محمد النعاس: جعلت الخبز بطلاً وتعلمت كيف تفوح رائحته في السرد

الروائي الليبي الفائز بجائزة «البوكر» العربية لهذا العام

الروائي الليبي محمد النعاس
الروائي الليبي محمد النعاس
TT

محمد النعاس: جعلت الخبز بطلاً وتعلمت كيف تفوح رائحته في السرد

الروائي الليبي محمد النعاس
الروائي الليبي محمد النعاس

بدأ الروائي الليبي الشاب محمد النعاس زيارة للقاهرة يقوم خلالها بتوقيع روايته «خبز على طاولة الخال ميلاد»، في مناسبات عدة تنظمها له دار «صفصافة» للنشر. عن الرواية ومفاجأة فوزها بـ«البوكر» العربية لهذا العام، وشخوصها وعالمها الثري البسيط الذي يدور حول طرق أعداد الخبز وصناعته... هنا حوار معه:
> بدايةً، هل كنت تتوقع الحصول على جائزة «البوكر»، وكيف تلقيت الخبر؟
- لست أنا الذي قدم للجائزة؛ فالناشر هو من يرشح أعمال الكتاب، أما أنا فكان كل همي أن أطبع روايتي، وكان نشرها هو أكبر فرحة عندي، ولم أكن أتوقع أن تدخل القائمة الطويلة، لكن حين حدث ذلك قلت إن المسافة هكذا صارت قصيرة للحصول على التتويج.
> استخدمت السينما وأفلامها كمحفز للسرد والتعبير عن الشخصيات والكشف عن انفعالاتها... كيف ترى ذلك؟
- كثير من الأجيال الليبية، بما فيها جيل بطل روايتي، لديها ارتباط عميق بالأفلام، وهذا هو السبب في ظهورها في فضاء السرد، وقد دعمه أنني أتمتع بذاكرة سينمائية صورية أكثر منها كلامية سردية. ووجود هذه الأفلام بالذات في الحدث الروائي لدي يجيء بسبب أنها كانت منتشرة في تلك الفترة، كانت تجذب الشباب بخاصة، والليبيون، بصفة عامة، يتفاعلون معها منذ نهاية الستينات، وبداية السبعينات، وقد كان الفنان الليبي الراحل محمد الزوازي في الكثير من رسوماته الكاريكاتيرية يصور الليبيين وما يحدث منهم حول ثقافة السينما، وكان غالباً ما يركز على هذه الانفعالات، وهم يشاهدون هذه النوعية من الأفلام التي تتضمن مشاهد إثارة جنسية وحب وغراميات، كان جيل عم ميلاد يذهب إلى السينما لمشاهدة أفلام مثل «الكرنك» لسعاد حسني وغيرها من نجوم لأعمال سينمائية مصرية وعربية، وهذا بالمناسبة لم يتغير حتى الآن.
> لكن الفيلم التونسي «صيف في حلق الوادي» الذي شاهده ميلاد عندما سافر بصحبة عروسه كان من اختيار بنيامين الطرابلسي صاحب المطعم الذي استضافهما في بيته خلال قضائهما شهر العسل في تونس؟
- الطرابلسي اختار هذا الفيلم عن فلسفة؛ لأنه يتكلم عن التنوع، ويتضمن مجموعة مواقف محرجة لميلاد، الذي لم يستطع أن يتابع مشاهده الساخنة مع عروسه، وسعى للهروب من الموقف، وترك المكان من أجل الذهاب لدورة المياه، لكن الفيلم في موضوعه الأساسي يتكلم عن التنوع الثقافي في منطقة حلق الوادي في جنوب تونس العاصمة، وفكرة وضعه في الرواية كان لإحراج البطل أمام زوجته وليس لأي شيء آخر.
> الأغاني أيضاً لها دور في تعميق الأحداث وتأجيج مشاعر البطل وانفعالاته وإضاءة ملامح شخصيته؟
- الأغاني تعبّر عن «ميلاد» وجيله، وفيها نوع من التسجيل لتاريخ مشاعرهم وعلاقاتهم، وهو ما عبرت عنه أغنيات أحمد فكرون وغيره من مطربين، وكان الهدف منها أن يدخل القارئ في مزاجهم، لم أكن فقط أريد أن أعطي لمحة عن ما يسمعون، لكني كنت أريد أن أرسم صورة كاملة عن البطل ماذا يحب أن يأكل ويسمع ويشاهد.
