ماريو فارغاس يوسا: الأفكار أساس التقدّم... والتغيير الحقيقي يأتي عبرها

صاحب نوبل للآداب يتحدث لـ «الشرق الأوسط» عن سر حيويته ومفهومه للأدب ومشكلات العالم المعاصرة

ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
TT

ماريو فارغاس يوسا: الأفكار أساس التقدّم... والتغيير الحقيقي يأتي عبرها

ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)

عندما وقف ماريو فارغاس يوسا أمام الأكاديمية السويدية ليتسلّم جائزة نوبل للآداب عام 2010 قال: «إن الأدب ليس سوى ثمرة عبور الإنسان بين ما هو وما يريد أن يكون»، وإن الكاتب «يبتدع الأوهام في مسعاه الطويل والمضني ليعيش الحيوات التي يتمنّى، مدركاً أنه بالكاد يملك حياة واحدة». لعلّ هذا السعي الدائم للعبور إلى الضفاف الأخرى هو الذي دفع بصاحب «أحاديث في الكاتدرائية» إلى وضع ما يزيد عن 70 مؤلفاً بين روايات وبحوث أدبية وأعمال مسرحية، والتنقّل من النضال في الحركات الشيوعية إلى الدفاع عن الفكر الليبرالي، وما زال إلى اليوم يتمتّع بخصوبة مذهلة في الإنتاج الأدبي والفكري، وهو على مشارف التسعين من عمره.

