العجائبي في عصور ومدن دانيال

مدينة كابوسية تحت سطحها مدينة أخرى أكثر كابوسية

العجائبي في عصور ومدن دانيال
TT

العجائبي في عصور ومدن دانيال

العجائبي في عصور ومدن دانيال

لا يغادر الروائي أحمد عبد اللطيف عالمه العجائبي إلا ليعود إليه، عملاً بعد آخر، متلمساً وجوه المدينة الملعونة؛ المدينة المعاقبة، حيث لا تغيب صورة تغيب صورة القهر، الذي يتجلى حتى في الأسماء التي نحملها أو حتى عندما نرتكب الشر، كما في روايته «إلياس» مثلاً.
في روايته الجديدة «عصور دانيال في مدينة الخيوط» الصادرة حديثاً عن دار العين يبني عبد اللطيف مدينة فنتازية كابوسية لا يلبث القارئ أن يكتشف تحت سطحها الأرشيف، وهو مدينة أكثر كابوسية من الأولى، كلتاهما تؤشران إلى مدينة واقعية ثاوية تحتهما؛ مدينة مفرطة في واقعيتها، معاقبة بعنف يضع الرواية ضمن ما بات يُعرف بـ«أدب الصدمة».
وقد صار أحمد عبد اللطيف يجيد هذا الربط بين «الخيالي» و«الواقعي». تجلى ذلك في رواياته السابقة مثل «صانع المفاتيح» و«سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج»، كما تجلى في مجموعته القصصية السابقة على الرواية الجديدة «مملكة مارك زوكربيرغ وطيوره الخرافية - منشورات المتوسط 2021» التي تضافرت فيها الكبائر والعقوبات التوراتية بعقوبات وتعاليم مارك زوكربيرغ مالك «فيسبوك» المتحكم في مصائر أصحاب الحسابات.
عنوان الرواية، عقبة لا يمكن تفاديها، إذ لا بد لكل رواية من عنوان يميزها في قول أمبرتو إيكو، وفي قوله أيضاً إن الروايات التي تحمل اسم بطلها في عنوانها، مثل «ديفيد كوبر فيلد» لتشارلز ديكينز أو «الأب غوريو» لبلزاك، يمكن أن يشكل عقبة تأويلية وتدخلاً صارخاً ومفرطاً من الكاتب بفرضه شخصية البطل، بينما كان بوسع القارئ أن يتعلق بشخصيات أخرى في العمل*. لكن عبد اللطيف اختار أن يقسم العنوان مناصفة بين دانيال والمدينة. وليست هذه القسمة ما يجعل العنوان مقبولاً من وجهة نظر إيكو، ولكن لأن هذا العنوان يلبي فكرة إيكو عن العنوان النموذجي الذي يشتت الأفكار ولا يعبئها باتجاه تأويل واحد.
يعكس اسم «دانيال» دلالة دينية، لكن القارئ سيكتشف في مكان متقدم من السرد أن الاسم من اختيار عرافة نصحت به أبويه بعد تكرار موت مواليدهما الذين لم يبق منهم غير صور ثلاث على الجدار، ومع الحَمل الرابع تشاءم الأبوان من تصوير الوليد وامتثلا للاسم الذي اختارته العرَّافة، فعاش بلا صورة من طفولته.
في العتبة الثانية بعد العنوان ينصب الكاتب فخاً جديداً باقتباس من سفر دانيال: «فدخل دانيال وطلب من الملك أن يعطيه وقتاً فيبين للملك التعبير. حينئذ لدانيال كُشِف السر في رؤيا الليل» لكن «دانيال» الرواية، ليس كدانيال النبي. لم يقذف الله بالمعرفة في قلبه، لكي يخبر الملك بتفسير النبوءة، لكنه قرأ الماضي في الأرشيف، واحترف القتل المتسلسل للانتقام مما تعرض له وما عرفه، فأخذ يتخير ضحاياه من ملفاتهم.
