طائر مغرد يشارك الملحنين الحفاظ على «فترات التوقف»

الباحث رودريغيز سالتوس يحمل معدات تسجيل أغاني الطيور
الباحث رودريغيز سالتوس يحمل معدات تسجيل أغاني الطيور
TT

طائر مغرد يشارك الملحنين الحفاظ على «فترات التوقف»

الباحث رودريغيز سالتوس يحمل معدات تسجيل أغاني الطيور
الباحث رودريغيز سالتوس يحمل معدات تسجيل أغاني الطيور

عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على فترات التوقف في اللحن، فإن نوعاً متواضعاً من الطيور المغردة تقف على قدم المساواة مع الموسيقيين المحترفين، وفقاً لبحث جديد قاده علماء في جامعة تكساس الأميركية.
وهذه الدراسة التي نشرتها أول من أمس (الثلاثاء)، دورية «سلوك الحيوان»، هي الأولى التي تبحث في القدرة الطبيعية على الالتزام بفترات التوقف لطائر في البرية، بدلاً من المراقبة في المختبر، حيث فحص العلماء أغنية «العندليب الجنوبي»، وهو طائر بني صغير في أميركا الوسطى والجنوبية معروف بـ«زقزقة تشبه الصافرة».
ولا تملك الطيور كاتباً للأغاني، لكن بعض الأنواع تغني نفس اللحن بنمط يمكن التعرف عليه، وبالنسبة لطائر «العندليب الجنوبي»، يسير النمط على النحو التالي «انفجار افتتاحي من الزقزقة متبوع بفترات متناوبة من الزقزقة والتوقف، وتزداد فترات التوقف بين كل زقزقة تدريجياً».
وأصبح رودريغيز سالتوس، الباحث الرئيسي في الدراسة، على دراية بأغنية «العندليب الجنوبي»، حين كان طالباً جامعياً في الإكوادور عندما علمه أستاذ علم البيئة كيفية تحديد النمط المميز بين أصوات الطيور.
وبعد سنوات، أدرك أن السمة الفريدة لأغنية، العندليب الجنوبي فترات التوقف المتزايدة باطراد بين الزقزقات، وخلال الدراسة تعمق أكثر في قدرات الطائر على تتبع الوقت.
ويقول رودريغيز سالتوس في تقرير نشره الموقع الرسمي لجامعة تكساس بالتزامن مع نشر الدراسة: «إنه تغيير رائع حقاً من فترات قصيرة إلى فترات طويلة في الأغنية نفسها».
وتنمو فترات التوقف بين كل زقزقة بطريقة يمكن التنبؤ بها، حيث تطول بنحو نصف ثانية في كل مرة، وبعد أن تصل فترة التوقف إلى نحو 10 ثوانٍ، تكرر الطيور أغنيتها من الأعلى.
وفي التجارب المعملية، تجد معظم الكائنات، بما في ذلك البشر، صعوبة في تحديد مقدار الوقت الذي انقضى بعد ثانية أو ثانيتين فقط، بشكل عام، كلما طالت الفترة الزمنية، كان الكثير من الكائنات عاجزة في التقدير، ولكن بالنسبة إلى العندليب الجنوبي، فإن 43 في المائة من الأغاني (10 من أصل 23 أغنية)، احتفظ خلالها بالفواصل الزمنية، وبالنسبة لاثنين من تلك الأغاني، كانت دقة الطائر أعلى من دقة الموسيقي المحترف العادي.



«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
TT

«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)

اضطرت الثلاثينية أمنية أحمد، التي تقطن في منطقة عين شمس (شرق القاهرة) إلى «اصطحاب ابنها محمد (المقيد بالصف الثالث الابتدائي) إلى مدرسته الخاصة في منطقة حدائق القبة (شرق) رغم هطول الأمطار بكثافة، الأحد، وذلك ليلحق بامتحانات شهر مارس (آذار) لطلاب صفوف النقل في المدارس».

لكنها فوجئت بعد ذلك باتصال من والدة زميل مقرب لنجلها تخبرها بقرار محافظة القاهرة بـ«تعطيل الدراسة لسوء الأحوال الجوية».

وعلى الفور غادرت أمنية منزلها للمرة الثانية، وعندما وصلت إلى المدرسة علمت بقرار آخر من وزارة التربية والتعليم بـ«استمرار الطلاب لاستكمال اليوم الدراسي». لكنها قررت «اصطحاب ابنها إلى المنزل وعدم إكمال اليوم الدراسي».