يعيش فارغاس يوسا منذ العام 2015 في مدريد مع شريكة حياته الحالية إيزابيل بريسلير، الزوجة الأولى للمطرب الإسباني الشهير خوليو إيغليزياس، وأيقونة المجتمع المخملي الإسباني منذ عقود. وقد منحته الحكومة الإسبانية الجنسية الفخرية التي فتحت له أبواب الأكاديمية الملكية للغة عضواً أصيلاً يشرف على إدارة مركز التعاون الثقافي والفني بين إسبانيا وأميركا اللاتينية.
وعلى مدخل دارته في أرقى أحياء العاصمة الإسبانية، استقبلنا عشيّة يوم حار بمناسبة الاتفاق مع «الشرق الأوسط» على نشر مقال له مرّتين في الشهر، ودار معه الحوار التالي...
> أنت تقترب من نهاية العقد التاسع من العمر وما زلت تتمتع بحيوية وإنتاجية فكرية مذهلة. ما هو سرّك؟ ألحب، أم خصوبة الخيال، أم الرغبة في إنجاز مزيد من المشروعات، أم السعي لبلوغ ضفاف أخرى لم تصل بعد إلى نهايتها؟
- أعتقد أن الشغف بالأدب، والرغبة في المساهمة بإحلال السلام في العالم على أسس متينة من الوعي والإنصاف، والإدراك بأني ما زلت قادراً على الكتابة، كل ذلك يمدّني بطاقة يصعب أن أتخيّل نفسي بدونها. أما الحب فهو شعور رائع، لكن يستحسن أن نعيشه من غير أن نتحدث عنه، لأن ذلك يفقره وينزع عنه هالة اللغز. والحب يمدّنا بالقدرة على الخيال، والرغبة في مواصلة الإنجاز، ويحول دون أن نموت في الحياة، أو أن نصل أمواتاً إلى الموت.
> بعد أن كنت مناضلاً في صفوف الحزب الشيوعي البيروفي والحركات اليسارية في أميركا اللاتينية، رحت تجنح نحو الفكر الليبرالي المحافظ، الذي أصبحت من أشدّ المدافعين عنه. ما الذي دفعك إلى هذا التحوّل؟
- بداية هذا التحوّل كان خلال إقامتي في بريطانيا التي تزامنت مع وجود مارغريت ثاتشر في الحكم. عندما وصلت إلى لندن كان المجتمع الإنجليزي يعيش مرحلة من الضمور والانحطاط، برغم الحرية الواسعة التي كان دائماً يتمتع بها. وبفضل السياسة التي اتبعتها حكومة ثاتشر أصبحت بريطانيا أحدث الدول الأوروبية وأغناها. وقد دفعني ذلك إلى قراءة كبار المفكرين الليبراليين مثل بوبير وبرلين، ومجموعة «النمساويين» الذين كانت ثاتشر قد تبنّت أفكارهم وبنت عليها سياستها. هكذا تحوّلت إلى الفكر الليبرالي وما زلت إلى اليوم أدافع عنه في بلادي والعالم. أعتقد أنه منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يعد باستطاعة أحد أن يراهن على الفكر الاشتراكي، لأن العدالة الحقيقية لن تتحقق إلا من خلال الليبرالية. أريد أن أضيف إلى ذلك أني غيّرت رأيي في أمور كثيرة، وأعتقد أني أخطأت كثيراً، ومن الأخطاء التي ارتكبتها استخلصت أهم العبر. وبالمناسبة، أعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان كارثة.
> تقول إن كبرى المشكلات في أميركا اللاتينية، كما في معظم الدول النامية، هو عدم وجود ثقافة ديمقراطية. هل تعتقد أن «حضارة الاستعراض» التي كانت موضوع كتابك الأخير قابلة للتوافق مع الثقافة الديمقراطية؟
- حضارة الاستعراض هي النقيض والعدو الأكبر للديمقراطية الحقيقية، وتقضي على إمكانات المجتمع في محاسبة الأنظمة السياسية ومراقبة أدائها وكشف مواطن الخلل وسوء الإدارة فيها. أعتقد أن شخصيات مثل سيلفيو برلوسكوني ودونالد ترمب ساهمت بنسبة كبيرة في دفع المشهد الثقافي والسياسي نحو الاستعراضية والسطحية التي لا تتيح مجالاً لطرح الأفكار، لكنها ظاهرة عابرة لا يمكن أن يكتب لها الدوام. نعرف اليوم أن عدد الذين يتابعون الأحداث العالمية عبر الصور أكبر من عدد القرّاء، لكن الصورة تبقى عاجزة عن منافسة الفكرة، أو الكتاب، وتبقى الكلمة أشدّ كثافة منها. وسائل التواصل الاجتماعي لها دور أساسي في ذلك، لكن التغيير الحقيقي لا يأتي عن طريق الصور، بل عن طريق الأفكار التي هي أساس التقدّم.
> وماذا عن الحرب في أوكرانيا التي كتبت عنها كثيراً في الفترة الأخيرة؟ هل تعتقد أن العالم سيتغيّر بعدها؟ وكيف تتصور نهايتها؟
- لا شك عندي في أن العالم يعيش مرحلة بالغة الخطورة، لأن روسيا مع بوتين تحوّلت مرة أخرى إلى نظام ديكتاتوري بعد فترة قصيرة بدا أن النظام الديمقراطي كان يترسّخ فيها. بوتين مستبد ودموي، وتصرفه في أوكرانيا يدلّ على ذلك بوضوح. أعتقد أن مغامرة بوتين فتحت أعين كثيرين وساهمت في ترسيخ المشروع الأوروبي الذي كان يترنّح منذ سنوات. لكن ثمة خطورة حقيقية في أن يلجأ إلى ترسانته النووية إذا شعر بأنه سيهزم، أو أنه لن يتمكن من تحقيق طموحاته التوسعية. أخشى أننا دخلنا في مرحلة بالغة الدقة من هذه الحرب التي لا أعتقد أن أحداً يعرف كيف يمكن أن تنتهي.
