«شوميه» تحتفل بالماء والخُضرة... بمجموعة جديدة ومعرض خاص

جون مارك مانسفيلت لـ «الشرق الأوسط»: تاريخنا عريق يستحق أن يرفع صوته... بالكلام المفيد

معرض {شوميه} خلق حواراً مفتوحاً بين الرسم والنحت وصناعة المنسوجات والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأثاث
معرض {شوميه} خلق حواراً مفتوحاً بين الرسم والنحت وصناعة المنسوجات والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأثاث
TT

«شوميه» تحتفل بالماء والخُضرة... بمجموعة جديدة ومعرض خاص

معرض {شوميه} خلق حواراً مفتوحاً بين الرسم والنحت وصناعة المنسوجات والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأثاث
معرض {شوميه} خلق حواراً مفتوحاً بين الرسم والنحت وصناعة المنسوجات والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأثاث

خلال أسبوع الـ«هوت كوتور» الأخير، كان هدف دور المجوهرات وبيوت الأزياء واحداً، ألا وهو جذب اهتمام ضيوف حطوا الرحال في باريس من كل أنحاء العالم ليتابعوا آخر ما جادت به قرائح مبدعين في المجالين. لأول مرة تقريباً، قُسم الوقت بينهما بشكل متعادل وهو ما يُمكن وصفه بغير العادي إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الأسبوع كان حتى سنوات قليلة ميدان الأزياء أولاً وأخيراً.

بعض القطع المعروضة في المعرض تعود إلى مئات السنين

لكن العالم تغير، وتغيرت معه سلوكيات الشراء ورغبات الزبائن. فالمجوهرات الرفيعة تعرف اليوم انتعاشاً يُثلج صدور الصاغة وصناع الساعات على حد سواء. البعض يرد الأسباب إلى عامين تقريباً من عُزلة أججت الرغبة في العيش الجميل بغض النظر عن الثمن والبعض الآخر إلى الرغبة في الاستثمار. وسواء كان السبب هذا أو ذاك فإن النتيجة الواضحة أن قوة الإبداع والابتكار زادت في مجال المجوهرات تحديداً بشكل غير مسبوق. في 12 بلاس فاندوم حيث مقر دار «شوميه» مثلاً، كانت المعروضات تشد الأنفاس بفنيتها وصفاء أحجارها وأيضاً أحجامها. كلما أبديت إعجابي بقطعة، يأتيني الرد بأنها بيعت قبل عرضها إما لزبون من الشرق الأوسط أو من آسيا. بعضها كان يلمع ليزغلل العيون وبعضها الآخر يبرق من خلف ستارة شفافة. كان من الواضح أن شاريها من اليابان. فهم يتشاءمون من استعراض مشترياتهم ووضع هذه الستارة هو رغبة من الشاري لرد العين والحسد.

قرطا أذن من وحي الشعاب المرجانية

في مقابلة أجرتها الـ«الشرق الأوسط» مع جون مارك مانسفيلت، الرئيس التنفيذي لـ«شوميه» في باريس، حيث الدار مجموعتها الأخيرة «أوند إي ميرفاي» Ondes et Merveilles يُعرب لي عن مدى سعادته بالنجاح الذي تسجله الدار في منطقة الشرق الأوسط. فهي تُقدر جمال المجوهرات وزبائنها مثلهم مثل باقي الأسواق الآسيوية يبحثون عما يميزهم ويُعبر عن ذوقهم الخاص، وغالباً ما يبحثون عن قطع لها دلالات ومعانٍ تلمس مشاعرهم حسب قوله. يشير أيضاً إلى أن جمال التصاميم لا ينفصل عن قيمة القطعة، فالمجوهرات كما يقال في الأمثال الشعبية «زينة وخزينة». لكن بالنسبة لمانسفيلت فإن الاستثمار «لا يكون دائماً مادياً. فهو يعني أيضاً استمرارية تتجسد في عملية التوريث»، مضيفاً: «لكن ما ألاحظه في الشرق الأوسط وآسيا في الوقت الحالي، أن الأغلبية يبحثون عن التفرد وعن علامات لها تاريخ وقصص مُلهمة».

