مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

القراءة صارت صراعاً لا ينتهي مع البيانات الكبيرة

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
TT

مكابدات القارئ مع الوفرة الرقمية

«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب
«أمازون» أكبر متجر لبيع الكتب

جرّبت الروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي Elena Ferrante، مؤلفة الرباعية النابولية، كتابة مادة صحافية أقرب لعمود أسبوعي في صحيفة «الغارديان» البريطانية ذائعة الصيت. وفّرت لها الصحيفة كل أسباب الدعم والانتشار، ومن ذلك مثلاً نشر مادتها الأسبوعية كل يوم سبت، وهو يوم عطلة أسبوعية يغري معظم الناس بالقراءة. لم تتحمل فيرانتي الكتابة أكثر من عام واحد (هو عام 2019)، وأنهت ذلك الالتزام الأسبوعي بكتابة مقالة أخيرة أبدت فيها السبب الذي دفعها للتوقف عن الكتابة للصحيفة، وذلك أنها اعتادت مكابدة القلق والترقب والانتظار عقب نشر كل رواية جديدة لها، وهو ما يحصل كل بضع سنوات تكون خلالها منصرفة للكتابة من غير ضغوط معيقة؛ أما الكتابة الأسبوعية في صحيفة عالمية فكانت أشبه بكابوس لم تعُد تطيق تبعاته؛ إذ ما إن يُنشَر لها عمود جديد حتى تقع فريسة عبأين اثنين: ملاحقة ردّات أفعال القرّاء على مقالتها، والتفكير بمقالتها الجديدة في الأسبوع اللاحق. ليس ثمة من فسحة للاستجمام الذهني والاسترخاء النفسي أبداً مع أي شكل من أشكال الفعاليات الثقافية الأسبوعية المكتوبة للصحافة.
جالت بخاطري المعاناة التي أسهبت فيرانتي في وصفها وأنا أقرأ المادة اليومية التي دأب على كتابتها الأستاذ سمير عطا الله في «الشرق الأوسط» منذ خمس وثلاثين سنة! أكاد أقول –بيقين- إن كتابة المقالة اليومية للكاتب عطا الله هي بعضُ أسباب سعادته في هذه الحياة؛ ولعلها السبب الأكبر لها. الكتابة كنز سعادة لا ينضب لمن عرف مسرّاتها وقدراتها الحقيقية والميتافيزيقية، وهي بهذا الوصف تصبح عند بعض البشر قرينة الوجود الإنساني النبيل والمكتمل. تساءلت: ما الذي يمكن أن يقوله كاتبٌ بعد عمر كامل قضاه في الكتابة؟ والأمر الأكثر أهمية: ما الذي يمكن أن يقوله كاتب على نحو يومي منتظم لعقود طويلة؟ تبدو لي الكتابة الحقيقية -والمعرفة بعامة- مثل نبع ماء أزليّ كلّما شربنا منه ازددنا ظمأً ورغبة في استكشاف المجهول. لا الظمأ يخف ولا المعرفة تتضاءل ولا الشغف يخفت، ورقعة المجهول تزداد اتساعاً وتكون مبعث رهبة في عقل الكاتب والقارئ معاً.
يُختص الكاتب عطا الله بميزة قدرته على تمرير رسائل ثقافية واستراتيجية شديدة الأهمية في سياق مقالة يومية مكتوبة برشاقة تضمر دسامة وثقلاً معرفياً لا يخفى على القارئ. لنلاحظ مثلاً هذه العبارة التي وردت في متن مقالته الموسومة «في الطريق إلى جدة: حفظ الآداب»: «... فالرئيس الأميركي في الطريق إلى جدة سوف يكتشف أنّ العملاق الآسيوي قد تجاوز جميع المخيلات. ثلاثية عجيبة من أكبر دولتين في العالم، الصين والهند، وبينهما سنغافورة، أصغر دول العالم. سوف تصرف أميركا خلال 8 سنوات 1.2 تريليون دولار على البنية التحتية. فكم هو الرقم في الصين خلال عام واحد؟ 2.3 تريليون دولار. مثلٌ آخر: قبل 20 عاماً لم يكن لدى الصين شبكة قطارات سريعة، الآن تملك شبكةً توازي في حجمها ثلثي شبكات العالم أجمع...».
إنّ قراءة مثل هذه المعلومة تستوجب عند القارئ الشغوف مراجعة الأدبيات المنشورة بشأن سباق القوى الموصوفة بـ«القوى العظمى» في ميادين شتى منها: البنى التحتية والذكاء الصناعي وسباق الفضاء والروبوتات، إلخ؛ ولك أن تتصور كيف سيكون الحال إذا ما استوجبت قراءة مائة مقالة من مقالات عطا الله مراجعة مائة عنوان لكتاب أو مادة بحثية علمية أو تاريخية أو اقتصادية؟
