لماذا روسيا وجهة تركيا الأولى عندما يتعلق الأمر بسوريا؟

توقعات محدودة من قمة بوتين ـ إردوغان في سوتشي... وضرورة فرضتها المتغيرات

لماذا روسيا وجهة تركيا الأولى عندما يتعلق الأمر بسوريا؟
TT

لماذا روسيا وجهة تركيا الأولى عندما يتعلق الأمر بسوريا؟

لماذا روسيا وجهة تركيا الأولى عندما يتعلق الأمر بسوريا؟

جاءت قمة الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان في سوتشي، الجمعة، واحدة من سلسلة لقاءات محورها سوريا انفرد المنتجع الروسي الواقع على البحر الأسود في جنوب روسيا بعدد ليس بالقليل منها. واتسمت جميعها بأنها عُقدت في مراحل مفصلية أو في ظل توتر كبير، أو سعي تركي للحصول على موقف روسي داعم أو التوافق على قضايا تشكل معضلات في الأزمة السورية، أراد الطرفان ألا تنال من علاقاتهما البعيدة عن هذا الملف الذي تسبب من قبل في أزمة عاصفة عندما أسقطت تركيا مقاتلة روسية على حدودها مع سوريا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، ليحتاج الأمر إلى أشهر من الجهود المكثفة لإنقاذ «التقارب المرغوب» مع موسكو الذي كان ولا يزال ورقة تستخدم في مواجهة التقلبات والضغوط من جانب الغرب.
وأعلنت موسكو، قبل ساعات قليلة من لقاء بوتين – إردوغان، أن مخاوف تركيا الأمنية بشأن سوريا مشروعة، وأن موسكو ستأخذها بعين الاعتبار. لكن المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، استدرك بأنه، من المهم تجنب الأعمال التي يمكن أن «تهدد سلامة أراضي سوريا ووحدتها السياسية»، مشيراً إلى أن لقاء بوتين وإردوغان سيركز على سوريا ومخاوف تركيا هناك.
التصريحات لم تحمل جديداً، أو تعكس تغيراً في الموقف الروسي الرافض لعملية عسكرية تلوّح بها تركيا منذ مايو (أيار) الماضي تستهدف مواقع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، التي ترعى سوريا علاقتها مع النظام السوري في مناطق سيطرتها في شمال وشمال شرقي سوريا، وتقول تركيا، إنها تستهدف منها استكمال إقامة مناطق آمنة على عمق 30 كيلومتراً في الأراضي السورية لإنشاء «حزام أمني» على حدودها الجنوبية.
ففي قمة طهران الثلاثية الأخيرة التي جمعت رؤساء الدول الثلاث الضامنة لمساء آستانة (روسيا وتركيا وإيران) في 19 يوليو (تموز) الماضي، واجهت تركيا موقفاً صلباً وحازماً بالرفض من جانب روسيا وإيران، تلاقى مع الموقف الأميركي الرافض من البداية للحديث عن أي عمليات أو تحركات عسكرية ضد «قسد»، ومكونها الأكبر (وحدات حماية الشعب الكردية)؛ حتى لا يؤثر ذلك سلباً على الكفاح المستمر ضد تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا.
رد إردوغان على موقف نظيريه الروسي والإيراني، بأن العملية العسكرية ستظل مطروحة على أجندة أنقرة. وتكررت تصريحات المسؤولين الأتراك عن أن العملية ستنفذ في أي وقت. ولا شك في أن إردوغان حمل ملف العملية العسكرية معه إلى سوتشي، كما أكدت ذلك مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»... وهو ما أكده بيسكوف أيضاً الذي أشار إلى أن الملف السوري هو ملف أساسي في المباحثات إلى جانب أوكرانيا وقضايا التعاون الثنائي بين موسكو وأنقرة.
لا تزال تركيا تسعى إلى موقف روسي داعم لعمليتها العسكرية التي أعلنت أنها ستستهدف منبج وتل رفعت في حلب، وهما منطقتان تتواجد فيهما قوات سورية إلى جانب قوات «قسد» والنظام. ودخلت جميع الأطراف في موجة تصعيد في حلب وأريافها، وامتدت أيضاً إلى مواقع «قسد» في شمال شرقي سوريا في الحسكة والرقة.
وبحسب المصادر، فإن الموقف الروسي يشكل عقدة أصعب من العقدة الأميركية، بالنسبة للعملية العسكرية المنشودة؛ ولذلك فإن مساعي إردوغان في سوتشي ركزت على الحصول على ما لم يتمكن من الحصول عليه في طهران، وأنه بدأ منذ فترة الربط بين الملفين السوري والأوكراني، ويأمل في أن ينجح بتغيير الموقف الروسي اعتماداً على الاختراق الذي حدث في اتفاقية الممر الآمن للحبوب التي وُقّعت في إسطنبول في 22 يوليو بين روسيا وأوكرانيا وتركيا والأمم المتحدة، وفتحت متنفساً لخروج الحبوب والمواد الغذائية والأسمدة الروسية في ظل الحصار الغربي.