طوعت الدار الأحجار الكريمة بشكل يخدم مجموعتها «أوند إي ميرفاي» وما تستحضره من زرقة ولازوردية المياه

هذا التاريخ هو الذي يُركز عليه جون مارك مانسفيلت ولا يمل من الحديث عنه. فهو مكمن قوة «شوميه»، حسب قناعته. في عام 2015 وعندما التحق بها كان مُتحمساً لكونه سيرأس أقدم دار مجوهرات في العالم. سيكون تحت تصرفه مخزون ضخم بدأ تجميعه منذ عام 1780 وبيده الآن أن يُحدد بوصلته بأي اتجاه يراه صائباً. رغم هذا لم يستسهل الأمر. أثار استغرابه أن الدار لا تتكلم كثيراً عن إرثها ومهاراتها وإبداعاتها التي توجت رؤوس إمبراطورات وملكات وأميرات.

عقد تماوج فيه الماس من مجموعتها «أوند إي ميرفاي»

يقول مانسفيلت: «عندما التحقت بالدار كنت أعرف أنها أقدم من (لويس فويتون) بنحو قرن وقبل «فان كليف أند آربلز» بقرن ونصف، وتتمتع بكل المقومات التي تُخول لها رفع صوتها عالياً أمام العالم. فهي ليست أقدم دار مجوهرات فحسب، بل هي أيضاً أكثرها شرعية في دخول المتاحف العالمية كونها تتوفر على نحو 60 طناً من الملفات والرسمات التي تسجل كل صغيرة وكبيرة منذ البدايات إلى اليوم. لكل هذا استغربت هدوءها المشوب بالخجل».

عقد مبتكر يتراقص على أحجار كريمة متنوعة من  مجموعة «أوند إي ميرفاي»

بيد أن الأولوية بالنسبة لمانسفيلت لم تكن مجرد أن تُعلن الدار عن وجودها بصوت عال وبطريقة تقليدية سواء كانت الاستعانة بالنجمات والمشاهير أو طرح مجموعات كثيرة من التصاميم أو الوجود بشكل مُكثف على وسائل التواصل الاجتماعي، بل فيما ستقوله وكيف ستقوله «فنحن لا نريد أن نكون مثل البعض ممن يتكلمون كثيراً من دون أن يقولوا شيئاً مفيداً». يردد أكثر من مرة أن مكمن قوة «شوميه» في تاريخها العريق، لهذا يجب أن تبقى وفية له. منه يمكنها أن تنسج قصصاً تُلهب الخيال تارة بالتذكير بارتباطها الوثيق بالإمبراطورة جوزفين وتارة بعلاقتها بالطبيعة. تمرير هذه القصص بالطريقة المناسبة لشخصيتها لا تكون بالفرقعات الإعلامية للترويج لها، بل عبر معارض. آخرها كان في «مدرسة الفنون الجميلة بباريس Les Beaux - Arts de Paris، بعنوان «المعرض النباتي» سيمتد إلى الرابع من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. يتضمن المعرض نحو 400 عمل فني يعود بعضها إلى آلاف السنين، الأمر بأساليب تتباين بين الرسم والنحت وصناعة المنسوجات والتصوير الفوتوغرافي وصناعة الأثاث، بالإضافة إلى 80 قطعة من المجوهرات المختارة من دار شوميه وغيرها من دور المجوهرات العالمية.

عارضة تتزين بمجوهرات من مجموعة «أوند إي ميرفاي»

