السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

مسؤولون أميركيون: انضم المئات منهم إلى «داعش».. ويلعبون أدوارا قيادية

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا
TT

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

السجناء الهاربون من العراق يعززون قوة الإرهابيين في سوريا

أدت عمليات هروب السجناء العراقيين إلى تحرير المئات من المحاربين الذين يعدون الآن من بين القادة والجنود في الجماعات السنية المتشددة التي تمارس نشاطها في سوريا وفي العراق نفسها بصورة متزايدة.
ويعد دور السجناء السابقين في إشعال موجة جديدة من الجهاد السني عبر المنطقة بمثابة تذكير بمسألة انهيار السلطة في العراق منذ رحيل الولايات المتحدة الأميركية عن البلاد في عام 2011 وحالة الفراغ الأمني التي انتشرت عبر المنطقة، ناهيك بالتهديد المستمر للجماعات الإرهابية التي يقودها السنيون والتي كانت الولايات المتحدة تقول إنها تحاربها أثناء احتلالها للعراق.
ويعكس اقتحام السجون وهروب السجناء الطلب المتزايد على المقاتلين ذوي الخبرة، والذين يسهمون بجهود تخطيطية كبيرة من خلال الجماعات المقاتلة، ولا سيما تنظيم «داعش» للوصول خصوصا إلى الأماكن التي كانوا محتجزين فيها سويا.
وفضلا عن ذلك، فإن الجماعة التي تتمتع بخبرة استراتيجية في تهريب السجناء والتي تعتمد أساسا على «عملية تكسير الجدران» التي جرى نشرها أثناء حملة مدتها 12 شهرا، بدأت من شهر يوليو (تموز) 2012 حتى عملية الاقتحام الرئيس لسجن أبو غريب في يوليو (تموز) الماضي.
وحسب تقديرات المسؤولين الأميركيين، ففي جميع تلك العمليات انضم المئات من هؤلاء الهاربين إلى تنظيم «داعش»، حيث يلعب الكثير منهم أدوارا قيادية بارزة في التنظيم.
ويقول أحد المسؤولين الأميركيين لمكافحة الإرهاب إنه «في حين أن الجماعة كانت تحصل بالفعل على القوة أثناء تلك الفترة، فمن المحتمل أن عملية تدفق هؤلاء الإرهابيين الذين يتمتعون جميعا بخبرة تصل إلى عقود من الزمان من القتال في ميادين الحرب أدت إلى تقوية الجماعة وتعزيز دورها القيادي».
وكان من بين هؤلاء الهاربين أبو عائشة، الذي رفض ذكر اسمه بالكامل ويقود الآن مجموعة من مقاتلي تنظيم القاعدة على الجانب الغربي من الفلوجة، مسقط رأسه، التي يسيطر عليها المقاتلون السنيون المناوئون للحكومة منذ نحو ستة أسابيع. ومع تعرض الفلوجة للحصار، تسارع الحكومة الأميركية لإرسال الأسلحة والذخائر والصواريخ لمساعدة القوات الأمنية العراقية التي تتشكل أغلبيتها من الشيعة وكذلك لمقاتلي القبائل المتحالفة معها من أجل إعادة السيطرة على المدينة التي قاتلت فيها الكثير من قوات البحرية الأميركية في وقت من الأوقات وقُتلوا هناك منذ نحو عشر سنوات.
وكان أبو عائشة ميكانيكيا يعمل بتصليح العربات قبل عام 2003، إلا أنه وجد مجالا جديدا من خلال قتال الأميركيين. ويقول أبو عائشة إن الكثير من المعتقلين، بمن فيهم هو نفسه، قضوا أوقاتهم في السجن لتعلم طرق القتال، حيث درسوا القرآن والشريعة مع الاستعداد لمعاودة الجهاد بمجرد خروجهم من السجون. وجرى اعتقال أبو عائشة في بداية الأمر على أيدي الأميركيين، ثم أطلق سراحه من معسكر بوكا، الذي يعتبر أحد السجون الأميركية ذات السمعة السيئة في جنوب العراق، في عام 2008. واعتقل أبو عائشة مرة أخرى من قبل العراقيين في عام 2010. ويقول أبو عائشة: «في نهاية المطاف قامت القوات بالزج بي في سجن أبو غريب حيث قابلت بعض القادة والمقاتلين الذين أعرفهم مرة أخرى، بما في ذلك أمراء من تنظيم القاعدة، ومن العراقيين والعرب وجنسيات أخرى. وكان معظم هؤلاء السجناء في معسكر بوكا أيضا».