يتجلى مفهوم «الصدمة» منذ الجملة الأولى؛ فقد اختار الكاتب استراتيجية المباغتة بالعجيب في الجملة الأولى: «في صباح الثالث والعشرين من يناير (كانون الثاني) فتحت الدُمى بيد خشبية نوافذ غرفها وأبواب شرفاتها لتشاهد بعيون زجاجية لم ينقصها الصعقة والرعب عشرات الجثث الملقاة حول نافورة الميدان الرئيسي بدم يطفو على ماء المطر وعيونٍ مفتوحة على العدم»، بهذا التأسيس وضع القارئ داخل نسق المدينة العجائبية، لكنه وضع في يده خيطاً يقوده للمدينة الواقعية المضمرة داخل النص، من خلال الإشارة إلى يوم محدد للواقعة، وقوة الحياة داخل الدمى ممثلة على الأقل في قدرتها على الاندهاش والخوف. وهذا الخيط الرابط بين المدينتين هو ما يباعد بين مدينة الدمى ومدن «ألف ليلة وليلة» الممسوخة بقوة إلهية، فهذه المدينة ممسوخة ببطش بشري، وليست سوى صدى أو شبح لمدينة واقعية ينبغي على القارئ أن يجدها بنفسه، فقد تكون مدينته.
التفاصيل التالية حول هيئة الدمى المقتولة بقطع عرضي في الرقبة، وبقايا الرعب الذي استشعرته الدمى لحظة القتل لم تزل واضحة على وجوههم الساكنة، ولا بد أن يداً بشرية هي التي صفَّت الجثث مثل وردة حول نافورة الميدان، وبعيداً بخطوات من وردة المذبحة ثمة أشياء مبعثرة: نظارات طبية ومحافظ وأحذية وجوارب وتليفونات محمولة.
على مدار السرد هناك ذلك الغنى في التفاصيل الدقيقة التي تقوم بمهمة تثبيت عقد التواطؤ بين الكاتب والقارئ على اعتبار مدينة الدمى بكل حركتها وعنفها وغربة سكانها قناعاً لمدينة أخرى.
لم تكن المدينة المعاقبة بمطر توراتي استمر أياماً تنقصها هذه المذبحة الغامضة، فقد كانت غارقة تحت أمطار لم تتوقف لأيام متتابعة، بما استتبع التفاصيل الدقيقة التي يمكن أن يتسبب فيها الطوفان، من موت العشرات صعقاً وغرقاً، وضياع الكثير من الأطفال الدمى وبحث العائلات الدمى عن أطفالها وسط شائعات عن حالات خطف ترتكبها عصابات تقوم بتهريب هؤلاء الأطفال إلى إحدى الدول الآسيوية، واضطرت الدمى إلى وضع سقالات لعبور الشوارع الغارقة، وانقطاع الكهرباء وبقاء المدينة تحت الظلام في ليالي الشتاء الباردة، دون مياه للشرب، إلى آخر ما يمكن أن يقع لمدينة مغضوب عليها.
في زمن سابق على مشهد القيامة ذاك، كان دانيال يجلس على الكنبة في شقته يتطلع في البناية المقابلة إلى دانيال آخر، يكتب على أضواء الشموع، وفي الخلفية طيف امرأة يروح ويجيء.