وعلى الرغم من أن إردوغان يحمل الملف السوري في بعض زياراته للخارج أو في الاجتماعات الدولية في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو قمم حلف شمال الأطلسي (ناتو)، فإن موسكو تشكل دائماً الوجهة الأولى والرئيسية عندما يتعلق الأمر بسوريا، على الرغم من التموضع العكسي لروسيا وتركيا هناك ما بين دعم النظام ودعم المعارضة، فإن الخلافات دائماً تبقى ضمن الهامش الذي يحافظ عليه كل من بوتين وإردوغان حفاظاً على المصالح المتبادلة لبلديهما
وكالعادة، لا يتوقع من قمة سوتشي تفاهمات عميقة أو جذرية بين إردوغان وبوتين حول أي من الملفات، وفي مقدمتها الملف السوري مع اختلاط الأوراق في الميدان وتعثر مسارات الحل السياسي وعمل اللجنة الدستورية؛ إذ ترى موسكو أن أنقرة تعقد جهود الحل السياسي عبر التهديد بالعمليات العسكرية.
ما يريده إردوغان بالحديث المتكرر عن إنشاء منطقة أمنية في القطاع الذي تقوم فيه القوات الروسية بدوريات بعضها مشترك مع الجانب التركي يمكن في طرد الوحدات الكردية التي تعتبرها تركيا ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تنظيماً إرهابياً، في سوريا.
وعقب قمة طهران، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، استعداد بلاده لتقديم دعم سياسي «لا محدود» للنظام السوري لإخراج «الإرهابيين»، في إشارة إلى «قسد» من مناطق الحدود مع تركيا، كما تحدث مراقبون عن «ضوء أخضر» من روسيا وإيران لتركيا بتصعيد «حرب الطائرات المسيّرة» لاصطياد قيادات «قسد» ومقاتلي الوحدات الكردية؛ بهدف إضعافهم وشل قدراتهم بدلاً عن المواجهة العسكرية التي قد تتوسع لتشمل قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية الموالية، حتى مع التسليم بأن المواجهة المباشرة بين القوات التركية والقوات الروسية وجيش النظام غير واردة ولن يتم السماح بالوصول إليها.
أما حقيقة أن موسكو هي الوجهة الأولى لإردوغان فيما يتعلق بسوريا، فتؤكدها سلسلة اللقاءات المفصلية التي عقدها مع بوتين منذ العام 2020 وحتى الآن، ففي 5 مارس (آذار) 2020 توصل الرئيسان، في موسكو، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إدلب، بعد أن شرعت تركيا في تنفيذ عملية عسكرية باسم «درع الربيع» على خلفية التصعيد الكبير الذي شهدته إدلب عقب هجوم شنته قوات النظام السوري والميليشيات الداعمة لها على الطرق الرئيسية في المحافظة، وتحول إلى مواجهة مباشرة مع وحدات من الجيش التركي، بعد تعرضها لهجوم أدى إلى مقتل 33 جندياً تركياً في 27 فبراير (شباط) 2020. واعتبر اتفاق موسكو محاولة تركية - روسية لإنقاذ التفاهمات التي توصل إليها الجانبان حول سوريا منذ انطلاق مسار آستانة مطلع عام 2017، وبخاصة تفاهم سوتشي لعام 2018 الذي جاء، بدوره، لإنقاذ اتفاق منطقة خفض التصعيد في إدلب، بعد أن سيطر النظام السوري على المناطق الثلاث الأخرى (محيط دمشق، درعا وحمص)، منتهكاً اتفاقاً بشأنها تم التوصل إليه في مايو 2017.
وفي مطلع يوليو 2020، عقد إردوغان ونظيراه الروسي والإيراني قمة عبر «الفيديو كونفرانس» لبحث آخر التطورات في سوريا، ومسار آستانة. والتقى إردوغان وبوتين، مجدداً في سبتمبر (أيلول) 2021 في سوتشي، وكان الموضوع الأبرز أيضاً هو الملف السوري، وتحديداً الوضع في إدلب. ويعتقد محللون روس، منهم ألكسندر لوتشكين، أن هناك أسباباً قوية تدفع إردوغان إلى الحفاظ على قوة الدفع في علاقته مع بوتين، أهمها التغيير في الوضع بالشرق الأوسط، وترويج الأميركيين لعقيدة جديدة في المنطقة، تركيا مستبعدة منها، رغم أنها عضو في «الناتو» وحليف للولايات المتحدة، ومخاوف تركيا من تسريع الأخيرة عملية تشكيل الحكم الذاتي الكردي على الأراضي السورية؛ ولهذا السبب يحتاج بوتين وإردوغان إلى «غربلة» بعض التفاصيل الدقيقة من وقت إلى آخر.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تلجم خطة إسرائيل جرّ سوريا إلى لبنان

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن الولايات المتحدة أوقفت القصف الإسرائيلي لمعبر «المصنع» الحدودي بين سوريا ولبنان، ولجمت بذلك مخططاً يهدف إلى جرّ سوريا للتدخل في الحرب على «حزب الله».

وقالت «هيئة البث الإسرائيلية العامة (كان11)» إن الإدارة الأميركية توجهت بهذا الطلب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بعد وقت قصير من إصدار الناطق باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية تحذيراً بالإخلاء قبل الهجوم على الموقع.

وكان الجيش الإسرائيلي قد قصف مناطق قرب المعبر بحجة أن «حزب الله» يستخدم المعبر والطريق السريعة «إم30 (M30)» المجاورة لأغراض عسكرية، وقال إنه يستعد لمهاجمة المعبر، وطالب جميع الموجودين فيه بإخلائه تمهيداً لتدميره.

وذكر التقرير أن إسرائيل «تلقّت طلباً من الولايات المتحدة بتعليق الهجوم على المعبر لأسباب (سياسية)، وترك الأمر لمسؤولي الأمن السوريين الذين يعملون نيابة عن الرئيس السوري أحمد الشرع».

دورية للجيش السوري على طول الحدود السورية - اللبنانية في منطقة القصير الريفية يوم 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ونقلت «هيئة البثّ»، عن مصدر قالت إنه مطّلع على الموضوع، أن الحكومة السورية قالت للأميركيين إنها تعمل ضد «حزب الله»، وإنها أحبطت في الأيام الأخيرة محاولات تهريب أسلحة من سوريا إلى لبنان.

لكن مصادر أخرى ذكرت أن الهدف الحقيقي هو الضغط على دمشق كي تتدخل في الحرب، وهذا على الرغم من التجربة الشبيهة الفاشلة التي سمحت فيها إسرائيل بدخول الجيش السوري (بـ20 ألف جندي) إلى لبنان سنة 1976؛ وتسبب ذلك ليس فقط في مأساة لبنانية دامية، بل أيضاً في حروب عدة مع إسرائيل.

