«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

حملات تعاطف تحركها السوشيال ميديا... وخبراء يعوّلون على «دور الدولة»

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف
TT

«تمجيد العنف» يصدم الشارع العربي

الطالبة الجامعية نيرة أشرف
الطالبة الجامعية نيرة أشرف

لا يكاد يمر يوم دون أن نطالع عنواناً في صحيفة، أو على مواقع الإنترنت، يتحدث عن جريمة بشعة هنا أو هناك، لتبدأ المحاكمات الافتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، عبر سلسلة لا نهائية من التغريدات والمنشورات والتقارير الإعلامية، المصحوبة بتعليقات وحملات للتعاطف مع الجاني وتبرير جريمته، وإلقاء اللوم على الضحية، وسط حالة مثيرة للدهشة من «تمجيد العنف»، والاعتياد عليه بصفته جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، فلم تعد مشاهد الدماء والقتل مستهجنة أو غريبة للكل، بل العكس بات البعض يحاول توثيقها بعدسة هاتفه المحمول، ومشاركتها على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وهو ما يثير التساؤلات حول أسباب اعتياد بعض الناس على العنف، وتمجيدهم للجناة.
وتتشابه مشاهد العنف في الشارع العربي من حيث درجة التفاعل والاستهجان والتعاطف، وإن اختلفت تفاصيل الجرائم، فخلال شهر يوليو (تموز) 2022 استيقظ الفلسطينيون على خبر استخراج جثة رجل من تحت الإسمنت في منزله، ببلدة عجة في جنوب جنين، قتله ابنه، ودفنه وصب فوقه الإسمنت.
https://twitter.com/ShehabAgency/status/1546626903775363074?s=20&t=T1dNj8R7yJrv6T9qW8kXQw
تأتي هذه الحادثة بعد أسابيع من جريمة هزت الشارع المصري، راح ضحيتها الطالبة الجامعية نيرة أشرف، التي قتلها زميلها محمد عادل على أبواب جامعة المنصورة؛ لأنها «رفضت الزواج» منه.
لم يمر يومان حتى شهدت الأردن جريمة مماثلة راحت ضحيتها إيمان إرشيد التي قُتلت بالرصاص داخل الحرم الجامعي في جامعة العلوم التطبيقية الخاصة شمال العاصمة عمان، وتمكنت قوات الأمن من تحديد مكان القاتل، ولدى محاصرته من قِبل رجال الأمن العام، أقدم على إطلاق النار على نفسه.
يبدو أن الجاني الأردني اتخذ من القاتل المصري قدوة، حيث تداولت مواقع التواصل الاجتماعي رسلة تهديد قيل إن الجاني أرسلها لإيمان، تقول «بكرا رح اجي احكي معك وإذا ما قبلتي رح اقتلك مثل ما المصري قتل البنت اليوم».
https://twitter.com/WwwDootnoor/status/1539966943540588546?s=20&t=vbStiQoPdhvAkMrNUoEX7Q
وعلى غرار نيرة أشرف المصرية، وإيمان إرشيد الأردنية، شهد أحد الشواطئ التونسية جريمة قتل وصفت بـ«البشعة» أوائل يوليو 2022، حيث طعن شاب من مواليد 1992 صديقته بسكين أمام الناس في وضح النهار، ثم حاول الانتحار بعدها.
الدكتورة ديما دبوس، المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط شمال أفريقيا في مؤسسة «إكواليتي ناو»، ترجع تزايد العنف إلى «الإجراءات الاحترازية خلال جائحة كورونا»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الإغلاق، والبطالة والضائقة الاقتصادية، كلها أسباب أدت إلى تزايد العنف في المجتمع، دون توفير وسيلة للشكوى».
بينما يرجع الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، حالة «تمجيد العنف» في الشارع العربي إلى 4 أسباب، وهي كما يقول في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن «وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الناس تعتاد مشاهد العنف والجدال، إلى جانب غياب الأمن والقانون في الشارع لتقاعس القائمين على تنفيذه عن القيام بدورهم، وبطء الإجراءات القضائية التي تجعل المواطن يتراجع عن اللجوء للقانون، ويقرر الاعتماد على نفسه في الحصول على حقه، وأخيراً حالة الانتقائية في المحاسبة؛ فالغني وصاحب النفوذ يستطيع الهروب من يد العدالة»، مشيراً إلى أن «هناك تشابهاً في العادات والتقاليد في العالم العربي؛ وهو ما يدفع إلى تشابه الجرائم، أو محاولة محاكاتها في بعض الأحيان».
ويضيف صادق «هناك حالة من التعايش في الشارع مع العنف، وخاصة العنف الانتقائي ضد النساء والأقليات، فمن الطبيعي أن يضرب الرجل زوجته أو ابنته أو أخته أمام الناس دون أن يتدخل أحد، ومن يحاول أن يلجأ للقانون لا يجد آذاناً صاغية في هذه الوقائع، وينتهي الأمر بالصلح، وحتى إن تمت معاقبة الجاني، فهناك خوف من الانتقام فيما بعد»، ضارباً المثل بقصة فتاة المول في مصر، «التي تم تشويه وجهها من قِبل متحرش أبلغت عنه».