موقف الأم المصرية عكس «ارتباكاً» في القرارات الحكومية خلال التعامل مع «أزمة الأمطار» ما دفع إلى تحركات برلمانية بسبب «غياب التنسيق بين الجهات الرسمية».

وشهدت ثلاث محافظات «فوضى وارتباكاً»، الأحد، بسبب الأمطار، وقرارات مفاجئة بتعطل العملية التعليمية عقب توجه الطلاب إلى مدارسهم.

طلاب خلال طابور الصباح في مدرسة مصرية فبراير الماضي (وزارة التربية والتعليم)

الخبير التربوي، عاصم حجازي أرجع أسباب «الفوضى والارتباك» إلى «البطء في اتخاذ القرار الحكومي، وغياب التنسيق بين المحافظين ووزارة التربية والتعليم».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الطقس كانت معروفة مسبقاً، وكان لازماً إصدار قرار بتعطيل الدراسة مساء السبت». ولفت إلى أن «الارتباك» تمثل في صدور القرارات بعدما وصل الطلاب إلى المدارس، ثم قرار وزير التعليم باستمرار بعض الطلاب في المدارس، ما تسبب في مشاكل و«ربكة» لكثير من الأسر.

وتابع بقوله إن «السلطات المسؤولة لديها آليات للتعرف على أحوال الطقس، وكان عليها أن تصدر قرار التعطيل في وقت مناسب».

وأكدت «هيئة الأرصاد الجوية»، مساء السبت، «تعرض البلاد لموجة من عدم الاستقرار الجوي، تشمل نشاطاً للرياح المثيرة للرمال والأتربة، وسقوط أمطار متفاوتة الشدة على مناطق من القاهرة الكبرى والدلتا ومدن القناة وسيناء».

محطة قطار في مصر تأثرت الأحد بسقوط الأمطار (مجلس الوزراء المصري)

الثلاثيني عمرو توفيق، الذي يقطن في منطقة المطرية (شرق القاهرة) يرى أن «تخبط القرارات تسبب في ربكة للأسر، وكان الأولى منح إجازة الأحد خصوصاً بعد تحذير هيئة الأرصاد، وعدم استقرار حالة الجو منذ الساعة الواحدة صباحاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «فضل أصحاب ابنته مريم (المقيدة في الصف الثاني الابتدائي) للمدرسة رغم وجود حافلة خاصة تنقلها بشكل يومي، خوفاً عليها من الأمطار الكثيفة».

وتابع: «علمت من المواقع الإخبارية بقرار تعطيل الدراسة بعدما وصلت إلى مقر شركة السياحة التي أعمل بها في منطقة مدينة نصر (شرق)، وحاولت الاستئذان من عملي للذهاب واصطحاب ابنتي للمنزل؛ إلا أنني وجدت قراراً آخر باستمرار الطلاب في المدرسة، لذا قررت إبقاء ابنتي في المدرسة لنهاية اليوم الدراسي». وانتقد «طريقة تعامل المسؤولين مع الأزمة، خصوصاً وأن الأمطار كانت كثيفة جداً (صباح الأحد)، وأغلب الصغار لم يتحملوها». ويوضح أن «إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس بسبب الاختبارات الشهرية».

إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس رغم الأمطار، أرجعه الخبير التربوي، إلى «وجود التقييمات الشهرية التي تُصر عليها وزارة التعليم». ويشير إلى أن «التقييمات بشكلها التقليدي المعتاد لم تلق القبول بشكل كافٍ في الأوساط التربوية، ولا تعود على الطالب بفائدة حقيقية، وكان أولى تعطيل الامتحانات، الأحد، بدلاً من ذهاب الطلاب للمدارس مع الأمطار وصعوبة السير في الشوارع بسبب تراكمات المياه».

طرق في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة تأثرت نتيجة سقوط الأمطار (الشرق الأوسط)

ووفق محافظة القاهرة «تم ترحيل الامتحان الذي كان مقرراً، الأحد، إلى يوم 6 أبريل (نيسان) المقبل للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، كما سيعقد الامتحان المؤجل للمرحلة الثانوية يوم 7 أبريل».

