ماريو فارغاس يوسا: الأفكار أساس التقدّم... والتغيير الحقيقي يأتي عبرها

صاحب نوبل للآداب يتحدث لـ «الشرق الأوسط» عن سر حيويته ومفهومه للأدب ومشكلات العالم المعاصرة

ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
TT

ماريو فارغاس يوسا: الأفكار أساس التقدّم... والتغيير الحقيقي يأتي عبرها

ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)
ماريو فارغاس يوسا (تصوير: فيوريللا باتستيني)

عندما وقف ماريو فارغاس يوسا أمام الأكاديمية السويدية ليتسلّم جائزة نوبل للآداب عام 2010 قال: «إن الأدب ليس سوى ثمرة عبور الإنسان بين ما هو وما يريد أن يكون»، وإن الكاتب «يبتدع الأوهام في مسعاه الطويل والمضني ليعيش الحيوات التي يتمنّى، مدركاً أنه بالكاد يملك حياة واحدة». لعلّ هذا السعي الدائم للعبور إلى الضفاف الأخرى هو الذي دفع بصاحب «أحاديث في الكاتدرائية» إلى وضع ما يزيد عن 70 مؤلفاً بين روايات وبحوث أدبية وأعمال مسرحية، والتنقّل من النضال في الحركات الشيوعية إلى الدفاع عن الفكر الليبرالي، وما زال إلى اليوم يتمتّع بخصوبة مذهلة في الإنتاج الأدبي والفكري، وهو على مشارف التسعين من عمره.

