العراق يواجه جفافاً غير مسبوق... وعشرات السدود الإيرانية والتركية تعمق المشكلة

أزمة المياه تتفاقم في «بلاد ما بين النهرين»

أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
TT

العراق يواجه جفافاً غير مسبوق... وعشرات السدود الإيرانية والتركية تعمق المشكلة

أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
على امتداد التاريخ، كان الاسم الأشهر لما عرف ببلاد ما بين النهرين أو بلاد الرافدين هو «أرض السواد» لكثرة ما فيها من زرع ونخيل. وحتى ثمانينات القرن الماضي كانت أعداد النخيل في العراق تزيد عن 30 مليون نخلة، لكن المعلومات تفيد بأن ما بقي منها الآن أقل من النصف، والسبب الرئيسي هو الجفاف، ارتفاع نسبة ملوحة شط العرب، وعدم الاهتمام الحكومي. كما تميز نهرا دجلة والفرات طوال معظم عقود القرن العشرين بكثرة الفيضانات، الأمر الذي أجبر الأنظمة السياسية في البلاد، ملكية أم جمهورية، على بناء سدود.
ومع أن آخر فيضان كبير بالعراق هو الذي حصل عام 1954 وأغرق معظم مناطق العاصمة العراقية بغداد، فإن السدود التي أقيمت فيما بعد، وآخرها وأهمها سد الموصل الذي افتتح عام 1986، أسهمت إلى حد كبير في حماية المدن، والسكان، خصوصاً الذين يقطنون قرب الأنهار من الفيضانات.
ورغم استمرار أزمة المياه بين العراق وتركيا بالدرجة الأولى، وسوريا شطراً من سبعينات القرن الماضي كانت مستمرة، لكن لأسباب لا تتعلق بقلة المياه التي تأتي إلى العراق بوصفه دولة مصب، بقدر ما تتعلق بالحقوق الثابتة للعراق في مياه نهري دجلة والفرات، التي كان يراها غير قابلة للتصرف، بصرف النظر إن كان يستخدم كل الكميات الداخلة إلى العراق بالزراعة أو توليد الطاقة الكهربائية أو تذهب إلى الخليج. لذلك استمرت أزمة المياه على المستوى السياسي مع الدول التي تتشاطأ على دجلة والفرات (تركيا وسوريا) قبل أن تنشأ في وقت لاحق أزمة مع إيران في السنوات القليلة الماضية، حين بدأت إيران تغلق الأنهار التي تغذي بعض الروافد العراقية، لا سيما في محافظة ديالى، بحيث تصل حد الجفاف الكلي مثلما هو حاصل اليوم، أو تفتحها في مواسم الفيضانات، بحيث تغرق قرى عراقية حدودية بالكامل مثلما حصل قبل بضع سنوات عندما هطلت كميات كبيرة من الأمطار في أحد المواسم.

*دجلة الظمآن
لكن الأمر اختلف الآن كلياً. فمنذ نحو أكثر من عقد يعاني العراق شحاً واضحاً في المياه إلى حد أن نهر دجلة يعبر من بعض المناطق مشياً على الأقدام، حيث بات يعاني من الجفاف والتصحر والعواصف الترابية. نهر دجلة الذي طالما تغنى به كبار شعراء العراق، في مقدمتهم محمد مهدي الجواهري، الذي يصفه قائلاً «حييت سفحك عن بعد فحييني/ يا دجلة الخير يا أم البساتين/ حييت سفحك ظمآناً ألوذ به/ لوذ الحمائم بين الماء والطين». نهر دجلة الذي هو توأم نهر الفرات وينبع من تركيا، ويمر عبر مسافة قصيرة في سوريا، ثم يدخل الأراضي العراقية من جهة محافظة نينوى، بات في حالة يرثى لها، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الزراعية بأهم المحاصيل الاستراتيجية، في مقدمتها القمح والأرز، بالإضافة إلى المحاصيل الحقلية والخضراوات، بحيث جعلت العراق يستورد كل شيء، بينما كان يصدر في خمسينات وستينات وشطر من سبعينات القرن الماضي شتى أنواع المحاصيل، ويكتفي ذاتياً بالكثير منها، في مقدمتها القمح والشعير والذرة وغيرها. الجفاف تسبب بهلاك أبرز موارد العراق المائية، في مقدمتها بحيرتا حمرين وساوة. جفافٌ بات يهدد العراقيين بأن كنوز بلاد الرافدين في طريقها للتلافي.