أحالتني مقالة عطا الله المذكورة أعلاه إلى كتاب عنوانه «القوى العظمى للذكاء الصناعي: الصين، وادي السليكون، والنظام الدولي الجديد»، كتبه كاي – فو لي Kai – Fu Lee أحد مطوري الأعمال الصينيين ورئيس معهد للذكاء الصناعي. راق لي عنوان الكتاب فاعتزمت استزادة المعرفة عنه في موقع «أمازون» العالمي. صارت معاينة الإصدارات الجديدة من الكتب -بالنسبة لي، ولكثيرين أمثالي- عذاباً بمثل ما هي لذّة عظيمة: يذهبُ أحدنا لموقع «أمازون» لقراءة ملخّص تعريفي (Preview) عن كتاب ما ومعاينة محتوياته، فإذا به يَعلق في سلسلة لا نهائية من كتب يرى الموقع أنها تشترك مع الكتاب المطلوب في طبيعة موضوعها، وقد حصل معي كثيراً أن بدأتُ بعنوان محدّد لكتاب، ثمّ انتهيت بكتب لم يخطر ببالي يوماً أنني سأراجعها، وتتعاظمُ آثار هذه الظاهرة عندما يكون المرء مهتماً بحقول معرفية كثيرة، وتتضاعف المعاناة أضعافاً مضاعفة إذا ما كانت للمرء اهتمامات بالترجمة متعددة الجوانب.
ليست بعيدة تلك الأوقات قبل عقود عدّة عندما كنّا نقاتل حقاً، للحصول على كتاب ورقي جديد يعزز معرفتنا وكنوز مكتباتنا. كنّا نبذل الكثير من الوقت والمال عن طيب خاطر لنحصل على كتاب بخاصة إذا ما كان عنوانه يفتح لنا منافذ المعرفة الرفيعة التي لا نرتوي من منابعها، وليست قليلة تلك الكتبُ التي سعينا للحصول على نسخة منها عبر مكاتبة بعض الأصدقاء، وكم كنّا في تلك السنوات نسرع كل بضعة أيام لتفقّد صناديقنا البريدية بلهفة متوقّعين العثور على كتاب سمعنا به وأحببناه.
تغيّرت هذه الحال اليوم بفعل الثورة الرقمية وصارت طيوفاً قابعة في ذاكرة الأمس. ليس هذا غريباً؛ فكل ثورة تقنية تأتي بطائفة مستجدة من الخبرات فيما تجعلُ بعض الخبرات السابقة خارج نطاق التداول البشري. إذا أردتَ اليوم قراءة كتاب ما في أي حقل معرفي فلا تحتاجُ لأكثر من الذهاب إلى موقع «أمازون» الأكثر شهرة في العالم، ثمّ تطلب عنوان كتابك، وإذا أُتيحت لك خدمة الدفع الإلكتروني فسيكون الكتاب في حوزتك بعد ثوانٍ من تسديد قيمته، وهي قيمة عادية في كلّ الأحوال ولا تثقل جيباً أو تخلّ بميزانية شهرية. هذه بعضُ حسنات الثورة التقنية لمن أدمنوا القراءة، لكنّ هذه الحسنة الجميلة لم تأتِ خالية من بعض المنغّصات التي تقترنُ بجميع الثورات التقنية. أساس المنغّصات هنا يكمنُ في الوفرة التي حلّت بعد شُحّة مديدة.
ماذا بوسع المرء أن يفعل إزاء هذه المنغّصات وقد صارت حقيقة واقعة؟ علّمتني خبرتي المتراكمة أنّ أفعالاً بسيطة يمكن أن تفيد في مواجهة تسونامي الكتب الرقمية.
أولاً: عندما تعتزمُ قراءة كتاب تحبه انسَ أمر المواقع الرقمية (بما فيها موقع «أمازون»). الحرصُ على اجتناء أعظم فائدة من كتاب واحد تحبه أفضل من تشتيت الوقت في قراءات تعريفية مبعثرة أو قراءات سريعة مختصرة لكتب كثيرة.
ثانياً: لا تدع الوفرة تقتل الشغف؛ فتكون كمن جاع دهراً ثمّ وجد نفسه أمام مائدة شهية حافلة بأطايب الطعام فما عاد يدري ماذا يأكل وكم يأكل، وصار يخاف أن تقتله التخمة. الموت من وفرة أعقبت جوعاً قديماً هو أسوأ أنواع الميتات لأنها ميتة غير مقبولة ولا مبررة.
ثالثاً: غصة كبيرة يختنق بها المرءُ عندما يدرك أنه سيغادرُ هذه الحياة وهو لم يقرأ الكثير من الكتب التي أصبحت مُتاحة والتي حلم بقراءتها في أزمنة ماضية، تلك حقيقة مؤكدة لدى كل عاشق حقيقي للكتاب؛ لكنك لستَ وحدك في هذا الأمر. معظمُ سكان العالم من القارئين الشغوفين يشاركونك هذا الشعور المؤلم، لكن ليس من المجدي إضاعة جمال اللحظة الحاضرة في توجّع نوستالجي يفسدُ ثراء الحاضر. هذا هو حال التطور التقني الذي يأتي في مواقيت محسوبة لا نستطيع لها تغييراً بفعل التمنيات، ثمّ إنّك في النهاية أفضلُ حالاً من تلك الملايين الكثيرة من نظرائك البشر الذين غادروا الحياة بفعل عدوى بكتيرية يمكنُ اليوم علاجها بتكلفة يسيرة وجهد طبي يتوفر في أفقر مناطق العالم.
في الختام، سيبقى سحرُ الكتاب في المملكة الإلكترونية التي نعيشها؛ لكنّ شكل وعنفوان هذا السحر وطبيعته تغيّر في جوهره بسبب الوفرة. الوفرة بَرَكة بالتأكيد، ولا ينبغي أبداً أن نجعل من هذه الوفرة عبئاً تنوء به عقولنا.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
TT