> أظهرتَ بطل الرواية بأنه شخص يميل إلى إطاعة النساء، يطبخ ويغسل وينظف البيت ويكوي ملابس زوجته، ويوصلها إلى العمل ثم يعود لينشغل بأعمال المنزل حتى تعود... وهو نموذج به مسحة كاريكاتيرية في الواقع... كيف ترى ذلك؟
- ليس بالضرورة أن يكون عندي وجهة نظر لشخصية الرجل الليبي، وأنت حين تقرأ الراوية ترى أن الأحداث تتوالى من وجهة نظر ميلاد، فهو السارد لما يدور، يحكي بلسانه عن نفسه، وعن الآخرين، فكل الشخصيات التي تتحرك في العمل تأتي لك بعين ميلاد، وليس بالضرورة أن أقحم رأيي ككاتب في السرد، أنا أرفض أن أتدخل في التعبير عنه وعن باقي الشخصيات وما يجري لها وللبطل من مواقف هنا وهناك.
الجميل في شخصية ميلاد، أنه يتحدث كما يحلو له، فعندما ترى أن والده شخصية قاهرة فهذا يصل لك بعيونه، والفكرة أن الكاتب وهو يسطر الأحداث يدخل في أعماق شخصياته، ويمارس نفس دور الممثل، لكن بالإضافة إلى تشكيل وخلق الشخصية على الورق، حين كتبت شخصية ميلاد كنت في فضاء الكتابة أمثل دوره، فهل يعني أنني أوافقه في كل تصرفاته وكل ما يقول من كلمات وآراء، هذا أكيد ليس بالضرورة، فأنا أخالفه في تصرفات عدة، مثل قتل زوجته، هذا مسار الشخصية التي تعبّر عن إرادتها الكاملة في الرواية.
> لكن ماذا عن تشكيل الشخصيات ورسم ملامحها وتحريكها في روايتك؟
- الشخصيات كما قلت أنت تراها من وجهة نظر البطل، وهذا في جزء منه يعود للقارئ نفسه وهو يقرأ، هناك مثلاً من رأوا أن زينب شخصية سيئة، وهناك من كانوا يرون أن نعطي لها صوتاً لتعبّر عن نفسها؛ لأن منهم من انحاز لها وأحبها، وأرادها أن تتحدث عن نفسها، وتعبّر عن شخصيتها في الرواية، وهذا معناه أن رؤية العمل ترجع أيضاً للقارئ وتأويله، وميلاد حين تكلم عن والده تحدث عنه بكل حب، لم يتحدث عن عنفه وضربه له، ليقول، إن الأب يفعل ذلك منطلقاً من مشاعر شخص يكره ولده، بالعكس هو كان يفعل ذلك وهو يحبه، يريد أن يعمله كيف يصنع الخبز، وهو مشهد كان ميلاد كثيراً ما يسترجعه ويتأمله محبة في أبيه، لكن رغم كل شيء يظل النظر لشخصيات الراوية يخضع لوجهة نظر القارئ، وأنا لا أصادر على من رأين أنني صورت النساء الليبيات في الرواية بصورة سلبية، إما عاهرة أو متخلفة، والرواية في النهاية تتحدث عن مجتمع صغير، فأنا لم أقل إن روايتي تتكلم عن ليبيا ككل.
> على ذِكر ميلاد وملامح شخصيته، في الأحداث جعلته لا يستجيب لشيء من أبيه أو عمه أو العبسي الذين يمثلون شخصيات الرجال في الرواية، لكنك جعلته يتقبل نصيحة «خدوجة» المرأة التي تبيع أوقاتها لمن يدفع... هل هذا انحياز في شخصيته للنساء وتقديره لهن؟
- نصيحة «خدوجة» لميلاد بألا يغرر بامرأة باسم الحب ثم يتركها لتلاقي مثل مصيرها، لم تكن مؤثرة في سلوكه، ولم تكن لتغير ما فعله مع زينب وقراره بالزواج منها، فهو في الأخير كان سيتزوجها، وما جرى من حوار بينه وبين خدوجة كان مجرد لقطة شاعرية وحميمية لشخصية ينظرون لها في مجتمعاتنا غالباً كشيطانة تعمل على إفساد الرجال ونشر الرذيلة في المجتمع، في النهاية تظهر شخصية ميلاد في تركيبتها رافضة التخلي عن الحبيبة، فلم يترك زينب في العراء، ويذهب للزواج بأخرى.