> قلت إن أكثر ما يقلقك منذ فترة هو ضعف النظر وتأثيره على قدرتك على المطالعة. هذا يذكّرني بلقائك الشهير مع الضرير الأكبر بورخيس والمقابلة الطويلة التي أجريتها معه... هل كان مصدراً لإلهامك أنت أيضاً؟
- لو طُلب مني أن أسمّي كاتباً بالإسبانية ستدوم أعماله وتترك أثراً عميقاً وبعيداً في الأدب الإسباني، لما ترددت في تسمية هذا الشاعر والحكواتي والباحث والمفكر الأرجنتيني الذين كان وما يزال قدوة لمن أحبّوه وكرهوه على السواء. بورخيس أحدث ثورة في اللغة الإسبانية التي انتقلت معه من غنائيتها الخطابية لتصبح لغة فلسفية في غاية الدقة والوضوح. تأثير بورخيس واضح وعميق جداً في نتاج كثير من كتّاب أميركا اللاتينية الذين علّمنا، ليس فقط كيف نكتب، بل أيضاً كيف نفكّر ونبني روايات معقّدة ومصفّاة.
ليست كثيرة الأعمال التي تركها لنا بورخيس، لكنها مختصرة، كاملة الأوصاف، لا زيادة فيها ولا نقصان، ونراها تلمع في كل الذين كتبوا من بعده بالإسبانية. القصص الخيالية التي كتبها حملتنا من بطاح الأرجنتين إلى شوارع لندن والصين وعالم «ألف ليلة وليلة» على بساط من الدهشة والتبحّر المنزّه عن كثافة البحث الأكاديمي.
أما عن قلقي من ضعف النظر، فإني أتذكّر دائماً كيف عاش بورخيس كل تلك السنوات ضريراً بين كتبه، ولا أستطيع أن أتصوّر نفسي يوماً غير قادر على المطالعة التي فيها خلاصي، ومنها حريتي وسعادتي. الكتاب مفتوحاً هو عقل يتكلم، ومغلقاً صديق ينتظر، ومدمّراً فؤاد يدمع، كما كتب بورخيس.
> حدثتني مرة عن إعجابك بالكاتب اللبناني - الفرنسي أمين معلوف. ما مدى اطلاعك على الأدب العربي عموماً؟
- أمين معلوف من أهم الكتاب المعاصرين وأروعهم، روائياً وباحثاً. قرأت تقريباً جميع أعماله، وأعتقد أنه يملك بصيرة حادة في رؤية جذور مشكلات العصر وحلولها، وأستصوب أفكاره كلّياً. أما الأدب العربي فإني أعترف بنقص كبير وفادح في معرفته.
> الأطروحة التي وضعتها لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد كانت حول رواية صديقك اللدود غابرييل غارسيّا ماركيز «مائة عام من العزلة». قيل إنك كنت تشعر بالغيرة من تلك الرواية، ومن حصول ماركيز على جائزة نوبل قبلك بسنوات. ماذا بقي اليوم من تلك الصداقة بعد الخصام الذي فرّق بينكما، وأعرف أنك ترفض الحديث عنه؟
- «مائة عام من العزلة» ما زالت عندي، بعد سنوات كثيرة من قراءتها، واحدة من الروائع الأدبية باللغة الإسبانية. والأطروحة التي وضعتها لنيل الدكتوراه هي دراسة طويلة نشرتها بعد أن اضطررت لحذف مقاطع كثيرة منها كانت تجعل من الصعب على القارئ العادي مقاربتها. لكني لم أشعر بالغيرة من النجاح الذي حققته، وما زالت تحققه، هذه الرواية، بل من موهبة كاتبها. كما أني لم أشعر بالغيرة من نيل غارسيا ماركيز الجائزة، بل من الرواية الرائعة التي كتبها... (يضحك).. ها أنا أعطيتك عنوان المقابلة.
> قلت إن الكاتب لا يحقّ له التنكّر من ماضيه. ما رأيك بالجدل الدائر اليوم حول سلوكيات بابلو نيرودا تجاه ابنته التي تخلّى عنها، ومعاملته لزوجته واعترافه باغتصاب فتاة عندما كان قنصلاً لتشيلي في سريلانكا؟
- لا أريد الخوض في موضوع نيرودا الذي مضت عقود على وفاته، ولا أفهم ما الجدوى من إثارة هذا الجدل بعد كل هذه السنوات. لكني أعتقد أننا الحصيلة المتراكمة لسلوكياتنا والتناقضات التي نعيشها مدى الحياة. لا شك أن ثمّة مواقف كثيرة أندم اليوم على أني كنت أدافع عنها، أو أفكاراً اعتنقتها لسنوات وكنت أجاهر بها، لكنها تشكل جزءاً من حياتي ومن شخصيتي، ومن السخف التنكر لها، لأني اليوم أفكّر بطريقة مختلفة. وأعتقد أن الماضي هو جزء من حاضر الكاتب الذي عندما يغيّر طريقة تفكيره، من واجبه أن يشرح الأسباب والدوافع التي حملته على هذا التغيير في موقفه من الأدب، أو القضايا الاجتماعية، أو الأفكار السياسية. الكاتب والمفكر هو في الأساس المحصّلة النهائية لكل هذا التطور على مدى الحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
TT