وتعود قصة فتاة المول إلى عام 2017 عندما تعرضت فتاة لمحاولة قتل أسفرت عن تشويه وجهها، من قِبل شاب سبق أن تحرش بها، وعوقب بالحبس أسبوعين وغرامة 100 جنيه، فعاد لينتقم منها.
لكن خالد القضاة، الصحافي الأردني والمدرب على قضايا السلامة المهنية وأخلاقيات المهنة، يرى أنه «لا يمكن الحديث عن انتشار الجريمة من عدمه لعدم وجود إحصائيات فعلية تقيس ذلك»، يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يحدث هو زيادة في معدل نشر أخبار الجريمة بمساعدة وسائل التواصل الاجتماعي، والسباق المحموم بينها وبين وسائل الإعلام التقليدية على الجمهور»، مشيراً إلى أن «الناس تعودت على أخبار الجريمة، وأصبحت تتعمق في نشر تفاصيلها وصورها، فأصبحت الجريمة هي الأصل وغير ذلك استثناء».
وأضاف القضاة «نشر تفاصيل الجرائم، يعطي فرصة للشباب الصغير لتعلم كيفية ارتكابها، وبالتالي محاكاتها وتقليدها».
زهور وعمارة، أستاذة في القانون العام وحقوقية تونسية، تشير إلى أن «الجميع أصبح ينظر للعنف من منظور مواقع التواصل الاجتماعي»، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الواقع التونسي شهد مؤخراً تمجيداً لحالات العنف ضد النساء، تحت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي»، ضاربة المثل بقضية المشعوذ بلقاسم الذي عُرضت قصته في شهر مايو (أيار) الماضي، ضمن برنامج «الحقائق الأربع»، وهو شخص استدرج أكثر من 900 سيدة واغتصبهن بدعوى علاجهن من الجن العاشق.
حوادث العنف لا تنتهي؛ ففي نهاية مايو الماضي، كشفت وزارة الداخلية المصرية عن تفاصيل واقعة مفجعة حدثت في إحدى محافظات دلتا مصر، بعد أن قتلت أم أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة وداع لزوجها الذي يعمل خارج البلاد، قالت فيها «أنا يا محمد وديت ولادك للجنة، أنت أيضاً ستلحقهم للجنة، أنا قصّرت مع أطفالي خصوصاً أحمد، اصبر واحتسبهم عند الله، ويا بختك بالجنة، أما أنا، فادعيلي لأني كنت بتعذب في الدنيا ومش قادرة أعيش».
وشهدت الأردن بداية شهر يوليو 2022 جريمة مشابهة قتل فيها رجل طفلتيه 9 و12 عاماً، ودفنهما بمحيط المنزل.
https://twitter.com/ajelnews24/status/1544318143467819008?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي فبراير (شباط) الماضي اعتقلت السلطات المغربية في الدار البيضاء شاباً (36 سنة)، بتهمة قتل والده وزوجة أبيه، طعناً بالسكين، وفي المغرب أيضاً في عيد الأضحى قتل شاب عشريني صديقه إثر نشوب مشادة كلامية بينهما انتهت بطعنه بسكين الأضحية.
وشهدت الجزائر نهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي وقائع جريمة قتل قام خلالها شاب يحمل سلاحاً أبيض بشن هجوم على ممرضتين بالقرب من المستشفى، ليقتل الأولى ويصيب الثانية.
وفي الكويت، هزت جريمة الطفل صقر المطيري القلوب خلال شهر يوليو 2022 بعدما ترددت أنباء عن قتل والدته له.
https://twitter.com/goldendose/status/1546169052409827330?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
https://twitter.com/moi_kuw/status/1546112468270911490?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وبدأت الناس تطالب بعدم نشر تفاصيل أكثر عن القصة، وهو ما ذكرته دكتورة مريم المنصوري، في تغريدة على حسابها الشخصي على «تويتر»، قالت فيها «أتمنى ما ينشرن تفاصيل أكثر عن قصة الولد المقتول من أمه».
https://twitter.com/dr_m_almansouri/status/1546581033516240899?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وفي واقعة أخرى في الشهر نفسه، تداول رواد مواصل الاجتماعي مقطع فيديو لشخص يعتدي على زوجين بالسكين في شوارع الكويت.
https://twitter.com/sa_almjd/status/1546662603287662592?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
وأثارت هذه الجرائم ردود فعل واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعضها انتقد عدم تفاعل المارة، وإصرارهم على تصوير الجريمة بدلاً من محاولة منعها، كما تقول مهجة السقا في تغريدة لها على «تويتر» تعليقاً على واقعة نيرة أشرف «إنك تموت بشرف أحسن ما تموت وأنت ماسك موبايلك بتصور جريمة بشعة كأنك مخرج فيلم إدرامي».