> في تشكيل شخصية زينب لا تظهر مؤثرات لها سوى في أحاديثها مع عمها الفنان ومشاهدتها للوحاته التي تنتشر على جدران بيته، وقناعاته التي منها أنه لا يتحفظ على علاقة المرأة بالرجل الذي تحبه ولا يراها خطأ؟
- الراوية كما قلت مكتوبة من خلال وجهة نظر ميلاد، وظهور كل الشخصيات وتحركها في فضاء النص يأتي ضمن تصوراته لها، فهو يحكي ويخبر عنها، ويوجه السرد ويروي الأحداث، وليس لدي تفاصيل عن زينب إلا ما يرويه، فهو المتحكم، ولا يمكن أن أقول إنها خانته، فلا شيء واضحاً في الرواية يقول ذلك، وأي تفاصيل أخرى يمكن اقتراحها عن زينب لن تخدم النص، كما أن علاقة ميلاد مع عائلة زينب لم تكن عميقة ليخبرنا عنها أكثر مما قال، وهي تعبّر عن واقع غالب في ليبيا، فعلاقة الزوج الليبي مع عائلة امرأته ليست عميقة مثل علاقة الزوجة مع عائلة زوجها، يمكن أن تلاحظ أيضاً في الرواية ملمحاً آخر، وهو أن عائلة ميلاد تظهر عميقة في الرواية، والسبب علاقة زوجته بهم، سواء بأمه أو بأخوته البنات، أما حكاية أن تظهر لحياة زينب تأثيرات في الرواية ومسار شخصياتها فهذا غير مهم وليس بالضرورة حدوثه.
> حديثك في الرواية عن مهنة ميلاد ووالده وعشقهما للخبز وتشكيل المخبوزات من أين جاءت لك الخبرة التي أفردت لها كثيراً من الشرح في طرق العمل وكيفيات صناعة الرغيف؟
- الحقيقة، أنا قبل الرواية لم يكن لي علاقة بالخبز، لكنني حين قررت كتابتها اضطررت إلى الانخراط في عملية الخبازة، وأثناء شغلي على الرواية بدأت في تعلم صناعة الرغيف وتشكيل العجائن، وكانت القراءة والبحث جزءاً من الوسائل التي زودتني أيضاً بالمعلومات اللازمة لتشكيل شخصية ميلاد بوصفه خبازاً، وقد سعيت لأن أجعل من صياغة العجين وإنضاجه كما لو كانت رمزاً لعملية إبداعية مثل التأليف الموسيقي والكتابة وأي نوع من الفنون عموماً، ويمكن أن تلاحظ أن البطل وهو يقوم بعمل مخبوزاته يصير شخصية مختلفة عما يكون في الطبيعة وهو يعمل أي شيء آخر.
> لكن ألا ترى أن الشخصيات في الرواية كان من الممكن أن تكون أكثر ثراءً لو تحدثت بلسانها، دون أن يكون هناك سيطرة لميلاد على الأحداث؟
- في هذه الرواية لا أرى ذلك، يمكن أن يكون لهذا التكنيك الذي تقترحه فائدة في عمل آخر، لكني لو كنت جعلت كل شخصية تتحدث عن نفسها بداية من الأب، والعم وابن العم، والقائد العسكري وزينب ربما كان تشتت الرواية وتبعثر أحداثها، مع ذلك يمكنك أن ترى أصوات للشخصيات من خلال الحوارات وما توجهه لميلاد من أقوال، وقد أخذت هذه المسألة كفايتها وأدت دورها في حضور الشخصيات وهي تعبّر عن نفسها، فالرواية ليست لهم ولكنها لميلاد، الشخص الذي ليس له صوت في المجتمع الليبي، المثل نفسه الذي يعد عموداً فقرياً في تحفيز الحدث، والذي يقول «عيلة وخالها ميلاد» رافضاً أن يكون له صوت، وقد جاءت الرواية لتعطيه صوته وتعبر عنه بوصفه خبازاً، وقد جعلت الخبز بطلاً رئيسياً في العمل تفوح رائحته في كل مكان ويسيطر بمناخاته على أي أفق يتواجد فيه البطل.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
TT