ظلت فكرة هذا المعرض تراود مانسفيلت طويلاً، إلى أن تبلورت بمحض الصدفة في عام 2017 إثر مقابلة مع مارك جونسون، وهو عالم نبات معروف، ومدير المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي والعلوم بباريس. بعد حديث ممتع عن الطبيعة وتأثيرها على حياتنا وشتى الفنون، دعي مانسفيلت عالم النبات لزيارة أرشيف «شوميه». بعد أسابيع تقابلا ثانية. يتذكر مانسفيلت: «أول شيء بادرني به هو سؤالي ما إذا كنت أعرف قيمة الكنز الذي بين يدينا. أجبته بحماس وفخر: بالطبع نعم أعرف أن لدينا أرشيفاً غنياً يسجل تاريخنا منذ أكثر من قرنين. رد علي: ليس هذا ما أقصده... ما أقصده هو ما إذا كنت تعرف أن نوعية الرسمات التي تتوفرون عليها لا يقوم بها سوى عالم نباتات متخصص ومُحترف. إنها ليست رسمات خاصة بالمجوهرات فحسب... إنها تشرح أدق تفاصيل الطبيعة وبشكل غير عادي». كانت هذه الملاحظة الشرارة التي كان يحتاجها جون مارك ليبدأ في تنظيم معرض يُمثل شخصية «شوميه»، وتلك العلاقة الوطيدة والمستمرة مع الطبيعة. كان حريصاً على ألا يكون مجرد معرض عادي يستهدف استعراض تاريخها وتطورها أمام العالم، بل احتفالاً بالطبيعة من خلال أعمال فنية بأدوات متنوعة تشمل لوحات ومنحوتات وأزياء من حقب مختلفة.

بروش قديم يبرز تأثير الطبيعة على عملية الإبداع في عالم المجوهرات

قُدمت لجون مارك الكثير من الخيارات والاقتراحات. كان من الطبيعي أن تتمحور معظمها إن لم نقل كلها، حول تاريخ «شوميه» وتطورها كعلامة عريقة تتمتع بإرث غني. لكن مانسفيلت رجل لا يحب الاستسهال. فرغم توفره على أرشيف طويل عريض وكل ما كان عليه القيام به هو الانتقاء من بين آلاف القطع لعرضها بعد تغليفها بصورة معاصرة تلعب إما على التقنيات الديجيتال أو بخلق تجارب افتراضية وتفاعلية مع الزوار، أو الاستعانة بنجوم ومشاهير إلى جانب توظيف وسائل التواصل الاجتماعي وما شابه من أمور، إلا أنه استبعد كل هذا. يقول: «نعم كنت أريد الحديث عن شوميه، لكن بشكل عصري ومعاصر يطرح قضية تهمنا في الوقت الحالي لأن الدار واكبت الكثير من العصور والحقب وسجلتها في تصاميم لا تزال حاضرة كقطع مجوهرات أو كرسمات مفصلة. من هنا كان إعادة اكتشاف الطبيعة خياراً مناسباً للحقبة التي نعيشها حالياً». بيد أنه لم يُردها أن تأخذ صبغة «سياسية» ولا حتى اجتماعية. كان تركيزه على نوع من الفنية تصل إلى وجدان المتلقي بسهولة. وهذا ما يُفسر أن المعرض كان شمولياً ضم العديد من الأعمال الفنية والمخطوطات والمجوهرات والأزياء من علامات وبيوت أزياء أخرى ومن عصور مختلفة. القاسم المشترك بينها كلها كان الطبيعة والماء. عنصران استعملتهما الدار دائماً في تصاميمها، ولأول مرة ومنذ تأسيسها في عام 1780. في مجموعة كاملة من المجوهرات الرفيعة أطلقت عليها اسم «أوند إي ميرفاي» جسدت فيها كل العناصر المُرتبطة بعالم البحار. من مداعبة الأمواج للشواطئ من خلال استعمال أحجام مختلفة من الماس لخلق هذا التماوج، إلى الغوص في الشعاب المرجانية باستعمال ألوان المرجان والزمرد. من الناحية التقنية تفنن حرفيو الدار في جعلها مرنة وقابلة للتفكيك بسهولة حتى تلبي رغبة امرأة اليوم في ارتداء مجوهراتها نهاراً ومساء وبأشكال مختلفة. هناك مثلاً تاج مرصع يتحوّل إلى بروش وأقراط أذن، وقلادة يمكن تفصيلها إلى خاتم أو بروش وهكذا.