شيرين عبد الوهاب لتجاوز أزماتها بغناء «عايزة أشتكي»

شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)
شيرين عبد الوهاب تطرح أغنية جديدة (فيسبوك)

عادت المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب للأضواء مرة أخرى، بعد إعلان الملحن والموزع عزيز الشافعي عن قرب إصدار أغنية جديدة لها بعنوان «عايزة أشتكي»، ما حظي باهتمام لافت على صفحات «سوشيالية»، وتصدر «الترند» على «غوغل» في مصر، الأحد، وعَدّه بعض المتابعين والنقاد خطوة من شيرين لتجاوز أزمات تعرضت لها في الفترة الأخيرة، تسببت في غيابها عن الساحة الغنائية.

ونشر الملحن عزيز الشافعي مقطع فيديو تظهر فيه شيرين خلال تصوير أغنية جديدة تقول كلماتها «عايزة أشتكي... أشكي»، وقال في الفيديو إنه يعرف أنها أوحشت جمهورها كثيراً، وهي أيضاً تشتاق إليهم، معلناً عن عودتها قريباً بعد فترة غياب شغلت كل محبيها.

وتعرضت شيرين عبد الوهاب للعديد من الأزمات والقضايا والمحاضر المتبادلة بينها والملحن والمطرب حسام حبيب بعد ارتباطهما وانفصالهما أكثر من مرة، كما شهدت أزمات أخرى حول حقوق استغلال صفحاتها «السوشيالية» وفي علاقتها بأخيها وأسرتها، وتعرضت لأزمة صحية بعد جدل أثير حول حفل قدمته في المغرب، واتهمها الجمهور باستخدام «البلاي باك» على خلاف المتوقع منها.

شيرين عبد الوهاب (إنستغرام)

وغابت شيرين عن الساحة الفنية والغنائية لفترة طويلة، إلى أن ظهرت في مارس (آذار) الماضي عبر فيديو متداول على «السوشيال ميديا» بصحبة ابنتها هنا وهما يغنيان في حالة من البهجة والمرح، إلى أن ظهرت أخيراً في مقطع الفيديو الذي نشره عزيز الشافعي من كواليس التسجيل، معلناً عن عودتها للساحة الغنائية.

ويرى الناقد الموسيقي المصري، محمود فوزي السيد، أن محبي وجمهور شيرين يتمنى عودتها بشكل نهائي للساحة الغنائية وتجاوز كل أزماتها، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «للأسف رفاهية الفرص الجديدة لم تعد متاحة بشكل كبير بالنسبة لشيرين، خصوصاً أنها حظيت بفرص للعودة من قبل ولم تستثمرها بالشكل المنشود».

وتابع: «نتمنى رجوعها طبعاً لأنها صوت مهم جداً على ساحتي الغناء المصرية والعربية، ونتمنى أن يكون هذا قرار العودة النهائية بألبوم كامل، وأن يكون فريق العمل معها من ملحنين وشعراء وموزعين ومهندسي صوت على قدر المسؤولية؛ لأنها مسؤولية كبيرة عودة شيرين، ويجب أن تكون أعمالها القادمة مناسبة لقيمتها الفنية وموهبتها واشتياق الجمهور لها، وليست مجرد أعمال لملء الألبوم».

ووصف السيد صوت شيرين بأنه «يتميز بالأصالة الشديدة، ومن ثم حين تعود يجب أن تعود بكامل لياقتها الصوتية، لأنها صوت مميز جداً، وهذا التميز يجب أن يظل العلامة المميزة لصوتها وأدائها».

من كواليس الأغنية الجديدة (صفحة عزيز الشافعي على فيسبوك)

وقدمت شيرين العديد من الألبومات الغنائية والأغاني الفردية على مدى مشورها كما أحيت عشرات الحفلات في مصر والخارج، وكان أول ألبوماتها المفردة «جرح تاني» الذي صدر عام 2003، ثم توالت أعمالها مثل «آه يا ليل» و«بتوحشني» و«أنا كثير» و«حبيت»، وكانت أحدث أغنياتها بعنوان «باتمنى أنساك».

ويصف الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، الاهتمام بعودة شيرين بأنها «قد يكون مفتعلاً من صفحات مؤثرة»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «شيرين بقدر محبة جمهورها لها فهو غاضب منها، وربما كان الاهتمام بإعلان عزيز الشافعي قرب عودة شيرين؛ لأن الشافعي واحد من فرسان الساحة الغنائية حالياً، والجميع يهتم بما يعلن عنه».

وتابع السماحي: «أرجو أن تبعد شيرين أزماتها الأسرية والشخصية عن الإعلام والمجال العام، كما تفعل الكثير من المطربات، فهناك العديد من الأسرار في حياة النجوم ونجمات الغناء لا نعرف عنها شيئاً، لأنهم تمكنوا من بناء حائط صد وخط أحمر يفصل بين حياتهم الفنية وحياتهم الشخصية وأتمنى أن تتمكن شيرين من رسم هذا الخط الأحمر لحياتها الشخصية والأسرية، وتبتعد عن الصخب والجدل الذي يحيط بوجودها وتترك المساحة لصوتها فقط وأغنياتها؛ أقول ذلك بحكم محبتي لصوتها ومتابعتي لها منذ بداياتها، وأعرف مدى طيبتها وعفويتها».