عراقيون يعبرون أمام نهر ديالى الذي تراجع منسوبه بشكل كبير (أ.ب)

عراقيون يعبرون أمام نهر ديالى الذي تراجع منسوبه بشكل كبير (أ.ب)

*تشخيص وحلول
وزير البيئة العراقي الدكتور جاسم الفلاحي، يقول في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «الحديث عن الحراجة المائية يقصد به عدم وصول مياه ذات نوعية جيدة إلى محافظات أسفل النهر، على سبيل المثال البصرة وميسان وذي قار والمثنى. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن الأهوار العراقية، التي تشكل بيئة فريدة وفلتراً طبيعياً، ساهمت على مدى آلاف السنين في الحفاظ على النظام البيئي، ليس فقط في جنوب العراق وإنما في الدول المجاورة، لذلك يجب ألا تعامل على أنها خزان لخزن المياه الفائضة عن الحاجة، أو لتفادي أخطار الفيضان، وإنما ضرورة لاستدامة هذا النظام الإيكولوجي الفريد من نوعه». ويضيف أن «العراق يعاني، وللسنة الثالثة على التوالي، من جفاف نتيجة تناقص معدل تساقط الأمطار بشكل غير مسبوق، حيث تراجعت حصتنا المائية إلى أقل من 30 في المائة من احتياجاتنا الأساسية». ويرجع الفلاحي ذلك إلى «مشاريع في دول المنبع، وبسبب تأثير التغييرات المناخية، التي أثرت بشكل حقيقي على إيراداتنا المائية، فضلاً عن زيادة تأثير العواصف الغبارية والجفاف والتصحر»، مبيناً أنه «يجب العمل على تخصيص نسبة ثابتة للأهوار العراقية، خصوصاً في محافظات الوسط والجنوب».
في سياق ما يعانيه العراق على مستوى شح المياه والتصحر والجفاف، يقول خبير الحدود والمياه الدولية في «مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية» اللواء الركن الدكتور جمال إبراهيم الحلبوسي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشرق الأوسط يشهد، إسوة بمناطق العالم، تغيرات مناخية بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض، حيث تعد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتراكمة الأكثر ضرراً في التأثيرات المناخية، وهذا يزيد من معاناة الدول العربية مثل مصر واليمن وعُمان والأردن وسوريا بسبب شح في المياه وازدياد في التصحر. ويأتي العراق ضمن المجموعة الثانية من دول الضرر في العقود المقبلة». ويوضح أن «من أسباب معاناة العراق من حالة الجفاف المستمرة، التزايد السكاني وتقليص الأراضي الزراعية وعدم استخدام الطرق الحديثة في الري والسقي، وتغييرات جودة ونوعية المياه البيئية بسبب المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي، وتداخل قنوات المباذل مع الأنهار العذبة، والتبخر، وانتشار أحواض الأسماك داخل مجاري الأنهار، وتجاوزات استخدام الحصص المائية بين المحافظات».

*الدور التركي والإيراني
رداً على سؤال بشأن الدور التركي والإيراني في هذا المجال، يقول الحلبوسي إن «دور كل من إيران وتركيا يعد دوراً سلبياً جداً مع العراق رغم كل الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة معهما، حيث كانت حصة مياه العراق في نهري دجلة والفرات وروافدهما لا تقل عن 100 مليار م3 قبل عام 1990، فللعراق مع تركيا 8 أنهار تناقصت نسب حصتهما إلى 40 في المائة، بعد إنشائها أكثر من 23 سداً كبيراً وقرابة 100 سد صغير لحصاد الأمطار». وأوضح أن «إيران هي الأخرى قامت بإنشاء أكثر من 80 سداً لقطع مياه الأنهار المشتركة، البالغ عددها 42 نهراً ومجرى مائياً محددة ببروتوكول مستقل باتفاقية الجزائر ومحاضر مشتركة كثيرة، وهي مؤشرة مع إيران لمحافظاتنا (السليمانية 11 نهراً - ديالى 17 نهراً - الكوت 4 أنهار - العمارة 7 أنهار - البصرة 3 أنهار). وجراء هذا، أصبحت الأراضي العراقية في جانب دجلة تعاني من شح متزايد بسبب قلة المياه، وفي جهة نهر الفرات أيضاً أصابها شح المياه، خصوصاً في السماوة والناصرية مع تدني خزين البحيرات العراقية جميعها، وظهرت أكثر الأضرار التي حصلت الآن في الأهوار الجنوبية وبحيرات الرزازة وحمرين والحبانية وحديثة».
بشأن المعالجات والحلول، يقول الحلبوسي إن «من أهم المعالجات والحلول هي المطالبة بالحصص المائية المنصفة مع الدول المجاورة تركيا وإيران وسوريا، بموجب الاتفاقيات والبروتوكولات المشتركة واتفاقية الأمم المتحدة للأنهار والمجاري غير الملاحية الموقعة في جنيف عام 1997، التي أصبحت ملزمة لكل الدول المتشاطئة ووضع خطط محلية كفيلة باستخدام المكننة الحديثة في الري والسقي، وتدوير المياه، ومعالجة تصريف المخلفات الصناعية والطبية والصرف الصحي والمبازل وأحواض الأسماك، واستخدام المياه الجوفية للتشجير».