العارضة الفرنسية سيندي برونا بعقد وقرطي من «شوميه»

«الاستماع إلى نبض الشارع والعصر ضروري من أجل ضمان الاستمرارية»، حسب قول مانسفيلت: «لو اكتفينا باحترام التاريخ فقط لكنا انتهينا منذ زمن. فلا أحد سيشتري اليوم مجوهراتنا فقط لأننا كنا الصائغ الخاص بالإمبراطورة جوزفين وغيرها من سيدات المجتمع المخملي والأرستقراطي. هذا التاريخ له قيمة لا يستهان بها، لكن في الوقت ذاته يجب أن يواكب العصر بأن تناسب التصاميم الزمن الذي تصدر فيه، بما في ذلك مراعاة خطوط الأزياء التي تفرض نفسها في عالم التصميم. فإذ كانت هناك شيء جعل (شوميه) مستمرة إلى يومنا هذا فهو حركتها المستمرة ورغبتها في تطوير نفسها». هذه الحركة المستمرة أعطت ثمارها. فهي تعيش حالياً فترة ذهبية تجعلها تُغني بصوت عال بعد أن تركت خجلها وراء ظهرها.



خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
TT

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة، كاشفاً عن عالم خفيّ يرزح تحت سطح الماء، لا تطوله الأبصار إلا نادراً.

وغاص جيكوبس، مستشار التنوّع البيولوجي القادم من هولندا، لعمق 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح الجليد، حيث تسلَّلت خيوط الضوء عبر الكتل المتجمِّدة، لتُنير مشهداً أخّاذاً لأسماك تسبح حول تشكيل صخري في بيئة نائية قلّة مَن يحظون بمشاهدتها، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تنخفض درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر.

في الأعماق دهشة لا تنتهي (أ.ب)

وذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه المغامرة جاءت ضمن دورة «الغوص العلمي القطبي» في شمال فنلندا، التي تشرف عليها «الأكاديمية العلمية الفنلندية للغوص». وتهدف هذه المبادرة إلى إعداد جيل جديد من الباحثين والعلماء الذين يتمتّعون بمهارات استكشاف ما تحت جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ودراسة الكائنات الحيّة الفريدة من الحيوانات والنباتات. وبعد الغوص لمدة وصلت إلى 45 دقيقة، وصف جيكوبس التجربة بعبارة مقتضبة موجزة هي: «المشهد جميل».

وتشير المعطيات إلى ارتفاع درجة الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع من باقي أنحاء الكوكب بمقدار 4 أمثال. ويمثّل ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي كارثة على العالم بأسره؛ إذ يؤثّر في أنماط الطقس على مستوى العالم، ويهدّد وجود الدببة القطبية ويضعفها ويزيد من جوعها، نظراً لاعتمادها على الجليد البحري للصيد.

حين تنكسر السطحية... نرى أكثر (أ.ب)

وعلى الجانب الآخر، في القارة القطبية الجنوبية، يؤدّي الاحتباس الحراري العالمي إلى ذوبان الصفائح الجليدية، مما يُسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر واضطراب النظم البيئية للمحيطات.

العنصر البشري في الغوص يظلّ ضرورةً لا غنى عنها

وسط هذا المشهد، يواصل العلماء مساعيهم في دراسة ما يجري تحت ما تبقى من الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، لتحديد كيفية تأثير التغير المناخي على النباتات والحيوانات التي عاشت تقليدياً على طول قاع البحر في وجود قدر ضئيل من أشعة الشمس.

ومع ذلك، يتطلَّب إجراء هذه البحوث مهارات متخصِّصة في الغوص، إلى جانب تأهيل علمي مناسب، وهي مؤهّلات لا يمتلكها سوى بضع مئات من المتخصّصين عالمياً في الوقت الحالي، وفق ما يوضح الخبراء.

ولا تهدف الأكاديمية الفنلندية إلى تدريب مزيد من الغواصين فحسب، بل تعمل على إقناع العالم بضرورة تكثيف البحوث لمواجهة أزمة الجليد القطبي. وقال عالم الأحياء البحرية وأحد مدرّبي الغوص العلمي في الدورة، إريك وورز: «نظراً إلى سرعة الذوبان، نحتاج إلى مزيد من الباحثين، وزيادة الجهود العلمية هناك لفهم ما يحدث بشكل أفضل».

وأضاف: «علينا التحرُّك سريعاً لإنقاذ هذا النظام البيئي الفريد، سواء في القطب الشمالي أو الجنوبي».