وفي إحدى ليالي الصيف الماضي، عندما كان أبو عائشة يجلس في زنزانته مثلما كان يفعل كل يوم منتظرا موعد إعدامه، اندلعت انفجارات وسمع دوي إطلاق النار وجاء حارس سجن معروف بالنسبة له وفتح له الباب وأخبره بأن يغادر زنزانته على الفور.
جرى أبو عائشة مع مئات من السجناء الآخرين عبر طرقات السجن حتى هرب من خلال إحدى الفتحات الناتجة عن تفجير أحد الجدران. وقفز ليستقل شاحنة من نوع «كيا» كانت بانتظاره ليتحرر من سجنه ويعود مرة أخرى إلى ميدان القتال. وقال أبو عائشة إن قادة تنظيم «داعش» طرحوا عليه خيارين، إما أن يغادر ويقاتل معهم في سوريا وإما يبقى ويقاتل في العراق. وفي إحدى المقابلات التي جرت معه مؤخرا، قال أبو عائشة: «ذهب الكثير من القادة الذين أعرفهم إلى سوريا للجهاد هناك بمجرد هروبهم من سجن أبو غريب، بينما ذهب المقاتلون الآخرون إلى هناك بعد فترة لأنهم شعروا بأنهم سيتمتعون بحرية أكثر في سوريا. وبالنسبة لي، فقد قررت البقاء مع جماعتي».
وعلاوة على ذلك، كان لعمليات هروب السجناء والفوضى التي ساعدت في إشعال الصراع في سوريا أثر في تغيير حسابات المسؤولين الغربيين تجاه الحرب هناك. وفي البداية، كان هؤلاء المسؤولون يعتبرون أن هذه الأزمة نزاع في ضوء وجود بشار الأسد.
ولكن بعد أن لعب تنظيم «داعش» دورا مهما بشكل متزايد في عملية القتال هناك، حيث كان غالبا ما يتعارك مع جماعات متمردة أكثر اعتدالا، مع إدانة تنظيم القاعدة الذي أنهى علاقاته مع «داعش» بسبب هذا الأمر، كانت القوى الغربية رافضة للتدخل بشكل أكثر من ذي قبل.
ومن جانبه، قال أسامة النجيفي رئيس مجلس النواب العراقي وواحد من أهم السياسيين السنيين بالبلاد، إن المقاتلين الهاربين «ذهبوا إلى سوريا لقيادة معظم الجماعات المقاتلة هناك. وبناء على ذلك، بدأ الشعب في التفكير إذا ما كان الأسد هو الأفضل أم تنظيم القاعدة». ألقى الكثير من المحللين الغربيين باللوم على سياسة الباب المفتوح التي تتبعها تركيا بطول حدودها الجنوبية مع سوريا، حيث أدت تلك السياسة إلى تقوية عملية نمو تنظيم «داعش» والجماعات الأخرى المتشددة، بيد أن المسؤولين التركيين دافعوا عن هذا الأمر مستشهدين بالتقارير الاستخباراتية التي تعزو نمو تلك الجماعات إلى اقتحام السجون العراقية. ويقول مسؤولون إنه من المعتقد هروب أكثر من 600 سجين في أكثر الهجمات المتطورة لاقتحام السجون، حيث يقوم حراس السجون المتورطون بالفساد بتسهيل عملية الهروب.
ويوضح المسؤولون حدوث تأثير كبير على قدرة هذه الجماعة من خلال عمليتين، على وجه الخصوص، من عمليات اقتحام السجون، كانت إحداهما في سجن أبو غريب والأخرى حدثت في سبتمبر (أيلول) 2012 في شمال مدينة تكريت. وأدت هاتان العمليتان إلى إضعاف الأمن العراقي والإسهام في توسع الجماعة في سوريا.
ووفقا لما ذكره تشارلز ليستر، الباحث في مركز بروكينغز - الدوحة في قطر، فإنه خلال عملية اقتحام سجن تكريت، على سبيل المثال، هرب 47 معتقلا من المحكوم عليهم بالإعدام، وظهر أن ذلك الأمر كان من العوامل التي ساعدت في إعادة إنعاش جماعة «داعش» وتصعيد العمليات على مدار عام 2013.
وقال المسؤولون الأميركيون إن أكثر من 50 سجينا هربوا خلال عملية اقتحام سجن أبو غريب وحدها. وأضافوا أيضا أن «معظم» الهاربين جرى اعتقالهم في الأساس من قبل القوات العراقية، بيد أنهم اعترفوا بأن أعدادا كبيرة منهم قد اعتقلوا أثناء العمليات الأميركية في العراق قبل مغادرة الجيش الأميركي للبلاد نهاية عام 2011.
