الأزمة الاقتصادية والعجز عن حلها يسقطان حكم راجاباكسا في سريلانكا

قلة من المراقبين توقعت نجاح الانتفاضة الشعبية

غوتابايا راجاباكسا (رويترز)  -  لحظة اقتحام المتظاهرين في سريلانكا مقر رئيس الوزراء وكسر حاجز القوى الأمنية (إ.ب.أ)
غوتابايا راجاباكسا (رويترز) - لحظة اقتحام المتظاهرين في سريلانكا مقر رئيس الوزراء وكسر حاجز القوى الأمنية (إ.ب.أ)
TT

الأزمة الاقتصادية والعجز عن حلها يسقطان حكم راجاباكسا في سريلانكا

غوتابايا راجاباكسا (رويترز)  -  لحظة اقتحام المتظاهرين في سريلانكا مقر رئيس الوزراء وكسر حاجز القوى الأمنية (إ.ب.أ)
غوتابايا راجاباكسا (رويترز) - لحظة اقتحام المتظاهرين في سريلانكا مقر رئيس الوزراء وكسر حاجز القوى الأمنية (إ.ب.أ)

أحدثت موجة صاخبة غير مسبوقة من الغضب الشعبي الموجّه في القصر الرئاسي السريلانكي، الذي يعود تاريخ إنشائه إلى الحقبة الاستعمارية، صدمة للعالم بأسره خلال نهاية الأسبوع الماضي. ولا تزال التطورات الدراماتيكية تتوالى حتى تاريخ كتابة هذه السطور. ووسط فوضى لم تشهدها البلاد من قبل اقتحم مئات وآلاف من المحتجين السريلانكيين مقرّي الإقامة الرسميين لكل من الرئيس (المستقيل بالأمس) ورئيس الوزراء، وأضرموا النيران في المقرّ الخاص لرانيل ويكريميسينغه، رئيس الوزراء، في حين غضّت قوات الأمن الطرف، ورفضت توجيه السلاح ضد المشاغبين مع انزلاق البلاد نحو حافة الفوضى. لقد اقتحم أفراد غاضبون من الشعب بوابات مقرّ الإقامة الرسمي للرئيس (المستقيل الآن) غوتابايا راجاباكسا في منطقة فورت، وأطلقوا عبارة صادحة باتت صيحة احتجاج شهيرة الآن هي «ارحل يا غوتا»، وذلك من أعلى سطح القصر، الذي كان يقف عليه القناصة منذ وقت ليس بالبعيد، لحراسة المداخل.

أعلن الرئيس السريلانكي غوتابايا راجاباكسا استقالته تحت ضغط الاضطرابات الشعبية الواسعة، كذلك أعلن رئيس الحكومة رانيل ويكريميسينغه أنه سيتنحى عن منصبه. على الجانب الآخر، وفي خضم هذا الوضع المعقد لسريلانكا، بما يشهده من اضطراب مدني، وأزمة اقتصادية، وتخبط سياسي، تشهد الدولة - الجزيرة جموداً ومأزقاً دستورياً غير اعتيادي. فالرئيس هو رأس الدولة والحكومة والجيش في سريلانكا، لكنه يتشارك كثيراً من المسؤوليات التنفيذية مع رئيس الوزراء، الذي يرأس الحزب الحاكم في البرلمان.
قرار القادة السياسيين للبلاد انتخاب رئيس جديد في 20 يوليو (تموز) من خلال تصويت في البرلمان يأتي طبقاً لبنود الدستور، على حد قول ماهيندا يابا أبيوردانا، رئيس البرلمان السريلانكي. إذ قال الأخير: «لقد تم اتخاذ قرار بعقد البرلمان، وإبلاغ المجلس بأن منصب الرئاسة شاغر طبقاً لبنود الدستور. ستصدر الدعوة إلى الترشيحات لمنصب الرئاسة في 19 يوليو، وسننظم التصويت في 20 يوليو لانتخاب رئيس جديد».
وسط الأحداث المتلاحقة، تضاربت لفترة غير قصيرة المعلومات عن مكان وجود رئيس الجمهورية، مع أن رئيس البرلمان قال أول من أمس إنه لم يغادر البلاد، ثم سرت تقارير عن مغادرته إلى جزر المالديف أو أماكن أخرى. ولبعض الوقت انتشرت بعض الأقاويل أثناء الاحتجاجات تشير إلى رسو سفينة في ميناء العاصمة كولومبو حتى تتمكن عائلة راجاباكسا – التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية المستقيل وشقيقه الأكبر ماهيندا الرئيس السابق - من الهروب على متنها.