وفي عالم يتزايد فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات في إنجاز الأعمال والمَهمّات، يرى عالم الأحياء البحرية في «المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، سايمون مورلي، أنّ الدور البشري لا يزال ضرورياً. وقد يُدمّر استخدام الشباك في أنحاء قاع البحر البيئة والموائل الطبيعية، في حين لا تستطيع غواصة تعمل عن بعد أو روبوتات سوى جمع عيّنة واحدة في المرة الواحدة.

وقال مورلي، الذي لا يشارك في الدورة المذكورة: «يمكن للغواص جمع 12 قنفذاً بحرياً ووضعها داخل حقيبة من دون الإضرار ببقية النظام البيئي».

كلّما تعمّقنا اتّسعت الحكاية (أ.ب)

ظروف قاسية

تُجرى التدريبات في محطة «كيلبيسجارفي» البيولوجية التابعة لجامعة هلسنكي. وخلال الدورة الواحدة، التي تستغرق 10 أيام داخل بحيرة متجمِّدة، يُدرّب المعلم المتخصِّص نحو 12 غواصاً متمرّساً. ومنذ إطلاق البرنامج في 2024، تزايد الإقبال عليه، ممّا أتاح إضافة دورة أخرى سنوياً.

ويضمّ البرنامج طيفاً متنوّعاً من المشاركين، من علماء أحياء إلى علماء في تخصّصات أخرى، وغواصين ذوي مهارة عالية، وصنّاع أفلام وثائقية.

ويريد الطالب في قسم الأحياء البحرية وعلم دراسة المحيطات بجامعة بليموث في إنجلترا، رورلي بوجيز، في النهاية العمل في القطب الجنوبي والبحث في شؤون الحيوانات البحرية الضخمة. وقد سجَّل في دورة الغوص القطبي للشهر الحالي في محاولة لزيادة فرص توظيفه عند التخرج. وأوضح: «اعتقدت أنّ هذه ستكون خطوة جيدة تجاه تحقيق هدفي».

ويواجه فريق الدعم السطحي تحدّيات، حيث يتعيَّن عليهم تشغيل معدات لضمان سلامة الغواص، إضافة إلى تفادي خطر التعرُّض لقضمة الصقيع. كذلك يجب عليهم تعلم كيف يصبحون غواصي إنقاذ في حالات الطوارئ، مثل عدم تمكُّن الغواص الأساسي من العثور على فتحة في الجليد للعبور من خلالها إلى السطح بعد 45 دقيقة من البقاء تحت الماء.

ومع ذلك، بمجرّد وجودهم تحت الماء، يقول الغواصون إنها تجربة مذهلة. وخلال الدورة الحالية، غاصت المجموعة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها نحو 80 سنتيمتراً (نحو قدمين ونصف قدم تقريباً). وشاهدت تشين بعض الأسماك، في حين كانت أشعة الشمس تنفذ عبر الجليد فيما يشبه ظاهرة قطبية أخرى. وقالت: «يبدو المشهد من الأسفل إلى الأعلى مذهلاً. إنه يتغيَّر باستمرار، كأنه الشفق القطبي».


إسرائيل و«حزب الله»... الحرب الجديدة بأساليب مختلفة

جنود إسرائيليون على متن آلية عسكرية عند الحدود اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن آلية عسكرية عند الحدود اللبنانية (رويترز)
TT

إسرائيل و«حزب الله»... الحرب الجديدة بأساليب مختلفة

جنود إسرائيليون على متن آلية عسكرية عند الحدود اللبنانية (رويترز)
جنود إسرائيليون على متن آلية عسكرية عند الحدود اللبنانية (رويترز)

تشهد المواجهة ما بين إسرائيل و«حزب الله» تحولاً ملحوظاً ما بين الحرب القائمة حالياً وتلك التي وقعت في عام 2024، بحيث انتقل الطرفان من المعركة التقليدية إلى صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه التكنولوجيا مع العمل الميداني، وبات كلّ منهما يدرك أن الحرب لا تُحسم بالجبهات التقليدية أو الضربة القاضية، بل بالنقاط والمكاسب المتراكمة.

