع الواقعة لأكثر من عامين، حيث كانت الفنانة شريكة بالإيجار في استوديو يضم أكثر من فنان في مجالات تصميم الحلي والفنون بشكل عام».

مضيفاً أنه «خلال فض الشراكة وخروج المستأجرين، حدث خلاف بين إحدى المستأجرات وصاحبة المكان تطور إلى مشاجرة أصيبت فيها والدة صاحبة الاستوديو، ما أدى لتحريك بلاغ تطور إلى دعوى قضائية من جانب صاحبة المكان ضد كل المستأجرين الحاضرين للواقعة ومن بينهم جيهان».

الفنانة المصرية جيهان الشماشرجي (صفحتها على فيسبوك)

وقال عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «هذه القضية تعكس عدم تناول بعض المواقع الصحافية لقضايا معينة بما يناسب حجم الموضوع، فقد تم تضخيم الأمر وهذا ثمن الشهرة؛ لأن القضية تعود للفترة التي سبقت شهرة الفنانة، لدرجة أن اسمها في المحاضر غير مطابق لاسمها الفني، والقضية حالياً في يد القضاء ويجب أن تتعامل الصحافة مع هذه القضايا بتوازن وليس على أساس شهرة المتهم».

وأصدرت الفنانة جيهان الشماشرجي بياناً عبر مستشارها القانوني، تطالب فيه وسائل الإعلام بـ«تحري الدقة فيما ينشر عن إحالتها للمحاكمة، مع التأكيد على أن قرار الإحالة الصادر عن النيابة جاء على خلفية نزاع بين أطراف أخرى يتعلق بشركة تجارية وخلافات نشبت بينهم، وأن اسمها جاء في القضية ضمن اتهام شائع مع عدة أطراف أخرى، وأنها ليست طرفاً في النزاع التجاري محل الخلاف».

وأشار البيان إلى أن «نشر قرار الإحالة لا يعني ثبوت الاتهام، والكلمة الأخيرة تبقى للقضاء بعد نظر الدعوى». وطالب بـ«عدم التوسع في نشر معلومات تمس السمعة والشرف، إلى حين صدور حكم القضاء المصري في القضية».

جيهان الشماشرجي في مسلسل «بطل العالم» (صفحتها على فيسبوك)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، إن «القضية التي تواجهها جيهان الشماشرجي ترجع إلى نحو 3 سنوات حين كانت تعمل في تصميم الإكسسوارات، وفي النهاية حدث خلاف، والنيابة وجهت اتهاماً لها وأحيلت مع آخرين للجنايات».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «القضية أخذت بعداً إعلامياً آخر يضخمها بسبب نجومية جيهان الشماشرجي، بعد أن أصبحت فنانة معروفة، ولا نستطيع التحدث في قضية ما زال ينظرها القضاء، خصوصاً أن جيهان الشماشرجي امتثلت لهذا الوضع وذهبت لإجراء مناظرة، وما زالت الدعوى منظورة»، لكن وفق سعد الدين «تظل هذه القضية مرتبطة بشهرة الفنانة، ولو كانت وقعت بين شخصين عاديين لم يكن أحد ليسمع بها».

وشاركت جيهان الشماشرجي في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية في الفترة الأخيرة من بينها مسلسلا «إخواتي» و«بطل العالم»، وفيلما «أحمد وأحمد» و«علشان خاطر جليلة» الذي أعلنت عن الانتهاء من تصويره قبل أيام، وفي الموسم الرمضاني الحالي تشارك في المسلسل الإذاعي «المتر براءة». وشاركت من قبل في مسلسلي «جودر: ألف ليلة وليلة» و«الحشاشين».