وشاكر وهيب، الذي قد يكون من أخطر الأشخاص الذين ظهروا مؤخرا بتنظيم القاعدة، واحد من هؤلاء المعتقلين. وكان وهيب يدرس علوم الكومبيوتر بإحدى الجامعات في الأنبار عندما غزا الأميركيون العراق، مما دفعه إلى تغيير هذا المجال وسرعان ما لجأ إلى محاربة الأميركيين. واعتقل وهيب وسُجن في معسكر بوكا قبل أن يستحوذ عليه العراقيون. وهرب وهيب من السجن في تكريت في أواخر عام 2012.
وفي العراق، صار وهيب من الشخصيات الجهادية المشهورة، حيث كان يشار إليه بأنه خليفة أبو مصعب الزرقاوي، القائد بتنظيم القاعدة المعروف بوحشيته وعنفه والذي قتلته القوات الأميركية في عام 2006. وادعى المسؤولون العراقيون أكثر من مرة بأنهم قتلوا وهيب، بيد أنه يعد الآن من أحد القادة البارزين المقاتلين في الفلوجة. وفي الصيف الماضي ظهر وهيب في مقطع فيديو مروع حيث أعدم ثلاث سائقين شيعيين على الطريق السريع في صحراء محافظة الأنبار، كما أنه اتهم بالضلوع في هجوم استهدف 14 سائقا شيعيا من سائقي الشاحنات في العراق والذين وُجدوا مقطوعي الرأس.
وبالنسبة للجماعات المقاتلة الأكثر اعتدالا داخل سوريا، ساعدت عملية هروب السجناء في إثارة نظريات المؤامرة بأن تنظيم «داعش»، الذي يحارب مؤخرا مع الجماعات هناك، يعد بمثابة ورقة رهان لحكومة الأسد.
وفي حين أنه لا يوجد أي دليل يدعم هذا الأمر، يقول البعض إنهم يعتقدون أن الحكومة السورية ساعدت في التخطيط لعمليات الهروب، مع مساعدة الحكومة العراقية برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي التي تتضامن بشكل كبير مع الأسد.
وقال عبد الجبار أوسو، أحد قادة المتمردين في حلب والذي يحارب مع تنظيم «داعش»: «من خلال فعل هذا الأمر (جلب الكثير من المقاتلين الأجانب إلى الأراضي السورية) قامت حكومة المالكي بمساعدة نظام الأسد عن طريق دعمه في ادعائه بأنه يحارب الإرهاب داخل سوريا».
ومن جانبه قال أحمد العبود، أحد قادة مقاتلي المعارضة، إنه «عندما سمع شعبنا بأمر هروب السجناء في العراق أدركنا حينها أننا سنواجه المزيد من المصاعب». ويضيف العبود: «لقد كنا نواجه دائما المصاعب في تهريب الأسلحة الخفيفة من العراق إلى سوريا، لكن تنظيم (داعش) يمكنه الحصول بكل سهولة على أرتال كاملة من المركبات والأسلحة والمقاتلين وتهريبها إلى الداخل السوري».
ولم توفر الحكومة العراقية المعلومات الكافية بشأن كيفية حدوث عمليات هروب السجناء، على الرغم من اتفاق الكثيرين على أن هؤلاء السجناء تلقوا مساعدة من داخل السجون للهروب. ويقول أعضاء البرلمان العراقي إنهم عندما حاولوا مناقشة موضوع هروب السجناء من سجن أبو غريب جرى إسكاتهم من قبل الأجهزة الأمنية ومسؤولي الحكومة الكبار. وقال شوان محمد، عضو البرلمان وأحد أعضاء فريق التحقيق: «للأسف، لم تسمح لنا الحكومة حتى بالاقتراب من السجن لمدة تقترب من الأسبوع». غير أنه لم ينخرط جميع السجناء الهاربين في القتال، حيث يعمل أحمد الديلمي (31 عاما)، الذي فر هاربا من سجن أبو غريب، كمزارع في محافظة ديالى، أحد معاقل تنظيم القاعدة، باستخدام هوية مزورة. ومثل الكثير من السنة في العراق، يشرح الديلمي أسباب التمرد الحالي من جانب المتشددين السنة بقوله إن ذلك يأتي كرد فعل لسياسات الحكومة التي يسيطر عليها الشيعة، بما في ذلك المداهمات الأمنية الواسعة التي نتج عنها الزج بالكثير من السنة بغير ذنب في غياهب السجون. واختتم الديلمي حديثه قائلا: «الكثير من أصدقائي يتحلون بالطيبة، غير أنهم تحولوا إلى أشخاص خطيرين وقادة في تنظيم القاعدة بسبب ممارسات الحكومة. إنه الظلم الذي أدى إلى ظهور (القاعدة)».