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود اللبنانية (إ.ب.أ)

وعشيّة اختتام الحرب شهرها الأول، لم تتخلّ إسرائيل عن استخدام الطائرات المسيّرة بوصفها أداة فاعلة في الحرب، سواء في عمليات الاستطلاع أو تنفيذ الاغتيالات التي تستهدف قيادات في الحزب ومواقع حساسة، بالإضافة إلى التفوق التكنولوجي والعمل الاستخباراتي، فيما يطوّر الحزب نمط القتال اللامركزي، وهو أسلوب لم يكن متعمداً بالحرب السابقة.

تعديل الاستراتيجية

وفي قراءته للمشهد الميداني، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني أنّ «كلّاً من (حزب الله) وإسرائيل قد أجرى تعديلات واضحة على استراتيجيتيهما مقارنة بالحرب السابقة، مستفيدَين إلى حدّ كبير من دروسها»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الجغرافيا تبقى عاملاً حاسماً يفرض ثوابته على مسار العمليات العسكرية»، لافتاً إلى أنّ «منطقة مثل بلدة الخيام الحدودية لا تزال تشكّل نقطة اشتباك أساسية بفعل موقعها الجغرافي، كما كانت في الحروب السابقة».

عنصر في الدفاع المدني يمشي بين الأنقاض في موقع متضرر جراء غارة إسرائيلية في النبطية جنوب لبنان (رويترز)

ويشرح العميد جوني أنّ «حزب الله» انتقل إلى نمط قتال أكثر دينامية وحركية، متخلّياً نسبياً عن أسلوب «الصمود الثابت» الذي كان يكلّفه خسائر بشرية مرتفعة في مواجهات عام 2024، في مقابل اعتماد مرونة أكبر في الانتشار وإدارة المعركة، لافتاً إلى أنّ الجيش الإسرائيلي «بات يعتمد أسلوباً يحاول عبره اختبار جاهزية «حزب الله» الدفاعية، سواء من حيث التنسيق والمعنويات والقدرة القتالية».

الأهداف النوعيّة

لا يختلف تكتيك الجيش الإسرائيلي في حربه الحالية عن حرب الـ66 يوماً السابقة، وفق رؤية الخبير العسكري والأمني العميد سعيد القزح، الذي أكد أن إسرائيل «مستمرّة في تدمير كل ما يمت إلى القوة العسكرية للحزب خارج أرض المعركة، ولا يزال يعتمد على التفوق الاستخباراتي والأهداف النوعية، وتكتيك قطع الرأس». واستهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية.

وأوضح القزح لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل ماضية في استهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية، مثل مخازن الصواريخ الدقيقة ومنصات الإطلاق، ومراكز القيادة والسيطرة، والمؤسسات الاقتصادية والمالية لـ«حزب الله»، مشيراً إلى أن «ميزة هذه المواجهة من الناحية الإسرائيلية، تكمن في اعتماد تكتيك «الأرض المحروقة» في الحافة الأمامية بحيث يعتمد على تدمير ممنهج للقرى الحدودية لإنشاء منطقة عازلة جغرافياً، تهدف إلى منع المقاتلين من استخدام التضاريس والمباني للقيام بعمليات تسلل أو إطلاق صواريخ مضادة للدروع تهدد ليس فقط القوات المتقدمة بل المستوطنات الشمالية».

سيارة جيب عسكرية إسرائيلية تتجه نحو الحدود مع لبنان وسط تصاعد الأعمال العدائية بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

لا يخفي العميد القزح أن «حزب الله» طوّر أساليبه لتتلاءم مع التفوق الجوي الإسرائيلي، إذ استغل الفترة التي تلت اتفاق وقف الأعمال العدائية، وبدأ يعتمد أسلوب ​الدفاع اللامركزي بدلاً من الدفاع عن خطوط ثابتة، كما قام بتنظيم نفسه على أساس المجموعات الصغيرة المستقلة التي تمتلك حرية القرار الميداني، باستعمال مبدأ حرب العصابات، وهذا الأسلوب يجعل من الصعب على الطيران الإسرائيلي القضاء على القدرة القتالية بضربة واحدة».

