تشهد المواجهة ما بين إسرائيل و«حزب الله» تحولاً ملحوظاً ما بين الحرب القائمة حالياً وتلك التي وقعت في عام 2024، بحيث انتقل الطرفان من المعركة التقليدية إلى صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه التكنولوجيا مع العمل الميداني، وبات كلّ منهما يدرك أن الحرب لا تُحسم بالجبهات التقليدية أو الضربة القاضية، بل بالنقاط والمكاسب المتراكمة.

وعشيّة اختتام الحرب شهرها الأول، لم تتخلّ إسرائيل عن استخدام الطائرات المسيّرة بوصفها أداة فاعلة في الحرب، سواء في عمليات الاستطلاع أو تنفيذ الاغتيالات التي تستهدف قيادات في الحزب ومواقع حساسة، بالإضافة إلى التفوق التكنولوجي والعمل الاستخباراتي، فيما يطوّر الحزب نمط القتال اللامركزي، وهو أسلوب لم يكن متعمداً بالحرب السابقة.
تعديل الاستراتيجية
وفي قراءته للمشهد الميداني، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني أنّ «كلّاً من (حزب الله) وإسرائيل قد أجرى تعديلات واضحة على استراتيجيتيهما مقارنة بالحرب السابقة، مستفيدَين إلى حدّ كبير من دروسها»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّ «الجغرافيا تبقى عاملاً حاسماً يفرض ثوابته على مسار العمليات العسكرية»، لافتاً إلى أنّ «منطقة مثل بلدة الخيام الحدودية لا تزال تشكّل نقطة اشتباك أساسية بفعل موقعها الجغرافي، كما كانت في الحروب السابقة».

ويشرح العميد جوني أنّ «حزب الله» انتقل إلى نمط قتال أكثر دينامية وحركية، متخلّياً نسبياً عن أسلوب «الصمود الثابت» الذي كان يكلّفه خسائر بشرية مرتفعة في مواجهات عام 2024، في مقابل اعتماد مرونة أكبر في الانتشار وإدارة المعركة، لافتاً إلى أنّ الجيش الإسرائيلي «بات يعتمد أسلوباً يحاول عبره اختبار جاهزية «حزب الله» الدفاعية، سواء من حيث التنسيق والمعنويات والقدرة القتالية».
الأهداف النوعيّة
لا يختلف تكتيك الجيش الإسرائيلي في حربه الحالية عن حرب الـ66 يوماً السابقة، وفق رؤية الخبير العسكري والأمني العميد سعيد القزح، الذي أكد أن إسرائيل «مستمرّة في تدمير كل ما يمت إلى القوة العسكرية للحزب خارج أرض المعركة، ولا يزال يعتمد على التفوق الاستخباراتي والأهداف النوعية، وتكتيك قطع الرأس». واستهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية.
وأوضح القزح لـ«الشرق الأوسط»، أن إسرائيل ماضية في استهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية، مثل مخازن الصواريخ الدقيقة ومنصات الإطلاق، ومراكز القيادة والسيطرة، والمؤسسات الاقتصادية والمالية لـ«حزب الله»، مشيراً إلى أن «ميزة هذه المواجهة من الناحية الإسرائيلية، تكمن في اعتماد تكتيك «الأرض المحروقة» في الحافة الأمامية بحيث يعتمد على تدمير ممنهج للقرى الحدودية لإنشاء منطقة عازلة جغرافياً، تهدف إلى منع المقاتلين من استخدام التضاريس والمباني للقيام بعمليات تسلل أو إطلاق صواريخ مضادة للدروع تهدد ليس فقط القوات المتقدمة بل المستوطنات الشمالية».