- صعود الرئيس وسقوطه
غضب شعب سريلانكا موجّه بالدرجة الأولى ضد حكم راجاباكسا. ومن غير المرجح أن تتمكن العائلة، التي كان أكثر أفرادها جزءاً أساسياً من السلطة الحاكمة، من الفرار من براثن غضبهم.
الرئيس المستقيل غوتابايا راجاباكسا هو - كما سبقت الإشارة - الشقيق الأصغر للرئيس السابق ماهيندا راجاباكسا. وعندما تولى ماهيندا السلطة عام 2005، على خلفية مناهضة للانفصاليين وداعمة للقومية السنهالية، وقرر خوض حرب ضد الانفصاليين من منظمة «نمور التاميل» عام 2006، عاد المقدم المتقاعد في الجيش السريلانكي من الولايات المتحدة لتولي منصب وزير الدفاع. وبعد الانتصار في الحرب أصبح وزير التنمية الحضرية.
خسر ماهيندا الانتخابات الرئاسية عام 2015، لكن لم تظل عائلته على الهامش لفترة طويلة، ففي أغسطس (آب) 2019، أحدثت سلسلة من الهجمات الانتحارية، نفذها إرهابيون إسلاميون، موجة جديدة من التوجه القومي للغالبية السنهالية البوذية، التي تطلبت وجود حاكم قوي، وفاز غوتابايا راجاباكسا باكتساح في الانتخابات.
ومع ذلك، منذ اللحظة التي تولى فيها غوتابا راجاباكسا المنصب، بدأ في إقصاء المسؤولين المدنيين وتعيين مسؤولين عسكريين متقاعدين محلهم في المناصب الرئيسة، ما أدى إلى حدوث فزع في الجهاز المدني. لم يكن غوتابايا يأبه كثيراً بالوزراء وأعضاء البرلمان، لأنه كان يعتقد أن السياسيين المحترفين كُسالى وقليلو الكفاءة وفاسدون. ولذا أقصى الطبقة السياسية بأكملها، بما فيها رجال حزبه، حزب جبهة شعب سريلانكا (المحسوب على يسار الوسط)، ولم يتمكن الأشخاص ذوو الخبرة والمحنكون سياسياً في عائلة راجاباكسا من تخليصه من تلك الأفكار.
كانت الإجراءات الأولى، التي اتخذها غوتابايا، شعبوية، لكن كانت على حساب خزانة الدولة، إذ أعلن خفض الضرائب. الأمر الذي أدى إلى تناقص عائدات الدولة. كذلك عيّن 100 ألف من العاطلين من خريجي الجامعات في وظائف حكومية متواضعة، ما استنزف موارد الدولة. ومع انتشار جائحة «كوفيد 19» في سريلانكا، أمر بتنفيذ عمليات إغلاق كثيرة، فتسبب ذلك بتوقف النشاط الاقتصادي، وانخفاض عائدات التصدير والرسوم الجمركية. أيضاً، تراجع عدد السياح الوافدين إلى البلاد بسبب لوائح الحجر الصحي المكلّفة؛ وتراجعت التحويلات المالية من المواطنين الذين يعملون في الخارج. والأهم من كل ذلك هو فرض غوتابايا حظراً مفاجئاً شاملاً على الأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، ما أثر سلباً على قطاع الزراعة وعلى 70 في المائة من السكان.
وهنا يعلق المحلل السياسي الهندي سوشانت سارين، المتابع للشأن السريلانكي: «لم يعتقد أحد أنه من الممكن هزيمة (غوتابا) راجاباكسا. لقد كانت الغالبية السنهالية البوذية توقر وتبجل كلاً من ماهيندا وغوتابايا راجاباكسا، وكانت السياسة القومية القوية التي يتبنيانها تحظى بشعبية كبيرة على نطاق واسع. قبل بضعة أشهر فقط، لم يكن أحد يتوقع أن يكون لدى الشعب السريلانكي الشجاعة للتصدي لنظام حصل على أغلبية الثلثين في البرلمان، وذي قبضة حديدية، ويجبر رجاله على الرحيل في أقل من سنتين ونصف سنة. لقد أبهر الشعب السريلانكي العالم بفعله المستحيل».