ساشا فايدر: استلهمت فيلم «حين يسقط الضوء» من وفاة أمي

قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)
قدم الفيلم تجربة إنسانية نالت ردوداً إيجابية بالمهرجان (الشركة المنتجة)

في فيلمه الروائي الأول «حين يسقط الضوء» يقترب المخرج الألماني ساشا فايدر من أكثر اللحظات إنسانية وهشاشة في حياة أي أسرة، وهي لحظة انتظار الفقد. لا يذهب الفيلم إلى الميلودراما ولا يعتمد على مشاهد صاخبة أو انفعالات حادة، بل يختار منطقة الصمت الذي يسبق الوداع، والإنكار الذي يسبق الاعتراف.

تدور أحداث الفيلم، الذي عرض للمرة الأولى عالمياً ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي»، في أطراف العاصمة الألمانية، حيث يعيش «إيلاي»، فتى في السادسة عشرة، حياة تبدو عادية في ظاهرها، يعمل في مركز لوجيستي، يؤدي خدمة مجتمعية، يلتقي أصدقاءه عند البحيرة، ويتصرف كما لو أن العالم يسير بإيقاعه الطبيعي، لكن داخل البيت، هناك زمن آخر، والدته «ماريا» ترقد في أيامها الأخيرة، جسدها يضعف بهدوء، بينما يرفض الابن أن يمنح الفكرة اسمها الحقيقي.

الفيلم لا يلاحق المرض بوصفه حدثاً طبياً، بل يلاحق أثره النفسي، «إيلاي» لا يبكي ولا ينهار، بل يتعامل بشكل مغاير، يسهر ليلاً، يتجول في المدينة بلا هدف، كأنه يحاول أن يهرب من جدران البيت التي تذكّره بما يحدث. في لحظة اندفاع، يسرق كلباً في تصرف يبدو عبثياً، لكنه في العمق محاولة للتشبث بالحياة، أو لإثبات أن شيئاً ما زال تحت سيطرته.

ركز العمل على جوانب إنسانية عدة - الشر(الشركة المنتجة)

لا يقتصر البناء الدرامي على علاقة الأم بابنها، بل يمنح مساحة شديدة الأهمية لشخصية «آنا»، الممرضة المكسيكية التي تتولى رعاية ماريا في أيامها الأخيرة، فهي عنصر توازن إنساني بين طرفين يتعاملان مع الموت بطريقتين متناقضتين.

«ماريا» تقترب من النهاية بهدوء مستسلم، و«إيلاي» يهرب منها بإنكار صامت، بينما تقف «آنا» في المنتصف، تعرف الحقيقة، تعترف بها، لكنها تحاول أن تجعلها أقل قسوة، فهي الشاهد الأكثر قرباً على التحول البطيء في الجسد، وعلى التصدع الذي يصيب الابن من الداخل.

