هل الجينات سبب أساسي لتجنب عدوى فيروس كورونا؟

العلماء يدققون في احتمالات وجود مقاومة فطرية للوباء

هل الجينات سبب أساسي لتجنب عدوى فيروس كورونا؟
TT

هل الجينات سبب أساسي لتجنب عدوى فيروس كورونا؟

هل الجينات سبب أساسي لتجنب عدوى فيروس كورونا؟

استباح متحوّر «أوميكرون» بداية السنة الجديدة جميع أنحاء الولايات المتّحدة، فوجدت ماري كارينغتون نفسها ومن دون علمها في مناسبة ذات نسبة انتشار عالية – حفلة في مكانٍ مقفل يحضرها أكثر من 20 شخصًا، انتهت بنقلِ واحدٍ من مدعوّيها على الأقل للفيروس إلى معظم الضيوف المجتمعين.
وبعد عامين من تجنّبها الإصابة بفيروس الكورونا، شعرت كارينغتون أنّ دورها في الإصابة قد حان، إلّا أنّها لم تلتقط الفيروس وشعرت «أنّها شديدة المقاومة لهذا المرض». عندها، لم تفكّر أنّ الحصانة المناعية ناتجة عن عدّة جرعات من اللقاح المضاد للفيروس، بل قدّرت أنّ طرد الجرثومة يعود لنوعٍ من المراوغة الوراثية الفطرية التي أتاحت لخلاياها إبعاد مسبّب المرض بطريقة طبيعية.
فهمت كارينغتون ما الذي قد يعنيه هذا الأمر لأنّها كخبيرة في علم الوراثة المناعي في المعهد الوطني للسرطان، كانت واحدة من علماء عدّة ساعدوا في بداية التسعينيات في كشف طفرة تمنع معظم سلالات فيروس نقص المناعة المكتسب من اختراق الخلايا البشرية، ما يجعل بعض الأشخاص عصيّين على تأثيرات مسبّب هذا المرض. ولعلّ شيئًا مماثلًا قد يقف خلف حماية تتمتّع بها قلّة من الأشخاص ضدّ فيروس «سارس-كوف-2».

فكرة خادعة
ولكنّ فكرة مقاومة الانسان للفيروسات التّاجية خادعة لدرجة أنّ العلماء يستكشفون اليوم جينومات أشخاص من جميع أنحاء العالم لرصد أيّ إشارة على وجود مثل هذه المقاومة. وإذا تبيّن أنّها موجودة فعلًا، فسيتمكّنون من استخدام هذه المعرفة لتحديد الناس الأكثر تأثّرًا بالفيروس، أو استغلالها لتطوير أدوية أقوى لعلاج وترويض فيروسات الكوفيد. أمّا بالنسبة للأشخاص الذين لم يصابوا بالفيروس بعد – أي الشريحة الآخذة في التضاؤل من البشر – تبقى المقاومة «قوّة خارقة» يعتقد النّاس واهمين بأنّهم يملكونها، بحسب باولا كانون، عالمة الوراثة المناعية والفيروسات في جامعة جنوب كاليفورنيا.
من جهتها، ترجّح هيلين سو، عالمة المناعة في المركز الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أنّ هذه المقاومة الحميدة لعدوى «سارس-كوف-2» نادرة جدًا، شأنها شأن أيّ قوّة خارقة أخرى، خصوصًا أن حدس كارينغتون كان خاطئًا، لأنّ كارينغتون نفسها عادت أخيرًا من رحلة إلى سويسرا ووجدت أنّها مصابة بالفيروس.
وكما الكثير من النّاس الذين بقوا آمنين حتّى وقتٍ ليس ببعيد، كانت كارينغتون قد أمضت السنتين والنصف الماضيتين في تطبيق إجراءات احترازية كاللقاحات والسلوك الحذر إلى جانب الحظّ طبعًا، ما يعني أنّ المقاومة الفطرية لفيروس الكورونا لم تكن موجودة ربّما، أو أنها كانت موجودة ولكن بمجهود عال.