ليس هناك من تطابق بين دانيال ودانيال، لكننا نبقى دون يقين إن كانا شخصين أو هي هلاوس شخص ينظر إلى داخله. في 23 يناير كانت المذبحة، وفي يناير سابق (وهنا يحدد عام 2002) قرر دانيال الراوي الهجرة من المدينة، ليلتقي في مصلحة الجوازات بقريب له، وبدلاً من أن يساعده ذلك الرجل على الهروب يقنعه بوظيفة بدلاً من السفر.
بهذه الواقعة التي تبدو مصادفة يجد دانيال نفسه في الأرشيف، أو المدينة الحقيقية التي يحكمها واحد وأربعون رجلاً وتتمتع بحماية أمنية عالية، وتُمسك بخيوط ومصائر سكان مدينة الدمى. وسرعان ما نعرف أن اختياره للالتحاق بالأرشيف ليس مصادفة تماماً: «وأنا كدانيال انتقلت في غمضة عين من سكّان المدينة العلوية إلى المدينة السفلية لأنهم اختاروني ولأنهم حين نظروا إلى جسدي لم يجدوا قلباً ولا كبداً ولا طحالاً ولا رئة تتنفس فعرفوا أن مكاني ليس بين الوحوش الظاهرة وإنما بين الوحوش المختبئة التي تلدغ دون أن يراها أحد».
عدم اليقين الذي يكتنف هذا العالم لا يقف عند حد تضاعيف صور الشخصيات في مرايا مياه المطر المهتزة وعتمة ظلام فرضته الأمطار على المدينة، بل نجده في موجات الزمن غير المنتظمة، لكن هذه الفوضى ينظمها خط زمني دائري، كأنه حزام الطرق السريعة حول المدن المكتظة، يبدأ السرد من جثث الأربعين حول النافورة في الميدان، وينتهي بالمشهد ذاته، وهي جثث موظفي الأرشيف الذين يحملون أرقاماً، باستثناء رئيسهم الذي يحمل الرقم صفر، والذي سيستعيض عن موظفيه بأربعين جدداً، ويبقى هو خالداً هو والأرشيف.
لا نجد أثر الكتاب المقدس في تصدير أول الرواية فحسب، إذ تطالعنا بعض العبارات مثل: «وفي ليلة الحادثة فيما كنت أتأمل دانيال في الطابق الخامس كنت أقول لنفسي إن دانيال ابن النور وأنا ابن الظلام بشمعة واحدة أعيش ومائة شمعة لا تكفيه»، كما نجد ذلك النفس الديني والأسطوري في استخدام الرقم أربعين. في عدد العاملين في الأرشيف وفي المدة التي دام فيها ظلام المدينة قبل أن تتحرك الدمى للدفاع عن حياتها.
تتسع اللغة المشهدية للرواية للعب المجازي والصور الفنية: للجثث شكل الوردة، وللشمعة التي تكافح الظلام أثر رومانسي وسط الرعب، وفي شتاء يناير «تكاد الشمس لا تظهر من وراء السحب وكان القمر مخنوقاً بيد قاتل ماهر». ويواصل عبد اللطيف في هذه الرواية الاستغناء من علامات الترقيم، مانحاً السرد إيقاعاً أسرع، معفياً القارئ من التوجيه والحمل العاطفي الذي تضيفه علامات الترقيم إلى الجملة.
لا يمضي الأثر الذي تتركه «عصور دانيال في مدينة الخيوط» في اتجاه واحد؛ بسبب لعبة المرايا التي عكست صوراً لدانيال الضحية، دانيال المجرم، دانيال الكاتب، ودانيال المتلصص، مثلما لا يمكن الوقوف على سبب واحد للعقوبة القاسية الموقعة على دمى مدينة الخيوط من الأرض والسماء، لكن المدينة التي يغتصب فيها معلم دين الأطفال فيفضي بهم للانتحار، لا يمكن أن تكون بريئة وليس كل قتلاها أبرياء.