يقول المخرج الألماني ساشا فايدر لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة الفيلم انطلقت من تجربة شخصية، بعد وفاة والدته التي كانت لحظة فاصلة في حياته، لكنها لم تتحول إلى حكاية مباشرة على الشاشة، مشيراً إلى أن ما شغله لم يكن حدث الرحيل ذاته، بل الأيام التي سبقته، حين يعيش الإنسان بين تصديق الحقيقة ورفضها في الوقت نفسه.

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين (الشركة المنتجة)

وأوضح أن فقدان والدته جعله يعيد التفكير في معنى الزمن، لأن الساعات الأخيرة لا تُقاس بالدقائق، بل بثقلها العاطفي، معتبراً أن أصعب ما مرَّ به لم يكن إعلان الوفاة، بل الشعور بالعجز أمام معاناة شخص يحبه، وهو إحساس حاول أن ينقله إلى شخصية «إيلاي» من دون مبالغة أو خطاب مباشر.

وأضاف أن الإنكار في الفيلم ليس موقفاً فكرياً، بل رد فعل إنساني غريزي، لأن كثيرين، خاصة في سن المراهقة، لا يعرفون كيف يواجهون فكرة الفقد، فيختارون الهروب أو التصرف بعدوانية صامتة، مشيراً إلى أن «إيلاي» لا يرفض أمه، بل يرفض فكرة غيابها، ولهذا يتمسك بإيمانه بأن الموت ليس نهاية حاسمة.

وفاة والدة المخرج سبب إلهامه بفكرة العمل (الشركة المنتجة)

وأشار فايدر إلى أنه تعمَّد الابتعاد عن المشاهد العاطفية التقليدية، لأن الحزن الحقيقي غالباً ما يكون هادئاً وأكثر اللحظات صدقاً في حياته لم تكن تلك التي انفجر فيها بالبكاء، بل تلك التي شعر فيها بفراغ داخلي عميق، لا يجد له تفسيراً. لذلك ترك مساحات واسعة للصمت في الفيلم، معتبراً أن الصمت أحياناً أبلغ من أي حوار.

وتحدث المخرج عن علاقته بوالدته، قائلاً إنها «لم تكن فقط مصدر إلهام، بل كانت سبباً في إعادة صياغة نظرته إلى الحياة»، لافتاً إلى أن السينما منحته فرصة لفهم مشاعره بدلاً من الهروب منها، وأن «حين يسقط الضوء» هو محاولة لمصالحة داخلية أكثر منه استعادة لذكرى شخصية.

يؤكد ساشا فايدر أن العمل مع ممثلين غير محترفين كان أحد أكبر التحديات في فيلمه، إذ يعتمد بشكل أساسي على اختيار وجوه من الشارع بدلاً من الأسماء المعروفة، وهي عملية لا تتم بسرعة، بل تمتد لما يقارب سنة ونصف إلى عامين، وتتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة.

المخرج الألماني (مهرجان برلين)

ويشير فايدر إلى أن اختيار الممثلين يتم عبر عملية منظمة تشمل تجارب أداء وبروفات متعددة، إلى جانب فريق متخصص في البحث عن مواهب جديدة في أماكن مختلفة، من الشارع إلى المؤسسات مثل المستشفيات، حيث تم اختيار إحدى المشاركات في الفيلم. بعد ذلك يخضع المتقدمون لاختبارات وتدريبات قبل أن يُحسم القرار النهائي بناء على مدى الانسجام بينهم وقدرتهم على الاندماج في العالم الذي يبنيه الفيلم، وهو مسار يتطلب دقة وحساسية كبيرة في التعامل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى.


خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
TT

خالد سرحان: «المداح 6» ملحمة درامية مليئة بالأحداث

خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)
خالد سرحان يشارك في دراما رمضان (صفحته على «فيسبوك»)

أكد الممثل المصري، خالد سرحان، أن وجوده في الدراما الرمضانية بتجربتين مختلفتين أمر لم يكن مخططاً له في البداية، لكنه جاء بالمصادفة، لحماسه للمشاركة في «المداح 6»، و«وننسى اللي كان»، مع اختلاف طبيعة الدورين اللذين يقدمهما.