«مهرجان عفت السينمائي» يُوسِّع التبادل الثقافي بـ2700 فيلم عالمي

الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)
الأميرة نورة بنت تركي الفيصل تتوسط الفائزين في المهرجان وضيوف الشرف ولجنة التحكيم (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس تحوُّلاً يتجاوز حدود الشاشة، مثَّل ختام الدورة الثالثة عشرة من «مهرجان عفت السينمائي الدولي لأفلام الطلاب» تجسيداً حياً لمسار ثقافي تتشكل ملامحه في السعودية، حيث تتحول السينما من وسيلة عرض إلى لغة تعبير، ومن تجربة تعليمية إلى صناعة قائمة بذاتها.

على مدار ثلاثة أيام في جامعة عفت بمحافظة جدة (غرب السعودية)، تلاقت أصوات طلابية من مختلف أنحاء العالم، عبر أكثر من 2700 فيلم، بينها 70 عملاً سعودياً، في رقم يعكس تصاعد حضور المهرجان دولياً، ويؤكد في الوقت ذاته أن المشهد السينمائي المحلي بات جزءًا من حوار عالمي أوسع.

مع افتتاح المهرجان، وصفت الأميرة نورة بنت تركي الفيصل هذا الحراك بأنه مؤشر على «تحول نوعي» في وعي الجيل الجديد، وقدرته على التعبير عن قصصه برؤية تجمع بين الأصالة والطموح العالمي، في إشارة إلى أن السينما لم تعد نشاطاً فنياً فحسب، بل أداة لقراءة الذات وإعادة تقديمها.

هذا المعنى يتقاطع مع ما أكدته الدكتورة هيفاء جمل الليل، رئيسة الجامعة، التي رأت أن مخرجات الدورة الحالية تعكس نضجاً إبداعياً واضحاً، سواء في جودة الأعمال أو تنوع موضوعاتها، معتبرة أن ما يقدمه الطلبة اليوم يعكس بيئة تعليمية قادرة على احتضان الإبداع، وتحويله إلى ممارسة مهنية مرتبطة بسوق العمل وصناعة الإعلام.

من جانبه، يقرأ الدكتور محمد غزالة، رئيس مدرسة الفنون السينمائية، هذا التطور بوصفه نتيجة مباشرة لربط التعليم بالصناعة، مشيراً إلى أن المهرجان لم يعد منصة عرض فقط، بل مساحة نقدية وتطبيقية تتيح للطلاب اختبار أدواتهم، وتطوير لغتهم السينمائية، بعيدًا عن التصورات السطحية للنجومية.

جوائز تعكس تحولات الذائقة

في حفل الختام، عكست قائمة الفائزين ذلك التنوع، حيث حصد فيلم «ليلة الشهب» من إنتاج جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن جائزتي أفضل فيلم رسوم متحركة سعودي مُقدَّمة من «أكاديمية إم بي سي»، وأفضل فيلم عن الثقافة السعودية، فيما فاز «صرخة نملة» للمخرجة الجين سلام بجائزة أفضل فيلم سعودي، وحصل «من تراب» للمخرجة دانا القدهي على جائزة أفضل فيلم عن الثقافة السعودية.

كما فاز الطالب عبد الله القرني من جامعة الملك عبد العزيز بجائزة أفضل فيلم وثائقي سعودي عن «أثرنا خالد»، بينما حصد «انبعاث» للمخرج أحمد علي نجمة من جامعة الملك فيصل جائزة أفضل فيلم سعودي عن الثقافة السعودية.

وعلى المستوى الدولي، توزَّعت الجوائز بين نيبال وفرنسا، في دلالة على تنوع الخطاب السينمائي المشارك، واتساع دائرة التبادل الثقافي داخل المهرجان.