* الإشارة إلى أمبرتو إيكو، من كتابه «حاشية على اسم الوردة» ترجمة أحمد الويزي.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
TT

«القصص» يحمل حكاية مصر إلى سباق «الأوسكار»

أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)
أبو بكر شوقي بين أمير المصري وفاليري باشنر في كواليس التصوير بالنمسا (حساب المصري في «فيسبوك»)

أعلنت نقابة المهن السينمائية اختيار فيلم «القصص» للمخرج أبو بكر شوقي لتمثيل مصر في منافسات الدورة الـ99 من جوائز «الأوسكار» لعام 2027، ضمن فئة أفضل فيلم دولي غير ناطق بالإنجليزية، وذلك عبر تصويت جرى الخميس بين أعضاء اللجنة التي تضم صنّاع أفلام ونقاداً برئاسة نقيب المهن السينمائية مسعد فودة.

وجاء اختيار «القصص» من بين 37 فيلماً عُرضت في دُور السينما المصرية من أول أكتوبر (تشرين الأول) 2025 حتى 30 سبتمبر (أيلول) 2026.

ومرَّ التصويت على مرحلتين؛ إذ تصدَّر «القصص» الاختيارات في المرحلة الأولى، وحصل على 22 صوتاً من بين 9 أفلام. كما فاز في المرحلة الثانية التي ضمّت قائمة قصيرة من 4 أفلام، بعدما حصد 14 صوتاً، ليحسم النتيجة لمصلحته، فيما حصل «دخل الربيع يضحك» على 9 أصوات، و«كولونيا» على 4 أصوات، و«المستعمرة» على صوتَين.

ويُعدّ «القصص» ثاني فيلم يُختار للمخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي والمنتج محمد حفظي، بعد فيلمهما الأول «يوم الدين»، الذي مثَّل مصر في سباق «الأوسكار» عام 2018.

وبدأ «القصص» رحلته في مهرجان «البحر الأحمر السينمائي»، خلال دورته الخامسة، ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، ولاقى عرضه اهتماماً لافتاً بحضور أبطاله. وحاز الفيلم جوائز مهمّة، من بينها «التانيت الذهبي» لأفضل فيلم في مهرجان «قرطاج السينمائي».

الفيلم من بطولة أمير المصري، ونيللي كريم، والممثلة النمساوية فاليري باشنر، إلى جانب كريم قاسم، وأحمد كمال، وشريف الدسوقي، وخالد مختار، وأحمد الأزعر. وصُوّرت مشاهده بين مصر والنمسا.

أبطال الفيلم في لقطة بالأبيض والأسود (الشركة المنتجة)

واستلهم مخرجه أبو بكر شوقي الفيلم من قصة الحبّ التي جمعت والده المصري ووالدته النمساوية، لينطلق منها إلى حكايات عائلة مصرية عاشت زمن التحوّلات الكبرى، من هزيمة 1967 إلى نصر أكتوبر 1973، وصولاً إلى ثمانينات القرن الماضي. وكان العنوان الأول للفيلم «صيف 67»، قبل أن يستقر المخرج على «القصص»، إذ يروي من خلاله حكايات عائلة تتقاطع مع أحداث تاريخية واجتماعية شهدتها مصر.

الفيلم من إنتاج «فيلم كلينك» لمحمد حفظي، و«سينينوفو»، و«لاجون»، و«فيلم سكوير»، و«شوفها»، وقد حاز دعم «صندوق البحر الأحمر»، و«المعهد السينمائي النمساوي»، و«صندوق فيينا السينمائي».

وعبَّر المنتج محمد حفظي عن سعادته باختيار الفيلم لتمثيل مصر في منافسات «الأوسكار» المقبلة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «جذبني بشدة منذ كان مشروعاً يكتبه أبو بكر شوقي، الذي أحب التعامل معه. وهذه هي المرة الثانية التي نصل فيها إلى منافسات (الأوسكار) بعد فيلمنا الأول (يوم الدين). وقد سعدت بهذا التتويج للفيلم الذي بذل فيه فريق العمل، من فنانين وفنيين، جهداً كبيراً، وهو إنتاج مشترك يمثّل دولاً عدّة، وأسعدني أن مصر هي التي اختارته لتمثيلها»، مؤكداً أن مشوار «الأوسكار» صعب وطويل، ومتمنّياً أن يحظى فيلم مصري بالوصول إلى القائمة القصيرة أو الترشيحات الرسمية.