مقاومة فطرية
يعرف جان لوران كازانوفا، عالم جينات ومناعة في جامعة روكفلر، ثلاثة فقط من أصل ألف وأربعمائة فيروس وبكتيريا وكائنٍ طفيلي وفطري مسبّبة للأمراض يمكن طردها من الجسم بطفرات جينية نادرة هي فيروس نقص المناعة المكتسب، والنوروفيروس، والملاريا.
ولعلّ الطفرة الصادّة لفيروس نقص المناعة هي الأشهر بينها. بدأ عددٌ من العلماء من بينهم كارينغتون قبل حوالى ثلاثة عقود، بالبحث عن عددٍ صغير من الأشخاص الذين «كانوا شبه أكيدين أنّهم تعرّضوا لفيروس نقص المناعة عدّة مرّات وأنّهم أصيبوا فعلًا بالمرض ولكنّهم لم يكونوا كذلك». تبيّن لاحقّا أنّ «قوّتهم الخارقة» كانت بسيطة: كانت أجسامهم تخلو من نسخات فعّالة من جين «CCR5» المسؤول عن إنتاج بروتين يلفّ سطح الخليّة يحتاجه فيروس نقص المناعة المكتسب لاختراق الخلايا التّائية، وهي الفريسة المفضّلة للفيروسات لدى البشر. ووجد الباحثون أن 1 في المائة فقط من البشر يتحدّرون من أصولٍ أوروبية يملكون هذه الطفرة المسمّاة «CCR5-delta 32» بنسختين، وأنّ الطفرة أكثر ندرةً لدى الأعراق الأخرى. ومع ذلك، استغلّ الباحثون الاكتشاف لتطوير أدوية قويّة مضادّة للفيروسات وقضوا على الفيروس لدى أشخاص مصابين بمساعدة زراعات تعتمد على طفرة «delta32» في النخاع الشوكي، ليكون هذا الدواء الأقرب إلى تطوير عقار يشفي من فيروس نقص المناعة المكتسب.
تتشابه القصّة مع الفيروسين الآخرين. فقد حوّلت الأخطاء الجينية في جين «FUT2» الذي يغلّف خلايا الأمعاء بالسكريات، بعض الأشخاص إلى مقاومين للنوروفيروس norovirus. وفي السياق نفسه، يمحي الاختلال الجيني بروتينًا اسمه «دافي» Duffy من جدران خلايا الدمّ الحمراء، مانعًا بذلك المتصورة النشيطة (بلاسموديوم فيفاكس)، واحدة من طفيليات عدّة تسبّب مرض الملاريا، من الدخول إلى الخلايا. تشيع طفرة «دافي» التي تؤثّر على جينة اسمها «DARC/ACKR1» في جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى التي نجحت نسبيًا في تخفيض معدلات عدوى المتصورة النشيطة.