ربط التجربة بالجيل الجديد

في لفتة تعكس توجه المهرجان نحو ربط الطلاب بصنّاع التجربة، كرّم المهرجان الفنان المصري أحمد حلمي، ضيف شرف هذه الدورة، تقديراً لمسيرته، إلى جانب الفنان السعودي عبد المحسن النمر، وعدد من الخبراء الدوليين.

وفي قراءة للحراك الثقافي في المملكة، قال حلمي لـ«الشرق الأوسط» إن السينما تُمثِّل «عنصراً مهماً جداً في خلق الهوية أو عرض هوية موجودة»، معتبراً أن ما تشهده السعودية اليوم يأتي في توقيته الطبيعي.

وأضاف: «نحن الآن نقف في جامعة تدرس سينما وفنون، ويوجد بها طلاب يتعلمون، ومهرجان فيه أكثر من 2700 فيلم من أنحاء العالم... هذا نشاط كبير جداً، والقادم سيكون أكبر وعلى مستوى أعلى».

وعن اختياراته الفنية، أوضح أنه يبحث عن الأعمال التي تحمل تحدياً أو تُقدِّم جديداً، سواء في القصة أو الشخصية، مشيراً إلى أن ابتعاده عن الدراما التلفزيونية ليس قراراً نهائياً، بل انتظار لعمل مناسب يُنفذ بإتقان بعيداً عن ضغوط المواسم.

السينما... من التعليم إلى الصناعة

ورغم التحديات التي واجهت هذه الدورة، أكدت الدكتورة أسماء إبراهيم، عميدة كلية العمارة والتصميم والمدير الإداري للمهرجان، أن فرق العمل نجحت في الحفاظ على مستوى الجودة، بما يعكس مرونة تنظيمية تعزز استمرارية هذا الحدث.

ويعكس مهرجان عفت السينمائي مؤشراً على تحول أوسع، حيث تتقاطع المؤسسات التعليمية مع الصناعة، ويتحوّل الطلاب من متلقين إلى صُنَّاع محتوى.


حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
TT

حسين فهمي يُعلن عن شراكة إعلامية بين «القاهرة السينمائي» والصين

حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)
حسين فهمي وفان ليو نائب «مجموعة الصين للإعلام» (مهرجان القاهرة السينمائي)

أعلن الفنان المصري حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي»، عن شراكة إعلامية موسعة مع «مجموعة الصين للإعلام» (CMG). وجاء ذلك خلال وجوده حالياً في الصين؛ حيث التقى فان يون، نائب رئيس التحرير في المجموعة، لبحث أطر شراكة إعلامية تضمن تغطية الدورة السابعة والأربعين من المهرجان، المقرَّر إقامتها في الفترة من 11 إلى 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

وأشار فهمي إلى أهمية هذه الخطوة، مؤكداً أن الإعلام يُمثّل الجناح الآخر لنجاح أي حدث ثقافي، وأن مهرجان القاهرة يحرص على تجاوز الحدود الجغرافية.

وقال في بيان، الخميس، إن العمل مع «مجموعة الصين للإعلام» يوفر منصة استثنائية لنقل رسالة المهرجان وأجوائه إلي ملايين المشاهدين بالقارة الآسيوية، فيما قال فان يون إن القاهرة السينمائي يحظى بمكانة تاريخية، متطلعاً لبناء شراكة قوية تتيح للجمهور الصيني التعرف عن قرب على المشهد الفني العربي.

وتجاوز حسين فهمي شائعات انطلقت حول استبعاده من رئاسة «مهرجان القاهرة السينمائي»، وترشيح فنان آخر لرئاسة الدورة المقبلة، وكانت وزارة الثقافة المصرية (الجهة المنظمة للمهرجان) قد أعلنت في تصريحات صحافية للوزيرة الدكتورة جيهان زكي عدم صحة هذه الشائعات، وأكدت تجديد الثقة في الفنان حسين فهمي، رئيس «مهرجان القاهرة السينمائي الدولي»، الذي التقته قبل سفره لتصوير فيلم سينمائي بالصين، وناقشت معه خطط تطوير المهرجان بما يُعزز مكانته بوصفه أحد أبرز المهرجانات السينمائية.