وتدور أحداث «القصص» حول عائلة تضم الأب، أحمد كمال، والأم، نيللي كريم، و3 أولاد. ويتعلّق الابن الأكبر «أحمد»، الذي يؤدي دوره أمير المصري، بالموسيقى ويهوى العزف على البيانو. ويستعيد الفيلم زمن الخطابات البريدية، إذ يتراسل أحمد مع فتاة نمساوية تُدعى إليزابيث، ويسافر إليها لدراسة الموسيقى، ويرتبط بها بعلاقة حبّ. لكنه يعود إلى مصر مع استشهاد شقيقه التوأم في «حرب 67»، فتلحق به إليزابيث إلى بلده ويتزوّجان، في ظل أحداث سياسية واجتماعية عدّة شهدتها مصر. ويمزج بين لقطات أرشيفية لأحداث سياسية، كما يقدّم عرضاً متشابكاً للأغنيات المصرية في مرحلة الحرب وحتى زمن الانفتاح الاقتصادي.

فيلم «القصص» يتناول حكايات عائلية (الملصق الدعائي)

ووفق الناقد أحمد سعد الدين، عضو لجنة اختيار فيلم «الأوسكار»، فإن «القصص» تصدّر الاختيارات في المرّتَين. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الفيلم يلامس قضايا عدّة، مثل الهجرة وتأثير الحرب والهزيمة على المجتمع المصري، مقدّماً تشريحاً إنسانياً لعائلة مصرية وكيف واجهت تلك السنوات الصعبة من تاريخ مصر». كما يلفت سعد الدين إلى أن «أغلب الأفلام التي أُنتجت خلال العام يغلب عليها الطابع التجاري، وهي لا تصلح لمنافسات عالمية مثل (الأوسكار)»، وفق تعبيره.

وكان الفيلم الوثائقي «الحياة بعد سهام» للمخرج نمير عبد المسيح قد اختير ضمن القائمة الأولية، وحاز بعض الأصوات، لكن استُبعِد من القائمة القصيرة بعدما تبيَّن أنه إنتاج فرنسي وليس مصرياً. وكشف بيان نقابة المهن السينمائية أن عبد المسيح أرسل رسالة صوتية إلى اللجنة يدعم فيها اختيار فيلم «القصص»، مشيراً إلى أنه سيسعى إلى تقديم فيلم مصري ليكون ضمن الأفلام المرشحة لـ«الأوسكار» في المرات المقبلة.

وكان رئيس مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» وأحد أعضاء اللجنة، المخرج سيد فؤاد، قد لفت في كلمته خلال الاجتماع إلى أن السينما المصرية تمرّ بمرحلة عصيبة، وقال: «لقد كشف عنها عدد الأفلام القليل ومستواها الذي ينم عن تراجع لم تشهده صناعة السينما في جميع سنواتها باستثناء مرحلة (كوفيد-19)»، مطالباً بأن تُراعى في الإنتاج المقبل أهمية دعم الصناعة، لأنها تعكس صورة السينما المصرية في الداخل والخارج.


إيرل سبنسر يكشف... هذا ما عرضته الملكة إليزابيث يوم جنازة الأميرة ديانا

ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن -  4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن - 4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
TT

إيرل سبنسر يكشف... هذا ما عرضته الملكة إليزابيث يوم جنازة الأميرة ديانا

ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن -  4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)
ديانا أميرة ويلز والملكة الراحلة إليزابيث الثانية تبتسمان للمهنئين خارج «كلارنس هاوس» في لندن - 4 أغسطس 1987 (أرشيفية - أ.ب)

كشف إيرل سبنسر، شقيق الأميرة ديانا، أن الملكة الراحلة إليزابيث عرضت إعادة لقب «صاحبة السمو الملكي» (HRH) إلى شقيقته في يوم جنازتها، وفق ما نشرت صحيفة «إندبندنت».