وتقول هذه المصادر، وفقاً لصحيفة «معاريف»، إنه «يتعزز في إسرائيل التقدير بأن فشل لبنان المتواصل في التصدي لـ(حزب الله)، وفقدان الثقة الأميركية والغربية بمؤسسات الدولة اللبنانية، كفيلان بإنشاء واقع إقليمي جديد في مركزه تفاهمات بين إسرائيل والنظام السوري الجديد بشأن توزيع المسؤوليات الأمنية في لبنان».

عناصر من الأمن العام اللبناني عند معبر «المصنع» الحدودي مع سوريا في سهل البقاع شرق لبنان يوم الأحد 5 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ووفق مصادر في إسرائيل، فإن «الرسالة التي تصل من الولايات المتحدة هي أن حكومة لبنان لم تنجح حتى في أن تلبي الحد الأدنى من التزامها، وأن الجيش اللبناني أيضاً غير قادر - وربما في بعض من الحالات لا يريد - على التصدي حقاً لـ(حزب الله). في واشنطن يفهمون أنه لا يوجد اليوم في لبنان شريك فاعل، وأنه لا يوجد جهاز سلطوي يمكنه أن ينزع سلاح (حزب الله)، ولا قوة عسكرية محلية يمكنها أن تفرض عليه واقعاً جديداً». الإحساس، على حد قول هذه المحافل، هو أنه «في الجانب اللبناني ببساطة: لا يوجد من يمكن الحديث معه»؛ لذلك؛ من ناحية إسرائيل، «توجد حاجة لتزويد حقيقي لجنود لبنان بالسلاح لوضع لا يعود فيه لـ(حزب الله) موطئ قدم في كل المنطقة التي يمكن تهديد بلدات الشمال منها».

ويعتقد المراقبون، تبعاً لذلك، أنه «لم تتبقَ عملياً إلا جهتان قادرتان وراغبتان في القتال ضد (حزب الله): إسرائيل، والنظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع». ووفق مصادر إسرائيلية، فإن «هذه المصلحة مشتركة، وإن لم تكن حلفاً بالمعنى الكلاسيكي للكلمة. النظام السوري يرى في (حزب الله) عدواً، وهذا كفيل بأن يصبح، عملياً، شريكَ مصالح في الساحة اللبنانية».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يصافح بعض أعضاء الحكومة السورية لدى وصوله إلى دمشق الأحد 5 أبريل 2026 للقاء الرئيس السوري أحمد الشرع (رويترز)

ووفق التقديرات في إسرائيل، فإنه إذا لم يوجد حل آخر، وإذا ما رفعت الولايات المتحدة والغرب أيديهم عن محاولة استخدام السلطة في لبنان ضد «حزب الله»، فيمكن أن «يتدحرج سيناريو تتبلور فيه تفاهمات بين إسرائيل وسوريا، تتمثل في أن يسيطر الجيش الإسرائيلي على جنوب لبنان، بينما يعمل السوريون في شمال لبنان ضد (حزب الله)». ووفق هذه المحافل في إسرائيل، فالحديث يدور عن «أهون الشرور في ظل الفراغ الناشئ».

إسرائيل تحاول إقناع واشنطن بوجهة نظرها، مع التأكيد على أن «الهدف ليس حرباً ضد الدولة اللبنانية، أو محاولة للسيطرة عليها وإدارتها، بل إزالة تهديد (حزب الله) وخلق واقع جديد يستوجب بعده ترتيباً آخر في لبنان، في إطاره لا يعود ممكناً لـ(حزب الله) أن يدير من هناك حرباً ضدها». وتريد إسرائيل أن تأخذ الولايات المتحدة دوراً في الاتصالات مع سوريا لتقنعها به.

غير أن «هيئة العمليات» في الجيش العربي السوري، أعلنت في 6 مارس (آذار) الماضي أن توسيع انتشار وحداته على طول الحدود مع البلدين، عبر إشراك وحدات من حرس الحدود وكتائب الاستطلاع، يأتي ضمن انتشار ميداني منظم يركّز على مراقبة الأنشطة الحدودية، ومكافحة التهريب، ومنع أي نشاط غير قانوني.

