العراق يواجه جفافاً غير مسبوق... وعشرات السدود الإيرانية والتركية تعمق المشكلة

أزمة المياه تتفاقم في «بلاد ما بين النهرين»

أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
TT

العراق يواجه جفافاً غير مسبوق... وعشرات السدود الإيرانية والتركية تعمق المشكلة

أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
أطفال عراقيون يقفون على مركب راس في مجرى مائي ضربه الجفاف بمحافظة ذي قار (أ.ف.ب)
على امتداد التاريخ، كان الاسم الأشهر لما عرف ببلاد ما بين النهرين أو بلاد الرافدين هو «أرض السواد» لكثرة ما فيها من زرع ونخيل. وحتى ثمانينات القرن الماضي كانت أعداد النخيل في العراق تزيد عن 30 مليون نخلة، لكن المعلومات تفيد بأن ما بقي منها الآن أقل من النصف، والسبب الرئيسي هو الجفاف، ارتفاع نسبة ملوحة شط العرب، وعدم الاهتمام الحكومي. كما تميز نهرا دجلة والفرات طوال معظم عقود القرن العشرين بكثرة الفيضانات، الأمر الذي أجبر الأنظمة السياسية في البلاد، ملكية أم جمهورية، على بناء سدود.
ومع أن آخر فيضان كبير بالعراق هو الذي حصل عام 1954 وأغرق معظم مناطق العاصمة العراقية بغداد، فإن السدود التي أقيمت فيما بعد، وآخرها وأهمها سد الموصل الذي افتتح عام 1986، أسهمت إلى حد كبير في حماية المدن، والسكان، خصوصاً الذين يقطنون قرب الأنهار من الفيضانات.
ورغم استمرار أزمة المياه بين العراق وتركيا بالدرجة الأولى، وسوريا شطراً من سبعينات القرن الماضي كانت مستمرة، لكن لأسباب لا تتعلق بقلة المياه التي تأتي إلى العراق بوصفه دولة مصب، بقدر ما تتعلق بالحقوق الثابتة للعراق في مياه نهري دجلة والفرات، التي كان يراها غير قابلة للتصرف، بصرف النظر إن كان يستخدم كل الكميات الداخلة إلى العراق بالزراعة أو توليد الطاقة الكهربائية أو تذهب إلى الخليج. لذلك استمرت أزمة المياه على المستوى السياسي مع الدول التي تتشاطأ على دجلة والفرات (تركيا وسوريا) قبل أن تنشأ في وقت لاحق أزمة مع إيران في السنوات القليلة الماضية، حين بدأت إيران تغلق الأنهار التي تغذي بعض الروافد العراقية، لا سيما في محافظة ديالى، بحيث تصل حد الجفاف الكلي مثلما هو حاصل اليوم، أو تفتحها في مواسم الفيضانات، بحيث تغرق قرى عراقية حدودية بالكامل مثلما حصل قبل بضع سنوات عندما هطلت كميات كبيرة من الأمطار في أحد المواسم.

*دجلة الظمآن
لكن الأمر اختلف الآن كلياً. فمنذ نحو أكثر من عقد يعاني العراق شحاً واضحاً في المياه إلى حد أن نهر دجلة يعبر من بعض المناطق مشياً على الأقدام، حيث بات يعاني من الجفاف والتصحر والعواصف الترابية. نهر دجلة الذي طالما تغنى به كبار شعراء العراق، في مقدمتهم محمد مهدي الجواهري، الذي يصفه قائلاً «حييت سفحك عن بعد فحييني/ يا دجلة الخير يا أم البساتين/ حييت سفحك ظمآناً ألوذ به/ لوذ الحمائم بين الماء والطين». نهر دجلة الذي هو توأم نهر الفرات وينبع من تركيا، ويمر عبر مسافة قصيرة في سوريا، ثم يدخل الأراضي العراقية من جهة محافظة نينوى، بات في حالة يرثى لها، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الزراعية بأهم المحاصيل الاستراتيجية، في مقدمتها القمح والأرز، بالإضافة إلى المحاصيل الحقلية والخضراوات، بحيث جعلت العراق يستورد كل شيء، بينما كان يصدر في خمسينات وستينات وشطر من سبعينات القرن الماضي شتى أنواع المحاصيل، ويكتفي ذاتياً بالكثير منها، في مقدمتها القمح والشعير والذرة وغيرها. الجفاف تسبب بهلاك أبرز موارد العراق المائية، في مقدمتها بحيرتا حمرين وساوة. جفافٌ بات يهدد العراقيين بأن كنوز بلاد الرافدين في طريقها للتلافي.

