فريق رقابي إقليمي يتقصّى كفاءة مكافحة «غسل الأموال» في لبنان

فريق رقابي إقليمي يتقصّى كفاءة مكافحة «غسل الأموال» في لبنان
TT

فريق رقابي إقليمي يتقصّى كفاءة مكافحة «غسل الأموال» في لبنان

فريق رقابي إقليمي يتقصّى كفاءة مكافحة «غسل الأموال» في لبنان

ينفذ فريق من مجموعة العمل المالية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والتابعة لمجموعة العمل المالي الدولية (FATF)، مهمة تقصي وتدقيق في بيروت، بدءا من أول الأسبوع المقبل ولمدة أسبوعين، بهدف التحقق من كفاءة الإجراءات القانونية والتنفيذية التي يتبعها لبنان في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
وتكتسب المهمة، رغم طابعها الدوري، بُعدا استثنائيا في ظل الأزمات النقدية والمالية المتدحرجة منذ ثلاثة أعوام في لبنان، وما أفرزته من انحسار مشهود في أداء المؤسسات الرقابية وإدارات الدولة والتحولات المفصلية التي أدت إلى سيطرة الاقتصاد النقدي على معظم المبادلات والعمليات السوقية، مقابل انحسار الصرف والسداد عبر أنظمة الدفع التقليدية، وبما يشمل القنوات المصرفية والتكنولوجية (الدفع الإلكتروني بالبطاقات وأونلاين) والشيكات والتحويلات وسواها، والتي تخضع تلقائيا لمنظومة رقابية صارمة في تحديد مصادر الصرف ووجهتها، فضلا عن الالتزام بقاعدة «اعرف عميلك». وتخشى مصادر معنية تواصلت معها «الشرق الأوسط» من إثارة شكوك مشروعة لدى الفريق في ضوء حقيقة ترهل المؤسسات العامة وتنامي طغيان الصرف النقدي (الكاش) على مجمل المداخيل والمصاريف وحتى تخزين المدخرات في المنازل. إضافة إلى تمركز جزء كبير من المبادلات النقدية في الأسواق غير النظامية وفوضى أسعار النقد في التداولات اليومية. وهو ما يعزز الاستنتاج بضعف أنظمة التحقق والمتابعة في كشف عمليات مالية قد تحمل الشبهة بوقوعها تحت تصنيف الجرائم المالية، مما سيفضي إلى خلاصات تنذر بوضع لبنان لاحقا ضمن لائحة البلدان غير الملتزمة تماما أو غير القادرة على تطبيق كامل الموجبات القانونية والإجرائية في مكافحة تبييض الأموال.
وبالفعل، فثمة توجس محلي يرقى إلى مستوى التوقعات الجدية بأن وضع لبنان «غير مطمئن»، لجهة تكاثر الثغرات التي يمكن للجرائم المالية النفاذ عبرها إلى القنوات المالية الشرعية، مما يثير الشكوك أو الاحتمالات المرجحة لحصول عمليات تبييض أموال. وبالتالي التوصية بإخضاعه لبرنامج التقييم المشترك الذي ينذر لاحقا ببلوغ مرحلة الانضمام إلى تصنيف «الدول الرمادية» من قبل مجموعة العمل المالية الدولية. وهو ما سيفاقم خصوصا تعقيدات العمليات المالية عبر الحدود وشبكة العلاقات مع البنوك المراسلة والشركات الأجنبية التي يتوجب عليها فرض المزيد من التدقيق على البنوك والأنظمة المالية والشركات العاملة في البلد المنكوب بانهيارين مالي ونقدي غير مسبوقين ولمؤسسات مالية مرهقة بالأزمات وتداعياتها.
لكن الوقوع في المحظور المستجد ليس داهما في توقيته. فالفريق المعني يستخلص النتائج ويورد على هوامشها ملاحظات وتصويبات يتم عرضها على أول اجتماع نصف سنوي للمجموعة في الخريف المقبل. ثم تعود، بحسب تحليل أورده موقع «أولا - الاقتصاد والأعمال»، بتقرير مفصل وخريطة طريق إصلاحية ومفصلة للجانب اللبناني، وبما يشمل تحديد المشكلات ودور السلطات والهيئات في معالجتها إفراديا وبالتكافل مع كل الهيئات المعنية، وخصوصا بينها هيئة التحقيق الخاصة التي تحوز صفة مرجعية في هذا المضمار بصفتها ممثل البلد لدى المجموعة. وفي حال التيقن من المخاطر الآنية والمستقبلية لهذه الثغرات، يتوجب على هيئة التحقيق البدء باطلاع المجموعة المالية الإقليمية على الإجراءات التصحيحية التي ستتخذها السلطات المعنية لمعالجة أوجه القصور التي حددتها تقارير التقييم المشترك. وذلك تماهيا مع مقتضيات المتابعة الرامية إلى تحفيز الدول وحثها على معالجة أوجه القصور المحددة، من أجل تحسين مستوى التزام وفاعلية أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في الدول الأعضاء، والخروج من عملية المتابعة ضمن إطار زمني معقول. وتقضي الإجراءات الخاصة بعملية المتابعة، بأن يتم نشر التقارير على موقع المجموعة في حالة الخروج من عملية المتابعة العادية إلى عملية التحديث كل عامين.
وتشمل مهمة الفريق تقييم فاعلية وآليات مكافحة غسل الأموال من خلال مهمات كل الجهات المعنية ضمن الدولة ومنها الجهات التنظيمية والرقابية وجهات إنفاذ القانون (قوى أمن، جمارك... الخ) والجهات القضائية المختصة، فضلا عن تقويم عمل الجهات المشرفة على الجمعيات غير الهادفة إلى الربح في وزارة الداخلية، والأشخاص المعنيين (السجل التجاري)، وتقويم مؤسسات القطاع الخاص المالي وغير المالي، بمن فيهم كتاب العدل والمحاسبون المجازون والمحامون، بالإضافة إلى أمور تفصيلية أخرى محددة في معايير مجموعة العمل المالي.
ومع التحسب الموضوعي للنتيجة السلبية، سيبقى للبنان، بحسب المصادر المعنية، فرصة زمنية لعدة أشهر من رحلة التقييم المتبادل مع المجموعة. وربما يشكل انخراطه في عملية الإصلاحات الهيكلية الشاملة في حال التقدم بإبرام اتفاقية البرنامج مع صندوق النقد الدولي قيمة مضافة لإصلاح ما يلزم إصلاحه، ولا سيما أن البرنامج الدولي يتضمن إقرار سلسلة مشاريع قوانين مهمة بينها وضع ضوابط قانونية على حركة الرساميل والتحويلات (كابيتال كونترول) وتعديل قانون السرية المصرفية، فضلا عن مشروع قانون إعادة هيكلة الجهاز المصرفي.
كذلك يمكن للجانب اللبناني تبيان جدية السلطات بمكافحة الفساد بعد صدور قانون مكافحة الفساد وقانون التصريح عن الذمة المالية في العام 2020 وقانون استعادة الأموال المتأتية من الفساد في العام 2021، وترجمة الأول بصدور مرسوم تأليف الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتعيينها بنهاية الشهر الأول من العام الحالي.


