سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

الفائز بجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة لا يزال يتعلم من مشكلاتها

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس
TT

سمير جريس: مع كل عمل يتقلص يقيني بشأن الترجمة المُثلى

المترجم سمير جريس
المترجم سمير جريس

بعد مسيرة متنوعة لنحو 40 عاماً في حقل الترجمة من اللغة الألمانية إلى العربية، وفي فروع الأدب المختلفة، حصل المترجم المصري سمير جريس أخيراً على جائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة، والذي يعدّها تتويجاً لمسار طويل قطعه في هذا المجال.
يقيم جريس في ألمانيا منذ سنوات، ويرى الترجمة رحلة شاقة وممتعة. ومن أبرز ترجماته «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك الحائزة على جائزة نوبل عام 2004، «الوعد» لفريدريش دورنمات، و«دون جوان» للكاتب النمساوي بيتر هاندكه الحائز جائزة نوبل 2019، و«الكونترباص» لباتريك زوسكيند، وصدرت له أخيراً ترجمة «اكتشاف البطء» لستن نادولني. هنا حوار معه حول الجائزة ومشاكل الترجمة.

غلاف مسرحية «الكونترباص»

> صدر لك نحو 40 عملاً مترجماً من الألمانية، كيف تتأمل بنظرة بانورامية تلك الرحلة والرصيد الحافل منذ بواكير ترجماتك إلى اليوم؟
- هي بالفعل رحلة حافلة، شاقة وممتعة في آن واحد. كانت بدايتها في أواخر الثمانينات محبطة جداً، عندما تقدمت بأول مجموعة قصصية من ترجمتي إلى هيئة الكتاب المصرية بالقاهرة، وحتى الآن ما زالت ترقد في غياهب أدراج الهيئة العتيقة، رغم الموافقة على نشرها، كانت هذه البداية المحبطة كفيلة بأن أتوقف عن الترجمة. لكني لم أفعل، وبدأت أعد مجموعة قصص أخرى لفولفجانج بورشرت، وأخرى لهاينريش بُل (نوبل 1972)، وقد تعطل نشر المجموعتين أيضاً سنوات طويلة.
في تلك الفترة انتقلت لأواصل دراسة علم الترجمة في جامعة ماينتس. وكانت فترة الدراسة في ألمانيا فترة خصبة جداً بالنسبة إليّ، حيث تعرفت على نظريات الترجمة المختلفة، وتعمقت في دراسة مشاكل الترجمة الأدبية نظرياً وعملياً، واستفدت كثيراً من عدد كبير من المراجع المكتوبة بالألمانية، ومنها الدراسة التي كتبها بالألمانية عبده عبود عن «تلقي الرواية الألمانية في المنطقة العربية»، ونال بها درجة الدكتوراه من جامعة فرانكفورت. فيها قام عبود بعمل مسح شامل للروايات الألمانية التي ترجمت للعربية من أوائل القرن العشرين حتى عام 1975، وقدم تقييماً نقدياً للترجمات.