* خدمة «نيويورك تايمز»



الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تمضي في إصلاح المؤسسات رغم التصعيد الحوثي

رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)
رغم الصعاب قررت حكومة الزنداني المضي في الإصلاح المؤسسي (إعلام حكومي)

رغم تصعيد الجماعة الحوثية في مختلف جبهات القتال، وتداعيات الحرب الاقتصادية، والمالية، قررت الحكومة اليمنية المضي في تنفيذ خطة واسعة لإصلاح وتحديث مؤسسات الدولة، في مسعى لإعادة تنظيم الجهاز الحكومي، ورفع كفاءته، وتحسين قدرته على إدارة الموارد، وتقديم الخدمات للسكان.

وتأتي الخطوة في وقت تواجه فيه مؤسسات الدولة اليمنية ضغوطاً متراكمة فرضتها سنوات الحرب، بما في ذلك الاختلالات الإدارية، والمالية، وتضخم الهياكل التنظيمية، وتداخل الاختصاصات، إلى جانب تحديات التشريعات، والموارد البشرية، وآليات اتخاذ القرار.

وعقدت اللجنة الوزارية للإصلاح المؤسسي اجتماعها الأول في العاصمة المؤقتة عدن برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، وناقشت خطة عملها، وآليات الانتقال إلى التنفيذ، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً للبدء بالإصلاحات، وعدم انتظار تحسن الظروف العامة في البلاد.

الإصلاحات الحكومية في اليمن تحظى بدعم دولي واسع (إعلام حكومي)

وأكد الزنداني أن الإصلاح المؤسسي يمثل شرطاً أساسياً لاستعادة فاعلية الدولة، ومؤسساتها، وتمكينها من إدارة مواردها بكفاءة، وتحسين مستوى الخدمات، مشيراً إلى أن سنوات الحرب راكمت اختلالات في الهياكل، والتشريعات، والموارد البشرية، والمالية، وآليات اتخاذ القرار.

وتستهدف الخطة في مرحلتها الأولى، طبقاً للمصادر الرسمية، عدداً من الوزارات، والمؤسسات الحكومية التي ستُختار وفق معايير واضحة، لتكون نماذج عملية يمكن تقييم نتائجها، والاستفادة منها قبل توسيع نطاق الإصلاح ليشمل بقية مؤسسات الدولة.

وتشمل عملية الإصلاح مراجعة الهياكل التنظيمية، وتحديد الاختصاصات، ومنع التداخل، والازدواجية، إلى جانب تطوير الموارد البشرية، وتحديث التشريعات، واللوائح، والتحول الرقمي، وربط الإصلاح المؤسسي بالإصلاحين المالي، والإداري.

تحديات التنفيذ

تكتسب الخطوة أهمية خاصة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب مؤسسات الدولة اليمنية في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ اندلاع الحرب، إذ لم تعد الإصلاحات المؤسسية، وفق الرؤية الحكومية، أمراً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، أو تحسن الوضع الاقتصادي.