في السنوات الأخيرة، ومع تقدّم التقنيات الجينية، بدأ الباحثون بالتحقيق في المزيد من الطفرات المقاومة لعدوى مسبّبات مرض أخرى كفيروس التهاب الكبد «بي» hepatitis B virus والفيروس العجلي rotavirus. ولكنّ روابط هذه الطفرات بالمرض صعبة الرصد نظرًا للأعداد الكبرى من المشاركين التي تتطلّبها هذه الدراسات، وصعوبة تحديد ورصد العدوى في الأساس، الأمر الذي قد ينطبق على فيروس «سارس-كوفيد-2».
يتواصل كازانوفا وفريق دولي من الباحثين المشاركين منذ أشهر مع آلاف الأشخاص حول العالم الذين يعتقدون أنّهم يتمتّعون بمقاومة جينية لفيروس الكورونا. تعرّض أفضل المشاركين في هذه الدراسة للفيروس بشكلٍ مباشر عبر الاختلاط بشخص يعاني من عوارضه في المنزل، إلّا أنّ فحوصاتهم لمسبّب المرض والاستجابة المناعية كانت تأتي دائمًا سلبية. ولكنّ الانتقال التنفّسي يحصل غالبًا بالصدفة، حيث يستطيع فيروس الكورونا اختراق الأشخاص بصمت دون ترك أثر للأجسام المضادّة. (يعتزم الفريق أيضًا اختبار استجابات الخلايا التائية الأقلّ طفرًا أيضًا).
يميل الأشخاص الذين لا يعانون من أعراض ظاهرة إلى عدم الخضوع للفحص، أو قد لا يخضعون للفحص بالطريقة الصحيحة. وعلاوةً على ذلك، يحمي الجهاز المناعي صاحبه من العدوى لا سيّما في الفترة التي تلي التلقيح أو المرض. في حالة فيروس نقص المناعة المكتسب، هذا الفيروس الذي يسبّب عدوات مزمنة ولا توجد لقاحات لعلاجه، وينتشر عبر طرق واضحة ومحدّدة في الشبكات الاجتماعية الكثيفة، «كان من الأسهل تحديد هؤلاء الأشخاص» الذين زارهم الفيروس دون أن يتجذّر فيهم، بحسب رافيندرا غوبتا، عالمة الفيروسات في جامعة كمبردج. ولكن دراسة «سارس-كوف-2» لن تكون بالسهولة نفسها.
يشبه فيروسا الملاريا والنوروفيروس فيروس نقص المناعة المكتسب ولكنّ القصّة ليست نفسها في حالتهما. تتجلّى المقاومة الفطرية في كثير من الأشكال وتميل غالبًا إلى التولّد من طفرات تشلّ قدرة مسبّب المرض على سلوك طريقه إلى الخلية أو التكاثر داخلها. تعمل طفرات «CCR5»، و«دافي»، والسكريات التي يفرزها «FUT2» مثلًا كشرائح للهبوط الميكروبي تمسك بالفيروسات بإحكام.

جينات مقاومة «كورونا»
في هذه الحالة، إذا تبيّن وجود طفرة موازية لمحاربة فيروس «سارس-كوف-2»، فمن المنطقي أن نعثر عليها في مستقبلات «ACE2» الذي يحتاجه فيروس الكورونا لاختراق الخلايا، أو في «TMPRSS2»، البروتين الذي يشبه المقصّ ويسرّع العملية التدخّلية لبعض المتحوّرات على الأقلّ.
وكان الباحثون قد عثروا في السابق على متحوّرات جينية قادرة على إضعاف وجود مستقبلات «ACE2» في الخلايا أو طرد نسخات من «TMPRSS2»، ما يدلّ على وجود طفرة قادرة على إبعاد جزيئات فيروس كورونا أكثر. ولكنّ مستقبلات «ACE2» مهمّة جدًا لتنظيم ضغط الدم والحفاظ على صحّة أنسجة الرئتين، بحسب الخبيرة سو، واحدة من العلماء الذين عملوا مع كازانوفا للعثور على جينات مقاومة لفيروس «سارس-كوفيد-2».
في المقابل، يمكن لأيّ طفرة قد تبقي فيروس الكورونا في الخارج أن «تعبث بجوانب أخرى من الفيزيولوجيا البشرية»، ما قد يؤدّي إلى طفرة جينية نادرة جدًا ومنهكة، أو كما يصفها غوبتا، «غير مناسبة للحياة». تشير باولا كانون إلى أنّ «الأشخاص الذين يملكون طفرة CCR5-delta32، التي تعطّل فيروس نقص المناعة المكتسب طبيعيون، ما يعني أنّ الفيروس أخفق في اختيار جين CCR5. في المقابل، نجح فيروس الكورونا في معرفة كيفية استغلال شيء حيوي لدى مضيفه في حركة غازية بارعة».
بدأ الباحثون أيضًا بدراسة بعض الاتجاهات المتعلّقة بفيروس الكوفيد. وكان كازانوفا من مستشفى روكفلر، واحدًا من باحثين متعدّدين قادوا جهودًا للكشف عن أهمية جزيئية مناعية أشبه بإنذار على شكل مضاد للفيروس في بداية السيطرة على العدوى. تسير أمور الأشخاص الذين ينتجون كتل البروتين بعد ساعات على التقاط العدوى على ما يُرام في محاربة الفيروس، بينما يواجه أصحاب الاستجابات الضعيفة أو البطيئة خطر المرض الشديد. وينطبق الأمر نفسه على الأشخاص الذين تفبرك أجسامهم أجسامًا مضادّة صعبة التكيّف تهاجم مضادّات الفيروسات أثناء تمريرها للرسائل بين الخلايا. تلعب عوامل أخرى قد تبدّل خطر المرض الشديد للأفضل أو الأسوأ دورًا مهمًا أيضًا وأبرزها قدرة الخلايا على استشعار الفيروس مبكرًا، ومستوى التنسيق بين مختلف فروع الدفاع، والمكابح التي يضعها الجهاز المناعي على نفسه حتّى لا يعرّض خلايا المضيف للخطر.