عراقيون يعملون في حقل أرز في النجف (رويترز)

عراقيون يعملون في حقل أرز في النجف (رويترز)
*صالح على خط الأزمة
الرئيس العراقي برهم صالح، أحد المهتمين الكبار في العراق بأزمة شح المياه والتصحر والجفاف، طالما حذر من المخاطر المترتبة على ذلك، لا سيما في ظل حصول انفجار سكاني كبير في البلاد. ففي كلمة له بعد تداول أخبار عن جفاف بحيرة ساوة جنوب العراق، حذر من «حدوث انفجار سكاني هائل بعد عقد من الزمن في العراق». صالح الذي كتب سلسلة تغريدات حول المشكلة، وصف بحيرة ساوة التي تقع في محافظة المثنى بأنها «لؤلؤة الجنوب في السماوة، أتذكر زيارتي لها مع والدي عندما كنتُ يافعاً، منبهراً بجمالها وبريقها»، مؤكداً أن «جفافها أمر مؤسف وتذكير قاس بخطر التغير المناخي الذي يشكل تهديداً وجودياً لمستقبلنا في العراق والمنطقة والعالم، لذا يجب أن يصبح التصدي لتغير المناخ أولوية وطنية للعراق».
وأضاف أن «عدد سكان العراق اليوم أكثر من 41 مليوناً، وسيكون 52 مليوناً بعد عشر سنوات، ستترافق مع زيادة الطلب على المياه. التصحر يؤثر على 39 في المائة من أراضينا وشح المياه يؤثر الآن سلباً على كل أنحاء بلدنا، وسيؤدي إلى فقدان خصوبة الأراضي الزراعية بسبب التملح». وأشار صالح إلى أن «العراق في المرتبة الخامسة من أكثر البلدان هشاشة عالمياً لجهة نقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة القصوى»، متوقعاً «وصول العجز المائي في العراق إلى 10.8 مليار متر مكعب بحلول عام 2035 حسب دراسات وزارة الموارد المائية بسبب تراجع مناسيب دجلة والفرات والتبخر في مياه السدود وعدم تحديث طرق الري».
وكان صالح طرح العام الماضي مبادرة إنعاش بلاد الرافدين، وتمت الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء.