يعيش فارغاس يوسا منذ العام 2015 في مدريد مع شريكة حياته الحالية إيزابيل بريسلير، الزوجة الأولى للمطرب الإسباني الشهير خوليو إيغليزياس، وأيقونة المجتمع المخملي الإسباني منذ عقود. وقد منحته الحكومة الإسبانية الجنسية الفخرية التي فتحت له أبواب الأكاديمية الملكية للغة عضواً أصيلاً يشرف على إدارة مركز التعاون الثقافي والفني بين إسبانيا وأميركا اللاتينية.
وعلى مدخل دارته في أرقى أحياء العاصمة الإسبانية، استقبلنا عشيّة يوم حار بمناسبة الاتفاق مع «الشرق الأوسط» على نشر مقال له مرّتين في الشهر، ودار معه الحوار التالي...
> أنت تقترب من نهاية العقد التاسع من العمر وما زلت تتمتع بحيوية وإنتاجية فكرية مذهلة. ما هو سرّك؟ ألحب، أم خصوبة الخيال، أم الرغبة في إنجاز مزيد من المشروعات، أم السعي لبلوغ ضفاف أخرى لم تصل بعد إلى نهايتها؟
- أعتقد أن الشغف بالأدب، والرغبة في المساهمة بإحلال السلام في العالم على أسس متينة من الوعي والإنصاف، والإدراك بأني ما زلت قادراً على الكتابة، كل ذلك يمدّني بطاقة يصعب أن أتخيّل نفسي بدونها. أما الحب فهو شعور رائع، لكن يستحسن أن نعيشه من غير أن نتحدث عنه، لأن ذلك يفقره وينزع عنه هالة اللغز. والحب يمدّنا بالقدرة على الخيال، والرغبة في مواصلة الإنجاز، ويحول دون أن نموت في الحياة، أو أن نصل أمواتاً إلى الموت.
> بعد أن كنت مناضلاً في صفوف الحزب الشيوعي البيروفي والحركات اليسارية في أميركا اللاتينية، رحت تجنح نحو الفكر الليبرالي المحافظ، الذي أصبحت من أشدّ المدافعين عنه. ما الذي دفعك إلى هذا التحوّل؟
- بداية هذا التحوّل كان خلال إقامتي في بريطانيا التي تزامنت مع وجود مارغريت ثاتشر في الحكم. عندما وصلت إلى لندن كان المجتمع الإنجليزي يعيش مرحلة من الضمور والانحطاط، برغم الحرية الواسعة التي كان دائماً يتمتع بها. وبفضل السياسة التي اتبعتها حكومة ثاتشر أصبحت بريطانيا أحدث الدول الأوروبية وأغناها. وقد دفعني ذلك إلى قراءة كبار المفكرين الليبراليين مثل بوبير وبرلين، ومجموعة «النمساويين» الذين كانت ثاتشر قد تبنّت أفكارهم وبنت عليها سياستها. هكذا تحوّلت إلى الفكر الليبرالي وما زلت إلى اليوم أدافع عنه في بلادي والعالم. أعتقد أنه منذ بداية الغزو الروسي لأوكرانيا، لم يعد باستطاعة أحد أن يراهن على الفكر الاشتراكي، لأن العدالة الحقيقية لن تتحقق إلا من خلال الليبرالية. أريد أن أضيف إلى ذلك أني غيّرت رأيي في أمور كثيرة، وأعتقد أني أخطأت كثيراً، ومن الأخطاء التي ارتكبتها استخلصت أهم العبر. وبالمناسبة، أعتقد أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان كارثة.
> تقول إن كبرى المشكلات في أميركا اللاتينية، كما في معظم الدول النامية، هو عدم وجود ثقافة ديمقراطية. هل تعتقد أن «حضارة الاستعراض» التي كانت موضوع كتابك الأخير قابلة للتوافق مع الثقافة الديمقراطية؟
- حضارة الاستعراض هي النقيض والعدو الأكبر للديمقراطية الحقيقية، وتقضي على إمكانات المجتمع في محاسبة الأنظمة السياسية ومراقبة أدائها وكشف مواطن الخلل وسوء الإدارة فيها. أعتقد أن شخصيات مثل سيلفيو برلوسكوني ودونالد ترمب ساهمت بنسبة كبيرة في دفع المشهد الثقافي والسياسي نحو الاستعراضية والسطحية التي لا تتيح مجالاً لطرح الأفكار، لكنها ظاهرة عابرة لا يمكن أن يكتب لها الدوام. نعرف اليوم أن عدد الذين يتابعون الأحداث العالمية عبر الصور أكبر من عدد القرّاء، لكن الصورة تبقى عاجزة عن منافسة الفكرة، أو الكتاب، وتبقى الكلمة أشدّ كثافة منها. وسائل التواصل الاجتماعي لها دور أساسي في ذلك، لكن التغيير الحقيقي لا يأتي عن طريق الصور، بل عن طريق الأفكار التي هي أساس التقدّم.
> وماذا عن الحرب في أوكرانيا التي كتبت عنها كثيراً في الفترة الأخيرة؟ هل تعتقد أن العالم سيتغيّر بعدها؟ وكيف تتصور نهايتها؟
- لا شك عندي في أن العالم يعيش مرحلة بالغة الخطورة، لأن روسيا مع بوتين تحوّلت مرة أخرى إلى نظام ديكتاتوري بعد فترة قصيرة بدا أن النظام الديمقراطي كان يترسّخ فيها. بوتين مستبد ودموي، وتصرفه في أوكرانيا يدلّ على ذلك بوضوح. أعتقد أن مغامرة بوتين فتحت أعين كثيرين وساهمت في ترسيخ المشروع الأوروبي الذي كان يترنّح منذ سنوات. لكن ثمة خطورة حقيقية في أن يلجأ إلى ترسانته النووية إذا شعر بأنه سيهزم، أو أنه لن يتمكن من تحقيق طموحاته التوسعية. أخشى أننا دخلنا في مرحلة بالغة الدقة من هذه الحرب التي لا أعتقد أن أحداً يعرف كيف يمكن أن تنتهي.