أزمة قرارات «تعطيل الدراسة» وصلت إلى البرلمان، وتقدم عضو مجلس النواب محمد تيسير مطر ببيان عاجل بشأن «الارتباك الشديد في قرارات تعطيل الدراسة، نتيجة غياب التنسيق الواضح بين وزارة التربية والتعليم والمحافظين».

كما تقدم عضو مجلس النواب، أحمد علاء فايد، ببيان عاجل، متسائلاً عن «كيفية إصدار قرار تعليق الدراسة في جميع مدارس القاهرة، الأحد، بعد بدء اليوم الدراسي».


منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
TT

منزل عبد الحليم حافظ يُغلق أبوابه مؤقتاً... ويفتقد «أحضان الحبايب»

العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)
العندليب يستعد لإحدى حفلاته (أسرته)

في زاوية متسعة من شارع بهاء الدين قراقوش، كانت نسمات الصباح المُنعشة تضفي على أجواء حي الزمالك الشهير جمالاً استثنائياً، وأمام عمارة «زهراء الجزيرة»، التي غادرها الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ منذ نحو 5 عقود، وقفت 3 فتيات جزائريات مقيمات في فرنسا، في انتظار «موعد غرام»، بعدما غلبهن الشوق لزيارة بيت «العندليب».

لافتة توثق إقامة عبد الحليم بعمارة زهراء الجزيرة (الشرق الأوسط)

وفيما كانت إحداهن تُدندن: «لو حكينا يا حبيبي نبتدي منين الحكاية»، كانت الفتاتان الأخريان تُلحِّان على الحارس، أملاً في السماح لهن بتحقيق حلمهن بزيارة منزل «أعز الناس».

يؤكد حارس العقار أنه يجد نفسه يومياً في مثل هذا الموقف، إذ يقصده محبو «حليم» من مختلف الجنسيات العربية، طلباً لزيارة منزله.

ورغم مرور الوقت، فإن الفتيات الجزائريات تحلَّين بصبرٍ لافت، حتى تحقق حلمهن أخيراً بالصعود إلى «مركب الأحلام» في الطابق السابع، حيث شقة «العندليب الأسمر». وما إن فُتح باب المصعد، حتى انكشف الستار عن «حكاية حب» الناس لحليم، رغم رحيله عن دنيانا منذ 49 عاماً، في مثل هذا التوقيت.

تطغى كلمات الحب والغرام على جدران مدخل الشقة، حتى تكاد تُخفي لونها الأصلي. وقد منحت عفوية الزائرين المصريين والعرب، وتباين أقلامهم وخطوطهم وتعبيراتهم، هذه الجدران مَلمحاً تشكيلياً مميزاً.

وأُتيحت لـ«الشرق الأوسط» فرصة زيارة شقة «العندليب»، قبيل إغلاقها مؤقتاً من قبل الأسرة أمام الزوار.

ردهة الاستقبال بشقة عبد الحليم (الشرق الأوسط)

«ومين ينسى، ومين يقدر في يوم ينسى حليم، حبيبنا أعز الناس»، «فعلاً جبار يا حبيب الملايين»، «يا حليم يا عبقري يا أسطورة»، «تلميذك تامر حسني... 2008»، «حبيبي الغالي، ستظل في وجداني إلى الأبد»، «إنسان بسيط من الصعيد يدعو لك بالرحمة»... هذه الكلمات غيضٌ من فيض، تُعبِّر عن مدى الحب الجارف لـ«العندليب الأسمر» من أجيال لم تتح لها فرصة الاقتراب منه أو رؤيته خلال حياته، فجاءت إلى هنا لتستعيد صورته الأسطورية.

وما إن يُفتح باب شقة «مدَّاح القمر»، حتى ينكشف الستار عن «ليالي الحب» وأيام حليم «الحلوة» وأخرى «حزينة». وتتصدر صورة كبيرة لحليم ردهة الاستقبال، التي تقود إلى صالة المنزل الفسيحة. ويكسر اللون الداخلي للشقة، المائل إلى الزرقة، ديكورٌ أبيض منمَّق، ولوحات قرآنية، ونجف حائط، ولوحات زيتية تُجسِّد «العندليب»، إلى جانب ركن مضيء يضم مزهريات وتحفاً فنية مميزة.