* مجموعة «ذي اتلانتك مونثلي»
- خدمات «تريبيون ميديا»


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل
TT

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

جميعنا نخفي 9 أسرار تُنهك أرواحنا من الداخل

يُخفي الشخص العادي 9 أنواع من الأسرار، تتراوح بين الكذب والرغبات العاطفية الخفيّة، وقد يُشكل هذا عبئاً ثقيلاً؛ لأن للأسرار عادةً مُقلقةً؛ تتمثل في تبادرها إلى الذهن دون سابق إنذار. وقد يُخفف الاعتراف بها من وطأة الأمر، لكن بعض الأسرار حساس للغاية؛ فلا يُمكن مشاركته، كما كتبت أليس كلاين في مجلة «نيو ساينتست» البريطانية.

العبء النفسي لإخفاء الأسرار

تقول فال بيانكي، من جامعة ملبورن في أستراليا: «قد تُفكر في الأسرار خلال الاستحمام، أو عند غسل الأطباق، أو حتى في طريقك إلى العمل».

وأمضت بيانكي سنوات في دراسة العبء النفسي لإخفاء الأسرار وسبل تخفيفه، وقد مُوِّل أحدث أبحاثها من قِبَل «مكتب الاستخبارات الوطنية الأسترالي». وتضيف أن على عملاء الاستخبارات الحفاظ على أسرار بالغة الحساسية لحماية الأمن القومي، لذا؛ فهم بحاجة إلى استراتيجيات لتحمل هذه المسؤولية.

دراسة 38 فئة من الأسرار

لفهم تأثير الأسرار على رفاهية الأفراد بشكل أفضل، استقطبت بيانكي وزملاؤها 240 شخصاً عبر الإنترنت، وطلبوا منهم ملء استبيان عن أسرارهم. أشار المشاركون إلى ما إذا كانوا يخفون أي أسرار من 38 فئة، بما في ذلك: الكذب، والخيانة الزوجية، والسرقة، والإدمان.

الكذب والعيوب الجسدية والسلوكيات الجنسية

في المتوسط، احتفظ المشاركون بـ9 أنواع من الأسرار، وكان أوسعها شيوعاً الكذب (78 في المائة من المشاركين)، والشعور بعدم الرضا عن جانب جسدي شخصي (71 في المائة). وشملت الأسرار الشائعة الأخرى الأمور المالية (70 في المائة)، والرغبات العاطفية (63 في المائة)، والسلوكيات الجنسية (57 في المائة).

أهم الأسرار... مقلق

بعد ذلك، طُلب من المشاركين تحديد أهم سر لديهم وكتابة يوميات لمدة أسبوعين بشأن شعورهم تجاهه. أفاد المشاركون عموماً بأن أهم أسرارهم سلبية، وعند التفكير فيها، تتشتت أفكارهم نحو مخاوف أو قلق يساورهم بشأنها، كما جاء في الدراسة المنشورة في دورية «PsyArXiv, doi.org/qs6j»

تسلل الأسرار إلى الذهن

خلصت أبحاث بيانكي السابقة إلى أن الأسرار المهمة تميل إلى التسلل إلى أفكار الناس مرة كل نحو ساعتين. وتقول: «غالباً ما تخطر هذه الأسرار على البال خلال فعل شيء لا يتطلب كامل انتباهك... لأن ذهنك يجد متسعاً للتفكير في السر والتأمل فيه».