لحظة اقتحام المتظاهرين في سريلانكا مقر رئيس الوزراء وكسر حاجز القوى الأمنية (إ.ب.أ)

- ثورة شعبية
لقد عانت سريلانكا، الدولة - الجزيرة، الواقعة جنوب الهند، التي يبلغ عدد سكانها 22 مليون شخص، منذ أشهر من انقطاع الكهرباء لفترات طويلة، كما عانت من نقص حاد في الغذاء والوقود، وتضخم متسارع في خضم كساد اقتصادي يعدّ هو الأضخم والأكثر إيلاماً في تاريخها. وخلال الأشهر القليلة الماضية، شهدت البلاد احتجاجات عنيفة جامحة ومطالبات باستقالة الرئيس غوتابايا، في أعقاب تحميل حكومته مسؤولية سوء إدارة مزمن للموارد المالية للبلاد.
وهنا يقول الصحافي السريلانكي كاميثي ويكريميسينغه، موضحاً: «كان اقتحام المحتجين لمقرات الإقامة الرسمية بمثابة ذروة أشهر متراكمة من احتجاجات أناس غاضبين بسبب أزمة اقتصادية غير مسبوقة في الجزيرة وفساد عائلة راجاباكسا وانعدام كفاءتها في الإدارة». ويضيف: «عندما انتشرت دعوة المواطنين كافة إلى التجمع في حديقة (غال فيس غرين) العامة في 9 يوليو، ظن كثيرون أن الأمر لن ينجح في ظل فرض حظر تجول الليلة التي تسبقه. مع ذلك، ومع استمرار الحكومة في اختبار صبر شعبها، وتزايد طول صفوف الانتظار أمام محطات الوقود، ونقص غاز الطهي، وانقطاع التيار الكهربائي، أدرك الناس أنه إما أن يفعلوا ذلك الآن أو لن يحدث إطلاقاً. لقد كانوا عازمين على دعم الاحتجاج رغم حظر التجول. وبالفعل، جرى تشجيع الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع دعوة كثير من الأحزاب السياسية والاتحادات العمالية للناس إلى الانضمام ومطالبة الحكومة بالاستقالة. ومن ثم، عشية يوم 8 يوليو لم ينجح فيض من قوات الجيش والشرطة باستخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية في منع آلاف من الاندفاع نحو كولومبو متكدّسين في القطارات، ومتلفحين بأعلام الاحتجاج، ومعتلين حافلات قليلة، وهي التي لا تزال قادرة على الحركة بمخزون قليل ثمين من الوقود».
ويتابع الصحافي السريلانكي سرده ليقول: «كان صباح يوم 9 يوليو حافلاً بالإثارة مع بدء توافد الحشود منذ الصباح الباكر. كان رجال الشرطة قد أقاموا الحواجز والمتاريس لمنع الوصول إلى القصر الرئاسي، وبدأوا في إطلاق الغاز المسيل للدموع، واستخدام مياه ذات ضغط عالي ضد الناس. وعند الساعة 12:30 تقريباً انتشرت أنباء عن سيطرة المحتجين على القصر الرئاسي وانسحاب القوات. وبعد ذلك بساعة، شوهد المحتجون وهم يركضون باتجاه القصر الرئاسي وسط تهليلات صادحة. رغم شعور الناس بالإثارة والحماسة والغضب والارتباك بفعل فرصة الاستيلاء على المباني، كانوا دائماً ما يتذكرون ضرورة الإحجام عن تدمير الممتلكات العامة». ثم يختتم: «لقد تكلّم الشعب أخيراً، وكانت رسالته صادحة وواضحة. الذين اختبروا صبره وسرقوا أمواله وأهانوا ذكاءه وأفسدوا مستقبل أبنائه كانوا يبحثون عن المتاعب. سوف يلقى السياسيون، الذين كوّنوا ثرواتهم بالاحتيال، ونكثوا عهودهم، وتسببوا في معاناة الشعب على نحو لا يمكن احتماله، مصير عائلة راجاباكسا».

