تونس تعدّ لـ«قانون الانتخابات»... بعد إقرار الدستور

الاتحاد الأوروبي يدعو إلى «حوار وطني شامل» قبل الاقتراع التشريعي

أعضاء الهيئة العليا للانتخابات التونسية لحظة الإعلان عن نتائج الاستفتاء على دستور البلاد الجديد ليلة أول من أمس (أ.ب)
أعضاء الهيئة العليا للانتخابات التونسية لحظة الإعلان عن نتائج الاستفتاء على دستور البلاد الجديد ليلة أول من أمس (أ.ب)
TT

تونس تعدّ لـ«قانون الانتخابات»... بعد إقرار الدستور

أعضاء الهيئة العليا للانتخابات التونسية لحظة الإعلان عن نتائج الاستفتاء على دستور البلاد الجديد ليلة أول من أمس (أ.ب)
أعضاء الهيئة العليا للانتخابات التونسية لحظة الإعلان عن نتائج الاستفتاء على دستور البلاد الجديد ليلة أول من أمس (أ.ب)

بعد إعلان الهيئة العليا للانتخابات التونسية عن النتائج الأولية للاستفتاء على الدستور الجديد، وتأكيدها أن 94.60 في المائة من المشاركين صوّتوا لإقراره، أعلن الرئيس قيس سعيّد أنه سيصدر حزمة من المراسيم استعداداً للانتخابات التشريعية إلى جانب وضع محكمة دستورية.
وقالت الرئاسة في بيان إن الرئيس شدد على ضرورة إعداد قانون يتعلق بالانتخابات لانتخاب مجلس نواب الشعب، ثم انتخاب أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم (الغرفة الثانية)، الذي يقتضي نظاماً انتخابياً خاصاً. كما سيصدر مشروع قانون خاص بالمحكمة الدستورية، على أن يتكون مجلسها من تسعة أعضاء يمثلون القضاة الأكبر سناً في الاختصاصات المعنية.
ويأتي ذلك فيما تستعد المعارضة للتشكيك في نتائج الاستفتاء، والتأكيد على ضعف المشاركة بحجة تسجيل غياب أكثر من ثلثي الناخبين، ومن ثم الطعن في المسار الانتخابي برمته.
ودعت الولايات المتحدة السلطات التونسية إلى وضع قانون انتخابي «شامل وشفاف» قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في 17 ديسمبر (كانون الأول) المقبل. وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس، إن واشنطن تواصل التأكيد على أهمية احترام الفصل بين السلطات، وعلى وضع قانون انتخابي شامل وشفاف يتيح المشاركة الواسعة في الانتخابات المقرر إجراؤها نهاية العام.
من جانبه، دعا الاتحاد الأوروبي إلى «حوار شامل» قبل الاقتراع التشريعي، وقال إنه تابع النتائج المؤقتة للاستفتاء الدستوري، مشدداً على أن الإجماع الواسع بين القوى السياسية المختلفة «ضروري لنجاح العملية التي تحافظ على المكاسب الديمقراطية، وهي ضرورية لجميع الإصلاحات السياسية والاقتصادية الرئيسية التي ستجريها تونس».
ودعا المسؤول عن السياسة الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل، في بيان نشره باسم الدول الأعضاء، السلطات التونسية إلى «الحفاظ» على الحريات الأساسية. وأشار البيان إلى أن استفتاء 25 يوليو (تموز) سجل «نسبة مشاركة ضعيفة»، مؤكداً أن «شرعية واستدامة هذه الإصلاحات رهن بذلك».
...المزيد



الإمارات تدين استهداف قنصليتها في كردستان العراق بطائرة مسيّرة

وزارة الخارجية الإماراتية (وام)
وزارة الخارجية الإماراتية (وام)
TT

الإمارات تدين استهداف قنصليتها في كردستان العراق بطائرة مسيّرة

وزارة الخارجية الإماراتية (وام)
وزارة الخارجية الإماراتية (وام)

أدانت دولة الإمارات بشدة الهجوم الإرهابي بطائرة مسيّرة الذي استهدف القنصلية العامة للدولة في إقليم كردستان العراق، وذلك للمرة الثانية خلال أسبوع، في حادثة أسفرت عن إصابة عنصرين من أفراد الأمن، وإلحاق أضرار بمبنى القنصلية.

وأكدت وزارة الخارجية الإماراتية، في بيان، أن استهداف البعثات والمقار الدبلوماسية يُعد انتهاكاً صارخاً لجميع الأعراف والقوانين الدولية، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية التي تكفل الحصانة الكاملة للمباني الدبلوماسية وموظفيها، مشيرة إلى أن مثل هذه الاعتداءات تمثل تصعيداً خطيراً يهدد الأمن والاستقرار في المنطقة.