*ماذا في جعبة إلينا؟

السفيرة الأميركية الجديدة لدى العراق إلينا رومانوسكي، أعلنت حال مباشرتها عملها في العراق مؤخراً، أنها تحمل تفويضاً لمواصلة دعم إدارة الموارد المائية في العراق وتعزيز اكتفائه الذاتي. وكتبت رومانوسكي في مقال: هنا في العراق «بلاد ما بين النهرين»، يُعد ضمان إمدادات المياه للعراق مصلحة استراتيجية تشترك فيها الولايات المتحدة مع العراقيين. لقد تزامن وصولي الشهر الماضي مع بداية صيف آخر طويلٍ حارٍ وجاف. وفي مستهلِ لقاءاتي مع المسؤولين العراقيين، أدهشني قلقهم بشأنِ أزمة شح المياه وآثار الجفاف على البلاد. وكما هو الحال مع البلدان الأخرى في جميع أنحاء العالم، يؤدي الأمن المائي دوراً حاسماً في ضمان سلام العراق وازدهاره. بيدَ أنه يواجه العديد من العراقيين تحديات متزايدة في الحصولِ على المياه النظيفة اللازمة للحياة اليومية». وأضافت: «يعتمد العراق على جيرانه في المنبع، إذ يواجهون جميعاً تحديات المياه الخاصة بهم. وتشير التوقعات الطويلة الأمد إلى أن العراق سوف يحصل على الحد الأدنى من الأمطار الإضافية خلال الأشهر الستة المقبلة. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا الوضع بمثابة فرصة أمام العراق لإنجاز الكثير بمفرده، وحتى أكثر من ذلك مع التزام الولايات المتحدة بالعمل إلى جانب العراق بصفتها شريكاً داعماً». وأكدت رومانوسكي أن «الولايات المتحدة ترغب بمساعدة الشعب العراقي في ضمان الحصول على الموارد المائية التي يحتاجها في الحياة اليومية والزراعة والصناعة»، مبينة أن «تقليل حصة المياه المستخدمة في الزراعة من خلال استخدام تقنيات ري حديثة وفعالة والاستثمار في البنية التحتية للمياه يعد من الأمور الأساسية لمستقبل المياه في العراق. في يوليو (تموز)، سيسافر 25 مهندساً حكومياً من المختصين في مجال المياه والزراعة إلى غرب الولايات المتحدة لزيارة منطقة تواجه تحدياً مماثلاً بسبب شح المياه. حيث سيتسنى لهم التعاون مع خبرائنا والاطلاع عن كثب حول كفاءة الري والحفاظ على المياه والتحكم في الملوحة». وأوضحت أن «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تواصل تدريب المهندسين العراقيين على كيفية حساب تراكم المياه واستهلاكها في حوض دجلة والفرات من خلال مصادر البيانات المختلفة. ستساعد هذه الجهود في ضمان حصول العراق على بيانات قابلة للتنفيذ وذات رصانة علمية عندما يتعلق الأمر بطاولة المفاوضات مع جيرانه».
ويبدو من حديث السفيرة الأميركية أن مستوى العلاقة بين بغداد وواشنطن سوف ينتقل إلى مستوى جديد يجسد إلى حد كبير روح ومضمون الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2009، التي تلزم الولايات المتحدة بتقديم شتى أنواع المساعدة للعراق على كافة المستويات في ميادين الاقتصاد والتنمية المستدامة.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
TT

سوريا تبدأ الأحد محاكمة شخصيات بارزة من عهد الأسد

متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)
متظاهرون وأقارب ضحايا مجزرة التضامن يتجمّعون في دمشق للمطالبة بإعدام أمجد يوسف الضابط المرتبط بالمجزرة (أ.ب)

تستهلّ السلطات السورية، الأحد، محاكمة شخصيات بارزة من حقبة الحكم السابق بعد توقيفهم خلال الأشهر الماضية، بدءاً بالمسؤول الأمني السابق عاطف نجيب، وفق ما أفاد مصدر في وزارة العدل «وكالة الصحافة الفرنسية»، السبت.

وأفاد المصدر في وزارة العدل: «تبدأ الأحد أولى جلسات محاكمة رموز النظام السوري السابق»، حيث تُعقد «أوّل جلسة لمحاكمة عاطف نجيب» الذي أوقف في يناير (كانون الثاني) 2025.

ونجيب هو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (جنوب)، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات الشعبية عام 2011، ويُعدّ المسؤول عن حملة قمع واعتقالات واسعة هناك.

وأوضح المصدر أن محاكمة نجيب «سوف تليها تباعاً محاكمة وسيم الأسد»، وهو أيضاً أحد أقرباء الرئيس المخلوع، «وطيارين شاركوا بقصف المدن والبلدات السورية» خلال النزاع، بالإضافة إلى أمجد يوسف الذي أوقفته السلطات، الجمعة، وهو المتهم الرئيسي بارتكاب مجزرة في حيّ التضامن بدمشق عام 2013 راح ضحيتها عشرات الأشخاص، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعلن الإدارة الجديدة التي وصلت إلى السلطة في ديسمبر (كانون الأول) 2024، بين الحين والآخر إلقاء القبض على مسؤولين عسكريين وأمنيين من حقبة الحكم السابق، متورطين بارتكاب فظاعات وجرائم ضد السوريين خلال سنوات النزاع.

ويشكل مصير عشرات آلاف المفقودين والمعتقلين في سوريا، والمقابر الجماعية التي يُعتقد أن الحُكم السابق دفن فيها معتقلين قضوا تحت التعذيب، أحد أبرز وجوه المأساة السورية بعد نزاع تسبب بمقتل أكثر من نصف مليون شخص.

وفي رحلة فراره إلى موسكو في الثامن من ديسمبر 2024، إثر وصول الفصائل المعارضة إلى دمشق، لم يصطحب الأسد معه إلا بضعة أشخاص من المقربين منه، متخلياً عن معاونيه وكبار ضباطه الذين لجأ عدد منهم إلى دول مجاورة.