ووفق «وكالة الأنباء السورية (سانا)» الرسمية، فقد أكدت مصادر عسكرية أن الخطوة دفاعية وسيادية بحتة؛ هدفها توطيد الأمن الداخلي، وترسيخ الاستقرار على الشريط الحدودي، مشددةً على أن دمشق لا تخطط لأي عمل عسكري ضد دول الجوار، لكنها مستعدة للتعامل مع أي تهديد أمني يستهدفها.

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

يذكر أن وزير الخارجية الأميركي، هنري كيسنجر، هو الذي أدار المحادثات غير المباشرة بين نظام حافظ الأسد وإسرائيل، التي وافق فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها، إسحق رابين، على الاجتياح السوري للبنان (1976 - 2005)، وكان رابين يهدف من وراء ذلك إلى أن يقمع الجيش السوري التحالف اليساري اللبناني مع «منظمة التحرير الفلسطينية».

ولكن، مع الزمن، تبين أن الأسد أراد السيطرة على لبنان وإخضاعه لحكمه بكل الألوان السياسية فيه. وفي مراحل عدة كان ينقلب على إسرائيل، إلى أن نفذت غزو الليطاني في عام 1978، ثم حرب 1982. ولذلك يعدّ التدخل السوري آنذاك، فاشلاً حتى من وجهة النظر الإسرائيلية. لكن نتنياهو يسعى اليوم إلى جعل هذا التدخل شرطاً لتفاهمات أمنية مع النظام الجديد في دمشق.


«اغتيال 6 عناصر في 24 ساعة»... إسرائيل تلاحق نشطاء «حماس» و«الجهاد»

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
TT

«اغتيال 6 عناصر في 24 ساعة»... إسرائيل تلاحق نشطاء «حماس» و«الجهاد»

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)
مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية في مدينة غزة يوم الأحد (رويترز)

واصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية المختلفة في قطاع غزة والتي تركزت على اغتيال نشطاء الأجنحة العسكرية لحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بالتزامن مع خروقات يومية تطول المدنيين على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم إعلانه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وخلال أقل من 24 ساعة ممتدة منذ مساء الأحد وحتى منتصف نهار الاثنين بتوقيت فلسطين، قتل الجيش الإسرائيلي 6 نشطاء من «حماس» و«الجهاد».

واستهدفت طائرة مسيّرة إسرائيلية، قبيل ظهر الاثنين، فلسطينياً كان يقود دراجة هوائية بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة برفقة طفله بصاروخ مباشر، ما أدى إلى مقتله وإصابة طفله بجروح خطيرة. وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن القتيل هو محمد داوود من نشطاء «القسام» الجناح المسلح لـ«حماس».

فلسطينيون في موقع هجوم إسرائيلي على شخص أثناء ركوبه دراجة هوائية في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

واغتالت طائرة مسيّرة إسرائيلية، مساء الأحد، عبد الرحمن الخضري، أحد القيادات الميدانية البارزة في كتيبة «أجديدة» في حي الشجاعية التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«الجهاد الإسلامي»، وذلك أثناء مروره بمحيط نادي الجزيرة الذي يضم نازحين شرقي مدينة غزة.

وحسب مصادر ميدانية، فإن الخضري شارك في المرحلة الثانية من هجوم السابع من أكتوبر 2023، وكان له نشاط بارز في التصدي للقوات الإسرائيلية خلال الحرب على القطاع، وأصيب خلال الحرب مرتين بجروح متفاوتة، كما أنه نجا من محاولة اغتيال سابقة، وشارك في سلسلة هجمات صاروخية انطلاقاً من القطاع.

مشيعون يحملون يوم الاثنين جثمان الفلسطيني عبد الرحمن الخضري الذي قُتل في غارة إسرائيلية يوم الأحد في مدينة غزة (رويترز)

الاغتيالات طالت كذلك 4 من عناصر «القسام» أثناء انتشارهم على حاجز أمني في منطقة ساحة الشوا شرقي مدينة غزة وهي منطقة حساسة أمنياً؛ إذ تبعد أقل من كيلومتر عن الخط الأصفر الفاصل بين مناطق «حماس» وإسرائيل.

