بيلوسي تؤكد أن زيارتها لتايوان لا تنتهك سياسة «صين واحدة»

بكين تعتبرها «بلطجة» أميركية وتحذر من أن «النهاية لن تكون سعيدة»

وزير الخارجية التايواني جوزيف وو مستقبلا بيلوسي أمس (أ.ب)
وزير الخارجية التايواني جوزيف وو مستقبلا بيلوسي أمس (أ.ب)
TT

بيلوسي تؤكد أن زيارتها لتايوان لا تنتهك سياسة «صين واحدة»

وزير الخارجية التايواني جوزيف وو مستقبلا بيلوسي أمس (أ.ب)
وزير الخارجية التايواني جوزيف وو مستقبلا بيلوسي أمس (أ.ب)

بعدما حظيت الطائرة التي أقلّت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إلى تايوان، بأكبر عدد من متتبّعي مسار الطائرات في العالم، وسط مخاوف من أزمة كبرى جديدة، حطت طائرتها «العسكرية الخاصة» في مطار العاصمة تايبيه؛ حيث حظيت باستقبال رسمي من كبار المسؤولين التايوانيين، على رأسهم وزير الخارجية جوزيف وو.
الزيارة عُدّت «نقطة» لمصلحة الولايات المتحدة التي قررت عدم الرضوخ للتهديدات الصينية التي كانت قد هددت بـ«استخدام ما يلزم من الأدوات لمنعها»؛ إذ رفضت ما سمته «قعقعة السيوف» الصينية غير الضرورية، بحسب منسق الاتصالات الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي جون كيربي.
وصلت بيلوسي إلى تايبيه قادمة من ماليزيا، ثاني محطة من جولتها الآسيوية التي ستقودها أيضاً إلى كوريا الجنوبية واليابان. وفور وصولها، قالت في بيان صدر عنها وعن الوفد المرافق لها، إن زيارتها «لا تتعارض بأي شكل من الأشكال، مع سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد»؛ لكنها أكدت أن دعم واشنطن لشعب تايوان «أكبر من أي وقت مضى»، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن التهديدات التي توجه لتايوان «الديمقراطية القوية والنابضة بالحياة، مهددة». وقالت بيلوسي إن تعزيز الصين لإجراءاتها العسكرية: «دفع (البنتاغون) لاستنتاج أنها تستعد لحالة طوارئ لتوحيد تايوان بالقوة». وأكدت أن مناقشاتها مع القيادة التايوانية: «ستركز على إعادة تأكيد دعمنا لشريكنا، والتزام واشنطن الثابت بدعم الديمقراطية فيها، وتعزيز مصالحنا المشتركة».
في المقابل، وصفت وزارة الخارجية الصينية الزيارة، بأنها «بلطجة» أميركية، محذرة من أن «النهاية لن تكون جيدة للأميركيين»، ومؤكدة أن الصين «لن ترضخ أبداً لمثل هذه التحركات في تايوان». وأضافت أن الولايات المتحدة باتت أكبر تهديد للسلام في العالم، في ترداد لموقف روسي مماثل.
ونبهت الخارجية الصينية بأن الأميركيين «يلعبون بالنار في قضية تايوان»، وبأن الزيارة «تمثل انتهاكاً خطيراً لمبدأ الصين الواحدة، ولها تأثير شديد على الأساس السياسي لعلاقتنا مع واشنطن»، مضيفة أن الزيارة «استفزاز سياسي، ورد فعلنا سيكون مبرراً».
وقبيل وصول طائرة بيلوسي إلى تايبيه، أغلقت الصين المجال الجوي قرب مضيق تايوان، بينما حلّقت طائرات مقاتلة من طراز «سو-35». وذكرت مصادر إعلامية صينية أن الجيش الصيني سيقوم بمناورات بالذخيرة الحية في 6 مناطق حول تايوان، قد تكون مواقع محتملة لأي غزو.

وقال مستشار الأمن القومي جيك سوليفان، الثلاثاء، إن الصين «ستتحمل المسؤولية إذا اتخذت إجراءات ضد تايوان»، مؤكداً في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة: «لا تسعى إلى التصعيد، وتحتفظ بحقها في الدفاع عن مصالحها، والبقاء متيقظة حيال ما ستفعله الصين في الأيام المقبلة». وأضاف أن زيارة بيلوسي «ليس فيها تهديد لسيادة الصين، ولن تخيفنا تهديداتها».
وكان منسق الاتصالات الاستراتيجي في مجلس الأمن القومي، جون كيربي، قد أعلن في مؤتمر صحافي قبيل وصول بيلوسي إلى الجزيرة، أن واشنطن لن تتأثر بأي جهد صيني لزيادة التوترات بشأن الزيارة، وأنها «لن تأخذ الطُّعم، ولن تشارك في قعقعة السيوف، وفي الوقت نفسه لن نخاف». وأضاف كيربي أن لرئيسة مجلس النواب «الحق في زيارة تايوان، وقد زارها رئيس مجلس النواب من قبل (في إشارة إلى زيارة نيوت غينغريتش عام 1997) من دون وقوع حوادث، كما فعل عديد من أعضاء الكونغرس». وأكد كيربي أنه «لا يوجد سبب لبكين لتحويل زيارة تتفق مع سياسة الولايات المتحدة طويلة الأمد إلى نوع من الأزمة أو الصراع، أو استخدامها كذريعة لزيادة النشاط العسكري العدواني في مضيق تايوان أو حوله».

وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن إن هناك سوابق لزيارة بيلوسي، وحض الصين على عدم المبالغة في رد الفعل. وأضاف: «يذهب عديد من أعضاء الكونغرس إلى تايوان، بما في ذلك هذا العام. وهكذا إذا قررت رئيسة مجلس النواب الزيارة، وحاولت الصين خلق نوع من الأزمات أو تصعيد التوترات، فسيكون ذلك بالكامل على عاتق بكين. نحن نتوقع أن يتصرفوا بمسؤولية، وعدم الانخراط في أي تصعيد في المستقبل».
واعتبر وزير الخارجية الصيني وانغ يي أن «خيانة الولايات المتحدة بشأن مسألة تايوان مهينة»، في تعليقات وردت على موقع وزارته الثلاثاء، من دون ذكر اسم بيلوسي بشكل مباشر.
كما اعتبرت روسيا أمس أن زيارة بيلوسي ستشكّل «استفزازاً صرفاً». وشدد الكرملين على «تضامن روسيا المطلق» مع الصين، متهماً الولايات المتحدة بـ«زعزعة استقرار العالم» من خلال إحداث توترات بشأن تايوان. وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين: «كلّ ما هو مرتبط (...) بزيارة محتملة إلى تايوان هو استفزاز صرف. هذا يفاقم الوضع في المنطقة ويعزّز التوترات».
وكانت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، قد أعلنت عبر تطبيق «تلغرام»، أن «واشنطن تزعزع العالم. لم يحل أي نزاع في العقود الأخيرة؛ بل تم التسبب في نزاعات كثيرة»، بحسب قولها.
وأشارت عدّة مقالات في الصحف الدولية إلى أن الزيارة خُطّط لها بالفعل. وتطرّقت «فايننشيال تايمز» إلى لقاء بين بيلوسي ورئيسة تايوان الأربعاء. ونقلت صحيفة «ليبرتي تايمز» التايوانية عن مصادر أن بيلوسي ستلتقي الرئيسة تساي إنغ-وين الأربعاء، قبل أن تغادر في فترة بعد الظهر.
وحذرت الصين مراراً من زيارة بيلوسي لتايوان التي تعتبرها جزءاً من أراضيها، وعمدت إلى زيادة نشاطها العسكري البحري والجوي في المنطقة، وخصوصاً في مضيق تايوان، وبالقرب من منطقة دفاعها الجوي.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع، أن السفن والطائرات الحربية الصينية «ضغطت على خط الوسط» في المضيق، صباح الثلاثاء، في خطوة غير معتادة، وصفها بأنها «استفزازية للغاية». ولفت إلى أن المقاتلات الصينية أجرت مراراً مناورات تكتيكية لامست خلالها لفترة وجيزة خط الوسط، وحلقت عائدة إلى الجانب الآخر من المضيق صباح الثلاثاء، في حين كانت الطائرات التايوانية في حالة تأهب على مقربة. ولا تعبر طائرات أي من الجانبين عادة خط الوسط.
وكانت وزارة الدفاع التايوانية قد أكدت في بيان الثلاثاء، أنها على دراية تامة بالأنشطة العسكرية قرب تايوان، وستنشر القوات على نحو ملائم رداً على «تهديدات العدو».
وذكرت وكالة الأنباء المركزية الرسمية في تايوان، الثلاثاء، نقلاً عن مصادر لم تحددها، أن الوزارة «عززت» مستوى الاستعداد القتالي صباح الثلاثاء حتى ظهر الخميس.
وبينما يعد أغلبية المحلّلين خطر نشوب نزاع مسلّح ضئيلاً، كشف مسؤولون أميركيون «أنهم يتأهّبون لاستعراض قوّة محتمل من الجيش الصيني، يقوم مثلاً على إطلاق صواريخ في مضيق تايوان أو خروقات جوية واسعة النطاق في محيط الجزيرة».
وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أنها ستقوم بتوفير الحماية لطائرة بيلوسي، وتكثيف مراقبتها للتحركات الصينية.
وتمركزت 4 سفن حربية أميركية، بينها حاملة طائرات، في المياه شرق تايوان في عمليات انتشار «اعتيادية». وأكد مسؤول في البحرية الأميركية لـ«رويترز» أن حاملة الطائرات «رونالد ريغان» عبرت بحر الصين الجنوبي، وهي حالياً في بحر الفلبين شرق تايوان، والفلبين، وجنوب اليابان. وترافق الحاملة المتمركزة في اليابان، سفينة الصواريخ الموجهة «أنتيتام» والمدمرة «هيغينز».
كما أشار إلى أن سفينة الهجوم البرمائي «تريبولي»، موجودة أيضاً في المنطقة، في إطار انتشار بدأ في أوائل مايو (أيار) من مينائها الأصلي في سان دييغو، بولاية كاليفورنيا. وقال: «في حين أن تلك القطع قادرة على التعامل مع أي احتمال، فهذه عمليات انتشار اعتيادية»، رافضاً التعليق بشأن مواقع محددة.
ويرى مراقبون أن حصول الزيارة يعد «إشارة إيجابية»، ويعزز من صدقية الولايات المتحدة تجاه الالتزام بحماية حلفائها، ليس فقط تايوان؛ بل ودول عديدة في المنطقة، من بينها اليابان.
وقال أحد المحللين اليابانيين: «إذا لم تذهب إلى تايوان، فسوف يُنظر إلى هذا في الدوائر السياسية اليابانية على أن الولايات المتحدة تقول شيئاً وتفعل شيئاً آخر... وكمؤشر على أن الولايات المتحدة ليست ملتزمة بشدة بالدفاع عن تايوان أو اليابان».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

العالم زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

زيلينسكي يطلب مساعدة الرئيس الصيني لإعادة أطفال أوكرانيين من روسيا

أدلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بمزيد من التصريحات بشأن مكالمة هاتفية جرت أخيراً مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، في أول محادثة مباشرة بين الزعيمين منذ الغزو الروسي لأوكرانيا. وقال زيلينسكي في كييف، الجمعة، بعد يومين من الاتصال الهاتفي، إنه خلال المكالمة، تحدث هو وشي عن سلامة الأراضي الأوكرانية ووحدتها «بما في ذلك شبه جزيرة القرم (التي ضمتها روسيا على البحر الأسود)» وميثاق الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

الصين ترفض اتهامها بتهديد هوية «التيبتيين»

تبرأت الصين، اليوم (الجمعة)، من اتهامات وجهها خبراء من الأمم المتحدة بإجبارها مئات الآلاف من التيبتيين على الالتحاق ببرامج «للتدريب المهني» تهدد هويتهم، ويمكن أن تؤدي إلى العمل القسري. وقال خبراء في بيان (الخميس)، إن «مئات الآلاف من التيبتيين تم تحويلهم من حياتهم الريفية التقليدية إلى وظائف تتطلب مهارات منخفضة وذات أجر منخفض منذ عام 2015، في إطار برنامج وُصف بأنه طوعي، لكن مشاركتهم قسرية». واكدت بكين أن «التيبت تتمتع بالاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية والوحدة العرقية وموحّدة دينياً ويعيش الناس (هناك) ويعملون في سلام». وأضافت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ، أن «المخاوف المز

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
يوميات الشرق الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

الصين تُدخل «الحرب على كورونا» في كتب التاريخ بالمدارس

أثار كتاب التاريخ لتلاميذ المدارس الصينيين الذي يذكر استجابة البلاد لوباء «كورونا» لأول مرة نقاشاً على الإنترنت، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي). يتساءل البعض عما إذا كان الوصف ضمن الكتاب الذي يتناول محاربة البلاد للفيروس صحيحاً وموضوعياً. أعلن قادة الحزب الشيوعي الصيني «انتصاراً حاسماً» على الفيروس في وقت سابق من هذا العام. كما اتُهمت الدولة بعدم الشفافية في مشاركة بيانات فيروس «كورونا». بدأ مقطع فيديو قصير يُظهر فقرة من كتاب التاريخ المدرسي لطلاب الصف الثامن على «دويين»، النسخة المحلية الصينية من «تيك توك»، ينتشر منذ يوم الأربعاء. تم تحميله بواسطة مستخدم يبدو أنه مدرس تاريخ، ويوضح

«الشرق الأوسط» (بكين)
العالم تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

تقرير: القوات البحرية الأوروبية تحجم عن عبور مضيق تايوان

شجّع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، (الأحد) أساطيل الاتحاد الأوروبي على «القيام بدوريات» في المضيق الذي يفصل تايوان عن الصين. في أوروبا، تغامر فقط البحرية الفرنسية والبحرية الملكية بعبور المضيق بانتظام، بينما تحجم الدول الأوروبية الأخرى عن ذلك، وفق تقرير نشرته أمس (الخميس) صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية. ففي مقال له نُشر في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» الفرنسية، حث رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، أوروبا على أن تكون أكثر «حضوراً في هذا الملف الذي يهمنا على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.