ولجأ مسؤولون آخرون إلى بلداتهم وقراهم، على ما أفاد البعض منهم.

وكتب وزير العدل السوري مظهر الويس، الجمعة، في منشور على منصة «إكس»، أن محكمة الجنايات في دمشق «تتهيأ للحظة التي طال انتظارها من قبل الضحايا: انطلاق المحاكمات العلنية... لأزلام النظام البائد ومجرميه، ضمن مسار العدالة الانتقالية».

ويؤكد ناشطون ومنظمات حقوقية والمجتمع الدولي أهمية تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا بعد سنوات الحرب الطويلة.

واندلعت الاحتجاجات المناهضة للأسد في درعا بجنوب سوريا في 15 مارس (آذار) 2011، بعد توقيف أطفال كتبوا شعارات مناهضة للرئيس السوري في حينه على جدران مدرستهم، وتعرّضوا للتعذيب على أيدي قوات الأمن.

وعقب اندلاع الاحتجاجات، أُبعد عاطف نجيب الذي حُمّل المسؤولية عن حملة القمع في درعا، عن منصبه. وفي أبريل (نيسان) 2011، أدرجته الولايات المتحدة على قائمة العقوبات على خلفية «انتهاكات لحقوق الإنسان».

وأوقف وسيم الأسد ابن عم الرئيس المخلوع في يونيو (حزيران) 2025، وهو أحد أبرز المتهمين بالضلوع في تجارة المخدرات في عهد الحكم السابق. وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات بحقه في عام 2023، قائلة إنه قاد وحدة شبه عسكرية، وكان «شخصية محورية» في شبكة إقليمية لتهريب المخدرات، بدعم من الحكم السابق.


«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلتزم بالهدنة ميدانياً ويهاجم سياسياً... بانتظار التسويات

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)
عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب وأطفالها يرفعون أعلام إيران و«حزب الله» (د.ب.أ)

رغم الإرباك المحيط بالوضع الأمني في جنوب لبنان، فإنَّ الواقع الميداني يعكس حقيقةً واضحةً، وهي التزام «حزب الله» بـ«الهدنة الهشة» ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، في حين يواصل بالوقت عينه مهاجمة مسار المفاوضات الذي تقوده الدولة اللبنانية للتوصُّل إلى وقف إطلاق النار، مع إصراره، ومن خلفه طهران، على نسب هذا الاتفاق إلى الدور الإيراني.

هذا التناقض بين العمل الميداني والخطاب السياسي يطرح تساؤلاً أساسياً: كيف سيتصرَّف الحزب إذا ما تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين طهران وواشنطن قبل أي اتفاق مباشر بين بيروت وتل أبيب؟

وخلفية هذا السؤال تأتي انطلاقاً من وقائع عدة أهمها، أن وقف إطلاق النار جرى تثبيته بعد جولة المفاوضات المباشرة الأولى التي عُقدت بين لبنان وإسرائيل، وليس بعد المفاوضات التي أُجريت بين أميركا وإيران، رغم أن طهران قد حاولت في بداية المفاوضات ربط وقف النار في لبنان بأي تفاهم مع واشنطن، ولوَّحت بعدم المضي في التفاوض إذا لم يتحقَّق ذلك، قبل أن تتراجع عملياً وتشارك في المحادثات رغم استمرار التصعيد حينها، إلى أن تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين بيروت وتل أبيب وتكرَّست «الهدنة الهشة» من قبل «حزب الله» وإسرائيل على حد سواء.

التزام ميداني... وتصعيد سياسي

من هنا، تظهر الوقائع اليومية أنَّ «حزب الله» التزم بالهدنة «المحدودة» منذ دخولها حيّز التنفيذ، وامتنع عن توسيع المواجهة رغم استمرار الخروقات الإسرائيلية، بحيث اقتصرت عملياته، في الجزء الأكبر منها، على المناطق التي لا تزال تحتلها إسرائيل. ويأتي ذلك مقابل خطاب تصعيد سياسي من قبل «حزب الله» عبر انتقاد المسار الذي اعتمدته الدولة اللبنانية، واعتباره أنَّ الهدنة الحالية جاءت نتيجة توازن الردع الذي فرضه، وبدعم من إيران.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

وهذا الواقع عبَّر عنه صراحة النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله قائلاً: «المقاومة لا تزال تقاتل في بنت جبيل، وصورة مقاوميها الأبطال يواجهون العدو بجنوده وطائراته تمثل لبنان الكرامة والعنفوان، أما السلطة فهي تقامر بوطنها على طاولة واشنطن».