وتراهن الحكومة على أن تحسين أداء المؤسسات ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز الرقابة والشفافية يمكن أن يساعد في التعامل مع جانب من التحديات الاقتصادية، والمالية، ويتيح للدولة استخدام مواردها المحدودة بصورة أكثر كفاءة.

وقال رئيس الوزراء إن المرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من إدارة الاختلالات إلى إصلاح جذورها، مؤكداً أن العملية ستتم بصورة تدريجية، وعلى أساس تقييم واقعي لأوضاع الوزارات، والمؤسسات.

تحديث منظومة التشريعات اليمنية سيتطلب انتظام عمل البرلمان (إعلام حكومي)

ولا تخفي الحكومة أن تنفيذ الخطة يواجه تحديات، من بينها الحاجة إلى تحديث عدد من القوانين، واللوائح، وهي إجراءات يتطلب بعضها موافقة مجلس النواب، في وقت لا تزال فيه جلسات المجلس غير منتظمة.

لكن هذا التحدي لا يبدو عائقاً أمام بدء العملية، إذ يمكن للحكومة المضي في الجوانب التنفيذية التي تدخل ضمن صلاحياتها، وبالتوازي مع استكمال مشاريع القوانين والتشريعات اللازمة، وطرحها أمام السلطة التشريعية عند انعقاد جلساتها.

إعادة بناء الدولة

تنظر الحكومة اليمنية إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين قدرتها على العمل في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب.

وستعمل اللجنة الوزارية على الانتقال سريعاً من مرحلة التشخيص وإعداد التصورات إلى التنفيذ الفعلي، مع وضع مؤشرات لقياس النتائج، ورفع تقارير دورية بشأن مستوى الإنجاز، والتحديات، والمعالجات المطلوبة.

ومن شأن نجاح المرحلة الأولى أن يمنح الحكومة نموذجاً عملياً يمكن البناء عليه، وتوسيع الإصلاح تدريجياً إلى بقية مؤسسات الدولة.

وبذلك لا تقدم الحكومة اليمنية خطة الإصلاح باعتبارها مشروعاً مؤجلاً إلى ما بعد الحرب، وإنما كجزء من الاستجابة للظروف الحالية، ومحاولة استعادة فاعلية مؤسسات الدولة من داخل الأزمة نفسها.

وفي بلد أنهكت الحرب مؤسساته، وأضعفت موارده، قد يمثل البدء بإصلاح الجهاز الحكومي، رغم صعوبة الظروف، خطوة باتجاه بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وقدرة على إدارة المرحلة المقبلة، وتحويل الإصلاح من شعار مؤجل إلى مسار عملي يبدأ بما هو ممكن اليوم، ويتوسع تدريجياً في المستقبل.

وكانت آخر عملية للإصلاح المؤسسي نفذت في بداية الألفية الجديدة، ومن خلالها تمت إعادة توصيف الوظائف العامة، وإعادة هيكلة جزء منها، وترافقت مع إجراءات رفع الدعم الحكومي عن كثير من المواد الغذائية، والوقود.

وسبق للحكومات اليمنية المتعاقبة أن اتخذت إجراءات اقتصادية قاسية، منها رفع سعر الدولار الجمركي بنسبة 100 في المائة، كما خفضت النفقات العامة، وأبرمت اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي التزمت من خلاله برفع الدعم عن قطاع الكهرباء خلال مدة لا تتجاوز ثلاثة أعوام.

كما تم دمج عدد من الوزارات، لكنها لم تستكمل إعادة الهيكلة، سواء للوزارات القائمة التي تعاني من تضخم هيكلي، أو الوزارات التي تم دمجها قبل أن تبدأ الحكومة الحالية هذه العملية.


الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يوسّعون تجنيد الطلاب في مدارس عمران

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)
تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وسّعت الجماعة الحوثية عمليات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس في محافظة عمران، شمال صنعاء، عبر إجراءات جديدة شملت توزيع استمارات ذات طابع عسكري على الطلاب في مختلف المراحل الدراسية، في خطوة تعكس مساعيها لتوسيع قاعدة التجنيد وتعويض النقص في صفوف مقاتليها، وفق مصادر تربوية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وقالت المصادر إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» و«هيئة التعبئة العامة» التابعتين للجماعة، وبالتنسيق مع مكتب التعليم الخاضع لسيطرتها في المحافظة، شرعتا منذ أيام في تسجيل الطلاب ضمن قوائم تحمل اسم «قوات التعبئة والاستنفار»؛ تمهيداً لإخضاعهم لدورات قتالية وبرامج تعبئة، قبل الدفع ببعضهم إلى جبهات القتال.