- طريق صعب يلوح في الأفق
لا جدال في أن الطريق أمام سريلانكا صعب، فالأمر لا يحتاج إلى تخفيف الأزمة الاقتصادية فحسب، بل هناك حاجة أيضاً إلى إعادة بناء نفسها طوبة طوبة. وهنا يذكر فيشال باندي، وهو صحافي هندي يغطي الوضع والأحداث في سريلانكا: «يمثل اقتحام المقرات الرسمية للرئيس ورئيس الوزراء دروساً قاسية من التاريخ تستدعي وتستحضر إلى الذهن ما حدث في العراق عام 2003. بعد فترة قصيرة من غزو القوات الأميركية للبلاد. مع اقتحام مواطنين عراقيين لكثير من القصور الرئاسية ونهب محتوياتها». ويستطرد: «كان هناك ذلك الشعور نفسه من العجب والانبهار في نفوس الرجال الغاضبين الذين اقتحموا تلك الأماكن المميزة... لقد شعرت بصدمة من مشاهدة عملية اقتحام مماثلة، باستثناء أن شعب سريلانكا لم ينهب أي شيء، بل فقط استمتع بلحظات من الرفاهية».
يقول خبراء في الاقتصاد إن أصل الأزمة ينبع من عوامل داخلية مثل سنوات من سوء الإدارة والفساد. من بين تلك الأمور، تظل السياسات الاقتصادية الرعناء المستهترة لعائلة راجاباكسا هي العامل الأبرز الذي أدى إلى تردي الوضع الاقتصادي في سريلانكا. في أعقاب الحرب الأهلية (2009 - 2015) كان الاقتصاد السريلانكي يعاني من عجز كبير في الموازنة. القرار السياسي الاستبدادي خلال الحرب الأهلية، وما تبعه من عدم استقرار سياسي، أو الافتقار إلى توافق سياسي يوحد البلاد منع النظام الحاكم من إجراء إصلاحات سياسية لتصحيح الأوضاع والمسار. وأشار ناندالال وييراسينغه، رئيس البنك المركزي السريلانكي، إلى أن اقتصاد البلاد سوف «ينهار بشكل لا يمكن علاجه أو تداركه» ما لم يتم تعيين حكومة جديدة في غضون أيام، وقيل إنه يفكر في الاستقالة إذا لم يتحقق استقرار سياسي في غضون أسبوعين. ويحدث ذلك في ظل اضطرار جيش البلاد لتفنيد تقارير عن انقلاب وشيك وعودة الجيش لتصدّر مشهد الأزمة السياسية والاقتصادية التي تتفاقم بوتيرة سريعة.

- أسباب التأزم الاقتصادي
لقد بلغ حجم الدين الخارجي لسريلانكا 51 مليار دولار أميركي. وتفيد سلطات كولومبو أن عليها سداد 8.6 مليار دولار من الدين الخارجي عام 2022. لكن نتيجة نفاد العملة الأجنبية في البلاد في مايو (أيار)، لم تتمكن من سداد المستحق عليها من الديون للمرة الأولى.
منذ ذلك الحين، توقفت كل الواردات وحدث نقص كبير في الوقود والغذاء والسلع المعيشية. وعندما لجأت سلطات كولومبو إلى صندوق النقد الدولي، كانت سريلانكا قد وصلت إلى الحضيض، وتعيش على منح ومساعدات مقدّمة من الهند، بلغت خلال الفترة بين يناير (كانون الثاني) ويونيو (حزيران) 3.5 مليار دولار. هذا، ولم تتمكن سلطاتها، التي كانت تعتمد بالكامل على القروض الهندية، من تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب من وقود للمركبات، وغذاء على الموائد، وعقاقير في المستشفيات الحكومية، وبلغ تضخم السلع الغذائية 56 في المائة.
الجانب الآخر من قصة سوء الإدارة الاقتصادية المتفاقم هذه هو دور الصين في هذه الأزمة. ولقد كان على كولومبو التوقف عن سداد ديونها الخارجية بسبب العجز عن دفع قيمة خدمة الدين المستحق للصين، التي موّلت به مشروعات بنى تحتية عديمة الجدوى. واستغلت بكين صداقتها لماهيندا راجاباكسا لتوقيع اتفاق لبناء ميناء هامبانتوتا والمطار المجاور له في ماتالا خلال فترة حكمه. وللعلم، تولى مايتريبالا سيريسينا، الذي خلف ماهيندا، السلطة وهو راغب في الحد من اعتماد سريلانكا على الصين، غير أن الحال انتهى به وهو يمنح ميناء هامبانتوتا عقد انتفاع مدته 99 سنة، بل يضيف بنداً يمنحها حق تمديد العقد 99 سنة أخرى.