ماذا لو سبق الاتفاق الإيراني - الأميركي التفاهم اللبناني؟

من هنا يُطرَح السؤال عمّا سيكون عليه موقف «حزب الله» إذا ما توصَّلت إيران والولايات المتحدة إلى تفاهم قبل إنجاز اتفاق نهائي بين لبنان وإسرائيل، إذ ورغم قناعة معظم الأطراف في لبنان بأنَّ قرار الحزب سيكون مرتبطاً بالقرار الإيراني، فإنَّ مقربين من الحزب ينفون هذا الأمر، لكنهم يجددون الربط بين استمرار «المقاومة» بشروط عدة، على رأسها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وهو ما ترفضه إسرائيل، وتضع نزع سلاح «حزب الله» أولويةً.

وفي هذا الإطار، تبدو مصادر وزارية مقتنعةً بأنَّ قرار «حزب الله» سيكون مرتبطاً بإيران، مُذكِّرةً في الوقت عينه بما حصل عند بدء المفاوضات الإيرانية - الأميركية وادعاء «حزب الله» أنَّ التوصُّل إلى الهدنة كان نتيجة المفاوضات الأميركية - الإيرانية، ومؤكدة أن ذلك لم يكن ليحصل لولا المفاوضات بين بيروت وتل أبيب.

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مركز للنزوح هربوا إليه خلال الحرب (رويترز)

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «إذا تضمَّن أي اتفاق أميركي - إيراني تهدئةً إقليميةً، فمن المرجّح أن يلتزم الحزب به، بوصفه جزءاً من هذا المحور، ما يعني تثبيت الهدوء في الجنوب بغض النظر عن مسار التفاوض اللبناني»، مشيرة كذلك إلى أنَّه في حال تمَّ التوصُّل إلى اتفاق أميركي - إيراني قبل انتهاء المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية فمن المرجح أن «يواصل الحزب الله النهج الحالي، أي التزام ميداني بالتهدئة مقابل خطاب سياسي معارض».

وترى المصادر أنه «في حال فشل المفاوضات الأميركية الإيرانية، فعندها بالتأكيد سيعمد الحزب إلى رفع مستوى التوتر، وقد يوسِّع نطاق المواجهات وصولاً إلى توسع الحرب مجدداً»، مضيفة: «لا سيما أنَّ (حزب الله) كان واضحاً أنَّه فتح (حرب إسناد إيران) رداً على اغتيال المرشد الإيراني».

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية - الإسرائيلية

شروط «حزب الله» أولاً

في المقابل، يعدّ المحلل السياسي المقرّب من «حزب الله» الدكتور قاسم قصير، أنّه من السابق لأوانه الحديث عن أي اتفاق، في ظلِّ عدم وضوح ما قد تقدم عليه إسرائيل. ويلفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه «في حال حصول انسحاب إسرائيلي، وعودة النازحين إلى قراهم، ووقف الاعتداءات، فلا يعود هناك سبب لاستمرار المواجهة. أما إذا استمرَّ الاحتلال وتواصلت الاعتداءات، فإنَّ (حزب الله) سيستمر في المواجهة، وهو أكد أنَّه لن يعود إلى ما كان عليه الوضع بعد اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) 2024». ويضيف: «لا يمكن الجزم بإمكان التوصُّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين لبنان وإسرائيل، في وقت تعلن فيه إسرائيل نيتها البقاء داخل لبنان، وإنشاء منطقة أمنية، وفرض حرية الحركة، ومنع عودة السكان وإعادة الإعمار». من هنا يرى أنه «في حال استمرار هذا الواقع، وحتى لو تمَّ التوصُّل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، فمن المستبعد أن يلتزم (حزب الله) بالتهدئة».


«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
TT

«الاعتدال العربي» يدعم لبنان بالمفاوضات ويؤيد تطبيق «الطائف» بلا تعديل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماع الحكومة (أرشيف - الرئاسة اللبنانية)

توقفت الأوساط السياسية اللبنانية أمام الحراك السياسي العربي في لبنان، والذي توج باتصالين هاتفيين من وزيري خارجية المملكة العربية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، ومصر بدر عبد العاطي برئيس المجلس النيابي نبيه بري بالتزامن مع اللقاءات التي عقدها مستشاره الأمير يزيد بن فرحان برئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام إضافة إلى بري، وشملت لاحقاً ممثلين عن معظم الكتل النيابية.

ولاحظت المصادر ارتياحاً يُفترض أن ينعكس على تنقية العلاقات بين المسؤولين اللبنانيين وعودة التواصل بين أركان الدولة وتفعيل الإنتاج الحكومي وتنفيس الاحتقان الداخلي لتحصين الاستقرار العام والحفاظ على السلم الأهلي كونه يتصدر الخطوط الحمر، من وجهة نظر المملكة العربية السعودية، مدعوماً بتماسك داخلي وبانتظام عمل المؤسسات الدستورية، وصولاً لاستكمال تطبيق «الطائف» من دون أي تعديل.

وكانت لافتة اللقاءات التي عقدها الأمير يزيد بن فرحان بحضور السفير وليد بخاري وبمواكبة من سفراء «اللجنة الخماسية» القطري سعود بن عبد الرحمن آل ثاني، والمصري علاء موسى، والفرنسي هيرفيه ماغرو، باستثناء الأميركي ميشال عيسى لوجوده في واشنطن.

ويأتي هذا الحراك في سياق حرص أشقاء لبنان، المدرجين على خانة «الاعتدال العربي»، على إسداء رزمة من النصائح للبنانيين بعدم إضاعة الفرصة مع استعداد بلدهم للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تستدعي منهم توحيد الموقف، خصوصاً وأنها قد تكون الأخيرة لعودة الاستقرار إلى الجنوب وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية بين البلدين.

ونقلت مصادر نيابية ووزارية عن جهات فاعلة في منظومة «الاعتدال العربي» دعوتها القوى السياسية الفاعلة لعدم التفريط في الفرصة المتاحة أمام الحكومة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي كشرط لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة، وذلك بالرهان على الإدارة الأميركية التي يقف على رأسها دونالد ترمب. وقالت لـ«الشرق الأوسط» بأن الفرصة قد لا تتجدد بوجود رئيس يرفع سمّاعة الهاتف ويلزم رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو بتمديد وقف إطلاق النار بينه وبين لبنان لثلاثة أسابيع.

ولفتت إلى أن هذه الدول تنصح بوجوب الحفاظ على تماسك المؤسسات الدستورية المعنية بالمفاوضات والتي يقف على رأسها رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام. وأكدت بأن تمتين العلاقة بينهم والحفاظ على ديمومتها هي بمثابة خط أحمر من غير الجائز تجاوزه في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي يمر بها لبنان، وأن استهدافهم من أي كان لا مبرر له وفي غير محله، وأن الضرورة تقضي بتعاونهم وانفتاحهم على القوى السياسية.

شعار مؤيد لقرارات الرئيس اللبناني جوزيف عون مكتوب على صورة عملاقة له في أحد شوارع بيروت (أ.ف.ب)

وكشفت المصادر بأن منظومة «الاعتدال العربي» تراهن على جرأة عون باتخاذه القرارات الجريئة، وحكمة بري في تدويره للزوايا واستيعابه لـ«حزب الله» وتوفير الغطاء السياسي لاستمرار الحكومة وعدم تهديدها من الداخل رافضاً استخدام الشارع لإسقاطها لأنه تجاوز للخطوط الحمر التي رسمتها وتنصح بها للحفاظ على السلم الأهلي واستتباب الوضع الأمني.

وأكدت بأن اتفاق «الطائف» الذي كان للسعودية دور رئيسي في التوصل إليه برعايتها المباشرة لاجتماع النواب اللبنانيين كان وراء وضع حد للحرب الأهلية، وهو الآن بمثابة الناظم الوحيد للعلاقات بين المؤسسات الدستورية، امتداداً إلى الطوائف اللبنانية بداخل الحكومة.

ورأت بأن هذه الدول تدعو لاستكمال تطبيق «الطائف» وتنقيته من الشوائب التي ترتبت على سوء تنفيذ بعض بنوده وتجميد العمل ببعضها الآخر، وقالت إن الظروف السياسية الراهنة مواتية أكثر من أي وقت مضى لوضع بنوده التي ما زالت عالقة موضع التنفيذ، لأن من أعاق تطبيقها في حينها هو النظام السوري السابق بالتعاون مع المنظومة الأمنية- السياسية اللبنانية التي وضعت يدها على البلد في ظل الوصاية السورية التي فرضتها عليه.