> قلت إن أكثر ما يقلقك منذ فترة هو ضعف النظر وتأثيره على قدرتك على المطالعة. هذا يذكّرني بلقائك الشهير مع الضرير الأكبر بورخيس والمقابلة الطويلة التي أجريتها معه... هل كان مصدراً لإلهامك أنت أيضاً؟
- لو طُلب مني أن أسمّي كاتباً بالإسبانية ستدوم أعماله وتترك أثراً عميقاً وبعيداً في الأدب الإسباني، لما ترددت في تسمية هذا الشاعر والحكواتي والباحث والمفكر الأرجنتيني الذين كان وما يزال قدوة لمن أحبّوه وكرهوه على السواء. بورخيس أحدث ثورة في اللغة الإسبانية التي انتقلت معه من غنائيتها الخطابية لتصبح لغة فلسفية في غاية الدقة والوضوح. تأثير بورخيس واضح وعميق جداً في نتاج كثير من كتّاب أميركا اللاتينية الذين علّمنا، ليس فقط كيف نكتب، بل أيضاً كيف نفكّر ونبني روايات معقّدة ومصفّاة.
ليست كثيرة الأعمال التي تركها لنا بورخيس، لكنها مختصرة، كاملة الأوصاف، لا زيادة فيها ولا نقصان، ونراها تلمع في كل الذين كتبوا من بعده بالإسبانية. القصص الخيالية التي كتبها حملتنا من بطاح الأرجنتين إلى شوارع لندن والصين وعالم «ألف ليلة وليلة» على بساط من الدهشة والتبحّر المنزّه عن كثافة البحث الأكاديمي.
أما عن قلقي من ضعف النظر، فإني أتذكّر دائماً كيف عاش بورخيس كل تلك السنوات ضريراً بين كتبه، ولا أستطيع أن أتصوّر نفسي يوماً غير قادر على المطالعة التي فيها خلاصي، ومنها حريتي وسعادتي. الكتاب مفتوحاً هو عقل يتكلم، ومغلقاً صديق ينتظر، ومدمّراً فؤاد يدمع، كما كتب بورخيس.
> حدثتني مرة عن إعجابك بالكاتب اللبناني - الفرنسي أمين معلوف. ما مدى اطلاعك على الأدب العربي عموماً؟
- أمين معلوف من أهم الكتاب المعاصرين وأروعهم، روائياً وباحثاً. قرأت تقريباً جميع أعماله، وأعتقد أنه يملك بصيرة حادة في رؤية جذور مشكلات العصر وحلولها، وأستصوب أفكاره كلّياً. أما الأدب العربي فإني أعترف بنقص كبير وفادح في معرفته.
> الأطروحة التي وضعتها لنيل الدكتوراه من جامعة مدريد كانت حول رواية صديقك اللدود غابرييل غارسيّا ماركيز «مائة عام من العزلة». قيل إنك كنت تشعر بالغيرة من تلك الرواية، ومن حصول ماركيز على جائزة نوبل قبلك بسنوات. ماذا بقي اليوم من تلك الصداقة بعد الخصام الذي فرّق بينكما، وأعرف أنك ترفض الحديث عنه؟
- «مائة عام من العزلة» ما زالت عندي، بعد سنوات كثيرة من قراءتها، واحدة من الروائع الأدبية باللغة الإسبانية. والأطروحة التي وضعتها لنيل الدكتوراه هي دراسة طويلة نشرتها بعد أن اضطررت لحذف مقاطع كثيرة منها كانت تجعل من الصعب على القارئ العادي مقاربتها. لكني لم أشعر بالغيرة من النجاح الذي حققته، وما زالت تحققه، هذه الرواية، بل من موهبة كاتبها. كما أني لم أشعر بالغيرة من نيل غارسيا ماركيز الجائزة، بل من الرواية الرائعة التي كتبها... (يضحك).. ها أنا أعطيتك عنوان المقابلة.
> قلت إن الكاتب لا يحقّ له التنكّر من ماضيه. ما رأيك بالجدل الدائر اليوم حول سلوكيات بابلو نيرودا تجاه ابنته التي تخلّى عنها، ومعاملته لزوجته واعترافه باغتصاب فتاة عندما كان قنصلاً لتشيلي في سريلانكا؟
- لا أريد الخوض في موضوع نيرودا الذي مضت عقود على وفاته، ولا أفهم ما الجدوى من إثارة هذا الجدل بعد كل هذه السنوات. لكني أعتقد أننا الحصيلة المتراكمة لسلوكياتنا والتناقضات التي نعيشها مدى الحياة. لا شك أن ثمّة مواقف كثيرة أندم اليوم على أني كنت أدافع عنها، أو أفكاراً اعتنقتها لسنوات وكنت أجاهر بها، لكنها تشكل جزءاً من حياتي ومن شخصيتي، ومن السخف التنكر لها، لأني اليوم أفكّر بطريقة مختلفة. وأعتقد أن الماضي هو جزء من حاضر الكاتب الذي عندما يغيّر طريقة تفكيره، من واجبه أن يشرح الأسباب والدوافع التي حملته على هذا التغيير في موقفه من الأدب، أو القضايا الاجتماعية، أو الأفكار السياسية. الكاتب والمفكر هو في الأساس المحصّلة النهائية لكل هذا التطور على مدى الحياة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
TT