عراقيون يعبرون أمام نهر ديالى الذي تراجع منسوبه بشكل كبير (أ.ب)

عراقيون يعبرون أمام نهر ديالى الذي تراجع منسوبه بشكل كبير (أ.ب)

*تشخيص وحلول
وزير البيئة العراقي الدكتور جاسم الفلاحي، يقول في حديث إلى «الشرق الأوسط»، إن «الحديث عن الحراجة المائية يقصد به عدم وصول مياه ذات نوعية جيدة إلى محافظات أسفل النهر، على سبيل المثال البصرة وميسان وذي قار والمثنى. وعلينا أن نأخذ في الاعتبار أن الأهوار العراقية، التي تشكل بيئة فريدة وفلتراً طبيعياً، ساهمت على مدى آلاف السنين في الحفاظ على النظام البيئي، ليس فقط في جنوب العراق وإنما في الدول المجاورة، لذلك يجب ألا تعامل على أنها خزان لخزن المياه الفائضة عن الحاجة، أو لتفادي أخطار الفيضان، وإنما ضرورة لاستدامة هذا النظام الإيكولوجي الفريد من نوعه». ويضيف أن «العراق يعاني، وللسنة الثالثة على التوالي، من جفاف نتيجة تناقص معدل تساقط الأمطار بشكل غير مسبوق، حيث تراجعت حصتنا المائية إلى أقل من 30 في المائة من احتياجاتنا الأساسية». ويرجع الفلاحي ذلك إلى «مشاريع في دول المنبع، وبسبب تأثير التغييرات المناخية، التي أثرت بشكل حقيقي على إيراداتنا المائية، فضلاً عن زيادة تأثير العواصف الغبارية والجفاف والتصحر»، مبيناً أنه «يجب العمل على تخصيص نسبة ثابتة للأهوار العراقية، خصوصاً في محافظات الوسط والجنوب».
في سياق ما يعانيه العراق على مستوى شح المياه والتصحر والجفاف، يقول خبير الحدود والمياه الدولية في «مركز النهرين للدراسات الاستراتيجية» اللواء الركن الدكتور جمال إبراهيم الحلبوسي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشرق الأوسط يشهد، إسوة بمناطق العالم، تغيرات مناخية بسبب الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الأرض، حيث تعد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المتراكمة الأكثر ضرراً في التأثيرات المناخية، وهذا يزيد من معاناة الدول العربية مثل مصر واليمن وعُمان والأردن وسوريا بسبب شح في المياه وازدياد في التصحر. ويأتي العراق ضمن المجموعة الثانية من دول الضرر في العقود المقبلة». ويوضح أن «من أسباب معاناة العراق من حالة الجفاف المستمرة، التزايد السكاني وتقليص الأراضي الزراعية وعدم استخدام الطرق الحديثة في الري والسقي، وتغييرات جودة ونوعية المياه البيئية بسبب المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي، وتداخل قنوات المباذل مع الأنهار العذبة، والتبخر، وانتشار أحواض الأسماك داخل مجاري الأنهار، وتجاوزات استخدام الحصص المائية بين المحافظات».