وأوضحت المصادر أن مشرفين حوثيين كثَّفوا جولاتهم الميدانية إلى مدارس مدينة عمران، عاصمة المحافظة، وعدد من المديريات التابعة لها، حيث وزَّعوا استمارات على الطلاب لجمع بياناتهم وفتح قنوات مباشرة لاستقطابهم وإلحاقهم بأنشطة ودورات عسكرية.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه الجماعة تحديات متزايدة في توفير القوى البشرية، بالتزامن مع استمرار الخسائر التي تلحق بعناصرها المشاركين في العمليات العسكرية؛ وهو ما يدفعها، حسب المصادر، إلى توسيع عمليات الاستقطاب لتشمل فئات عمرية أصغر.

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

وأثارت عملية إدخال الطلاب في مسارات التعبئة والاستقطاب مخاوف تربوية وحقوقية واسعة بشأن مستقبل التعليم في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وسط تحذيرات من تحويل المدارس إلى منصات للتعبئة والتجنيد، وتعريض الأطفال والمراهقين لضغوط قد تدفعهم إلى الانخراط في أنشطة عسكرية أو مرتبطة بها.

ويرى تربويون أن إدخال إجراءات الاستقطاب والتجنيد إلى المدارس في عمران ومدن يمنية أخرى يمثل انتهاكاً لوظيفة المؤسسات التعليمية، ويعرّض الأطفال والقاصرين لخطر الاستغلال العسكري والفكري، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على مستقبلهم الدراسي والنفسي والاجتماعي.

وحذَّرت المصادر التربوية من أن استمرار هذه الممارسات قد يحول المدارس بيئةً مفتوحة للتعبئة والاستقطاب، ويضع الطلاب تحت ضغوط تؤثر في مسارهم التعليمي وحياتهم المستقبلية، بدلاً من أن توفر لهم المؤسسات التعليمية بيئة آمنة للتعلم والنمو.

دعوة للحماية

في مواجهة هذه الممارسات، دعت نقابة المعلمين اليمنيين في عمران، العاملين في القطاع التربوي إلى التصدي لأي محاولات لاستغلال المدارس والمنابر التعليمية في نشر الأفكار الطائفية أو الترويج للتعبئة القتالية واستقطاب الطلاب.

وشددت النقابة، في بيان، على ضرورة الحفاظ على حيادية المؤسسات التعليمية وحماية حقوق الأطفال في الحصول على بيئة تعليمية آمنة، ومنع جرّهم إلى النزاعات المسلحة، مؤكدة أن التعليم يمثل ركيزة أساسية للحفاظ على هوية المجتمع وتماسكه وحماية مستقبل اليمن.

الحوثيون يلزمون المدارس في مناطق سيطرتهم ببرامج تعبوية والحشد للقتال (إكس)

وأكدت النقابة أهمية توفير بيئة تعليمية مستقلة وآمنة للطلاب، وتجنيب المؤسسات التعليمية في المحافظة مختلف أشكال التعبئة والاستقطاب العسكري، داعية المعلمين والتربويين في المدارس الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى التمسك بالرسالة التعليمية القائمة على قيم التسامح والمواطنة.

كما دعت إلى حماية المدارس من التأثيرات التي تلحق الضرر بالعملية التعليمية، في ظل ما تصفه مصادر تربوية بتزايد محاولات الجماعة توظيف المؤسسات التعليمية في عمليات التعبئة الفكرية والعسكرية.

تجنيد واسع

كان فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني باليمن قد أشار في تقرير سابق إلى أن محافظة عمران تُعدّ من أكثر المحافظات اليمنية تسجيلاً لحالات تجنيد الأطفال ومقتل المجندين منهم في صفوف الحوثيين.

ووفق التقرير، سُجلت نحو 2688 حالة تجنيد وقتل لأطفال في المحافظة خلال الفترة الممتدة من يوليو (تموز) 2014 إلى ديسمبر (كانون الأول) 2021، مع الإشارة إلى استمرار الجماعة منذ ذلك الحين في تجنيد مزيد من الأطفال في مناطق نفوذها، واستخدام المدارس في عمليات التعبئة والاستقطاب.