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
TT

هجمات لخلايا «داعش» تباغت الأمن شمال بغداد

عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)
عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فرض الأمن العراقي حظراً للتجول، أمس (الأربعاء)، في قرى بمدينة الحويجة (شمال بغداد)، إثر هجمات مباغتة، يُعتقد أنها من تنفيذ خلايا «داعش».

وهاجم مسلحون مفارز للشرطة الاتحادية، يومي الاثنين والثلاثاء، ما أسفر عن مقتل وإصابة عناصر أمن. وقالت مصادر أمنية إن المسلحين استخدموا أسلحة رشاشة وبنادق قنص، فيما أكدت مصادر أمنية أن كاميرات حرارية خرجت عن الخدمة.

من جانبها، قالت قيادة قوات الشرطة الاتحادية، في بيان، إن أحد منتسبيها قضى خلال تصديه للهجوم، فيما أكّد رئيس لجنة الأمن والدفاع في مجلس كركوك أحمد رمزي أن «الهجوم يؤكد استمرار خطر الخلايا النائمة»، داعياً إلى تكثيف الجهد الاستخباري والعمليات الأمنية لمنع تكرار هذه الهجمات.

واستبعد خبراء قدرة «داعش» على تثبيت وجوده على الأرض، لكنهم أشاروا إلى أن الخلايا النشطة ما زالت تمتلك «عبوات وأحزمة ناسفة».


إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
TT

إطلاق نار على موقع ﻟ«يونيفيل» في جنوب لبنان

عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
عناصر من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)

أعلنت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) عن تعرّض موقع لها قرب الحدود مع إسرائيل لإطلاق نار الأربعاء بالأسلحة الخفيفة، من دون أن يسفر الحادث عن إصابات، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت «يونيفيل» في بيان: «تعرّض موقع تابع لـ(يونيفيل) بالقرب من كفرشوبا على الخط الأزرق في القطاع الشرقي صباح اليوم لإطلاق نار من أسلحة خفيفة».