وعن مشاركته في مسلسل «وننسى اللي كان»، قال خالد سرحان، لـ«الشرق الأوسط»، إن «العمل عُرِض عليَّ من السيناريست عمرو محمود ياسين، الذي أحب الاشتراك في التجارب التي يكتبها، كما اشتركتُ من قبل مع ياسمين عبد العزيز في عدة أعمال بين السينما والتلفزيون، وتربطنا نجاحات متميزة».

وأضاف أن «ياسمين ممثلة محترفة، ولديها حضور جماهيري كبير بالعالم العربي، والتمثيل أمامها يكون فرصة لتقديم تجربة متماسكة فنيّاً، وهو ما يعززه وجود المخرج محمد الخبيري الذي يمتلك رؤية إخراجية واعية للتعامل مع سيناريو العمل».

وأوضح أنه وجد في المسلسل تجربة درامية تتوفَّر فيها عناصر النجاح، على جميع المستويات منذ قراءة السيناريو للمرة الأولى، مشيراً إلى أن شخصية شاهر الجبالي التي يقدمها من الأدوار المركَّبة التي جلس للنقاش بشأنها مع المؤلف.

الملصق الترويجي لمسلسل «وننسى اللي كان» (الشركة المنتجة)

وأضاف أنه حاول العمل على الدور من عدة جوانب، بهدف إبراز سلسلة من الصراعات النفسية والمهنية المعقدة التي يمر بها في حياته وتنعكس على تصرفاته وسلوكياته بشكل واضح، لافتاً إلى أن الدور بعيد عن التصنيف التقليدي للشر أو الخير، لكونه يتحرك بدوافع إنسانية متناقضة تتقاطع فيها الرغبة في السيطرة مع الخوف من الخسارة والانكسار.

وأكد أنه كان حريصاً على التحضير للدور من الناحية الجسدية، بما يتناسب مع طبيعته، مما دفعه لاتباع حمية غذائية، وإنقاص وزنه، لكونه يرتدي بدلة رسمية، ويظهر في مناسبات اجتماعية وفنية عدة، بجانب العمل على فهم الدوافع الموجودة لدى الشخصية للقرارات التي يتخذها حتى يقدمها، حتى لو كان غير مقتنع على المستوى الشخصي بالمبررات التي تسوقها لنفسها.

وحول المشاهد الصعبة في التصوير، قال خالد سرحان إن «العمل مليء بالمشاهد المهمة التي تشكل محوراً مهمّاً في الأحداث، لكن المناقشات التي سبقت التصوير وروح التفاهم والتناغم بين فريق العمل ساعدت على التعامل مع جميع الصعوبات بشكل سهل، حتى مع استمرار التصوير لساعات طويلة يومياً».

ولفت إلى أنه، بالرغم من كون العمل سيعرض في 30 حلقة، فإن الأحداث مليئة بالمفاجآت التي ستظهر تباعاً، مع تصاعد درامي لن يجعل المشاهد يشعر بالملل، مؤكداً أن «الواقعية والمحافظة على الإيقاع اللذين تميز بهما السيناريو من أهم نقاط قوة العمل»، على حد تعبيره.

الملصق الترويجي لمسلسل «المداح 6 » (حسابه على «فيسبوك»)

وقال خالد إن وجوده في «المداح 6» أمر طبيعي لاستكمال دور «حسن» الذي يعتز به كثيراً، وبالنجاح الذي حققه في الأجزاء السابقة مع الجمهور، لكن هذه المرة التحولات الحادة التي يمر بها، والتي ستتصاعد خلال الحلقات المقبلة تحمل كثيراً من المفاجآت.

وأضاف أن فريق كتابة العمل نجح في تقديم «ملحمة درامية» متميزة فنياً، عبر التطرق إلى مساحات مختلفة درامياً، وتكثيف للأحداث وتناول عميق، وهو أمر جعله لا يشعر بالتردد في الموافقة على استكمال الدور بعد الإعلان عن تقديم الجزء الجديد.

وأوضح أن «من أسباب تميُّز الجزء السادس التصاعد الدرامي الذي كتب به السيناريو، والتصرف في الأحداث بناء على تراكمات الأجزاء السابقة، مع إدراك عمق التفاصيل في كل دور، وعودة شخصيات مؤثرة، على غرار دور (سميح) الذي يقدمه فتحي عبد الوهاب، وشكّل نقطة قوة مؤثرة في العمل».

وفسَّر خالد سرحان تعاطف الجمهور مع شخصية «حسن»، لكون الأمر مرتبطاً بتركيبته الإنسانية الملتبسة، وباعتباره شخصاً مأزوماً ويعيش صراعات إنسانية داخلية تصل لدرجة التناقض، وهو ما يجعله قريباً من الجمهور.


الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
TT

الدراجات الكهربائية تُخفّف السكري والأرق

دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)
دراجة كهربائية... وطريق أقصر نحو صحة أفضل (جامعة أوتاغو)

أفاد مشاركون في برنامج تجريبي للدراجات الكهربائية في نيوزيلندا بأنّ ركوب الدراجات حسَّن صحتهم البدنية والنفسية، وساعدهم في إدارة حالات مرضية مزمنة مثل السكري، والربو، والشعور بالأرق، وفق دراسة أجراها باحثون من جامعة أوتاغو في ويلينغتون النيوزيلندية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة الرئيسية والمحاضِرة في قسم الصحة العامة بكلية الطب في جامعة أوتاغو، الدكتورة إيما أوزبورن، إنّ «المشاركين وجدوا أنّ ركوب الدراجات الكهربائية حسَّن صحتهم النفسية والبدنية بشكل عام»، وأضافت في بيان، الجمعة: «كما ساعد ركوب الدراجات في التخفيف من عوارض بعض الأمراض المزمنة، بما في ذلك داء السكري من النوع الثاني، والنقرس، وارتفاع ضغط الدم، والأرق، والربو، وآلام المفاصل، وخصوصاً آلام الورك والركبة».

وبالنسبة إلى مشاركين عدّة، كانت فوائد الصحة النفسية شديدة الأهمية. علَّق أحدهم قائلاً: «تمنحك هذه التجربة لحظات من الراحة لا تفكر فيها بالعمل، ولا بمشكلات العالم. بالطبع تحصل على فوائد بدنية، ولكن الأهم هو تأثيرها في صحتي النفسية».

استكشف الباحثون تأثير ركوب الدراجات الكهربائية في 26 شخصاً ممّن سجلوا للمشاركة في برنامج «هيكو (HIKO)» التجريبي للدراجات الكهربائية في واينويوماتا، بمنطقة ويلينغتون، عام 2023.

ووفق الدراسة التي نُشرت نتائجها في «المجلة الطبية النيوزيلندية»، وُزّعت على المشاركين في البرنامج دراجات كهربائية وخوذات وملابس عاكسة للضوء، وتلقّوا تدريباً على مهارات ركوب الدراجات ودعماً فنّياً، قبل أن تُجرى معهم مقابلات في بداية البرنامج، ثم على فترات بعد 6 أشهر و12 شهراً.

وكانت لدى بعض المشاركين أهداف صحّية محدّدة عند انضمامهم إلى البرنامج، مثل إنقاص الوزن أو الإقلاع عن التدخين. ووجد أحدهم أنّ ركوب الدراجة الكهربائية مكّنه من الإقلاع عن التدخين دون زيادة في الوزن: «لقد ساعدني ذلك في تبنّي نمط حياة صحي، وساعدني على التخلُّص من الرغبة الشديدة في التدخين».

ووجد كثيرون أنّ ركوب الدراجات الكهربائية وسيلة جيدة للحفاظ على النشاط في منتصف العمر وكبار السنّ. قال أحد راكبي الدراجات: «ركبتاي على وشك الانهيار؛ لذا فهذه وسيلة للحفاظ عليهما من دون إجهاد الجسم كثيراً».

من جهتها، تقول الأستاذة المساعدة كارولين شو، من قسم الصحة العامة، وهي إحدى مؤلّفي البحث، إنه رغم جهود الحكومة لزيادة مستويات النشاط البدني لدى النيوزيلنديين، فإنّ مقدار التمارين التي يمارسها الناس مستمر في الانخفاض.

وتوضح أنّ «التحوّل إلى الدراجات الكهربائية للتنقل أو قضاء الحاجات اليومية يُعدّ وسيلة سهلة لزيادة النشاط البدني وتحسين الصحة العامة».

وأضافت أنّ بإمكان المتخصصين في الرعاية الصحية أن يلعبوا دوراً مهمّاً في التوصية بالدراجات الكهربائية لمرضاهم؛ إذ أبدى عدد ممّن سجّلوا في البرنامج التجريبي استعدادهم للمشاركة عندما اقترحها عليهم شخص مُلمّ بحاجاتهم الصحية.

لكنها تشير إلى أنّ الحكومات ستحتاج إلى اتخاذ إجراءات إذا ما أُريد أن يرتفع معدل استخدام الدراجات إلى مستوى يؤثر إيجاباً في مستوى النشاط البدني بين عامة السكان.