«البير»... قصة رومانسية «ناعمة» داخل قفص مصارعة

«البير»... قصة رومانسية «ناعمة» داخل قفص مصارعة

المسرحية المصرية تستعيد سحر نهاية الألفية وأوجاعها
السبت - 8 محرم 1444 هـ - 06 أغسطس 2022 مـ
مشهد من المسرحية (صفحة المسرحية على فيسبوك)

يمثل الحنين إلى الماضي ظاهرة عامة تتخذ أشكالاً عديدة في مصر منها الحنين إلى حقبتي الثمانيات والتسعينات تحديداً، إذ نجد العديد من الأفلام والبرامج والصفحات الشخصية والقنوات المتخصصة على «يوتيوب» تستعيد وهج تلك الفترة وترصد رموزها من أغان وموضة وأزياء وأحداث عامة. وغالباً ما تأتي تلك الأعمال مغلفة بحالة من التمجيد في الماضي والبكاء على أطلاله، حيث إن صانعي المحتوى في هذه التجارب هم أنفسهم ممن عاصروا تلك الحقبة وهم في مرحلتي المراهقة والشباب.
ويبدو أن صناع المسرح قد قرروا مؤخراً الدخول على الخط هم أيضاً، كما يتجلى في مسرحية «البير» التي تعرض على مسرح «الهناجر» التابع لدار الأوبرا المصرية ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح الذي تستمر فعالياته حتى الثامن من أغسطس (آب) الحالي.
يبدأ العرض بداية غير تقليدية، بل يمكن القول إنها صادمة، فهناك حيز مكاني ضيق للغاية لا يكاد يتجاوز عدة أمتار مربعة يتوسطه قفص مصارعة من النوع سيئ السمعة، المجرّم بحكم القانون، حيث تتحول تلك الرياضة إلى اشتباك دموي يفجر أعنف الغرائز البدائية، وهي غريزة البقاء عندما يدخل المتنافسان القفص فلا يخرج منهما في نهاية اللقاء سوى فائز واحد نجا بحياته، أما الآخر فوافته المنية. بداخل القفص اثنان من الشباب في عمر الزهور، بنظرات زائغة وقلق واضح على الوجوه، أما الحكم فرجل مسن يقف خارج القفص بثياب سوداء وذقن رمادية غير حليقة. وهناك تلك الفتاة التي تمسك بلوحة صغيرة مكتوب عليها «1» في إشارة إلى الجولة الأولى.
إنه مشهد مثالي للعنف والاستعراض الدموي، شهدناه على الشاشة عبر أفلام أميركية عدة، لكن مع وجود فارق جوهري، فبدلاً من لمعة العيون ونظرات التحفز والملابس الأنيقة للفتاة الشقراء التي تسحر المتفرجين بابتسامة فاتنة وهي تعلن عن رقم كل جولة، نجد بطلة المسرحية ترتدي زياً بسيطاً يميز العائلات البسيطة في الأحياء الشعبية المصرية كما أن حالة الشرود التي تكتنف الخصمين توحي بأن الجميع يواجه خطراً محدقاً.
يستعيد المتصارعان براءتهما المفقودة حين يتذكران حقبة الثمانينات حين كانا طفلين يرددان مقولات شهيرة بين الصغار آنذاك مثل «أعطيك بوكس أخليك صابونة لوكس». وبالاستمرار في استخدام تكنيك «الفلاش باك» أو «الرجوع إلى الخلف» نعرف أن الحكم هو والدة الفتاة وأن المتصارعين كانا من جيران الفتاة ويتصارعان على الفوز بقلبها، لكن أحدهما حين يكبران يتناول المنشطات سالكاً طريقاً غير شرعي في معركة الحب، أما الآخر فيظل وفياً لفكرة أخلاق الفرسان.
تنتقل الأحداث إلى حقبة التسعينات حيث يصبح الشابان في طور المراهقة وتزداد مشاعرهما تجاه المحبوبة ضراوة مع خط موازٍ لأهم ما يميز تلك الحقبة على صعيد الأغاني والذكريات، لا سيما أغنيتي «لولاكي» للمطرب الراحل علي حميدة، التي تم إنتاجها عام 1988 وتحولت إلى أيقونة الغناء التجاري سنوات عديدة، و«كامننا» للنجم محمد فؤاد من فيلم «إسماعيلية رايح جاي»، الذي شهد صعود نجم الكوميديا محمد هنيدي.
استطاعت الفنانة فاطمة أحمد تجسيد ملامح الحب البريء ومشاعر العاطفة الأولى بصدق وإتقان، مستعينة بملامح وجهها الهادئ ذات الحضور المريح. ونجح الفنانان مصطفى عماد وأحمد عامر التعبير عن مراحل عمرية مختلفة مثل الطفولة والمراهقة والرجولة عبر الصوت فقط ونظرات العيون، حيث لا تغيير يحدث في الملابس أو الماكياج.
واللافت أن المؤلف والمخرج أحمد سمير لم يرصد الماضي من زاوية الاحتفاء والحنين فقط، بل أشار إلى بعض الحوادث المأساوية مثل حادثتي «قطار العياط» و«عبّارة السلام» اللتين تتفاوتان زمنياً لكن يجمع بينهما بشاعة الواقعة والعدد الضخم من البسطاء الذين راحوا ضحايا كل منهما.
ولم يقع سمير كذلك وفق نقاد في فخ المباشرة والمعالجة الميلودرامية الفجة، فقد صور على سبيل المثال حادثة «قطار العياط» من خلال صوت مخيف يتصاعد لحركة عجلات حديدية تصطدم بالقضبان ثم صوت زجاج يتهشم، بحيث يصل المعنى قوياً دون تزيد في استدرار الدموع.
ويؤكد أحمد سمير سعادته بردود الفعل تجاه العمل سواء على المستوى النقدي أو الجماهيري، والتي تؤكد أن العمل الجيد يفرض نفسه دون حاجة إلى إنتاج ضخم أو دعاية مكثفة بالضرورة، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تعاملنا مع الماضي يجب أن يتصف بالحكمة والتروي عند الحكم على الأمور دون تقديس يعمينا عن رؤية الدروس المستفادة ودون أن نهيل التراب في الوقت نفسه على أي قيمة جميلة في حياتنا»، على حد تعبيره.


مصر المسرح

اختيارات المحرر

فيديو