صالة منزل عبد الحليم (الشرق الأوسط)

الصالة الفسيحة، التي تتميز بأثاثها الكلاسيكي وإضاءاتها الصفراء، وأرضيتها الباركيه وسجادها الملوَّن، مقسّمة إلى 3 أقسام؛ يقود أحدها إلى ممر الغرف الداخلية للشقة، في حين يفضي القسم الآخر إلى باب الشرفة المُطلَّة على حديقة الأسماك.

وتستحضر الخضرة الكثيفة للحديقة أجواء أغنيات حليم المبهجة، ومشاهده السينمائية الرومانسية التي جمعته بنجمات الزمن الجميل، من بينهنَّ فاتن حمامة، وشادية.

تضم هذه الشرفة، التي احتفى بها صاحب «لحن الخلود» في كثير من الصور، «أباليك يدي حليم»، وهي الأثر الجسدي الوحيد له، ومن أجمل القطع الموجودة في منزله. ولشغفه بالجمال والفن، طلب من نحَّات إيطالي شهير القدوم إلى مصر، لرفع مقاسات يديه ونحتهما على هيئة أباليك إضاءة.

بيت عبد الحليم في الزمالك يتمتع بمساحته الفسيحة (الشرق الأوسط)

ووفقاً لأسرته، التي ذكرت عبر حسابها على «فيسبوك»، فإن «شقيقته عليّة شبانة كانت تواظب دائماً على لمس هذه الأباليك بمجرد خروجها إلى الشرفة، فتتذكره وتبكي في بعض الأحيان».

يتخيّل زائر الشقة «العندليب» وهو جالس في الصالون، يتحدث عبر الهاتف مع بليغ حمدي، أو الشاعر محمد حمزة، أو «موسيقار الأجيال» محمد عبد الوهاب، ولسان حاله يقول: «لو مريت في طريق مشينا مرة فيه، أو عديت بمكان كان لينا ذكرى فيه... ابقى افتكرني... حاول تفتكرني».

ولاستغلال دقائق الزيارة المعدودة، فتحت الفتيات الجزائريات، اللواتي حالفهن الحظ بزيارة المنزل قبيل إغلاقه مؤقتاً، عدسات هواتفهن الجوّالة، وطُفن في أرجائه ذهاباً وإياباً. بل إن إحداهن أجرت اتصالاً بوالدتها في فرنسا، لتُريها عبر بث مباشر جميع مقتنيات الشقة.

تقول، والفرحة تغمر وجهها: «والدتي ألحت علي لزيارة منزل العندليب خلال زيارتي القصيرة للقاهرة؛ فقد نشأت على أغنياته وتعشقه كثيراً، وجعلتني أحبه مثلها. وهذه الزيارة هي أهم (يوم في عمري)».

يلعب على العود (أسرته)

يتكوّن الجزء الداخلي من الشقة من غرف عدَّة، ودورة مياه، ومطبخ. وتحرص أسرة «العندليب» على إبقاء كل شيء في الشقة على حاله؛ لدرجة أن روب الاستحمام لا يزال معلقاً على الشماعة داخل دورة المياه كما تركه.

غرفة نوم عبد الحليم حافظ هي الجزء الأكثر إثارة للشجن في الشقة؛ إذ لا تزال آثار استلقائه على السرير لساعات طويلة أثناء تلقيه جرعات العلاج مطبوعة على سطحه، كأنه غادره بالأمس، في مشهد يبدو توثيقاً حيّاً للآلام التي عاناها قبل الوداع. وإلى جوار سريره يقبع الهاتف المنزلي المذهَّب العتيق، بالحالة نفسها التي تركه عليها، إلى جانب جهاز التلفزيون القديم، وآلات العود الخاصة به.

لا ينقص هذه الغرفة شيء منذ 30 مارس (آذار) 1977، سوى عبد الحليم، الذي رحل عن دنيانا عن عمر ناهز 47 عاماً. ومنذ ذلك الحين، بقيت الوسادة خالية؛ وكان يُعدُّها «سجناً انفرادياً»، ويرفض النوم فيها ليلاً، خوفاً من تعرضه لمضاعفات صحية خطيرة أثناء نومه بمفرده.

جهاز تلفاز قديم في غرفة نومه (الشرق الأوسط)

وكان لا يخلد إلى النوم قبل السادسة صباحاً، وفق ما ذكره مقرَّبون منه لصحف مصرية، لتنطبق عليه تماماً الكلمات التي غنَّاها: «شغلوني وشغلوا النوم على عيني ليالي... ساعة أبكي وساعة يبكي علي حالي».