وعلى صعيد آخر قتلت قوة إسرائيلية، صباح الاثنين، فلسطينياً يعمل سائقاً لمركبة مستأجرة من قبل «منظمة الصحة العالمية» عند مرورها في شارع العبارة على طريق صلاح الدين الرئيسي شرقي خان يونس جنوب قطاع غزة، وذلك بالتزامن مع إطلاق النار على حافلة أخرى تتبع شركة تجارية، ما أدى لإصابة 3 أشخاص.

ووصل طاقم من «الصحة العالمية» إلى مجمع ناصر الطبي، وتفقد جثمان السائق مجدي أصلان (53 عاماً) الذي كان يقيم في مخيم البريج وسط قطاع غزة.

وذكر الجيش الإسرائيلي، الاثنين، أنه استهدف مساء السبت الماضي، شخصاً يدعى علي العمارين، في قصف مركبته وسط قطاع غزة، بدعوى أنه يعمل في «تهريب الأسلحة لصالح (حماس)».

ووفقاً لمصادر ميدانية تحدثت إلى «الشرق الأوسط» فإن العمارين من عناصر جهاز مباحث شرطة «حماس»، وعمل سابقاً لفترة معينة حارساً شخصياً لأحد القيادات البارزة في «حماس»، بينما تعود ملكية السيارة التي كان على متنها إلى ناشط آخر في «القسام».

فلسطينيون يتفقدون الأضرار بعد قصف إسرائيلي في مدينة غزة يوم الاثنين (رويترز)

ووفقاً للمصادر الميدانية، فإن إسرائيل تكثف من استخدامها للطائرات المسيّرة الاستخبارية والانتحارية والهجومية في سماء قطاع غزة، خلال الأيام الأخيرة، وتستخدمها بشكل أساسي منذ الحرب على إيران، في وقت يلاحظ فيه غياب الطائرات الحربية المختلفة أو المروحية الهجومية.

وحسب رصد «الشرق الأوسط»، فإنه منذ بداية الحرب على إيران في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، اغتالت إسرائيل ما لا يقل عن 16 ناشطاً من «القسام» و«سرايا القدس»، وذلك في غارات استهدفتهم مباشرة، في حين أن هناك نشطاء آخرين ليسوا من المطلوبين، قُتلوا في هجمات استهدفت حواجز أمنية أو أهداف أخرى.

وكانت القناة «12» العبرية، ذكرت، قبل أيام، أن الجيش الإسرائيلي غيّر من سياساته العملياتية في غزة، وصعّد من هجماته لمهاجمة ما زعم أنها «أماكن تدريبات (حماس)، ومركبات الحركة ومواقع إنتاج أسلحة تحاول الحركة إعادة تأهيلها، وكل من يحمل الأسلحة سواء من عناصر جناحها العسكري أو الشرطة وغيرها».

وقيّم تقرير القناة العبرية أن «هذه العمليات تهدف بشكل أساسي لنزع سلاح (حماس) بالطريقة الصعبة كما كان يصفها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو».

ووصف «أبو عبيدة»، المتحدث باسم «القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، الأحد، دعوات نزع السلاح بأنها «غير مقبولة»، وذلك رداً على خطة قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وأعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، تدمير الحركة الفلسطينية شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».


إسرائيل تخطط لإعادة إنتاج الشريط الحدودي في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تخطط لإعادة إنتاج الشريط الحدودي في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون من لواء «غولاني» داخل بلدة في عمق جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

لمحت إسرائيل إلى أن التوغل البري في جنوب لبنان، سيمتد إلى 10 كيلومترات حداً أقصى، وهي المسافة التي قطعتها بالفعل على محورين على الأقل، وتشير إلى أن الجيش الإسرائيلي ينوي إعادة إنشاء منطقة عازلة على الحدود، تشبه إلى حد بعيد المنطقة التي كانت قائمة قبل تحرير جنوب لبنان في عام 2000.