مقالات ذات صلة

رئيس سريلانكا يتوقع استمرار الإفلاس حتى 2026

الاقتصاد طابور طويل أمام وزارة الهجرة السريلانكية للحصول على جوازات سفرهم خارج البلاد التي تعاني من إفلاس (إ.ب.أ)

رئيس سريلانكا يتوقع استمرار الإفلاس حتى 2026

قال رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه أمام البرلمان الأربعاء إن بلاده ستظل مفلسة حتى عام 2026 على الأقل، داعياً إلى دعم إصلاحاته لإنعاش الاقتصاد في ظل أزمة تاريخية. وقال ويكريميسينغه الذي تولى الرئاسة الصيف الماضي بعد استقالة غوتابايا راجاباكسا إن «تبني سياسات ضريبية جديدة هو قرار لا يحظى بشعبية. تذكروا أنني لست هنا لأتمتع بالشعبية بل أريد إخراج هذه البلاد من الأزمة التي تواجهها». ويحمل السكان ويكريميسينغه مسؤولية الأزمة في ظل نقص الغذاء والوقود والكهرباء والدواء.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه لدى وصوله لإلقاء كلمة أمام البرلمان في كولومبو (أ.ف.ب)

رئيس سريلانكا يتوقع البقاء في حالة إفلاس حتى 2026

قال رئيس سريلانكا رانيل ويكريميسينغه أمام البرلمان، اليوم الأربعاء، إن بلاده ستظل مفلسة حتى عام 2026 على الأقل، داعيًا إلى دعم إصلاحاته لإنعاش الاقتصاد ظل أزمة تاريخية. وقال ويكريميسينغه الذي تولى الرئاسة الصيف الماضي بعد استقالة غوتابايا راجاباكسا إن «تبني سياسات ضريبية جديدة هو قرار لا يحظى بشعبية. تذكروا انني لست هناك لأتمتع بالشعبية بل أريد إخراج هذه البلاد من الأزمة التي تواجهها». وأضاف «إذا واصلنا خطة (الإصلاحات) يمكننا الخروج من الإفلاس بحلول 2026». ويحمل السكان ويكريميسينغه مسؤولية الأزمة في ظل نقص الغذاء والوقود والكهرباء والدواء.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
العالم الرئيس السريلانكي رانيل ويكريمسينغه خلال العرض العسكري (أ.ب)

الرئيس السريلانكي يدعو إلى التفكير في «الأخطاء» الماضية

بينما تمر البلاد بأزمة كبيرة، دعا الرئيس السريلانكي، رانيل ويكريمسينغه، خلال عرض عسكري بمناسبة مرور 75 عاماً على استقلال البلاد، إلى التفكير في «الأخطاء والإخفاقات» الماضية. ومنذ انتهاء الاستعمار البريطاني في 1948، قضت الدولة الجزيرة جزءاً كبيراً من تاريخها في حرب مع نفسها.

«الشرق الأوسط» (كولومبو)
الاقتصاد صورة أرشيفية تظهر مسار قاطرات تنقل مواد تعدينية من مدينة الجبيل السعودية (غيتي)  -   نصير أحمد وزير البيئة السريلانكي

سريلانكا تتطلع للاستفادة من تجربة التعدين السعودية

شدد المهندس نصير أحمد وزير البيئة السريلانكي على آفاق التعاون بين كولمبو والرياض بمختلف المجالات، وقطاع التعدين على وجه التحديد، متطلعا إلى تعزيز التعاون مع السعودية بقطاع التعدين، والاستفادة من تجارب المملكة في تطوير الصناعة المعدنية وقوانين وأنظمة المعادن، والمواكبة، والنهوض بإمكانات بلاده المعدنية. ودعا نصير السعوديين للاستثمار بالقطاع في بلاده، وإقامة مشاريعهم الاستكشافية والقيمة المضافة للإنتاج التعديني في البلدين، مشيرا إلى أن بلاده بدأت حقبة جديدة في التنمية الاقتصادية والنمو، وفي طريقها لتجاوز التحديات التي أفرزت انهيارا اقتصاديا وضائقة مالية. وشدد نصير في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «على ا

فتح الرحمن يوسف (الرياض)
العالم عناصر من جيش سريلانكا (أرشيفية - إ.ب.أ)

سريلانكا تخفض جيشها بنحو الثلث لخفض الإنفاق

قال وزير الدفاع السريلانكي، اليوم الجمعة، إن بلاده ستخفض قوام جيشها بما يصل إلى الثلث، إلى 135 ألفاً بحلول العام المقبل، وإلى 100 ألف بحلول عام 2030، فيما تحاول البلاد، التي تواجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ أكثر من سبعة عقود، خفض الإنفاق. وقال بريميتا باندارا تيناكون في بيان: «الإنفاق العسكري هو في الأساس نفقات تتحملها الدولة، التي تحفز بشكل غير مباشر وتفتح مجالات للنمو الاقتصادي عن طريق ضمان الأمن القومي وأمن السكان».

«الشرق الأوسط» (كولومبو)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.