*الدور التركي والإيراني
رداً على سؤال بشأن الدور التركي والإيراني في هذا المجال، يقول الحلبوسي إن «دور كل من إيران وتركيا يعد دوراً سلبياً جداً مع العراق رغم كل الاتفاقيات والبروتوكولات الموقعة معهما، حيث كانت حصة مياه العراق في نهري دجلة والفرات وروافدهما لا تقل عن 100 مليار م3 قبل عام 1990، فللعراق مع تركيا 8 أنهار تناقصت نسب حصتهما إلى 40 في المائة، بعد إنشائها أكثر من 23 سداً كبيراً وقرابة 100 سد صغير لحصاد الأمطار». وأوضح أن «إيران هي الأخرى قامت بإنشاء أكثر من 80 سداً لقطع مياه الأنهار المشتركة، البالغ عددها 42 نهراً ومجرى مائياً محددة ببروتوكول مستقل باتفاقية الجزائر ومحاضر مشتركة كثيرة، وهي مؤشرة مع إيران لمحافظاتنا (السليمانية 11 نهراً - ديالى 17 نهراً - الكوت 4 أنهار - العمارة 7 أنهار - البصرة 3 أنهار). وجراء هذا، أصبحت الأراضي العراقية في جانب دجلة تعاني من شح متزايد بسبب قلة المياه، وفي جهة نهر الفرات أيضاً أصابها شح المياه، خصوصاً في السماوة والناصرية مع تدني خزين البحيرات العراقية جميعها، وظهرت أكثر الأضرار التي حصلت الآن في الأهوار الجنوبية وبحيرات الرزازة وحمرين والحبانية وحديثة».
بشأن المعالجات والحلول، يقول الحلبوسي إن «من أهم المعالجات والحلول هي المطالبة بالحصص المائية المنصفة مع الدول المجاورة تركيا وإيران وسوريا، بموجب الاتفاقيات والبروتوكولات المشتركة واتفاقية الأمم المتحدة للأنهار والمجاري غير الملاحية الموقعة في جنيف عام 1997، التي أصبحت ملزمة لكل الدول المتشاطئة ووضع خطط محلية كفيلة باستخدام المكننة الحديثة في الري والسقي، وتدوير المياه، ومعالجة تصريف المخلفات الصناعية والطبية والصرف الصحي والمبازل وأحواض الأسماك، واستخدام المياه الجوفية للتشجير».

عراقيون يعملون في حقل أرز في النجف (رويترز)

عراقيون يعملون في حقل أرز في النجف (رويترز)
*صالح على خط الأزمة
الرئيس العراقي برهم صالح، أحد المهتمين الكبار في العراق بأزمة شح المياه والتصحر والجفاف، طالما حذر من المخاطر المترتبة على ذلك، لا سيما في ظل حصول انفجار سكاني كبير في البلاد. ففي كلمة له بعد تداول أخبار عن جفاف بحيرة ساوة جنوب العراق، حذر من «حدوث انفجار سكاني هائل بعد عقد من الزمن في العراق». صالح الذي كتب سلسلة تغريدات حول المشكلة، وصف بحيرة ساوة التي تقع في محافظة المثنى بأنها «لؤلؤة الجنوب في السماوة، أتذكر زيارتي لها مع والدي عندما كنتُ يافعاً، منبهراً بجمالها وبريقها»، مؤكداً أن «جفافها أمر مؤسف وتذكير قاس بخطر التغير المناخي الذي يشكل تهديداً وجودياً لمستقبلنا في العراق والمنطقة والعالم، لذا يجب أن يصبح التصدي لتغير المناخ أولوية وطنية للعراق».
وأضاف أن «عدد سكان العراق اليوم أكثر من 41 مليوناً، وسيكون 52 مليوناً بعد عشر سنوات، ستترافق مع زيادة الطلب على المياه. التصحر يؤثر على 39 في المائة من أراضينا وشح المياه يؤثر الآن سلباً على كل أنحاء بلدنا، وسيؤدي إلى فقدان خصوبة الأراضي الزراعية بسبب التملح». وأشار صالح إلى أن «العراق في المرتبة الخامسة من أكثر البلدان هشاشة عالمياً لجهة نقص المياه والغذاء ودرجات الحرارة القصوى»، متوقعاً «وصول العجز المائي في العراق إلى 10.8 مليار متر مكعب بحلول عام 2035 حسب دراسات وزارة الموارد المائية بسبب تراجع مناسيب دجلة والفرات والتبخر في مياه السدود وعدم تحديث طرق الري».
وكان صالح طرح العام الماضي مبادرة إنعاش بلاد الرافدين، وتمت الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء.