وكتب إيرل سبنسر في مذكراته التي أثارت ضجة، أنه بعد ساعات قليلة فقط من إلقائه تأبين شقيقته ديانا خلال جنازتها، أشار إليه روبرت فيلوز، السكرتير الخاص للملكة إليزابيث، وطلب منه الاقتراب، ثم عرض إعادة ألقاب «صاحبة السمو الملكي» إلى أميرة ويلز الراحلة.

وفي وقت لاحق، تساءل الإيرل عما إذا كان محقاً في رفض العرض، لكنه قال إنه شعر بأن «اللقب ما كان ينبغي أن يُسحب منها خلال حياتها، وفي هذه الحالة لم يكن من الضروري عرضه عليها بعد وفاتها».

وهذا هو أحدث إعلان يكشف عنه في مذكراته «Swan Song: Diary, My Sister»، التي نشرتها صحيفة «ديلي ميل» على شكل حلقات.

وفي ردّه على التصريحات الأخيرة، قال قصر باكنغهام إن الملك يدرك أن «الحزن يمكن أن يحجب المنطق»، فيما التزم أفراد العائلة المالكة الصمت حيال التصريحات الواردة في كتاب إيرل سبنسر.

ولم يعلّق الملك تشارلز، والأمير ويليام، والأميرة كاثرين على هذه الادعاءات أثناء قيامهم بارتباطات ملكية يوم الخميس.

كما لم يدلِ الأمير هاري بأي تعليق على كتاب خاله، وما يتضمَّنه من تأملات بشأن موقف والده من وفاة والدته، عندما سأله صحافيون عن الكتاب أثناء حضوره حفل توزيع جوائز «إنفيكتوس سبيريت» الافتتاحية في لندن.


على مائدة الثقوب السوداء... النجوم وجبة و«التجشّؤ» نفاثات

الوجبة هائلة وما بعدها يعبُر المجرّة (مختبر التواصل العلمي)
الوجبة هائلة وما بعدها يعبُر المجرّة (مختبر التواصل العلمي)
TT

على مائدة الثقوب السوداء... النجوم وجبة و«التجشّؤ» نفاثات

الوجبة هائلة وما بعدها يعبُر المجرّة (مختبر التواصل العلمي)
الوجبة هائلة وما بعدها يعبُر المجرّة (مختبر التواصل العلمي)

نجح علماء في حلّ لغز الوقت الذي «تتجشّأ» فيه الثقوب السوداء؛ أي عندما تطلق هذه الأجرام الفلكية تدفّقات ونفاثات بعد التغذّي على النجوم، لتقذف بمواد إلى مسافات هائلة في الفضاء.

والثقوب السوداء أجسام ذات كثافة فائقة، لدرجة أنّ جاذبيتها تصير، في لحظة ما، أقوى من أن تسمح للضوء أو المادة بالإفلات منها. وتُعرف حدود عدم العودة هذه باسم «أفق الحدث»؛ النقطة التي يتطلّب الهروب منها السفر بسرعة تتجاوز سرعة الضوء.

ورغم سمعتها بأنها أشبه ببالوعات كونية، فإن الثقوب السوداء في الواقع «كائنات تتغذّى بفوضوية شديدة»، وفق اختصاصية الفيزياء الفلكية بجامعة كيرتن في أستراليا الغربية، الدكتورة أديل جودوين.

وأضافت: «عليك الاقتراب بشدة من الثقب الأسود لتبلغ نقطة «أفق الحدث»، بينما تتدمّر النجوم في مناطق أبعد بكثير من ذلك».

ويعلم العلماء، من ملاحظات نادرة لنجوم تعرَّضت للتمزيق من ثقوب سوداء -وهي عملية تتضمَّن تأثيراً يُعرف باسم «التمدُّد المعكروني»- أنّ «نحو نصف حجم النجم فقط، الذي يقترب كثيراً من الثقب الأسود، ينتهي به المطاف إلى الابتلاع داخل الثقب الأسود»، وفق جودوين.