البوح بالأسرار

وتضيف بيانكي أن البوح بالأسرار قد يوفر بعض الراحة في بعض الحالات، لا سيما عند إخبار أشخاص غير متأثرين بشكل مباشر بمحتواها، ويتسمون بالتعاطف، مثل رجال الدين أو المعالجين النفسيين.

من جهة أخرى، لا يمكن البوح ببعض الأسرار لأي شخص؛ بما في ذلك المعلومات السرية للغاية التي يحتفظ بها ضباط المخابرات. وفي هذه الحالات، قد يكون من المفيد لحامل السر التحدث مع شخص ما عن مشاعره تجاه السر، دون الكشف عن محتواه الفعلي، كما تقول بيانكي.

تدوين المذكرات اليومية... علاج نافع

يقول جيمس بينيباكر، من جامعة تكساس في أوستن بالولايات المتحدة، الذي أثبت أن تدوين المشاعر في مذكرات يومية غالباً ما يكون علاجياً، إن خياراً آخر قد يكون متاحاً للأشخاص الذين لا يعملون في مجال الاستخبارات، هو الكتابة سراً عن مشاعرهم وكيف تؤثر عليهم. ويضيف: «بدأ بحثي بملاحظة أن الأشخاص الذين مروا بأي نوع من الاضطرابات الكبيرة كانوا أكبر عرضة لمشكلات صحية إذا لم يتحدثوا عن هذه الأحداث مقارنةً بمن تحدثوا عنها».


الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات
TT

الطبيب… مهندس القرار في عصر الذكاء الاصطناعي

مهندس القرار في عصر الخوارزميات
مهندس القرار في عصر الخوارزميات

لم يكن دور الطبيب عبر التاريخ مجرد قراءة الأعراض ووصف العلاج، فالممارسة الطبية كانت دائماً عملية معقدة تجمع بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والحكم الأخلاقي.

التكامل بين الذكاء الاصطناعي وخبرة الطبيب

تحولات عميقة

لكن الطب يشهد اليوم تحولاً عميقاً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى العيادات والمستشفيات. فقد أصبحت خوارزميات التعلم العميق قادرة على تحليل صور الأشعة بدقة عالية، والتنبؤ ببعض الأمراض قبل ظهور أعراضها، بل واقتراح خطط علاجية محتملة.

هذا التحول لا يطرح سؤالاً تقنياً فحسب، بل سؤالاً مهنياً أعمق: إذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحليل البيانات الطبية، فما هو الدور الجديد للطبيب؟

ماذا تقول الأبحاث الحديثة؟

في دراسة علمية حديثة نُشرت في 16 فبراير (شباط) 2026 بعنوان «العوامل المؤثرة في الثقة بالذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار الصحي» (Determinants of Trust in Artificial Intelligence for Health-Related Decision-Making)، حاول الباحثون فهم موقف المرضى من استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية. وقد نُشرت الدراسة في مجلة «جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش» (Journal of Medical Internet Research) المتخصصة في الصحة الرقمية، وأُجريت في مراكز الرعاية الصحية الأولية في المملكة العربية السعودية لتحليل مدى قبول المرضى لاستخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص والقرار الطبي.

ثقة المرضى أولاً

أظهرت نتائج الدراسة أن المرضى لا يعارضون استخدام الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، بل إن كثيراً منهم يرون في هذه التقنيات فرصة لتحسين دقة التشخيص وتسريع الوصول إلى العلاج. لكن القبول بهذه الأنظمة يبقى مشروطاً بعامل أساسي: أن يظل الطبيب هو صاحب القرار النهائي في العملية العلاجية.

كما كشفت الدراسة أن ثقة المرضى بالذكاء الاصطناعي ترتبط بدرجة كبيرة بثقتهم بالطبيب نفسه. فكلما كانت العلاقة بين الطبيب والمريض قائمة على الثقة والوضوح، ازداد استعداد المرضى لقبول استخدام الأنظمة الذكية في دعم التشخيص أو اتخاذ القرار الطبي.