الحوثيون مُستمرون في استقطاب الطلبة وتحويل المدارس مراكز للتدريب (إكس)

وفي السياق ذاته، وثَّقت «منظمة ميون لحقوق الإنسان» في وقت سابق استخدام وزارتي الدفاع والتعليم في حكومة الجماعة غير المعترف بها دولياً أكثر من 700 مدرسة حكومية وأهلية في مناطق سيطرة الحوثيين مراكز لتجنيد الأطفال وتدريبهم على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

وأكدت المنظمة أن الجماعة مستمرة في تجنيد الأطفال بصورة ممنهجة، وحرمانهم من حقهم في الحياة والتعليم، وتعريضهم لخطر الموت والإصابة، بما يهدّد مستقبلهم وينتهك، حسب المنظمة، القوانين الدولية وحقوق الإنسان، ولا سيما الالتزامات المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل.


لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
TT

لقاحات الأطفال تقود طبيباً يمنياً إلى معتقلات الحوثيين

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)
عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

في ديسمبر (كانون الأول) 2024، وبعد 6 أشهر من إخفائه لدى مخابرات الجماعة الحوثية، تلقت زوجة الطبيب اليمني علي المضواحي أول اتصال منه. لم يكن الاتصال عادياً، إذ جاء بعد أشهر من الغموض والقلق، ومن دون أن تعرف الأسرة مكان احتجازه أو ظروفه.

كانت الزوجة قد أمضت تلك الأشهر في محاولة معرفة مصير زوجها، عبر التواصل مع جهاز الأمن والمخابرات التابع للجماعة، من دون الحصول على معلومات واضحة. ثم بدأت، بعد ذلك، اتصالات متقطعة وقصيرة، لم تكن كافية لتبديد مخاوفها أو معرفة ما يجري معه.

لكن الاتصال الأخير، قبل أيام، حمل تفاصيل أشد قسوة. فقد أبلغ الطبيب زوجته، وفق روايتها، أنه أمضى نحو 16 شهراً في معتقل تحت الأرض، وأنه تعرض في إحدى المرات للتعصيب وتقييد اليدين، كما تعرض للضغط خلال التحقيق لإجباره على الاعتراف بأنه «جاسوس» جندته «منظمة الصحة العالمية».

وبعد أكثر من 800 يوم على اعتقاله، انتقلت قضية المضواحي إلى المحكمة الجزائية المختصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة التي يديرها الحوثيون، وسط مخاوف أسرته من تعرضه لعقوبة قاسية.

المضواحي مع طفلته قبل اعتقاله من قبل الحوثيين (إعلام محلي)

وكان آخر ما تعرفه أسرة المضواحي بعد اعتقاله في مايو (أيار) 2024 أنه محتجز لدى الحوثيين. مرت الأيام والأسابيع والشهور من دون معلومات واضحة عن مكانه أو حالته الصحية، بينما واصلت زوجته محاولة الوصول إلى أي معلومة عبر الأجهزة التابعة للجماعة.

وبعد نحو 6 أشهر، جاء الاتصال الأول. كان صوت زوجها على الطرف الآخر، لكن المكالمة كانت قصيرة ومحدودة، قبل أن تتكرر الاتصالات على فترات متباعدة.

وتقول الزوجة إنها تعمدت طيلة تلك الفترة عدم نشر تفاصيل عن احتجازه، أملاً في أن يساعد الصمت على إطلاق سراحه وعودته إلى أسرته. لكنها قررت هذه المرة الحديث عن معاناته؛ بناء على طلبه، مؤكدة أن ما ترويه «مؤلم»، لكنها تريد أن يعرف الناس ظروف احتجازه.

وفي إحدى المكالمات، تمكن المضواحي، وفق رواية زوجته، من الحديث معها باللغة الإنجليزية بعيداً عن مراقبة الحراس، وأبلغها بأنه احتُجز في زنزانة تحت الأرض لأكثر من 16 شهراً.