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)
استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها، لا يحاول الفيلم الذي أنتج بتمويل بريطاني - سوري - لبناني أن يكون مرجعاً سياسياً يشرح ما جرى في سوريا أو لبنان، بل يقترب من الحكاية عبر بابها الأكثر هشاشة وصدقاً، ويكون بطلها العلاقة الإنسانية.

من هنا، تتشكل التجربة بين الصحافية اللبنانية جناي بولس وزميلها السوري الذي أصبح زوجها لاحقاً الصحافي عبد القادر حبق، فلا تنفصل الحكاية الشخصية عن السياق العام، لكنها أيضاً لا تذوب فيه، بل تحتفظ بمساحتها الخاصة، كأنها مقاومة هادئة لفكرة اختزال الإنسان في الحدث.

فيلم «عصافير الحرب» بدأ رحلته في مهرجان «صندانس السينمائي» بنسخته الماضية وحصد جائزة «لجنة التحكيم الخاصة للتأثير الصحافي»، ليكون عرضه الأول أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية»، حيث نال 4 جوائز مختلفة منها جائزة «الإسكندر الفضي» بالمسابقة الدولية، وجائزة «الاتحاد الدولي للنقاد» (فيبرسي) لأفضل فيلم، وقد شارك الثنائي الصحافي العائلي في إخراجه.

وثق الفيلم قصة حب الثنائي السوري واللبناني خلال الثورات (الشركة المنتجة)

تبدأ جناي بولس حديثها عن الفيلم لـ«الشرق الأوسط» من نقطة تبدو بعيدة تماماً عن الشكل الذي انتهى إليه الفيلم، إذ تشير إلى أن الفكرة الأولى كانت مرتبطة برغبتها في توثيق ما جرى في لبنان، خصوصاً خلال لحظة الثورة والانهيار الاقتصادي في 2019، إلى جانب تجربتها كونها صحافية كانت في قلب التغطية اليومية لهذه الأحداث.

هذا الدافع كان أقرب إلى محاولة فهم الواقع أو إعادة ترتيبه بصرياً، لكن مع الوقت، ومع حضور زميلها السوري عبد القادر حبق في حياتها الذي أصبح زوجها بعد عملهما سوياً لفترة طويلة، بدأ هذا التصور يتغير تدريجياً. هنا يلتقط حبق الخيط، موضحاً أن التحول لم يكن مجرد إضافة عنصر جديد إلى القصة، بل إعادة تعريف كاملة لها، لأنهما أدركا أن الحكاية التي يمكن أن تُروى بصدق ليست حكاية بلدين بقدر ما هي حكاية شخصين يعيشان داخل هذا التعقيد.

تعود جناي لتؤكد أن هذا الإدراك كان حاسماً، وخصوصاً مع صعوبة تقديم سرد سياسي مباشر عن بلدين متداخلين مثل سوريا ولبنان، وهو ما كان سيؤدي إلى تشعب قد يبعد المشاهد بدلاً من جذبه، ومن هنا جاء القرار بالتركيز على قصة الحب باعتبارها مدخلاً، ليس بوصفها حيلة درامية، بل باعتبارها المساحة التي يمكن من خلالها فهم كل شيء آخر.

المخرج والصحافي السوري عبد القادر حبق

يؤكد حبق أن هذا الاختيار أتاح لهما أيضاً تجنب الوقوع في فخ التفسير الزائد، وترك مساحة للمشاهد كي يكوّن رؤيته الخاصة، بدلاً من تلقي خطاب مغلق، مؤكداً أنه كان يحتفظ بمواد مصورة تمتد لسنوات من عمله في سوريا، لكنها كانت بالنسبة له عبئاً نفسياً كبيراً، دفعه بعد وصوله إلى لندن إلى اتخاذ قرار واضح بعدم العودة إليها.

تتابع جناي الفكرة، مشيرة إلى أن إدخال هذا الأرشيف في الفيلم لم يكن قراراً سهلاً، لكنه أصبح ضرورياً مع تطور المشروع، لأنه يحمل جزءاً لا يمكن تجاهله من الحكاية، وهنا يوضح حبق أن التحدي لم يكن فقط في استخدام المواد، بل في كيفية التعامل معها دون أن تتحول إلى عبء جديد على الفريق.