https://twitter.com/mouhga22/status/1547054559251648513?s=21&t=z4_8KgYM6AlnNJYrUaZ4-Q
والبعض الآخر عمد إلى لوم الضحية نيرة أشرف، باعتبارها السبب في الجريمة، ومحاولة تبرير سلوك القاتل، لدرجة التعاطف معه، وإنشاء مجموعات لدعمه على مواقع التواصل الاجتماعي، وجمع تبرعات في محاولة لدفع الدية، لتخليصه من عقوبة الإعدام، من بينها مجموعة على «فيسبوك» حملت عنوان «ظلم محمد عادل قاتل نيرة أشرف تخفيف الحكم»، طالب روادها بمحاكمة عادلة لمحمد عادل، واصفين ما يحدث له بالظلم.
https://www.facebook.com/groups/441969830795322
وحول أسباب التعاطف مع المجرمين، يقول الدكتور صادق «السبب يرجع لتدهور أخلاق المجتمع، إضافة إلى أن بعض المتعاطفين يمارسون نفس الجرائم بشكل أو بآخر؛ مما يدفعهم تلقائياً للتعاطف مع أقرانهم»، مؤكداً أهمية دور الإعلام في «فرملة المجتمع، وعدم تشجيع العنف، أو التعاطف مع المجرمين، كما يحدث الآن».
بينما يرى خالد القضاة، أن «الجمهور يستغل هذه الجرائم وسيلة لتوجيه انتقادات سياسية للحكومة، والتعبير عن احتقانه من إجراءاتها، وهو ما يفسر تعاطفه أحيانا مع الجناة انتقادا لتقصير الدولة في أداء دورها، كما حدث مؤخراً في قضية السطو على البنوك في الأردن، حيث تعاطف الجمهور مع اللصوص، وكانوا يتابعون نجاحهم وفشلهم، وخططهم، بتشجيع من الإعلام؛ لأن المؤسسات البنكية رمز لسيطرة الدولة على الناس وتكبيلهم بالقروض».
وهنا تقول وعمارة، إن «قضية بلقاسم على سبيل المثال أثارت بلبلة على وسائل التواصل الاجتماعي وانقسم الرأي العام التونسي بين رافض لما أقدم عليه بلقاسم وبين من يلوم النساء لأنهن خضعن لأكاذيب المشعوذ، ووصل الأمر إلى الحديث عن هشاشة المرأة، وابتعادها عن الدين، مستنكرين قبول النساء بمثل هذه الحلول الجنسية، ومجّد البعض هذا العنف الجنسي الذي سلط على الضحايا كنوع من التشفي والعقاب لما أقدمن عليه».
وتتهم دبوس المجتمع العربي بـ«الذكوري»، وتقول، إن «المجتمع دائماً ما يتعاطف مع الرجل ويلوم المرأة”، ضاربة المثل «بجريمة قتل شهدتها لبنان مؤخرا، قتل فيها رجل زوجته مع سبق الإصرار والترصد، لكن المجتمع تعاطف معه، بما في ذلك القضاء، وتم تخفيف الحكم عليه، تحت دعوى اتهامها بالخيانة».
الاحتفاء بالقتلة والتعاطف معهم ليس ظاهرة جديدة على العالم، وإن بدا أكثر وضوحاً اليوم بسبب مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عام 1925 اعتقل غيرالد شابمان في ولاية إنديانا الأميركية، والذي كان يعدّ واحداً من أخطر عشرة مجرمين في أميركا، وخلال 6 أيام من المحاكمة تجمع الناس خارج المحكمة، وفور صدور حكم الإعدام شنقاً «لعن الرجال وبكت النساء»، وقالت صحيفة «ذا هارفارد كريمسون» في تقرير بتاريخ 6 أبريل (نيسان) 1925، إن «الصحف لعبت دوراً في زيادة شعبيته عند الناس، وعندما يعدم سيغطى قبره بالورود»، وهو ما حدث بالفعل، حيث نفذ الحكم عام 1926، ولسنوات بعد دفنه ظلت النساء تزور قبره وتضع حوله الزهور.
ويعد تيد باندي واحداً من أشهر المجرمين في التاريخ الأميركي، حيث قتل واغتصب نحو 100 امرأة، وتم القبض عليه وإعدامه في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وكان يتلقى رسائل إعجاب أثناء وجوده في السجن، وعندما عرضت نتفليكس حلقات وثائقية تروي قصته، وتتضمن تسجيلات صوتية له، عام 2019 حاز باندي تعاطف المشاهدين؛ وهو ما دفع البعض للمقارنة بين حالته وبين حالة التعاطف مع محمد عادل.
https://www.facebook.com/samar.alzohairy11/posts/pfbid02n9cregwtgawK4fdqhZb9ufCfuAY45Uvnvg7zaCNDuoRLHv7ommAkXwxqetfUpgwml
ويشير صادق إلى أنه «مع تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الأمن، يزداد العنف، خاصة مع غياب الوازع الأخلاقي»، محملاً الدولة مسؤولية سياسية عن «إعادة ضبط بوصلة المجتمع الأخلاقية»، ويقول «في أحداث العنف الكبرى في العالم عادة ما يكون هناك تحرك من الجهات العليا في الدولة لإدانة العنف، ومواساة الضحايا، كما يحدث في أحداث إطلاق النار المتكررة في الولايات المتحدة، وهو ما يؤكد عدم تسامح الدولة مع العنف، ويساهم في توجيه المجتمع أخلاقياً، لكن للأسف رغم كثرة الحوادث في المنطقة العربية، لم نرَ تحركات مماثلة».