لا يخفي العميد القزح أن «حزب الله» طوّر أساليبه لتتلاءم مع التفوق الجوي الإسرائيلي، إذ استغل الفترة التي تلت اتفاق وقف الأعمال العدائية، وبدأ يعتمد أسلوب الدفاع اللامركزي بدلاً من الدفاع عن خطوط ثابتة، كما قام بتنظيم نفسه على أساس المجموعات الصغيرة المستقلة التي تمتلك حرية القرار الميداني، باستعمال مبدأ حرب العصابات، وهذا الأسلوب يجعل من الصعب على الطيران الإسرائيلي القضاء على القدرة القتالية بضربة واحدة».
لا مركزية المعركة
حتى الآن لم تفلح الضربات الاستباقية التي تلجأ إليها إسرائيل لتقويض قدرات الحزب قبل البدء بشن هجوم برّي واسع، وهو ما يبرر تأخير المعركة الحاسمة التي يتحضّر لها الجيش الإسرائيلي، ويشير العميد حسن جوني الذي كان يشغل منصب قائد كلية الأركان في الجيش اللبناني، أن الاشتباكات الجارية «لا ترقى إلى مستوى الحسم، إذ يتجنّب الطرفان الانخراط في مواجهة فاصلة، لا سيما إسرائيل التي تقود الهجوم». ويضيف أنّ «حزب الله» يعتمد لا مركزية أكبر في إدارة المعارك، حيث يُترك هامش واسع لقادة المجموعات الميدانية لاتخاذ القرار وفق تقديرهم للظروف القتالية».
تأثير الصواريخ
أما عن القدرات الصاروخية، فيوضح جوني أنّ الحزب «يركّز في المرحلة الحالية على الصواريخ القصيرة المدى، التي تهدف إلى إبقاء الضغط قائماً على الجبهة الشمالية لإسرائيل وزعزعة الاستقرار، أكثر من تحقيق إنجازٍ عسكري حاسم في العمق». ويرى أنّ هذه الاستراتيجية «تأتي في إطار التكامل مع الضربات الإيرانية، بما يعزّز الضغط على منظومات الدفاع الإسرائيلية ويُحدث أثراً نفسياً إضافياً»، ملاحظاً أن الحزب «يولي اهتماماً متزايداً للبعد الأمني بهدف الحدّ من الاختراقات، لا سيما في ظلّ استهداف المقاتلين بواسطة المسيّرات، وهو ما انعكس تراجعاً نسبياً بخسارة الحزب لمقاتليه في خطوط المواجهة الأمامية»، ومشدداً على أن «حزب الله» يسعى إلى فرض حالة اشتباك مستمر مع القوات الإسرائيلية، حتى في حال عدم التوغّل البري، بهدف استنزافها وتعويض محدودية التأثير الصاروخي عبر الضغط الميداني المباشر».
توازن حَذِر
لا شكّ أن الخطّة القتالية للجيش الإسرائيلي تقوم على السيطرة بالنار على منطقة جنوب الليطاني، عبر القصف الجوي والبحري والضغط النفسي لدفع السكان إلى النزوح، من دون اندفاع واسع للقوات البرية حتى الآن. ويرجّح الخبير العسكري حسن جوني أنّ إسرائيل «لا تزال مترددة بين خيار إنشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 5 و8 كيلومترات على الحدود، أو التوسّع نحو احتلال جنوب الليطاني»، معتبراً أنّ «مسار المعارك على الأرض هو العامل الحاسم في تحديد الخيار النهائي». ويخلص جوني إلى أنّ «طبيعة المواجهة الحالية تعكس توازناً حذراً بين الطرفين، حيث يسعى كلّ منهما إلى تحقيق أهدافه من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة مفتوحة».
الجغرافيا السياسية
ثمة عامل جديد في هذه الحرب يؤثر على مجريات المعركة بشكل يومي، ويتمثّل بغزارة في إطلاق الصواريخ متوسطة المدى التي يطلقها «حزب الله» بالتزامن مع وصول الصواريخ الباليستية الإيرانية، ويفسّر العميد سعيد القزح الغاية من ذلك بـ«إغراق وإشغال الدفاعات الجوية الإسرائيلية للسماح لبعض الصواريخ الإيرانية بالوصول إلى أهدافها وأيضاً محاولة منه لدفع سكان شمال إسرائيل إلى النزوح، ولكنه لم ينجح حتى الآن في ذلك بعكس مرحلة ما عرف بحرب إسناد غزة».
ويعتبر القزح أن «الجغرافيا العسكرية في هذه المواجهة هي اللاعب الأكبر، حيث يحاول الجيش الإسرائيلي استغلال التفوق التكنولوجي، والتقدم البطيء لتجاوز تعقيدات التضاريس وانشغاله بالجبهة الإيرانية، التي يعتبرها الجهد الرئيسي لحربه في هذه المرحلة، بينما يسعى (حزب الله) لاستخدام عامل لإطالة أمد الصراع واستنزاف قدرة الجيش الإسرائيلي»، مشدداً على أن «النتيجة النهائية تبقى رهن بتطور الميدان».