لا مركزية المعركة

حتى الآن لم تفلح الضربات الاستباقية التي تلجأ إليها إسرائيل لتقويض قدرات الحزب قبل البدء بشن هجوم برّي واسع، وهو ما يبرر تأخير المعركة الحاسمة التي يتحضّر لها الجيش الإسرائيلي، ويشير العميد حسن جوني الذي كان يشغل منصب قائد كلية الأركان في الجيش اللبناني، أن الاشتباكات الجارية «لا ترقى إلى مستوى الحسم، إذ يتجنّب الطرفان الانخراط في مواجهة فاصلة، لا سيما إسرائيل التي تقود الهجوم». ويضيف أنّ «حزب الله» يعتمد لا مركزية أكبر في إدارة المعارك، حيث يُترك هامش واسع لقادة المجموعات الميدانية لاتخاذ القرار وفق تقديرهم للظروف القتالية».

تأثير الصواريخ

أما عن القدرات الصاروخية، فيوضح جوني أنّ الحزب «يركّز في المرحلة الحالية على الصواريخ القصيرة المدى، التي تهدف إلى إبقاء الضغط قائماً على الجبهة الشمالية لإسرائيل وزعزعة الاستقرار، أكثر من تحقيق إنجازٍ عسكري حاسم في العمق». ويرى أنّ هذه الاستراتيجية «تأتي في إطار التكامل مع الضربات الإيرانية، بما يعزّز الضغط على منظومات الدفاع الإسرائيلية ويُحدث أثراً نفسياً إضافياً»، ملاحظاً أن الحزب «يولي اهتماماً متزايداً للبعد الأمني بهدف الحدّ من الاختراقات، لا سيما في ظلّ استهداف المقاتلين بواسطة المسيّرات، وهو ما انعكس تراجعاً نسبياً بخسارة الحزب لمقاتليه في خطوط المواجهة الأمامية»، ومشدداً على أن «حزب الله» يسعى إلى فرض حالة اشتباك مستمر مع القوات الإسرائيلية، حتى في حال عدم التوغّل البري، بهدف استنزافها وتعويض محدودية التأثير الصاروخي عبر الضغط الميداني المباشر».

توازن حَذِر

لا شكّ أن الخطّة القتالية للجيش الإسرائيلي تقوم على السيطرة بالنار على منطقة جنوب الليطاني، عبر القصف الجوي والبحري والضغط النفسي لدفع السكان إلى النزوح، من دون اندفاع واسع للقوات البرية حتى الآن. ويرجّح الخبير العسكري حسن جوني أنّ إسرائيل «لا تزال مترددة بين خيار إنشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 5 و8 كيلومترات على الحدود، أو التوسّع نحو احتلال جنوب الليطاني»، معتبراً أنّ «مسار المعارك على الأرض هو العامل الحاسم في تحديد الخيار النهائي». ويخلص جوني إلى أنّ «طبيعة المواجهة الحالية تعكس توازناً حذراً بين الطرفين، حيث يسعى كلّ منهما إلى تحقيق أهدافه من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مفتوحة».

الجغرافيا السياسية

ثمة عامل جديد في هذه الحرب يؤثر على مجريات المعركة بشكل يومي، ويتمثّل بغزارة في إطلاق الصواريخ متوسطة المدى التي يطلقها «حزب الله» بالتزامن مع وصول الصواريخ الباليستية الإيرانية، ويفسّر العميد سعيد القزح الغاية من ذلك بـ«إغراق وإشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية للسماح لبعض الصواريخ الإيرانية بالوصول إلى أهدافها وأيضاً محاولة منه لدفع سكان شمال إسرائيل إلى النزوح، ولكنه لم ينجح حتى الآن في ذلك بعكس مرحلة ما عرف بحرب إسناد غزة».

ويعتبر القزح أن «الجغرافيا العسكرية في هذه المواجهة هي اللاعب الأكبر، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي استغلال التفوق التكنولوجي، والتقدم البطيء لتجاوز تعقيدات التضاريس وانشغاله بالجبهة الإيرانية، التي يعتبرها الجهد الرئيسي لحربه في هذه المرحلة، بينما يسعى (حزب الله) لاستخدام عامل لإطالة أمد الصراع واستنزاف قدرة الجيش الإسرائيلي»، مشدداً على أن «النتيجة النهائية تبقى رهن بتطور الميدان».