وفي ظل غياب أي مبادرات سياسية يمكن أن تفرمل الاندفاعة الإسرائيلية إلى جنوب لبنان، تحاول إسرائيل فرض أمر واقع على المفاوض اللبناني بعد احتلال مناطق من الجنوب، حسبما تقول مصادر نيابية لبنانية لـ«الشرق الأوسط»، مشيرة إلى أن إسرائيل تسعى لاحتلال أجزاء من الجنوب، ووضع هذا الواقع على طاولة المفاوضات بحيث يكون أي اتفاق أمني معها، مقابل الانسحاب. لكن المصادر نفسها، سجّلت أن إسرائيل لم تثبت بعد أي نقاط عسكرية جديدة في العمق اللبناني.

لبنانيات ينتحبن أثناء تشييع أقرباء لهنّ قُتلوا في غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور في جنوب لبنان (رويترز)

وجدَّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الاثنين، موقف لبنان الرافض للتوغل الإسرائيلي، قائلاً إن «التوغل الإسرائيلي في لبنان تحت ذرائع إنشاء منطقة عازلة أو حزام أمني هو أمر مرفوض بالكامل»، مؤكداً أن على إسرائيل وقف عملياتها الحربية والانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية».

وجاء حديث سلام خلال اتصال تلقاه من رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي عبّر عن دعم إسبانيا للبنان وسلامة أراضيه، ولقرارات الحكومة اللبنانية، لا سيما ما يتعلق بحظر النشاط العسكري لـ«حزب الله». كما أدان الاعتداءات على قوات «يونيفيل»، وأكد ضرورة إجراء التحقيقات اللازمة في هذا الشأن. وأضاف أنّ إسبانيا ملتزمة بدعم الشعب اللبناني ومساندته، وقد خصصت مساعدات إنسانية إضافية بقيمة 9 ملايين يورو.

حدود العملية العسكرية

ورسمت التسريبات الإسرائيلية، الاثنين، حدوداً للعملية العسكرية في العمق اللبناني؛ إذ نقلت «هآرتس» عن مصادر في الجيش الإسرائيلي، قولها إن «خط تموضع القوات يشمل قرى لبنانية على بعد 10 كلم» من الحدود. وقالت إن قوات الجيش المتوغلة في جنوب لبنان لا تعتزم التقدم شمالاً، على الرغم من أن القيادة الشمالية للجيش تستعد لحشد مزيد من قواتها في جنوب لبنان.

دبابات إسرائيلية في بلدة بالجنوب اللبناني (الجيش الإسرائيلي)

وحسب المصادر، فإن القوات الإسرائيلية وصلت إلى ما يوصف بـ«الخط الأمامي» الذي طولبت بالوصول إليه بموجب الخطط العسكرية، ويشمل القرى اللبنانية التي تبعد نحو عشرة كيلومترات عن نهر الليطاني الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي.

ويرى الجيش الإسرائيلي أن انتشار قواته سيمنع إطلاق قذائف مضادة للمدرعات باتجاه البلدات في شمال إسرائيل. وقالت المصادر إن الجيش الإسرائيلي «طولب بتنفيذ أهداف دفاعية، ومنع توغل (حزب الله) إلى شمال إسرائيل وإطلاق نيران مباشرة على هذه المنطقة، من دون الانجرار إلى عملية أكثر تعقيداً في لبنان».

خط ما قبل عام 2000

وتشير التسريبات إلى أن إسرائيل، تخطط لإعادة إنتاج خط الشريط الحدودي الذي كان قائماً قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في عام 2000. وقالت مصادر أمنية في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن هذا العمق الذي تتحدث عن تل أبيب «يشبه المسافة الجغرافية التي كانت محتلة في السابق»، مشيرة إلى أن عمق العشرة كيلومترات «لا يعني أنه ثابت، وهو خاضع لتضاريس جغرافية؛ إذ قد يتوسع أكثر إلى 12 كيلومتراً مثلاً في بعض النقاط، أو ينحسر في أخرى إلى 8 كيلومترات مثلاً»، لكنها أعربت عن قناعتها بأن هذه الخطة «تشبه الشريط الحدودي السابق».