زنزانة تحت الأرض

قال الطبيب، وفقاً لما نقلته عنه زوجته، إنه تعرض للتعذيب والضغط لإجباره على الإدلاء باعترافات يريدها المحققون الحوثيون، مضيفاً أن التحقيقات ركزت على اتهامه بالتجسس والعمل لمصلحة «منظمة الصحة العالمية».

لكن القضية التي أثارت غضبه، وفق روايته، كانت مطالبة المحققين له بالاعتراف بأن اللقاحات التي تُقدَّم للأطفال دون الخامسة ليست برامج صحية، وإنما «أدوات جاسوسية». ويقول المضواحي إنه رفض الاعتراف بذلك.

ووفق روايته، فقد عُرض عليه خلال التحقيق خياران: إما التعاون مع المحققين والعودة إلى حياته الطبيعية، وإما البقاء في السجن سنوات قبل أن يتمكن من مقابلة محامٍ أو الوصول إلى النيابة.

المضواحي رفض عرضاً حوثياً للإفراج عنه مقابل التصريح بأن اللقاحات «مؤامرة صهيونية» (إعلام محلي)

وقال إنه اختار الخيار الثاني عندما طُلب منه الاعتراف بأنه جُند من قبل «منظمة الصحة العالمية» للإضرار باليمن. لكنه أُبلغ، وفق روايته، بأن فترة السجن لن تكون 4 أو 5 سنوات، وإنما قد تمتد إلى عشرات السنين.

ويقول الطبيب إن ذلك جعله يشعر بأنه لم يكن أمام خيار حقيقي، وإنه تعرض بعد اعتقاله للتعذيب لإجباره على قول ما يريده المحققون.

اللقاحات تتحول تهمة

قبل احتجازه، كان المضواحي طبيباً يعمل في وزارة الصحة والسكان اليمنية ومسؤولاً عن الإعلام الصحي فيها، وارتبط عمله بملفات الصحة العامة وبرامج التحصين، التي يقول إنه دافع عن استمرارها لحماية الأطفال من الأمراض.

ووفق روايته، فقد تحولت مواقفه المهنية المتعلقة باللقاحات جزءاً من التحقيق معه، بعدما جرى التعامل معها على أنها ملف أمني.

مليون طفل في اليمن لا يحصلون على أي من اللقاحات الروتينية (إعلام محلي)

وبالنسبة إلى طبيب قضى سنوات في المجال الصحي، لم تكن اللقاحات قضية سياسية، إنما جزء من مسؤوليته المهنية تجاه الأطفال والمجتمع. لكن داخل الزنزانة، كما يقول، طُلب منه أن يقرّ بأنها أدوات للتجسس، وهو ما رفضه.

وكان الثمن، وفق روايته، استمرار احتجازه ثم إحالته إلى المحاكمة، في وقت ينتظر فيه عقوبة يقول مقربون منه إنها قد تكون قاسية، قياساً إلى قضايا سابقة أحيل فيها متهمون إلى المحكمة ذاتها.

ومن أكثر ما بقي في ذاكرته من جلسات التحقيق، وفق ما نقلته زوجته، أنه طلب من المحققين دليلاً على اتهامه بالتجسس. وكان الرد، كما يقول: «من أنت حتى تطلب دليلاً؟».

ويقول المضواحي إنه تساءل كيف يمكن أن تجري العدالة من دون دليل، وكيف يمكن بناء قضية على اعترافات يقول إنه أُجبر عليها.

ومن زنزانته، وجه رسالة إلى زعيم الحوثيين، مستشهداً فيها بآيات قرآنية عن التثبت والعدل، ومطالباً بالنظر في قضيته وقضايا آخرين يقول إنهم تعرضوا للظروف نفسها.

الحوثيون يمنعون حملات التطعيم رغم عودة أمراض الطفولة القاتلة (إعلام محلي)

وتأتي قضية المضواحي في وقت تزداد فيه المخاوف من انعكاسات القيود المفروضة على برامج التحصين في المناطق الخاضعة للحوثيين، مع عودة ظهور بعض الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات.

وفي بلد أنهكته الحرب، يبقى بعض القصص بعيداً عن أرقام المعارك والضحايا؛ قصص تبدأ من منزل ينتظر عودة أحد أفراده، وتنتهي بسؤال أوسع: متى يعود آلاف المدنيين المعتقلين لدى الحوثيين إلى بيوتهم؟