*ماذا في جعبة إلينا؟

السفيرة الأميركية الجديدة لدى العراق إلينا رومانوسكي، أعلنت حال مباشرتها عملها في العراق مؤخراً، أنها تحمل تفويضاً لمواصلة دعم إدارة الموارد المائية في العراق وتعزيز اكتفائه الذاتي. وكتبت رومانوسكي في مقال: هنا في العراق «بلاد ما بين النهرين»، يُعد ضمان إمدادات المياه للعراق مصلحة استراتيجية تشترك فيها الولايات المتحدة مع العراقيين. لقد تزامن وصولي الشهر الماضي مع بداية صيف آخر طويلٍ حارٍ وجاف. وفي مستهلِ لقاءاتي مع المسؤولين العراقيين، أدهشني قلقهم بشأنِ أزمة شح المياه وآثار الجفاف على البلاد. وكما هو الحال مع البلدان الأخرى في جميع أنحاء العالم، يؤدي الأمن المائي دوراً حاسماً في ضمان سلام العراق وازدهاره. بيدَ أنه يواجه العديد من العراقيين تحديات متزايدة في الحصولِ على المياه النظيفة اللازمة للحياة اليومية». وأضافت: «يعتمد العراق على جيرانه في المنبع، إذ يواجهون جميعاً تحديات المياه الخاصة بهم. وتشير التوقعات الطويلة الأمد إلى أن العراق سوف يحصل على الحد الأدنى من الأمطار الإضافية خلال الأشهر الستة المقبلة. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا الوضع بمثابة فرصة أمام العراق لإنجاز الكثير بمفرده، وحتى أكثر من ذلك مع التزام الولايات المتحدة بالعمل إلى جانب العراق بصفتها شريكاً داعماً». وأكدت رومانوسكي أن «الولايات المتحدة ترغب بمساعدة الشعب العراقي في ضمان الحصول على الموارد المائية التي يحتاجها في الحياة اليومية والزراعة والصناعة»، مبينة أن «تقليل حصة المياه المستخدمة في الزراعة من خلال استخدام تقنيات ري حديثة وفعالة والاستثمار في البنية التحتية للمياه يعد من الأمور الأساسية لمستقبل المياه في العراق. في يوليو (تموز)، سيسافر 25 مهندساً حكومياً من المختصين في مجال المياه والزراعة إلى غرب الولايات المتحدة لزيارة منطقة تواجه تحدياً مماثلاً بسبب شح المياه. حيث سيتسنى لهم التعاون مع خبرائنا والاطلاع عن كثب حول كفاءة الري والحفاظ على المياه والتحكم في الملوحة». وأوضحت أن «هيئة المسح الجيولوجي الأميركية تواصل تدريب المهندسين العراقيين على كيفية حساب تراكم المياه واستهلاكها في حوض دجلة والفرات من خلال مصادر البيانات المختلفة. ستساعد هذه الجهود في ضمان حصول العراق على بيانات قابلة للتنفيذ وذات رصانة علمية عندما يتعلق الأمر بطاولة المفاوضات مع جيرانه».
ويبدو من حديث السفيرة الأميركية أن مستوى العلاقة بين بغداد وواشنطن سوف ينتقل إلى مستوى جديد يجسد إلى حد كبير روح ومضمون الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة بين البلدين عام 2009، التي تلزم الولايات المتحدة بتقديم شتى أنواع المساعدة للعراق على كافة المستويات في ميادين الاقتصاد والتنمية المستدامة.


مقالات ذات صلة

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

المشرق العربي انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

انفجار في السليمانية... وأنباء عن استهداف قائد «قسد»

راجت أنباء عن وقوع محاولة لقتل مسؤول كردي سوري بارز في السليمانية بشمال العراق مساء اليوم الجمعة. فقد أورد موقع «صابرين نيوز» القريب من الحرس الثوري الإيراني، نقلاً عن «مصادر كردية»، أن قصفاً استهدف قائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي «في محاولة اغتيال فاشلة بواسطة طائرة مسيّرة». من جهتها، أعلنت مديرية قوات الأمن (آسايش) في مطار السليمانية أنها تحقق في انفجار وقع قرب سياج مطار السليمانية دون أن يسفر عن خسائر بشرية أو مادية، مشيرة إلى أن فرق الإطفاء تمكنت من السيطرة على الحريق الناجم عنه سريعاً، بحسب موقع «رووداو» الكردي.