شاحنة ترفع الحطام من موقع استهداف إسرائيلي لمنزل بمنطقة الجناح في ضواحي بيروت (رويترز)

وبالفعل، وصلت إسرائيل إلى خط العشرة كيلومترات في نقطتين، هما نقطة البياضة انطلاقاً من رأس الناقورة البحري على الشاطئ الجنوبي، حيث وصل التوغل إلى نحو 10 كيلومترات، كذلك نقطة مدخل وادي الحجير من جهة بلدة القنطرة، انطلاقاً من الحدود في كفركلا، وهي مسافة تناهز العشرة كيلومترات. وتشير محاور التقدم في وادي الحجير ووادي السلوقي في تلك النقطة، إلى مساعٍ لـعدّ الواديين خط التماس بين القرى الحدودية على الخطين الأول والثاني، والعمق اللبناني في قرى الخط الثالث. كذلك تشير محاور التقدم من جهة شمال الخيام (تبعد 8 كيلومترات عن المطلة الإسرائيلية) إلى أن التوغل يبلغ هذه المسافة.

آثار الدمار الناتج من غارة إسرائيلية استهدفت منزلاً في بلدة برج رحال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

ورغم الشبه الجغرافي بين أهداف التوغل اليوم، ومثيله في عام 1978 (تاريخ عملية الليطاني)، فإن الأهداف العسكرية تختلف بين الحقبتين. ويقول خبراء عسكريون إن الحزام الأمني السابق «كان يسعى لإبعاد القذائف الصاروخية (الكاتيوشا بحوزة منظمة التحرير الفلسطينية) عن المستوطنات الشمالية، والتي كان مداها لا يتخطى العشرة كيلومترات»... أما اليوم «فإن إسرائيل وجدت حلاً لتلك المقذوفات، عبر منظومات الدفاع الجوي، لكنها لم تجد حلاً للصواريخ الموجهة المضادة للدروع التي تتراوح مدياتها العملية بين 4 و7 كيلومترات». ويقول الخبراء إن هذه المسافة الجغرافية «من شأنها أن تبعد خطر الصواريخ المباشرة والموجهة عن المستوطنات الشمالية».

توغلات في الجنوب اللبناني

ومع وصول الجيش الإسرائيلي إلى نقطتين، يواصل التوغل لوصل المناطق التي نفذ منها، ببعضها، وهو ما يجري في وادي الحجير، حيث يواصل التقدم لملاقاة قواته جنوباً التي وصلت إلى وادي السلوقي (كانت حدود الحزام الأمني قبل عام 2000 أيضاً)، وهي مسافة تناهز الثماني كيلومترات، وتستدعي التوغل من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب باتجاه الوادي. أما في القطاع الغربي، فإن التوغل يتجه شرقاً من البياضة إلى شمع وأطراف مجدل زون الجنوبية، وهي التلال المشرفة على مدينة صور الساحلية، وكانت قبل عام 2000 الشريط الحدودي لمنطقة الحزام الأمني.

اللافت في التوغلات، أن القوات الإسرائيلية لم تستحدث أي نقطة ثابتة بعد، حسبما تقول المصادر الأمنية في الجنوب، لافتة إلى أن الجيش يتوغل، وينفذ تفجيرات لمنازل ومنشآت في القرى، قبل الانسحاب.

ونشر الجيش الإسرائيلي، الاثنين، مشاهد من التوغلات والتفجيرات، وقال إن عناصر «لواء غولاني» بقيادة الفرقة 36، تواصل نشاطها البري المركّز لتوسيع نطاق منطقة التأمين في جنوب لبنان، وقد دمّرت أكثر من 300 بنية تحتية جواً وبحراً، من بينها مخازن أسلحة ومبانٍ مفخخة ومواقع رصد لـ«حزب الله».