وفي الغرفة المجاورة لغرفة النوم، تقع غرفة أخرى تضم أجهزة تسجيل موسيقية من بين مقتنيات حليم، وقد شهدت تسجيل صوته خلال البروفات مع رفاق دربه من الملحنين والشعراء.

وكانت الأسرة قد كشفت مؤخراً عن ورقة بخط يد «العندليب» للمرة الأولى، تُبرز كواليس جديدة من فترة مرضه؛ إذ كانت ترافقه هذه الورقة باستمرار أثناء سفره للعلاج، وكان يضعها تحت وسادته في المستشفيات والمنزل، وتتضمن آيات قرآنية وأدعية.

آثار استلقائه لمدة طويلة تظهر بوضوح على السرير خلال فترة مرضه (الشرق الأوسط)

تُخيِّم على الشقة حالة من الهدوء، لا يكسرها سوى صوت تلاوة القرآن الكريم المنبعث من راديو عتيق من مقتنيات حليم، يُضبط في معظم الأوقات على محطة إذاعة القرآن الكريم. وفي ختام الزيارة، كان قارئ الإذاعة يصدح بقوله تعالى: «كل من عليها فانٍ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام».

ودشَّنت أسرة حليم مؤخراً موقعاً إلكترونياً للمنزل، يضم تراث «العندليب» وأرشيفه الثري، ويُتاح من خلاله حصراً حجز زيارات المنزل مجاناً.

ويقول المهندس عبد الحليم الشناوي، نجل السيدة زينب الشناوي، ابنة شقيقة «العندليب»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنزل أُغلق أمام الزائرين خلال شهر رمضان فقط، وكان من المقرر إعادة فتحه مجدداً في الذكرى الـ49 لرحيل حليم، بيد أن هذا القرار أُجِّل تضامناً مع الشعوب العربية الشقيقة التي تعاني في ظل الحرب. وبعد انتهائها، سيتاح الحجز عبر الموقع الإلكتروني».

صورة توثق فترة مرض عبد الحليم (أسرته)

وأكدت الأسرة، في تصريحات سابقة، أنها تواجه تحديات كبيرة في إدارة منزل عبد الحليم، لا سيما مع كثرة الزوار الذين يتوافدون يومياً لرؤيته، ما يشكّل عبئاً مالياً وإدارياً عليها. وقد اقترحت تحصيل رسوم رمزية لتغطية نفقات الصيانة وتشغيل تطبيق الحجز، الأمر الذي عرَّضها لانتقادات حادة.

لكن الكاتب والناقد الفني المصري طارق الشناوي لا يرى أي مشكلة في فرض رسوم مالية لزيارة المنزل، مشدداً على أنه «لا يمكن لأحد منع الورثة من الاستفادة من مورّثهم، لا سيما أن المنزل هو ملكية خاصة لا عامة، ولا يمكن فتحه على مدار الساعة أمام الزوار».

ويضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «يُمكن بالطبع تحديد رسوم غير مبالغ فيها، مع وضع استثناءات لبعض الفئات، مثل ذوي الهمم والطلاب، على أن تُوجَّه هذه الإيرادات للإنفاق على المنزل وصيانته».


بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

بارو يحمّل «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو (الوكالة الوطنية للإعلام)

يتزايد الضغط الدولي والدعوات الداخلية لتحييد لبنان عن أتون الحرب، مع اتساع رقعة المواجهة، وتفاقم الخسائر البشرية والمادية، وهو ما عبَّر عنه وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، الذي حمّل «حزب الله» مسؤولية انجرار لبنان إلى الحرب، مؤكداً أن «لبنان لا يمكن أن يكون ساحة اقتتال لدول أخرى».

وأشار بارو إلى أن «لبنان لم يكن من المفترض أن ينجر إلى هذه الحرب»، معتبراً أن قرار الانخراط فيها «اتُّخذ من قبل الحزب»، وثمَّن في المقابل «قرارات الحكومة اللبنانية بشأنه».

ودعا بارو إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت»، في محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري.

وتندرج مواقف بارو ضمن سياق أوسع من التحرّك الدبلوماسي الفرنسي الهادف إلى منع توسّع الحرب، في ظل مخاوف من انهيار الاستقرار الهش في لبنان، وما قد يرافقه من تداعيات أمنية وإنسانية على الداخل اللبناني وعلى المنطقة كلها، في وقت تتقاطع فيه التحذيرات من انزلاق البلاد إلى مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها.