فهمي خلال لقائه وزيرة الثقافة (وزارة الثقافة)

وأثارت هذه الشائعات قدراً من البلبلة في الأوساط الصحافية، لكنها لم تؤثر على المهرجان؛ حيث يجري العمل بشكل طبيعي استعداداً للدورة المقبلة. وأكد الناقد محمد طارق، المدير الفني لـ«مهرجان القاهرة السينمائي الدولي» لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يتم وفق الخطط التي جرى وضعها لتنفيذ المهام المختلفة؛ حيث تقوم لجان المشاهدة بعملها منذ بداية العام، كما تعقد اجتماعات فريق البرمجة بشكل دائم، ويتابع الفنان حسين فهمي، رئيس المهرجان خلال سفره كل كبيرة وصغيرة تتعلق بما يتم إنجازه يومياً.

وأضاف طارق أن الخبر الذي نشره أحد المواقع لا أساس له من الصحة، وأرى أن أكبر نفي له صدر من الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، مبدياً ضيقه ممن يحاولون إثارة البلبلة بنشر شائعات لا أساس لها من الصحة.

حسين فهمي والمخرجة الصينية شيو وي خلال تصوير الفيلم (حسابه على «فيسبوك»)

في السياق؛ يواصل الفنان حسين فهمي تصوير الفيلم الصيني «The Story I Found In China» أو «القصة التي عثرت عليها في الصين»، وهو فيلم يجمع بين الوقائع الحقيقية والأداء التمثيلي، ويجري تصويره بعدة مدن صينية، من بينها، بكين، وهانغتشو، وسوتشو، ويطرح الفيلم نظرة مختلفة عن الثقافة الصينية من خلال تجارب البطل التي يمر بها في رحلته بين المدن، وهو من إخراج شيو وي، وإنتاج شبكة تلفزيون الصين الدولية.

وقال فهمي في تصريحات لشبكة «CGTN» العربية التي تصدر من الصين، إن «هذا الفيلم يُمثل تحدياً جديداً في مسيرته»، وعَدّه فرصة لتعزيز التبادل الثقافي بين مصر والصين، كاشفاً عن أنه يؤدي شخصية رجل من الشرق يروي قصصاً من «ألف ليلة وليلة»، معبراً عن سعادته بهذا العمل.


نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

نقل مجموعة فريدا كاهلو الفنية إلى إسبانيا يثير احتجاجات في المكسيك

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)
لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

استقطبت مجموعة فنية مكسيكية عريقة من القرن العشرين، تضمّ كنزاً من لوحات الفنانة فريدا كاهلو، عشرات الآلاف من الزوار إلى متحف الفن الحديث في مكسيكو سيتي خلال الأسابيع الأخيرة. وتوافد حشود قياسية لمشاهدة نحو 70 قطعة من مجموعة جيلمان المرموقة، التي لم تُعرض في المكسيك منذ ما يقارب 20 عاماً. لكن بالنسبة للعديد من عشاق الفن، لا يُمثّل المعرض عزاءً يُذكر؛ ذلك لأنّ الأعمال الفنية مُقررٌ نقلها من المكسيك في يوليو (تموز)، حيث ستُشحن إلى إسبانيا بموجب اتفاقية بين مالكها المكسيكي، عائلة زامبرانو الصناعية البارزة، وبنك سانتاندير الإسباني، الذي سيتولى إدارة المجموعة خلال فترة وجودها في الخارج.

لوحة فريدا كاهلو الأخيرة «صورة شخصية نصفية» بعنوان «دييغو وأنا» بـ«دار سوذبيز» للمزادات في 2021 بنيويورك (أ.ف.ب)