وطالبت الإمارات حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان بفتح تحقيق في ملابسات الهجوم، وتحديد الجهات المسؤولة عنه، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمحاسبة المتسببين، مؤكدة رفضها القاطع لمثل هذه الهجمات التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار.

وشددت الوزارة على ضرورة توفير الحماية الكاملة للمقار والبعثات الدبلوماسية والعاملين فيها، وفقاً للقوانين والمواثيق الدولية.

في سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية أن الدفاعات الجوية تعاملت اليوم مع 9 صواريخ باليستية و33 طائرة مسيّرة قادمة من إيران.

وأوضحت الوزارة أنه منذ بدء الاعتداءات الإيرانية تعاملت الدفاعات الجوية الإماراتية مع 294 صاروخاً باليستياً و15 صاروخاً جوالاً، إضافة إلى 1600 طائرة مسيّرة.

وأسفرت هذه الهجمات عن 6 حالات وفاة من جنسيات إماراتية وباكستانية ونيبالية وبنغلادشية، إضافة إلى 141 إصابة تراوحت بين بسيطة ومتوسطة شملت عدداً من الجنسيات المقيمة في البلاد.

وأكدت وزارة الدفاع أن القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية للتعامل مع أي تهديدات، والتصدي بحزم لكل ما يستهدف زعزعة أمن الدولة، بما يضمن حماية سيادتها وأمنها واستقرارها، وصون مصالحها ومقدراتها الوطنية.


الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وباريس لإطلاق مرحلة جديدة من التهدئة الدبلوماسية

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

تسارعت خطوات التقارب بين الجزائر وفرنسا في الأسابيع الأخيرة، بما يؤكد وجود إرادة سياسية قوية لطيّ الخلافات التي اندلعت في صيف 2024. كما لوحظ غياب حدّة التصريحات من الجانبين، لتحلّ محلها لغة التهدئة، واستحضار القواسم المشتركة، ما يوحي بأن التطبيع بات وشيكاً.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وتلوح في الأفق مؤشرات قوية إلى قرب عودة السفير الفرنسي ستيفان روماتيه إلى الجزائر؛ حيث كشفت تقارير متطابقة نقلتها مجلة «جون أفريك» الفرنسية نصف الشهرية، في آخر عدد لها، عن «عدم ممانعة» الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في عودة الدبلوماسي الفرنسي لممارسة مهامه بالعاصمة الجزائرية.

وقد برز هذا الملف بوضوح خلال زيارة وزير الداخلية الفرنسي، لوران نونيز، إلى الجزائر يومي 16 و17 فبراير (شباط) الماضي؛ إذ أكد الرئيس تبون خلال محادثات جمعته بالوزير الفرنسي أن السفير روماتيه يمكنه استئناف عمله، حسب التقارير نفسها.

السفير الفرنسي في الجزائر (السفارة)

وفُسر «ترحيب» تبون المفترض بعودة روماتيه بأنه خطوة ملموسة نحو التهدئة، تهدف إلى كسر جمود التوتر الذي طبع علاقات البلدين منذ أن أعلن الإليزيه في يوليو (تموز) 2024، دعمه الصريح لمخطط الحكم الذاتي الخاص بالصحراء تحت السيادة المغربية. وعلى أثرها سحبت الجزائر سفيرها من باريس، ولم يعد إلى منصبه حتى اليوم.

سفير في قلب العاصفة

غاب ستيفان روماتيه عن منصبه منذ أبريل (نيسان) 2025، حين قرر الرئيس إيمانويل ماكرون استدعاءه إلى باريس في ذروة أزمة دبلوماسية حادة، جاءت إثر سلسلة من الأحداث المعقدة، كان أبرزها «قضية خطف اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص»، وقرار الجزائر ترحيل 12 دبلوماسياً فرنسياً، إثر اتهام موظف قنصلي جزائري بباريس بالوقوف وراء عملية الاختطاف، التي لم تُحقق هدفها في النهاية وهو تصفيته، أو على الأقل ترحيله سراً إلى الجزائر.

وزير الداخلية الفرنسي مع عميد مسجد باريس ورئيسة بلدية باريس (مسجد باريس)

وردّت باريس على طرد دبلوماسييها بإجراء مماثل، شمل استدعاء سفيرها وطرد 12 دبلوماسياً جزائرياً. كما زاد تقرير بثته قناة «فرانس 2» من حدّة الخلافات، بعد أن أثار محتواه غضب السلطات الجزائرية التي عدّته مسيئاً.