أطفال لبنان يحتفلون بأحد الشعانين (إ.ب.أ)

الراعي: نداء للسلام

داخلياً، ارتفعت نبرة التحذير من التكلفة الإنسانية للحرب؛ إذ أطلق البطريرك الماروني بشارة الراعي نداءً صريحاً لوقف العنف، قائلاً: «كفى حرباً وقتلاً وتدميراً»، مشدداً على أن «قوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام».

وفي عظة أحد الشعانين من الصرح البطريركي في بكركي، رسم الراعي صورة قاتمة للواقع الميداني، متحدثاً عن «أطفال قصفت أعمارهم صواريخ الحرب»، وعن عائلات مشرّدة تعاني البرد والمطر من دون مقومات الحياة الأساسية، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وأشاد بالدور الإغاثي الذي تقوم به المؤسسات والأفراد، مع إشارة خاصة إلى المساعدات التي وصلت من مصر، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الدعم الإنساني مع استمرار النزوح من المناطق الحدودية.

كما توقف عند سلسلة الخسائر البشرية، مشيراً إلى سقوط مدنيين وصحافيين وعناصر من الطواقم الطبية والجيش اللبناني، مستحضراً حادثة مقتل مواطن ونجله في جنوب البلاد، في دلالة على اتساع دائرة الاستهدافات، وتداخل المدني بالعسكري في مسرح العمليات.

قداس الشعانين في مقر البطريركية المارونية في بكركي برئاسة البطريرك الراعي (الوكالة الوطنية للإعلام)

الشعانين في مواجهة الحرب

وربط الراعي بين رمزية أحد الشعانين والواقع اللبناني، معتبراً أن أغصان الزيتون التي يحملها المؤمنون «ليست مجرد رمز، بل موقف وخيار واضح للسلام»، في مواجهة تصاعد خطاب العنف والانقسام، داعياً اللبنانيين إلى التمسك بالأمل رغم قسوة المرحلة، وإلى اختيار السلام نهجاً ثابتاً، في مقابل «الانزلاق نحو مزيد من التوتر».

وأكد أن «قوة الإنسان لا تكمن في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام والثبات في الحق»، معتبراً أن «هذه المرحلة تتطلب شهادة حقيقية للسلام على مستوى الأفراد والمجتمع».

ودعا إلى الصلاة من أجل حماية لبنان وأبنائه، ومن أجل تحقيق «سلام عادل وشامل ودائم»، يحفظ البلاد من مزيد من الانهيار.

الجميّل: رجاء بقيامة لبنان

سياسياً، انضم رئيس حزب «الكتائب» سامي الجميّل إلى موجة الدعوات للتهدئة، مؤكداً أن لبنان «سيقوم من جديد رغم كل الألم». وفي رسالة لمناسبة أحد الشعانين، توجّه الجميّل إلى أهالي الجنوب، كاتباً على منصّة «إكس»: «في أحد الشعانين، عيد الرجاء والسلام، نتشبّث أكثر بإيماننا بأنّ النور أقوى من الظلام، وأنّ لبنان سيقوم من جديد رغم كل الألم».

وقال: «في هذه المناسبة، نتوجّه بقلوبنا إلى أهلنا في الجنوب، إلى العائلات التي حُرمت، هذا العام، من الاجتماع حول مائدة واحدة، ومن عيش فرحة العيد كما اعتادت كل سنة. نصلّي أن تعود هذه الأيام محمّلة بالسلام، وأن يجتمع كل بيت من جديد، وأن تبقى العائلة مصدر قوّتنا وصمودنا».

وتعكس هذه المواقف تقاطعاً واضحاً بين الضغوط الدولية والتحذيرات الداخلية، في لحظة دقيقة يمر بها لبنان، حيث تتزايد المخاوف من تحوّل المواجهة الحالية إلى حرب مفتوحة. وفيما تتواصل الاتهامات بشأن مسؤولية التصعيد، تتقدم في المقابل الدعوات إلى حماية المدنيين، ووقف استهداف البنى التحتية، والعمل على تحييد لبنان عن صراعات المحاور، في ظل إدراك متزايد بأن تكلفة الانزلاق الكامل إلى الحرب ستكون باهظة على المستويات كافة.