أما بقية المواد، فتنطلق عائدة إلى الفضاء في صورة نفاثات وتدفّقات قوية، تكون أحياناً ضخمة لدرجة أنها يمكن أن «تؤثّر في تطوّر المجرّة بأكملها»، كما قالت. وشرحت: «يمكنك تخيّل الأمر كأنه تجشّؤ من الثقب الأسود».

وإنما توقيت هذه التجشّؤات كان لغزاً أمام اختصاصيي الفيزياء الفلكية سابقاً؛ إذ «كان يحدث أحياناً بعد عام من تدمير الثقب الأسود للنجم، وأحياناً بعد 3 أو 5 أعوام».

وفي بحث جديد نشرته دورية «نيتشر أسترونومي» ونقلته «الغارديان»، عبَّر كل من جودوين والباحث المشارك الدكتور أندرو مومري، من معهد الدراسات المتقدّمة، عن اعتقادهما أنهما توصّلا إلى الإجابة، باستخدام التلسكوبات اللاسلكية لدراسة 20 حادثة اضطراب مدّي؛ وهي حالات تلتهم فيها الثقوب السوداء فائقة الكتلة النجوم.

وشرحت جودوين: «الموجات اللاسلكية هي التردّد الوحيد الذي يمكننا من خلاله مراقبة النفاثات والتدفّقات، في أثناء تحرّكها نحو الخارج».

وخلص الباحثان إلى أنّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة التي تتراوح أحجامها بين مئات الآلاف ومليارات المرات من كتلة شمسنا، تطلق نفاثات قوية في مرحلتين متميّزتين من دورة تغذيتها.

تحدث الأولى عندما يتغذّى الثقب الأسود بمعدّلات مرتفعة جداً. أما الثانية، فتحدث بعد مئات إلى آلاف الأيام من تمزيق النجم لأول مرة، عندما ينخفض معدل التغذية إلى نحو 2 في المائة من الحد الأقصى للمعدّل الذي يمكن للثقب الأسود ابتلاع المواد به.

والمعروف أنّ هذا الحدّ ذاته يحفّز التجشؤات من الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية؛ وهي أجسام أصغر بكثير، تبلغ كتلتها نحو 10 إلى 50 مثلاً من كتلة شمسنا.

وأظهر البحث أنّ الثقوب السوداء تُطلق النفاثات عند النقطة ذاتها من دورة تغذيتها، بغضّ النظر عن حجمها، وفق جودوين. وأكدت أنّ هذا الاكتشاف سيمكّن العلماء من التنبّؤ بدقة بوقت إطلاق مثل هذه النفاثات، ممّا يُضيّق نوافذ الملاحظة ويوفر وقتاً ثميناً لاستخدام التلسكوبات.

وأضافت: «يمكننا حقاً البدء في فهم ليس فقط وقت إطلاق النفاثات، وإنما أيضاً مدى قوتها، وما إذا كان ذلك يعتمد على خصائص الثقب الأسود».

من جانبها، قالت اختصاصية الفيزياء الفلكية بجامعة سوينبرن، الدكتورة سارة ويب: «لا نزال نحاول حلّ الألغاز الأساسية لأكثر الأجرام تطرّفاً في الكون؛ الثقوب السوداء فائقة الكتلة».

وأوضحت ويب أن الدراسة أظهرت «أنّ الثقوب السوداء فائقة الكتلة تتصرّف بشكل متوقَّع تماماً في مرحلتين متباعدتين من تطوّرها»، وأن الباحثين «ربطوا هذا بما رصدناه سابقاً فيما يخصّ الثقوب السوداء ذات الكتلة النجمية الأصغر حجماً بكثير».