وبعبارة أخرى، لا ينظر المرضى إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً للطبيب، بل كأداة علمية يمكن أن تعزز خبرته وتساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة.

ثلاثة أدوار للذكاء الاصطناعي في القرار الطبي

3 حالات للذكاء الاصطناعي في العيادة

عند استخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية يمكن للطبيب أن يواجه ثلاث حالات مختلفة.

* الحالة الأولى: عندما يقدم النظام توصية تشخيصية أو علاجية واضحة بدرجة ثقة عالية اعتماداً على تحليل كميات كبيرة من البيانات الطبية.

* الحالة الثانية: عندما يقدم الذكاء الاصطناعي تقديرات احتمالية أو سيناريوهات تشخيصية متعددة تحتاج إلى تفسير سريري دقيق من الطبيب، لأن الخوارزمية هنا تعرض الاحتمالات لكنها لا تحسم القرار.

* الحالة الثالثة: ما يسميه بعض الباحثين «صمت الخوارزمية»، وهي الحالة التي يعجز فيها النظام عن إعطاء توصية واضحة بسبب نقص البيانات أو تعقيد الحالة الطبية. وفي مثل هذه الحالات يعود القرار بالكامل إلى خبرة الطبيب وحكمه السريري

لماذا يبقى الطبيب محور القرار؟

الذكاء الاصطناعي بارع في تحليل البيانات واكتشاف الأنماط الطبية المعقدة، لكنه لا يستطيع فهم جميع أبعاد الحالة الإنسانية للمريض. فالقرار الطبي لا يعتمد فقط على نتائج التحاليل أو الصور الشعاعية، بل يشمل أيضاً التاريخ الصحي للمريض، وحالته النفسية، وظروفه الاجتماعية، وحتى تفضيلاته الشخصية في العلاج.

وهذه عوامل لا تستطيع الخوارزميات تقييمها بصورة كاملة، لأنها تتجاوز حدود البيانات الرقمية إلى مساحة الخبرة الإنسانية والتقدير السريري. ولهذا يبقى دور الطبيب حاسماً في ترجمة نتائج الذكاء الاصطناعي إلى قرار طبي متوازن يجمع بين العلم والحكمة.

حكمة قديمة في زمن جديد

قبل أكثر من ألف عام كتب ابن سينا في كتابه «القانون في الطب» أن الطبيب الجيد هو الذي يجمع بين العلم والحكمة. واليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه الحكمة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

إن الخوارزميات قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات الطبية في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تفهم الإنسان بكل تعقيداته. ولهذا يبقى التحدي الحقيقي في الطب الحديث ليس في قوة التكنولوجيا وحدها، بل في قدرة الطبيب على توظيفها بحكمة لخدمة المريض.

ولهذا يمكن القول إن الطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مُشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي الذي يوازن بين البيانات والخبرة والبعد الإنساني في العلاج.

الطبيب مهندس القرار

ولهذا قد يكون أدق وصف لدور الطبيب في الطب الحديث أن الطبيب لم يعد مجرد مشخِّص للمرض، بل أصبح مهندس القرار الطبي في عصر الخوارزميات. فبين البيانات التي تقدمها الأنظمة الذكية والخبرة السريرية التي يمتلكها الطبيب، يتشكل القرار الطبي الذي يجمع بين دقة العلم وفهم الإنسان.


التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
TT

التفوق لا يرتبط بالذكاء ولا بالموهبة... علم النفس يوضح

العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)
العزيمة مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد والمثابرة في مواجهة العقبات (بيكسلز)

يشيع الاعتقاد بأن النجاح في الحياة يرتبط أساساً بالذكاء الفائق أو الموهبة الفطرية، غير أن كثيراً من الدراسات الحديثة تشير إلى أن التفوق لا يقوم على هذه العوامل وحدها. فالأشخاص الذين يحققون إنجازات كبيرة في مجالات مختلفة لا يكونون دائماً الأكثر ذكاءً أو موهبة؛ بل غالباً ما يتميزون بقدرتهم على الاستمرار والعمل لفترات طويلة رغم الصعوبات.