وأشار السماحي إلى أن حضور شيرين حالياً في وجدان محبيها وجمهورها يعود إلى «عذوبة وجمال صوتها، واختياراتها الغنائية الموفقة، فهي من المطربات القليلات في مصر والوطن العربي اللائي يجيدن اختيار أغانيهن، لذلك حظيت بمكانة ما في قلب الجمهور العربي، لكن هذا المكان أصبح عرضة للتراجع بسبب الخلط بين الحياة الشخصية وبين المشوار الفني»؛ على حد تعبيره.


العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
TT

العلا تعيد رسم موقعها على خريطة الأفلام العالمية

استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)
استوديوهات «فيلم العلا»... بنية حديثة للإنتاج السينمائي (فليم العلا)

في سباق عالمي محتدم على استقطاب كبرى الإنتاجات السينمائية، تدخل العلا المشهد بثقل مختلف، لا يعتمد فقط على سحر الموقع، بل على «مشروع متكامل» يعيد تشكيل مفهوم صناعة الفيلم في المنطقة. فمن صحرائها التي احتضنت عبر التاريخ حضارات متعاقبة، تنطلق اليوم رؤية حديثة يقودها «فيلم العلا»، ليضع المملكة في موقع تنافسي جديد، ليس بوصفها محطة تصوير عابرة، بل وجهة إنتاج سينمائي متكاملة تسعى إلى ترسيخ حضورها في قلب الصناعة العالمية.

وفي مؤشر واضح على تصاعد حضورها الدولي، جاءت العلا مؤخراً ضمن القائمة النهائية لـ«جوائز الإنتاج العالمية 2026»، في فئة «مدينة الأفلام»، وهي من أبرز الجوائز المهنية التي تُنظم سنوياً بالتزامن مع «مهرجان كان السينمائي». ومن المقرر أن تُعلن النتائج في 18 مايو (أيار) 2026 خلال حفل رسمي بمدينة كان الفرنسية، حيث تتنافس العلا مع وجهات إنتاج عالمية، في سباق يعكس مكانتها المتنامية في صناعة السينما الدولية.

هذا الترشيح لا يُقرأ على أنه إنجاز رمزي فحسب، بل أيضاً بوصفه دليلاً على انتقال «فيلم العلا» من مشروع محلي ناشئ إلى لاعب حاضر في مشهد الإنتاج العالمي، مدعوماً ببنية تحتية متطورة ومواقع تصوير استثنائية.

من موقع تصوير إلى مركز إنتاج عالمي

لم يعد الرهان على جمال الطبيعة وحده كافياً، فالعلا، كما يؤكد لـ«الشرق الأوسط» المدير التنفيذي المكلف بالإنابة «فيلم العلا»، زيد شاكر، «تتحرك بخطى مدروسة نحو بناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على استقطاب المشروعات العالمية وتوطينها في الوقت ذاته». ويشير إلى أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ليست مجرد إضافة تقنية، «بل هي أيضاً عنصر حاسم في هذا التحول»، موضحاً أن الهدف هو الانتقال بالعلا «من موقع تصوير مميز إلى مركز إنتاج سينمائي متكامل يستقطب كبرى المشروعات العالمية».

خلال تصوير عدد من الأعمال العالمية، لم تكن الطبيعة وحدها هي العامل الجاذب، بل تكاملها مع بنية إنتاجية متقدمة. ويؤكد شاكر أن العلا تمتلك مزيجاً فريداً من «الصحارى والجبال والتكوينات الصخرية والمواقع الأثرية»؛ مما يمنحها قدرة استثنائية على تمثيل بيئات متعددة على الشاشة، دون الحاجة إلى التنقل بين مواقع مختلفة. لكن الأهم، وفقه، هو «ما وراء الكاميرا: استوديوهات مجهزة، ومرافق إنتاج، ودعم لوجيستي، وخدمات متكاملة... تتيح تنفيذ المشروعات السينمائية الكبرى بكفاءة عالية».

بين العالمية والمحلية

أحد أبرز رهانات «فيلم العلا» تمثل في تحقيق توازن مستدام بين استقطاب الإنتاجات العالمية، وبناء كوادر وطنية قادرة على قيادة الصناعة مستقبلاً. وفي هذا السياق، يوضح شاكر أن «الجهود تتركز على برامج تدريبية وشراكات تعليمية دولية، إلى جانب حوافز إنتاجية تنافسية لدعم المشروعات المحلية والعالمية، بما يسهم في نقل المعرفة وتوطينها».