المشرق العربي مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

مسيحيات فررن من العراق يتعلمن مهارت الخياطة لكسب لقمة العيش

في إحدى الكنائس في الأردن، تخيط العشرينية سارة نائل قميصاً ضمن مشروع أتاح لعشرات النساء اللواتي فررن من العنف في العراق المجاور، مهارات لكسب لقمة العيش. نجت نساء عديدات بصعوبة من العنف المفرط الذي مارسته «دولة الخلافة» التي أعلنها تنظيم «داعش» على مساحات واسعة من العراق وسوريا، قبل أن ينتهي بهن المطاف في الأردن يعانين للحصول على عمل. تنكب سارة نائل (25 عاماً)، وهي لاجئة مسيحية عراقية من بلدة قرقوش تعلمت مهنة الخياطة في الطابق الثالث في كنيسة مار يوسف في عمان، على ماكينة الخياطة في طرف المكان لتخيط قطعة قماش مشرقة زرقاء اللون تمهيداً لصنع قميص. وتقول سارة التي وصلت إلى الأردن عام 2019 وبدأت تعم

«الشرق الأوسط» (عمّان)
المشرق العربي «الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

«الشيوخ الأميركي» يقترب من إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة، أمس (الاثنين)، لصالح الدفع قدماً بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة تأكيد دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال. وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتاً، أي تجاوز الستين صوتاً اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو، مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

خطوة جديدة في «الشيوخ» الأميركي نحو إلغاء تفويضي حربي العراق

صوت مجلس الشيوخ الأميركي بأغلبية ساحقة أمس (الاثنين) لصالح الدفع قدما بتشريع لإلغاء تفويضين يعودان لعقود مضت لشن حربين في العراق مع سعي الكونغرس لإعادة التأكيد على دوره بخصوص اتخاذ قرار إرسال القوات للقتال، وفقاً لوكالة «رويترز». وانتهى التصويت بنتيجة 65 إلى 28 صوتا أي تجاوز الستين صوتا اللازمة في مجلس الشيوخ المؤلف من مائة عضو مما يمهد الطريق أمام تصويت على إقراره في وقت لاحق هذا الأسبوع. وجميع الأصوات الرافضة كانت لأعضاء في الحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي 20 عاماً على الزلزال العراقي

20 عاماً على الزلزال العراقي

تحلُّ اليومَ، الأحد، الذكرى العشرون للغزو الأميركي للعراق، وهو حدثٌ كان بمثابة زلزال ما زالت المنطقة تعيش تداعياتِه حتى اليوم. لم يستمع الرئيسُ الأميركي آنذاك، جورج دبليو بوش، لتحذيراتٍ كثيرة، غربيةٍ وعربية، سبقت إطلاقَه حرب إطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين عام 2003، وحذرته من أنَّ خطوتَه ستفتح «باب جهنم» بإدخال العراق في فوضى واقتتال داخلي وستسمح بانتشار التطرفِ والإرهاب. أطلق بوش حملةَ إطاحة صدام التي أطلق عليها «الصدمة والترويع» ليلة 19 مارس (آذار) بقصفٍ عنيف استهدف بغداد، في محاولة لقتل الرئيس العراقي، قبل إطلاق الغزو البري.


شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.


حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ميلادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ميلادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

ورأى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الأمين العام لـ«حزب الله»، (الشيخ نعيم قاسم)، «يلعب بالنار»، مهدداً بأنها «ستحرق لبنان». وقال كاتس للمنسّقة الخاصّة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس-بلاسخارت، وفقاً لبيان وزّعه مكتبه: «نعيم قاسم يلعب بالنار، وهذه النار ستحرق (حزب الله) وكل لبنان. إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء تحت جناح منظمة (حزب الله) الإرهابية، فستندلع النار وتحرق أرز لبنان».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هشٍّ لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، مما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا، أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، مما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفتها بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، مما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجوا تحت القصف من دون أن يتمكنوا من حمل أيٍّ من مقتنياتهم، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآنيّ)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه المرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، مما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».