تلتقط جناي هذه النقطة لتشير إلى أن العمل على الأرشيف فرض عليهم البحث عن آليات حماية نفسية، خصوصاً أن بعض المواد تحتوي على مشاهد قاسية للغاية، ويقول حبق إنهم اضطروا إلى تصنيف اللقطات وفق درجات حساسيتها، بحيث لا يتعرض أي فرد في الفريق لما قد يؤثر عليه بشكل مباشر دون استعداد، وهذا التنظيم لم يكن فقط إجراءً عملياً، بل كان جزءاً من فهم أعمق لطبيعة العمل، حيث لا يمكن فصل العملية الفنية عن أثرها الإنساني على من يشاركون فيها.

المخرجة والصحافية اللبنانية جناي بولس (الشركة المنتجة)

وعن مرحلة المونتاج؛ توضح جناي أن التحدي الأكبر لم يكن في توفر المواد، بل في اختيار ما يجب أن يبقى وما يجب أن يُستبعد، وهو اختيار وصفته بـ«المعقد»؛ لأن الذاكرة الشخصية كانت حاضرة بقوة، وهو ما جعل وجود فريق العمل عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن، ليخرج الفيلم للجمهور بالصورة التي شاهدها الجمهور.


فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
TT

فرش أسنان مبتكرة تدمر البكتيريا في الفم

فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)
فرش الأسنان الجديدة تستهدف البكتيريا دون الإضرار بالفم (المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا)

كشف باحثون من المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا عن تطوير جيل جديد من فرش الأسنان يعتمد على تقنية «أكسيد الغرافين»، القادرة على القضاء على البكتيريا بشكل انتقائي دون الإضرار بخلايا الفم. وأوضح الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوة نوعية قد تُحدث ثورة في مجال العناية بالفم والنظافة الشخصية، ونُشرت النتائج، الجمعة، بدورية «Advanced Functional Materials».

وتُعد النظافة في المنتجات التي تلامس الجسم مباشرة، مثل الملابس والكمامات وفرش الأسنان، أمراً بالغ الأهمية، إذ تلعب دوراً مباشراً في منع انتقال البكتيريا والجراثيم. وبما أن هذه المنتجات تُستخدم يومياً وتبقى على تماس دائم مع الجلد أو الفم، فإنها تمثل بيئة محتملة لتراكم الميكروبات إذا لم تكن مصممة بخصائص مضادة للبكتيريا، وهو ما يفسّر الاهتمام المتزايد بتطوير مواد وتقنيات حديثة تعزز مستويات النظافة والسلامة الصحية.

وتمكّن الفريق من تحديد الآلية التي يجعل من خلالها «أكسيد الغرافين» مادة فعالة ضد البكتيريا، مع بقائه آمناً على الخلايا البشرية. وتعتمد الفُرش الجديدة على هذه المادة النانوية المتطورة، وهي طبقة رقيقة من الكربون مرتبطة بذرات أكسجين، تتميز بقدرتها على التفاعل مع البكتيريا بطريقة دقيقة وآمنة.

وأظهرت الدراسة أن الفرش تعمل عبر آلية «استهداف انتقائي»، حيث تلتصق المادة النانوية بأغشية الخلايا البكتيرية فقط، وتقوم بتدميرها، بينما تظل الخلايا البشرية سليمة.

ويعود ذلك إلى قدرة أكسيد الغرافين على التعرف على مكوّن دهني يُعرف باسم (POPG)، يوجد في أغشية البكتيريا ولا يتوافر في خلايا الإنسان، ما يمكّن المادة من تمييز الهدف بدقة عالية.

وبفضل هذه الخاصية، تستطيع الفرش التعرف على «هدف محدد» داخل البكتيريا وتدميره دون أي تأثير جانبي، وهو تقدم كبير في فهم آلية عمل المواد المضادة للبكتيريا على المستوى الجزيئي.

وأكد الباحثون أن هذه الخاصية تجعل فرش الأسنان الجديدة فعالة ضد مجموعة واسعة من البكتيريا، بما في ذلك السلالات المقاومة للمضادات الحيوية.

كما أظهرت التجارب أن المادة لا تقتصر على القضاء على البكتيريا فقط، بل تسهم أيضاً في تعزيز بيئة صحية داخل الفم، دون التسبب في التهابات أو آثار جانبية، مما يعزز أمان استخدامها اليومي.