وفي هذا السياق، تقدِّم عالمة النفس الأميركية أنجيلا دوكوورث (Angela Duckworth) تفسيراً مختلفاً لمعنى التفوق، في كتابها الشهير «العزيمة: قوة الشغف والمثابرة» (Grit: The Power of Passion and Perseverance)؛ حيث ترى أن العامل الحاسم في النجاح هو ما تسميه «العزيمة».

ما «العزيمة»؟

تعرِّف دوكوورث العزيمة بأنها مزيج من الشغف بالأهداف طويلة الأمد، والمثابرة في مواجهة العقبات. أي أن الشخص الذي يمتلك هذه الصفة لا يكتفي بوضع أهداف كبيرة؛ بل يواصل العمل لتحقيقها رغم الفشل أو الإحباط. فالعزيمة تعني الاستمرار وعدم الاستسلام عند التعثر، مع الحفاظ على التركيز على هدف واضح دون تشتت، وفق ما نقله موقع العالمة دوكوورث الإلكتروني.

وقد أظهرت بحوث دوكوورث التي شملت مجالات مثل التعليم والرياضة والمؤسسات العسكرية والأعمال، أن العزيمة تمثل القاسم المشترك بين المتفوقين. فالأشخاص الذين يحققون نتائج استثنائية ليسوا بالضرورة الأكثر موهبة؛ بل هم غالباً الأكثر قدرة على الصبر والعمل المتواصل.

الإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه ويتعلم من أخطائه ويواصل العمل رغم الإحباط يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة (بيكسلز)

تجربة شخصية تعكس الفكرة

توضح دوكوورث هذه الفكرة من خلال تجربة شخصية وردت في مقدمة كتابها. فقد نشأت وهي تسمع والدها يكرر لها باستمرار: «أنتِ لستِ عبقرية». كان والدها شديد الاهتمام بفكرة الذكاء والعبقرية، ويقارن أبناءه بالعلماء الكبار، مثل ألبرت أينشتاين، معتقداً أن غياب العبقرية قد يحد من فرصهم في النجاح.

ولكن المفارقة أن دوكوورث نفسها حصلت لاحقاً على «منحة ماك آرثر» الشهيرة التي تُعرف أحياناً باسم «منحة العبقرية». وقد أثار هذا الأمر لديها تأملاً عميقاً؛ فهي لم تحصل على الجائزة لأنها الأذكى بين زملائها؛ بل لأنها درست العامل الحقيقي وراء النجاح. وقد خلصت بحوثها إلى أن الشغف والمثابرة قد يكونان أكثر تأثيراً من الذكاء أو الموهبة الفطرية.

هل يمكن تنمية العزيمة؟

تؤكد دوكوورث أن العزيمة ليست صفة ثابتة يولد بها الإنسان ثم تبقى على حالها. صحيح أن العوامل الوراثية والبيئة قد تلعب دوراً في تشكيلها، ولكن البحوث تشير إلى أنه يمكن تنميتها بالممارسة والعمل الجاد والمرونة.

فالإنسان الذي يحدد هدفاً واضحاً ويستمر في السعي إليه، ويتعلم من أخطائه، ويواصل العمل رغم الإحباط، يطوّر تدريجياً مستوى أعلى من العزيمة. ومع مرور الوقت، تصبح هذه الصفة عاملاً أساسياً في تحقيق النجاح.

التفوق الحقيقي

في النهاية، تقدم فكرة العزيمة فهماً مختلفاً للتفوق. فالنجاح لا يعتمد فقط على الذكاء أو الحظ؛ بل على القدرة على العمل المستمر والسعي طويل الأمد نحو هدف واضح. وقد لا يكون الإنسان الأذكى في المكان، ولكنه قد يكون الأكثر عزيمة، وهذا غالباً ما يصنع الفارق الحقيقي في تحقيق الإنجازات.