قبل وصولهم إلى العلا، يحمل كثير من صناع الأفلام تصورات مسبقة عن تحديات التصوير في المنطقة، لكن هذه الصورة تتغير سريعاً بمجرد بدء العمل. ويشير شاكر إلى أن «الشركاء الدوليين يفاجأون بمستوى الجاهزية، وسلاسة الإجراءات، والدعم اللوجيستي المتكامل؛ مما يعزز ثقتهم ويشجعهم على العودة بمشروعات جديدة».

الجغرافيا بوصفها عاملاً إبداعياً... لا مجرد خلفية

ليست العلا مجرد موقع بصري جذاب، بل بيئة سردية تؤثر في طبيعة الأعمال التي تنتَج فيها. ويؤكد شاكر أن «الخصائص الجغرافية والتاريخية للمنطقة تلعب دوراً مباشراً في اختيار المشروعات؛ لما توفره من تنوع بصري وسردي يفتح آفاقاً واسعة أمام صناع الأفلام». ورغم البعد الاقتصادي الواضح، فإن «فيلم العلا» يحمل بعداً ثقافياً استراتيجياً، فالمشروع، وفق شاكر، «يسهم في إعادة تشكيل الصورة السينمائية للمملكة عالمياً، ويعزز حضورها مصدراً للقصص، وليس فقط موقعَ تصوير».

وعند تلخيص التجربة، تبدو الرسالة واضحة: العلا ليست مجرد موقع تصوير، بل بيئة متكاملة لصناعة القصص، ففي وقت تتنافس فيه الوجهات العالمية على جذب الإنتاجات، تقدم العلا نموذجاً مختلفاً، يجمع بين المكان، والبنية، والرؤية، ليؤسس لصناعة سينمائية واعدة، تتجاوز حدود الجغرافيا نحو فضاء أوسع من التأثير والحضور.


حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
TT

حل لغز اختفاء عائلة عام 1958 بعد سبعة عقود

العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)
العائلة المفقودة منذ عام 1958 (شرطة مقاطعة هود ريفر)

كُشف أخيراً عن مصير عائلة أميركية اختفت في ظروف غامضة قبل نحو سبعة عقود، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً آنذاك. فقد اختفت عائلة مارتن، المكوّنة من الوالدين كينيث وباربرا، وبناتهما: باربي (14 عاماً)، وفيرجينيا (13 عاماً)، وسوزان (11 عاماً)، في ديسمبر (كانون الأول) 1958 بولاية أوريغون، بعد تغيّب الوالدين عن العمل بشكل مفاجئ. وعُثر بعد أشهر على جثتي فيرجينيا وسوزان، في حين ظل مصير بقية أفراد الأسرة مجهولاً، حسب «سي إن إن» الأميركية. وظل اختفاء باربي ووالديها لغزاً لعقود، إلى أن قاد اكتشاف حديث إلى حل القضية، إذ عثر الغواص آرتشر مايو، عام 2024 على سيارة من طراز «فورد ستيشن واغن» في نهر كولومبيا، قبل أن تُنتشل في العام التالي وبداخلها بقايا بشرية.

وأكدت فحوص الحمض النووي أنها تعود إلى بقية أفراد عائلة مارتن. وقالت كريستن ميتمان، من مختبر «أورثام»: «كثيرون عملوا لسنوات طويلة لكشف مصير العائلة، ونحن فخورون بالإسهام في هذا الإنجاز. مثل هذه الألغاز لا تثقل كاهل العائلة فحسب، بل المجتمع بأسره، ونأمل أن ينهي هذا حالة الانتظار الطويلة». وكان الابن الأكبر دونالد، الذي كان يبلغ 28 عاماً آنذاك ويقيم في نيويورك، قد شكك في فرضية الحادث العرضي، مرجحاً وجود شُبهة جنائية.

غير أن مكتب شريف مقاطعة هود ريفر، أكد عدم وجود أي دليل على وقوع جريمة، موضحاً أن العائلة اختفت خلال زيارة يُعتقد أنهم قاموا بها إلى منطقة كولومبيا ريفر غورج لجمع نباتات عيد الميلاد، وأنه رغم العثور على بقايا فيرجينيا وسوزان في مجرى النهر بعد أشهر، لم تُثمر عمليات البحث المكثفة، بما فيها الغوص، عن العثور على الوالدين كينيث وباربرا، أو الابنة الكبرى باربي آنذاك.