وأكدت المصادر نقلاً عن هذه الدول بأنه لا مجال لإدخال تعديلات على اتفاق «الطائف» ما لم يُستكمل بتطبيق ما تبقى من بنوده، وبعدها لكل حادث حديث. ولفت إلى أن تطبيقه هو بمثابة الغطاء السياسي الوحيد لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة بحصرها السلاح في يدها، في إشارة لسلاح «حزب الله»، علماً بأن النظام السوري السابق هو من أبقى على سلاح الحزب وأعاق استكمال جمعه لقطع الطريق عن مطالبته بتطبيق البند الخاص بجيشه الذي نص على إعادة انتشاره بالتموضع في البقاع.

وأشارت إلى أن بسط سلطة الدولة على أراضيها كافة يأتي ضمن خطة أمنية سياسية متكاملة تقضي بانسحاب إسرائيل الكامل للحدود الدولية وتجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه. وقالت إن المقصود من العودة السياسية للدولة إلى الجنوب يكمن في طمأنة أهله بإعادة إعمار بلداتهم المدمّرة تمهيداً لعودتهم الآمنة إلى بيوتهم.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مستقبلاً سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن ومسؤولين في «الخارجية» الأميركية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض الخميس (أ.ب)

ورداً على سؤال، نقلت المصادر عن هذه الدول وقوفها إلى جانب لبنان في مفاوضاته مع إسرائيل وضرورة الالتفاف حول الدولة ومنحها الفرصة، وأنه لا مبرر لـ«حزب الله» بإصداره الأحكام المسبقة على النيات قبل أن تبدأ المفاوضات، ومطالبته بصرف النظر عنها برغم أنه يدرك بأنه لا بديل عن الخيار الدبلوماسي بعد أن جرَّب الحل العسكري بإسناده لغزة وإيران، وما ألحقه بالجنوب ومناطق لبنانية أخرى من كوارث على جميع المستويات، بشرية كانت أو مادية.

وأكَّدت بأن لبنان يستعد لخوض المفاوضات بتأنٍّ وحذر، وهو يراهن على ترمب للضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب التي تأمل بأن تكون الأخيرة، وقالت نقلاً عن أصدقاء لبنان على الصعيدين العربي والدولي بأنها تتفهم الرفض المبدئي لبري للمفاوضات المباشرة، لكنها لاحظت أنه «لم يشهر سلاحه السياسي في وجه عون والحكومة، بخلاف (حزب الله)».

ودعت «حزب الله»، نقلاً عن أصدقاء لبنان، إلى التوقف عن لعبة شراء الوقت بذريعة استعداده لخوض حرب جديدة مع إسرائيل، وتمنَّت عليه التواضع، ولو مرحلياً، والكف عن المزايدات الشعبوية، ووقوفه خلف بري بتسجيل موقف مبدئي رافض بدلاً من إطلاق حملات التهديد والتخوين.

وجدَّدت قولها إن الاستقرار الحكومي أكثر من ضروري مع الاستعداد لخوض المفاوضات، وهي تعوّل على دور رئيس المجلس النيابي بالتدخل لدى حليفه لمنعه مجدداً من استخدامه الشارع لإسقاط الحكومة. وجدَّدت تأكيدها بأن الخطوط الحمر تشمل الرؤساء الثلاثة، ومن خلالهم الإبقاء على الحكومة، لأنه من غير الجائز إقحام البلد في فوضى بينما يستعد للمفاوضات. فاعتراض بري على المفاوضات المباشرة لا يلغي توافقه مع عون وسلام على الثوابت الوطنية وعدم التفريط فيها كأساس للدخول في مفاوضات يراد منها تحرير الأرض وعودة السكان.

عائلة نازحة في طريق عودتها إلى الجنوب محملة بالأغراض وعلى السيارة صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله (د.ب.أ)

لذلك فإن أصدقاء لبنان، بحسب المصادر، ينظرون إلى المفاوضات على أنها شأن داخلي ويكتفون بإسداء النصائح للبنانيين بعدم التفريط في آخر فرصة لإنهاء الاحتلال، شرط أن يلاقيهم ترمب في منتصف الطريق بالضغط على إسرائيل لإلزامها بالانسحاب إلى الحدود الدولية بالتلازم مع تجاوب «حزب الله» بتسليم سلاحه ودعوة إيران للتوصل لتسوية مع الولايات المتحدة، إلا إذا كانت لا تزال تراهن على ربط مصير لبنان بها، مع أنه لا مجال للتلازم بين المسارين، برغم إصرار «حزب الله» عليه كونه، من وجهة نظر خصومه، يشكل الفصيل العسكري المتقدّم لمحور الممانعة في الإقليم.