وأضافت أن جميع عناصرها المتمركزين في الموقع سارعوا إلى «الاحتماء»، من دون أن تسجّل إصابات في صفوفهم، بينما أصابت الطلقات «الجدار الخارجي» للموقع وطال بعضها «وحدات سكنية وآليات تابعة للأمم المتحدة داخل القاعدة».

وندّدت «يونيفيل» بإطلاق النار عادّةً أنه «غير مقبول» ويحمل «علامات واضحة».

وأضافت أن «مثل هذه الهجمات المتعمّدة تعرّض حياة حفظة السلام لخطر بالغ»، مشيرةً إلى أنها فتحت تحقيقاً في الحادث.

وتضمّ قوة «يونيفيل» المنتشرة في جنوب لبنان منذ عام 1978 نحو 7500 عنصر من 46 دولة.

لكن مجلس الأمن الدولي قرر في أغسطس (آب) من العام الماضي، تحت ضغط أميركي، إنهاء ولاية «يونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026.

ويأتي اقتراب انتهاء مهمة «يونيفيل» في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال مناطق واسعة في جنوب لبنان.

وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد أكد في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» في سبتمبر (أيلول) أن لبنان منفتح على أي قوّة تستبدل قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، مؤكداً ضرورة تجنّب حصول أي «فراغ» بعد انسحاب «يونيفيل».


مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي
TT

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

مسؤول في دمشق لـ«الشرق الأوسط»: صرفنا النظر عن استثمار خان أسعد باشا كفندق سياحي

أعادت مديرية مدينة دمشق القديمة فتح خان أسعد باشا الأثري أمام الجمهور، الأربعاء، معلنة «صرف النظر» عن فكرة استثماره على شكل فندق سياحي، بعد موجة انتقادات واسعة لغياب الشفافية في القرار، تزامناً مع جدل مماثل أثير في مدينة حمص يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص أعمال إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي.

وقال مدير المديرية أمجد الفرخ، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن إجراء الإغلاق وختم العقار «كان مؤقتاً بهدف حسم الجدل حول مستقبل توظيف الخان، ووضع نقطة فاصلة فيما يتعلق بمقترح إعادة استخدامه كمنشأة فندقية».

وبعد التشاور مع وزارة الثقافة ومحافظ دمشق، تم اعتماد إبقاء خان أسعد باشا كفراغ ثقافي ذي وظيفة ثقافية تتناسب مع قيمته التاريخية والمعمارية، بحسب الفرخ، الذي أكد ارتباط فكرة استثمار الخان اقتصادياً مع الحفاظ على هويته واتاحته للجمهور وصون دوره ضمن النسيج التاريخي للمدينة القديمة.

يعدّ خان أسعد باشا من أفخم الخانات الدمشقية وأكثرها رحابة، شيّده والي دمشق أسعد باشا العظم عام 1751، على مساحة 2500 متر مربع في قلب سوق البزورية، إلى الجنوب الشرقي ‏من الجامع الأموي، وذلك بعد 4 ‏سنوات فقط من بناء قصر العظم.

وكانت مديرية دمشق القديمة في محافظة دمشق، قد أصدرت، الثلاثاء، قراراً بإغلاق مؤقت لخان ‏أسعد باشا، وسط تسريبات أفادت بتحويل الموقع إلى منشأة فندقية، دون إعلان مسبق عن المشروع وهوية الجهة التي تنفذه، ما أثار عاصفة من الاستنكار، إذ تزامن مع جدل مماثل يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين في مدينة حمص، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي، وذلك بموجب عقد مع وزارة الثقافة.

وجرى تداول مقاطع فيديو لأعمال إنشائية ضمن قصر الزهراوي، تتنافى مع قواعد حماية الآثار والقانون السوري المتعلق بذلك.

يعدّ قصر الزهراوي، ومساحته 811 متراً في حي الحميدية، من بيوت حمص الأثرية، ويعود بناء أجزاء واسعة منه إلى العصر المملوكي، وقد تم تسجيله عام 1967 معلماً أثرياً. وفي عام 1978، استملك لصالح مديرية الآثار والمتاحف. وبعد موجة الانتقادات لعملية إعادة تأهيله كمطعم تم إيقاف المشروع دون اتضاح ما إذا كان الإيقاف مؤقتاً أم دائماً.