وبلغت الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وباريس منعطفاً حاداً في الأسبوع الأخير من شهر يناير (كانون الثاني)، بعدما أعلنت «القناة الدولية الجزائرية» الحكومية أن السفير الفرنسي ستيفان روماتيه أصبح «غير مرحب به» في الجزائر، رداً على مشاركته في وثائقي بثه التلفزيون العمومي «فرانس 2»، عدّته السلطات الجزائرية «اعتداءً على مؤسسات الدولة، وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية».

وزير الداخلية الفرنسي خلال إلقاء كلمة في الإفطار الرمضاني السنوي بمسجد باريس الكبير (المسجد)

وتناول التحقيق ما وصفه بـ«حرب خفية» بين البلدين، تقوم على صراع الروايات وتبادل الاتهامات. كما ظهر فيه المعارض أمير بوخرص مهاجماً الرئيس تبون؛ حيث اتهمه بإعطاء الضوء الأخضر لمحاولة خطفه عام 2024 قرب باريس، وهي قضية تقول التحقيقات الفرنسية إنها تورط فيها 8 جزائريين بينهم دبلوماسيان.

وظهر السفير ستيفان روماتيه في التقرير، معتبراً أن البلدين قادران على تجاوز الخلافات، غير أن الجزائر عدّت مشاركته «خطأ جسيماً»، ورأت فيها مؤشراً على دعم من الحكومة الفرنسية لمضمونه.

بوادر الانفراج

وشكّلت زيارة لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي نقطة تحول محورية؛ حيث ناقش الوزير الفرنسي مع مسؤولين جزائريين ملفات أمنية وسياسية حساسة، كان من بينها الوضع القانوني والبروتوكولي للسفير.

ويُنظر اليوم إلى «الضوء الأخضر»، الذي منحه الرئيس تبون لعودة روماتيه، بوصفه بادرة حسن نية لترميم جسور الثقة، وفق التقارير نفسها التي استندت إليها «جون أفريك». وفي تقدير متتبعي تطورات الأزمة، ستضع عودة روماتيه، في حال تأكدت، حجر الأساس لمرحلة جديدة من الحوار الدبلوماسي المستقر، وتنهي واحدة من أصعب فترات الفتور بين باريس والجزائر.

وسبق هذا المؤشر الإيجابي، مبادرة لافتة على تحسن تدريجي في العلاقات الثنائية، تمثلت في موافقة فرنسا على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين جدد، معلنة بذلك عن طي «أزمة تبادل طرد الدبلوماسيين». وتم ذلك في سياق نتائج زيارة نونيز.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وعاد لوران نونيز، الخميس الماضي، إلى العلاقات مع الجزائر بمناسبة حضوره الإفطار السنوي الرمضاني، الذي ينظمه «مسجد باريس الكبير» المموَل جزائرياً، مشيداً في كلمة قرأها، بأهمية الحوار بين باريس والجزائر، منتقداً في الوقت نفسه مواقف سلفه برونو روتايو، الذي تصدّر الأزمة لمدة عام تقريباً، وبعض القوى اليمينية التي تدعو إلى التصعيد مع الجزائر.

وشدد نونيز في خطابه، الذي نشره «مسجد باريس» بموقعه، على أن «الحوار (مع الجزائر) يبقى الخيار الأكثر فاعلية لتجاوز الخلافات»، مشيراً إلى أن زيارته للجزائر ولقاءه رئيسها، أسهم في إعادة إطلاق التعاون بين البلدين في مجالي الأمن والهجرة بعد نحو 18 شهراً من الجمود.

وتطرّق نونيز أيضاً إلى أوضاع المسلمين في فرنسا، مشيراً إلى إحصاء 326 اعتداءً معادياً للمسلمين خلال عام 2025، وذلك بزيادة بلغت نحو 90 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. ومن بين الحوادث التي أثارت صدمة واسعة، أشار إلى مقتل الشاب المالي أبو بكر سيسي داخل مسجد في منطقة غارد بجنوب غربي فرنسا في أبريل 2025، ومقتل التونسي هشام مراوي في منطقة فار بالجنوب الشرقي نهاية مايو (أيار) من العام نفسه، واصفاً مرتكبي هذه الجرائم بأنهم «أعداء للجمهورية».

وزير الداخلية الفرنسي السابق برونو روتايو تصدر الأزمة مع الجزائر (رويترز)

وفي ملف الحجاب، جدّد نونيز رفضه المقترح، الذي تدعمه بعض أحزاب اليمين بمنع القاصرات من ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، قائلاً: «لن أكون الشخص الذي يذهب ليقول للأطفال إن ارتداء الحجاب يُهدد العيش المشترك الجمهوري»، عاداً أن مثل هذه الإجراءات «قد تصرف الانتباه عن التحدي الحقيقي المتمثل في مواجهة التطرف الديني».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended