محاولات «إصلاح» الإعلام السوداني تصطدم بتحديات السياسة والاقتصاد

ضعف «الإنترنت» وغلاء تكلفته يعزّزان مكانة التلفزيون الرسمي

محاولات «إصلاح» الإعلام السوداني تصطدم بتحديات السياسة والاقتصاد
TT

محاولات «إصلاح» الإعلام السوداني تصطدم بتحديات السياسة والاقتصاد

محاولات «إصلاح» الإعلام السوداني تصطدم بتحديات السياسة والاقتصاد

في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسات الإعلامية السودانية وضع خطط للإصلاح وإعادة الهيكلة، أملاً في مستقبل أفضل لقطاع عانى لسنوات من محاولات «فرض السيطرة والاستغلال السياسي»، جاءت التطورات السياسية التي أعقبت أحداث 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، لتجمد خطط وأحلام الإصلاح، وتعيد الإعلام السوداني إلى «نقطة البداية».
فقد اصطدمت جهود الإصلاح للإعلام السوداني بعقبات سياسية واقتصادية، يرى الخبراء أنها «قد تؤدي إلى تأثيرات على الصحافة الورقية، تحت وطأة الأزمات الاقتصادية، وتفاقم تراجع الثقة والمصداقية في الإعلام، وتدفع نحو مزيد من الأخبار الزائفة والاستغلال السياسي لوسائل التواصل الاجتماعي». ولكن في الوقت نفسه، يعوّل بعض الخبراء على الإعلام للعب دوره في «فتح حوار سياسي بنّاء يخرج
السودان من أزماته السياسية، ويعيد إلى الصحافة والتلفزيون بريقهما ودورهما
الفال في الحراك المجتمعي».
«الشرق الأوسط» استطلعت آراء إعلاميين سودانيين، حول دور الإعلام في ظل الأزمة السياسية الحالية التي تمر بها بلادهم، وأهم التحديات التي تواجهه، والسبل لإصلاح وإعادة هيكلة الإعلام السوداني حتى يستطيع القيام بدوره.

أزمات سياسية واقتصادية

الصادق أحمد عبد السلام، الصحافي السوداني المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، قال لنا خلال لقائنا معه: «لا يمكن فصل الإعلام في أي بلد من البلدان عن الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها هذا البلد... فالإعلام هو المرآة التي تعكس هذه الأزمات، ويتأثر بها ويؤثر فيها سلباً أو إيجاباً».
وأردف: «السودان يعاني في الوقت الراهن من مخاض كبير في الانتقال من دولة الحزب الواحد إلى دولة بنظام ديمقراطي تعددي. وبالطبع، انعكس هذا الأمر على الإعلام السوداني بشقيه الحكومي والخاص؛ بل وحتى الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي».
وتابع عبد السلام كلامه قائلاً، إن «أهم التحدّيات التي يواجهها الإعلام السوداني الآن تتمثل في المحاولات التي تبذلها السلطات منذ 25 أكتوبر الماضي للسيطرة على الإعلام، بالترهيب تارة وبالترغيب تارة أخرى، حتى يكون بوقاً لها يعكس توجهاتها وسياساتها».
وأضاف عبد السلام أن «الإصرار الشديد الذي يبديه الثوار السودانيون عبر المظاهرات التي ينظمونها بشكل يومي، قد أثر كثيراً على الإعلام؛ حيث عجزت السلطات حتى الآن عن لجم وتكميم الأفواه حتى عبر وسائل الإعلام الحكومية الرسمية»، لافتاً إلى «ما تشكله الأوضاع الاقتصادية الضاغطة التي يعيشها كل أفراد الشعب السوداني، من تحدٍّ لوسائل الإعلام ينعكس عبر ضعف الإمكانيات ووسائل الطباعة والنشر، وضعف أجور الصحافيين حتى باتوا يعيشون في حد الكفاف».
من جانبه، يرى محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني المقيم في هولندا، ورئيس تحرير وكالة الأنباء السودانية «سونا» السابق، أن «السودان يواجه تحديات ضخمة تنعكس على كل شؤون الحياة، ومن بينها الصحافة التي تشهد انحداراً مرتبطاً بثلاثية انهيار الأوضاع السياسية والاقتصادية والأطر التشريعية». وأوضح عبد الحميد عبد الرحمن في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «اضطراب الأوضاع السياسية والاقتصادية كان له تأثيره على اقتصاديات الصناعة، وأيضاً على حال الصحافيين والمنظمات التي تمثلهم، في ظل ارتفاع تكلفة الإنتاج وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع الإعلانات، والمنافسة مع مواقع التواصل الاجتماعي، تضاف إلى ذلك الأطر التشريعية التي تنظم العمل». وحذّر من أنه «من غير الممكن إنقاذ الصحافة الورقية في السودان التي يتوقع أن تتوقف جميعها عن الصدور، إلا إصدارات قليلة مدعومة من الحكومة... وحتى هذا احتمال ضعيف؛ إذ لا تسيطر الحكومة إلا على صحيفة (الجيش)». وبالفعل، ارتباط الإعلام بالسلطة الحاكمة يُعد السمة الأساسية للإعلام السوداني. ويرى مراقبون أن الإعلام شهد هجمات متتالية في عهد نظام الرئيس السابق عمر البشير، مع محاولات لتقييد حريته، واستخدامه بوقاً دعائياً لنظام البشير، ولذا كانت حرية التعبير أحد مطالب انتفاضة ديسمبر (كانون الأول) عام 2018. وبعد سقوط نظام البشير في أبريل (نيسان) عام 2019، دخلت السودان مرحلة انتقالية كان ينتظر أن تقود إلى تحقيق طموحات الإعلام في حرية تعبير دون قيود.

تاريخ من الاستخدام السياسي

تاريخياً، لعب الإعلام السوداني أدواراً سياسية يتحدث عنها الصادق أحمد عبد السلام، قائلاً إن «الإعلام السوداني لعب أدواراً متنوعة في مواجهة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر الحقب المختلفة التي يمكن تقسيمها بين حقب حكومات عسكرية، شكَّل الإعلام خلالها بوقاً للسلطات الحاكمة، يجمل وجهها ويحيل إخفاقاتها البادية للعيان إلى نجاحات باهرة... وفي الفترات البسيطة والقصيرة التي تمتع فيها الشعب السوداني بحكم ديمقراطي تعدّدي، لعب هذا الإعلام دوره كبوق للأحزاب السياسية المختلفة، يؤجج نار الصراعات بينها بدلاً من الالتفات إلى هموم وتطلعات الجماهير المغلوبة على أمرها». ويرى عبد السلام أن «الإعلام كان في أحيان كثيرة سبباً في سقوط التجارب الديمقراطية التعددية، من باب حماية الأمن القومي، والقضاء على الصراعات السياسية».
في أي حال، رغم انهيار المرحلة الانتقالية في أعقاب قرارات 25 أكتوبر 2021، بإعلان حالة الطوارئ وإنهاء الشراكة مع المدنيين، ما زال الإعلام لاعباً رئيساً على الساحة، بحسب عبد الحميد الذي يضيف أن «الإعلام يلعب دوراً مهماً في إدارة القدر المحدود من الحوار العام حول الأوضاع السياسية المتأزمة، والتي تهدد البلد نفسه بالتفكك والفوضى، وإن كانت الأجهزة الحكومية لا تسمح بتنوع الأصوات في وسائل الإعلام التي تتحكم فيها، والتي لا يمكن إنكار تأثيرها؛ خصوصاً التلفزيون». ثم يشير إلى أن «غالبية السودانيين يعتمدون على التلفزيون كمصدر للمعلومات، في ظل ارتفاع تكلفة الإنترنت وضعف مستوى الخدمة وفشل تغطيتها لكل أنحاء البلاد».
ومع هذا، يقول عبد الحميد إن «الإعلام ما زال أداة لتحريك الشارع السوداني، من خلال الإنترنت و(السوشيال ميديا) الجاري استغلالها الآن من جميع الأطراف السياسية». ثم يستدرك: «ولكن لا تزال الحكومة هي الأقدر على التواصل، لامتلاكها الإمكانيات الكافية، ولقدرتها على الوصول إلى كل فئات الشعب، إضافة إلى تمويلها حملات ممنهجة على مواقع التواصل الاجتماعي ضد الخصوم السياسيين، موجهة للتشويش على الحوار العام، والسخرية من فكرة الديمقراطية والحريات العامة، وترويج الإشاعات».
شوقي عبد العظيم، الصحافي والمحلل السياسي، رئيس تحرير موقع «استقصائي» السوداني، يتفق مع الكلام عن «سيطرة الدولة على الإعلام، وقدرتها على توجيه الناس والتأثير فيهم لامتلاكها الإمكانيات الأكبر». ويوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الصحافيين يعملون في ظروف خطرة؛ لكنهم يحاولون إيصال صورهم والتأثير في الرأي العام». وبالفعل -وفقاً لمؤسسة «مراسلون بلا حدود»، في تقريرها عن حرية الصحافة لعام 2022- فإن «وسائل الإعلام المرئية والمسموعة تمثل المصدر الرئيس للمعلومات في السودان، وتسيطر الدولة على الإذاعة والتلفزيون إلى حد كبير، وتعمل وسائل الإعلام الحكومية (إذاعة السودان الوطنية وتلفزيون السودان) كأداة لنشر دعاية النظام الحاكم». وادعى التقرير أنه «منذ أحداث 25 أكتوبر الماضي، تدهور وضع الإعلام المستقل والصحافيين المستقلين، وأصبح القطاع شديد الاستقطاب».

انتشار «الأخبار الزائفة»

في سياق متصل، تثير القدرة على التأثير في الرأي العام وتحريك الشارع جدلاً بين المراقبين، فبينما يرى البعض «قوة الإعلام محركاً اجتماعياً»، يرجح آخرون أن «الإعلام فقد قدرته على التأثير». وهنا يقول عبد السلام إن «الإعلام الحكومي السوداني يقف اليوم عاجزاً عن التأثير على مجريات المشهد السياسي... ورغم كل محاولات السلطات الحاكمة لاستخدام آلة الإعلام لتمرير قراراتها، فإن الشارع لا يلقي أي بال لذلك، كونه يتلقى كل المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي ذات المصداقية الأكبر لديه»؛ لكنه يضيف أن «وسائل التواصل الاجتماعي، للأسف، كثيراً ما تعجّ بمعلومات وأخبار مضللة وكاذبة؛ بل وضارة جداً بالأمن والسلم الاجتماعي، لما تثيره من نزعات عرقية وجهوية». وحقاً، خلال أكتوبر 2021 أعلنت شركة «ميتا» («فيسبوك» سابقاً) إغلاق شبكتين كبيرتين تستهدفان مستخدمين لمنصتها في السودان، في الأشهر القليلة الماضية: الأولى تضم حسابات مزيّفة مرتبطة بـ«قوات الدعم السريع»، والثانية لأشخاص قال باحثون إن الحكومة المدنية استعانت بهم، وإنهم من مؤيدي البشير. فقد أشار موقع «فيسبوك» إلى أنه جرى «حذف شبكة تضم نحو ألف حساب خلال أكتوبر، لديها 1.1 مليون متابع، ويديرها أشخاص على صلة بـ(قوات الدعم السريع)».

الحريات والثقة... والإصلاح

شوقي عبد العظيم يعتبر أن تراجع الحريات الصحافية «أهم ما يسِم المرحلة الحالية بشكل عام». أما عبد الحميد عبد الرحمن، فيلفت إلى «تراجع أوضاع الحريات الصحافية منذ ما حدث في أكتوبر الماضي، مقارنة بما كان عليه الحال منذ أبريل 2019، وذلك في أعقاب إقصاء الحكومة الوطنية، وأحداث التعدي على الصحف والإذاعة والتلفزيون»؛ لكنه يلفت إلى أن «بعض المحطات التلفزيونية غير المملوكة للدولة، أو الخاصة، ما زالت بها مساحة من الحركة للصحافيين، وإن جرى الحد منها». وللعلم، يحتل السودان المرتبة 151 بين 180 دولة في «مؤشر حرية الصحافة العالمي» لعام 2022 الذي تصدره منظمة «مراسلون بلا حدود» سنوياً، وكان السودان قد سجل تقدماً في مؤشر حرية الصحافة عام 2020 بـ16 مركزاً ليحتل المركز 159 مقارنة بـالمركز 175 في تقرير عام 2019 إبان حكم البشير.
وخلال الفترة الانتقالية، بدأت الحكومة السودانية ممثلة بوزارة الثقافة والإعلام، تنفيذ خطة لإصلاح الإعلام، بالشراكة مع منظمة «اليونيسكو»، تقوم على 4 نقاط، هي: مراجعة الفجوات في الخريطة الإعلامية، وإصلاح قوانين الإعلام، وإعادة هيكلة المؤسسات الإعلامية التابعة للدولة، وإعداد خطة وطنية للتدريب الإعلامي. وقد بدأ تنفيذ هذه الخطة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019؛ لكنها توقفت بسبب جائحة «كوفيد-19» بحسب التصريحات الرسمية، ثم استؤنفت في أكتوبر 2020؛ لكن توقفت مجدداً مع تدهور الأوضاع السياسية نهاية العام الماضي.


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.