«تغيب عن معظم المشاريع الاستثمارية المطروحة للتنفيذ في سوريا خلال العام الماضي الشفافية»، بحسب الناشط فادي زيدان هناك حالة من الفوضى وغياب للشفافية تحول دون تحديد الأسباب أو المسؤول عما يحصل. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن خان أسعد باشا يدخل ضمن صلاحيات 4 جهات، هي؛ محافظة دمشق، ووزارات الثقافة والسياحة والأوقاف، وهي جهات رسمية ما زال التواصل بينها يتم عبر المراسلات الورقية، فيما توجد أطراف تريد تمرير قرارات التنفيذ على عجل، لافتاً إلى أن فكرة تحويل الخان إلى فندق طرحت قبل شهور، وكان متوقعاً الإعلان عن دفتر شروط، لكن فوجئنا بأنه تم تمرير الدفتر ضمن مجموعة مغلقة، دون وجود سبب واضح لذلك.

زيدان الذي حاول مع مجموعة أهلية الضغط للتراجع عن مشروع تحويل الخان إلى فندق، حذّر من أي مشاريع قد تهدد هوية المدينة القديمة، ومن المساس بالمواقع المدرجة على قائمة التراث العالمي.

وما زالت دمشق تخضع لمراقبة مكثفة من قبل اليونيسكو كونها مدرجة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر.

وعبّر فادي زيدان عن الخشية من أن يكون ضعف الإمكانات اللازمة لحماية وصيانة المواقع الأثرية لدى وزارة الثقافة والمحافظة مبرراً لقبول شروط المستثمر، ضمن توجه حكومي عام نحو الخصخصة.

إلا أن مدير مديرية دمشق القديمة، أمجد الفرخ، أكد أن استثمار المواقع الأثرية في دمشق يخضع لمجموعة ضوابط، مؤكداً على وجوب الانطلاق أولاً من طبيعة المدينة القديمة، وقال: نحن لا «نتحدث عن أبنية أثرية منفصلة، وإنما مدينة تاريخية حية ومترابطة تشكل نسيجاً اجتماعية واقتصادياً وعمرانياً وتراثياً واحداً». لذلك لا يمكن ولا ينبغي إقصاء الاستثمار عن المدينة، لأنه جزء من استمرار حياتها، لكن يجب أن يتم ضمن ضوابط واضحة ودقيقة...

أولها ألا يترك الاستثمار أثراً سلبياً على السلامة الإنشائية أو القيمة المعمارية والأثرية للعقار، وألا تتطلب الوظيفة الجديدة تعديلات جوهرية تفقد المبنى خصائصه أو أصالته.

ثانياً أن يكون للاستثمار أثر إيجابي على النسيج الاجتماعي والاقتصادي المحيط به، أي أننا لا نقيس نجاح المشروع فقط من خلال عائده الاقتصادي المباشر، وإنما من خلال أثره على السكان والحرف، والأسواق والأنشطة المحلية واستمرارية الحياة داخل المدينة القديمة.

ثالثاً مراعاة قدرة البنية التحتية للمدينة على استيعاب النشاط الجديد، فالبنية التحتية في أجزاء واسعة من دمشق القديمة «قديمة وحساسة»، وأي نشاط يولد أحمالاً كبيرة إضافية من حيث المياه والصرف الصحي والطاقة والنفايات وحركة الزوار والمركبات يجب أن يخضع لدراسة دقيقة.

يضيف الفرخ بأنه يفترض أيضاً أن يحقق الاستثمار قيمة مضافة للعقار نفسه، سواء من خلال تأمين الصيانة الدورية والحماية الإنشائية وإطالة عمر المبنى، أو من خلال إعادة توظيفه بطريقة تحافظ على قيمته.

ودعا إلى البحث عن «أنماط جديدة من الاستثمار واستقطاب استثمارات ذات طابع ثقافي تراثي وعدم الاقتصار على النموذج السياحي التقليدي القائم على الفنادق والمطاعم»، مشدداً على ضرورة أن يكون الاستثمار أداة لتعزيز النسيج الاجتماعي والاقتصادي والعمراني، وليس سبباً في إضعافه أو استبداله.

وقال إن «المدينة التاريخية التي تفقد سكانها وأنشطتها قد تحافظ على أبنيتها، لكنها تفقد روحها الحية». وعبّر عن التطلع إلى «جعل التراث نفسه منتجاً للقيمة، لا أن نستهلك التراث من أجل تحقيق قيمة استثمارية قصيرة الأجل».

ورأى أن أمام دمشق «فرصة مهمة لإعادة تقديم نفسها، ليس كوجهة سياحية فقط، وإنما كموئل تراثي وثقافي حي يمتلك رصيداً استثنائياً من الحرف والمعارف والأسواق والمنتجات الثقافية التي ارتبطت باسمها».