وأثار اتفاق نقل المجموعة الفنية، التي جمعها في الأصل جاك وناتاشا غيلمان، وهما زوجان مهاجران من أوروبا الشرقية يتمتعان بشهرة واسعة، غضب النخبة الثقافية في المكسيك. ويقولون إن هذا الاتفاق يحرم المكسيكيين من كنز فني ثمين، ويخالف قوانين التراث الثقافي التي تمنع خروج الأعمال الفنية المهمة من البلاد على المدى الطويل. ووقّع نحو 380 أكاديمياً وفناناً وشخصية ثقافية أخرى رسالة نُشرت على موقع «دي موسيوس» الفني المكسيكي في مارس (آذار)، مطالبين حكومة الرئيسة كلوديا شينباوم بتوضيح أسباب السماح لهذه الأعمال بمغادرة البلاد. وفي رسالة منفصلة، ​​دعوا المتاحف في النرويج وسويسرا وألمانيا، التي تستضيف معارض قادمة لأعمال فريدا كاهلو، إلى «التضامن» في الدفاع عن حقوق المكسيكيين. وكتبت المجموعة في الرسالة الثانية، المنشورة على منصة «إي-فلوكس» الفنية: «لقد حُرم جيل كامل في المكسيك من الحضور الدائم الذي كان يطمح إليه المالكون الأصليون لهذه المجموعة».

وفي إطار الاتفاقية المبرمة بين بنك سانتاندير وعائلة زامبرانو من شمال المكسيك، ستُعرض الأعمال الفنية في متحف فارو سانتاندير، الواقع في شمال إسبانيا، والمقرر افتتاحه في يونيو (حزيران). وستُعرض إلى جانب أعمال فنية من مجموعة مؤسسة «سانتاندير» التي تضم نحو ألف قطعة. وقال مصدر مُقرّب من عائلة زامبرانو، طلب عدم الكشف عن اسمه لعدم تخويله بالتصريح علناً في هذا الشأن، إن قيمة مجموعة جيلمان تُقدّر بمئات الملايين من الدولارات. وأضاف المصدر أن قيمة التأمين عليها «أقل من مليار دولار». وتتمحور الاعتراضات على اتفاقية «سانتاندير» حول القواعد التي تهدف إلى الحفاظ على أعمال نحو عشرة فنانين مكسيكيين بارزين من القرنين التاسع عشر والعشرين داخل البلاد.

وقد أُعلن فن فريدا كاهلو «معلماً فنياً» عام 1984، ولا يُمكن لأي عمل من أعمالها الموجودة في المكسيك آنذاك أن يُغادر البلاد نهائياً، مع إمكانية إعارته لمؤسسة أجنبية لمدة تصل إلى عامين. ويمكن بيع الأعمال الفنية شريطة بقائها في المكسيك. ولسنوات ظل مصير المجموعة غامضاً إلى أن كشف بنك سانتاندير في يناير (كانون الثاني) أن عائلة زامبرانو قد اشترتها عام 2023.

ومن جانبه، قال جيراردو إسترادا، المدير العام السابق للمعهد الوطني للفنون الجميلة والآداب في المكسيك، إن خطة نقل مجموعة جيلمان إلى إسبانيا «مؤسفة للغاية». وأضاف أن تصريحات مسؤولين إسبان ومكسيكيين حول إمكانية بقاء المجموعة في إسبانيا لخمس أو عشر سنوات قد أثارت «شكوكاً وشائعات»، مفادها أن المجموعة قد لا تعود لسنوات عديدة. وأوضح إسترادا أن المجموعة أصبحت «أسطورة» بالنسبة للمكسيكيين؛ فهي «عزيزة عليهم جداً».

وفي الواقع، استقطب معرض «حكايات حديثة» في متحف الفن الحديث ما يقرب من 120 ألف زائر منذ افتتاحه في منتصف فبراير (شباط)، وفقاً لما ذكرته أليخاندرا دي لا باز، المديرة العامة الحالية للمعهد الوطني للفنون الجميلة والعمارة. وتشمل معالم الجذب لوحة زيتية على خشب مضغوط من عام 1943 للفنانة كاهلو بعنوان «صورة ذاتية (دييغو في ذهني)»، ولوحة «صورة ذاتية (مع قلادة)» من عام 1933، بالإضافة إلى أعمال دييغو ريفيرا، وخوسيه كليمنتي أوروزكو، وديفيد ألفارو سيكيروس، وغونتر جيرزو، وماريا إزكويردو، وجميعهم أعضاء رئيسيون في الحركة الحديثة.

* خدمة «نيويورك تايمز»