غلاف «شتيلر» لـماكس فريش

تعلمت من هذه الدراسة النقد الموضوعي للترجمات. ثم اختتمت دراستي في جامعة ماينتس برسالة نلت عنها درجة الماجستير بتقدير امتياز، وكان عنوانها «إشكاليات ترجمة الأدب الألماني إلى اللغة العربية - هاينريش بـُل مثالاً»، وفيها ترجمت قصة طويلة نسبياً لهاينريش بُل بعنوان «ميزان آل باليك»، ثم قمت بعرض وتحليل للمشاكل التي تعترض المترجم العربي عند نقلها من الألمانية، وقدمت اقتراحات لمواجهة هذه المشاكل. ولعل هذه الرسالة هي حجر الأساس في كل عملي اللاحق في مجال الترجمة الأدبية.
> قدمت أعمالاً من ألمانيا والنمسا وسويسرا للقارئ العربي، كيف تختار أعمالك، هل تحكمها ذائقتك الأدبية فقط، أم أن هناك معايير أخرى تراعيها في اختياراتك؟
- معاييري في الاختيار يختلط فيها الشخصي بالموضوعي. أحاول البحث عن أعمال ذات صبغة إنسانية عامة (مثل مسرحية «مدرسة المستبدين» لإيريش كستنر، ورواية «حياة» لديفيد فاجنر)، أو أعمال لها أهميتها أو شهرتها في السياق الألماني، وأراها جديرة بأن يتعرف إليها القارئ العربي (مثل رواية «عازفة البيانو» للحائزة نوبل إلفريده يلينك ورواية «دون جوان» لبيتر هاندكه الحاصل على نوبل 2019، والنوفيلا النفسية «حلم» لأرتور شنيتسلر، ورواية «اكتشاف البطء» لستن نادولني)، أو لأنها حققت نقلة فنية أو أسلوبية وبالتالي كانت لها أهمية نقدية (مثل «مونتاوك» و«شتيلر» لماكس فريش)، أو لأنني أرى أن هذا العمل يثير اهتمام القارئ العربي (مثلاً «الحيوان الباكي» لميشائيل كليبرج والذي يتحدث فيه عن رحلته إلى لبنان وعلاقته بالشاعر عباس بيضون). وأحياناً أود أن أنقل عملاً لكاتب يجهله القارئ العربي (مثل توماس برنهارد وكتابه «صداقة»). كما أنني أهتم بأعمال الكتاب من ألمانيا الشرقية سابقاً؛ لأنها تعالج قضايا الديكتاتورية والتحول الديمقراطي، وهي قضايا ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلينا في المنطقة العربية. لهذا؛ قمت بترجمة رواية «قصص بسيطة» للكاتب إنجو شولتسه. وأخيراً، قد تكون متعة قراءة نص جيد هي الدافع للترجمة؛ كان هذا هو السبب في قيامي بترجمة أعمال مثل «الكونترباص» لباتريك زوسكيند و«العطل» و«الوعد» لفريدريش دورنمات.
> طرقت باب ترجمة باتريك زوسكند الشهير بـ«العطر» عبر «الكونترباص»، ما الذي جذبك في هذا النص؟
- قرأت «العطر» لزوسكيند بترجمة نبيل الحفار وأعجبت بها مثل ملايين من القراء في العالم كله. وفي مطلع التسعينات قدم أحد مسارح مدينة كولونيا مونودراما «الكونترباص»، فذهبت إلى لمشاهدتها، ولم أكن قرأت النص بعد.
وهناك انبهرت بهذه المسرحية، ثم قرأت النص، فزاد افتتاني به، بل اقتنيت المسرحية مسجلة على «سي دي» واستمعت إليها مرات عدة، حتى كدت أحفظ مقاطع بأكملها.
مع «الكونترباص» (1980) بدأ نجاح زوسكيند الذي جرب قلمه في أعمال نثرية عدة لم تجد من ينشرها. وقد جذبني إليها قدرته على مخاطبة الإنسان في كل مكان؛ لأن «عازفه» يجعلنا ندرك أن مشاكله الشخصية والمهنية في الأوركسترا هي صورة لمشاكلنا نحن، فالأوركسترا – بترتيبه الهرمي، وكما يقول العازف الذي يجهل المشاهد اسمه – «صورة طبق الأصل من المجتمع البشري».
> رغم القصر النسبي لنص «الكونترباص»، فإنه يحتشد بمصطلحات وآلات وسياقات موسيقية شديدة التخصص. كيف تعاملت مع تلك الخصوصية في الترجمة؟
- أشكرك على الالتفات إلى هذه التفصيلة التي تغيب عن كثيرين. في الحقيقة كانت تلك إحدى أكبر العقبات في ترجمة «الكونترباص»، ثم فيما بعد في ترجمة رواية «عازفة البيانو» لإلفريده يلينك. كثير من المصطلحات الموسيقية الواردة في «الكونترباص» لا وجود لها في القواميس الشائعة، وكان عليّ أن أبحث عن معناها بالفرنسية أو الإنجليزية، ثم ترجمتها عبر هذه اللغات الوسيطة. بعد أن فعلت ذلك، لم أكن مطمئناً تماماً، وبحثت عن متخصص في الموسيقى أراجع معه هذه المصطلحات.