كما أثبتت الألياف المصنوعة من هذه المادة قدرتها على الاحتفاظ بخواصها المضادة للبكتيريا حتى بعد الغسل المتكرر، ما يزيد من احتمالات توظيفها في مجالات صناعية متعددة، مثل الملابس والمنسوجات الطبية.

ووفق الباحثين، لم يعد هذا الابتكار فكرة مخبرية فحسب، فقد تم تطبيقه بالفعل في منتجات تجارية، حيث طُرحت فرش أسنان مضادة للبكتيريا باستخدام هذه التقنية عبر شركة ناشئة منبثقة عن المعهد، وحققت مبيعات تجاوزت 10 ملايين وحدة، في مؤشر واضح على نجاحها التجاري.

ويشير الفريق إلى أن هذه التقنية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير بدائل آمنة وفعالة للمطهرات الكيميائية والمضادات الحيوية، مع إمكانية توسيع استخدامها لتشمل مجالات مثل الأجهزة القابلة للارتداء.


«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
TT

«كامبريدج» تُقدِّم دورة في علم النبات ألهمت داروين

نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)
نبات التوت البري من رسم جون ستيفنز هينسلو وتُنشر لأول مرة (جامعة كامبريدج)

من المقرر استعانة الحديقة النباتية التابعة للجامعة بمواد دراسية وضعها جون ستيفنز هينسلو، مُعلّم داروين، قبل مائتي عام، ويأتي ذلك بعد استخراج عينات نباتية ومواد تعليمية، ألهمت تشارلز داروين وأهَّلته للعمل بوصفه عالماً مختصاً في علم الطبيعة على متن سفينة «إتش إم إس بيغل»، من أرشيف في كامبريدج. وستجري الاستعانة بها للمرة الأولى، لتعليم الطلاب المعاصرين في مجال علم النبات.

وتعود هذه العينات الهشة، والرسومات بالحبر، والرسومات المائية للنباتات، إلى أستاذ داروين ومُعلِّمه، البروفسور جون ستيفنز هينسلو. وقد جرى حفظها في معشبة جامعة كامبريدج لما يقرب من مائتي عام.

ويُعتقد أن بعض الرسومات المائية والرسومات «النادرة للغاية» التي نُشرت لأول مرة في صحيفة «الغارديان» البريطانية، تعد أقدم رسوم توضيحية نباتية وضعها هينسلو لتعليم طلابه، بينما تُعدُّ رسومات أخرى عينات من نباتات اطلع عليها داروين بنفسه.

في هذا الصدد، قالت الدكتورة رافايلا هول، القائمة بأعمال رئيس قسم التعليم بحديقة جامعة كامبريدج النباتية: «عندما وصل داروين إلى كامبريدج، درس علم النبات بشكل رسمي للمرة الأولى. وقد استمتع بدورة هينسلو، لدرجة أنه التحق بها ثلاث سنوات متتالية. وقد عرَّفه هينسلو على مفهوم التباين، ليرسي بذلك الأساس لنظرية التطور التي صاغها داروين لاحقاً».

وتولى هينسلو جمع العينات وتصميم الرسوم التوضيحية، ليتمكن من تقديم دورة سنوية في علم النبات لطلاب كامبريدج الجامعيين عام 1827.

وعندما وصل داروين إلى كامبريدج عام 1828، أصبح من أوائل الطلاب الذين التحقوا بدورة هينسلو الرائدة التي استمرت 5 أسابيع. وكان لدى داروين بالفعل اهتمام بالعالم الطبيعي، وقد ازداد اهتمامه به من خلال مجموعة التاريخ الطبيعي التي انضم إليها خلال دراسته للطب في جامعة إدنبره. إلا أنه ترك دراسة الطب بعد عامين، لإدراكه أنه لا يريد أن يسير على خطى والده ليصبح طبيباً، واتجه بدلاً من ذلك إلى كامبريدج، عاقداً العزم على أن يصبح رجل دين.

واصطحب هينسلو داروين وزملاءه الطلاب في «رحلات استكشافية للنباتات»، إلى مستنقعات كامبريدجشير، وعلمهم كيفية تحديد النباتات وتصنيفها وجمعها، مع مراقبة تكيفات أنواع النباتات المختلفة مع بيئتها في بريطانيا بشكل منهجي.