وسألت عدداً من الأصدقاء، وأعطاني أحدهم رقم تليفون الدكتورة سمحة الخولي، العميدة السابقة لمعهد الكونسرفتوار في القاهرة. اتصلت بالمؤرخة الموسيقية الجليلة وكلي خجل، وعندما ردت عليّ، شرحت لها أنني ترجمت عملاً يحفل بالمصطلحات الموسيقية، وأنني أود التأكد منها من صحة الترجمة. فرحّبت ترحيباً كبيراً، ولم تبخل عليّ بالشرح والتفسير والتصحيح، كانت سخية إلى أقصى حد، كانت، رحمها الله، نموذجاً للعالم المعطاء الذي يرى رسالته في نشر علمه على الناس دون مقابل.
> يتسع «فهرس بعض الخسارات» للتاريخ والعلم والخيال، كيف كانت انطباعاتك عن ترجمة كتاب يوديت شالانسكي وفلسفة هذا التجربة؟
- هذا الكتاب من التجارب الممتعة في الترجمة، وكذلك من أشقها. هو كتاب فريد، يمزج الوقائعَ التاريخية والعلمية بالخيال الروائي، وفيه تقدم يوديت شالانسكي وجوهاً مختلفة لتراجيديا الفناء والزوال.
والحقيقة، على قدر بهجتي بهذه التجربة، كان حزني على مصير الترجمة. لقد انتهيت منها مطلع عام 2020، لكنها لم تصدر إلا في ربيع هذا العام قبيل معرض أبوظبي للكتاب. الكتاب يبدو كالشبح، لا يجده أي شخص في أي مكتبة، لا في مصر ولا خارجها. وهذا شيء محزن للغاية الحقيقة.
> عادةً ما تكون عين المترجم على النقل الأمين وجودة الترجمة من جهة وفنون الأسلوب واللغة من جهة أخرى، كيف تتحرك بين هذين الهامشين بما يدعك مطمئناً في النهاية للترجمة التي تحمل توقيعك؟
- لخصت بسؤالك إشكالية مهمة من إشكاليات الترجمة، بين الوفاء للأصل، وبين مراعاة مقتضيات اللغة الهدف.
المترجم مثل لاعب السيرك، عليه أن يسير على هذين الحبلين، ويتوازن، فلا ينبغي في رأيي أن يكون نقله أميناً إلى الدرجة التي تشعر فيها في كل سطر أنك أمام نص مترجم، بل ركيك يحاكي أحياناً بنية اللغة الأصلية، وفي الوقت نفسه عليه أن يحرص على ألا تضيع كل سمات النص الأصلي، فيصبح مسخاً بلا روح. هي إشكالية كبيرة، وكل مترجم يحاول أن «يتوازن» على الحبلين بطريقته.
> بعد مسيرة طويلة من العمل الاحترافي للترجمة، هل ترى أن مشكلات الترجمة تتقلص، أم أنها تفتح مع الوقت والتجربة مزيداً من الأسئلة التي تخص اللغة والسياق الثقافي والفني؟
- الترجمة من الأعمال التي كلما مارستها، تعرفت على مزيد من إشكالياتها. ومع كل عمل، يتقلص يقيني بشأن «الترجمة المثلى». بالطبع يكتسب المترجم خبرة تمكنه من تجاوز عديداً من العوائق، لكن المترجم –وأتكلم هنا عن نفسي - يزداد وعياً بمدى عجزه عن نقل كل شيء إلى اللغة الأخرى، فهكذا، بمرور السنين يزداد وعيي بما يفقده النص الأصلي خلال الترجمة. لكن هذا شيء في صميم عملية الترجمة، لذلك أطلق عليها الكاتب وعالم اللغويات الإيطالي أمبرتو إيكو «عملية تفاوض»، لا يمكن أن تحصل خلالها على كل شيء، بل يجب أن تتخلى عن شيء، لتكسب شيئاً آخر.
> حصلت على عدد من الجوائز آخرها جائزة «الملك عبد الله العالمية للترجمة»... ماذا تعني لك هذه الجائزة؟
- شعرت بغبطة كبيرة عندما أُعلن عن فوزي بهذه الجائزة التي تعدّ تتويجاً لمساري الطويل في الترجمة. لقد حصلت قبلها – مثلما أشرت - على جوائز عدة، إلا أنها كانت دائماً عن ترجمة عمل معين، وهذه هي الجائزة الأولى التي تكرّم منجزي كله، وتثمن، مثلما جاء في حيثيات منح الجائزة، جهودي في تشييد الجسور بين الثقافتين العربية والألمانية، وهو أمر أبهجني جدا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.

عاجل التلفزيون الرسمي الإيراني يؤكد مقتل المرشد علي خامنئي