مقالات ذات صلة

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

العالم العربي تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

تشكيل أول كتلة نيابية في البرلمان التونسي الجديد

أعلن النائب التونسي ثابت العابد، اليوم (الثلاثاء) تشكيل «الكتلة الوطنية من أجل الإصلاح والبناء»، لتصبح بذلك أول كتلة تضم أكثر من 30 نائباً في البرلمان من مجموع 151 نائباً، وهو ما يمثل نحو 19.8 في المائة من النواب. ويأتي هذا الإعلان، بعد المصادقة على النظام الداخلي للبرلمان المنبثق عمن انتخابات 2022 وما رافقها من جدل وقضايا خلافية، أبرزها اتهام أعضاء البرلمان بصياغة فصول قانونية تعزز مصالحهم الشخصية، وسعي برلمانيين لامتلاك الحصانة البرلمانية، لما تؤمِّنه لهم من صلاحيات، إضافة إلى الاستحواذ على صلاحيات مجلس الجهات والأقاليم (الغرفة النيابية الثانية)، وإسقاط صلاحية مراقبة العمل الحكومي. ومن المنت

المنجي السعيداني (تونس)
العالم العربي مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

مصر تبدأ تحريكاً «تدريجياً» لأسعار سلع تموينية

بدأت مصر في مايو (أيار) الحالي، تحريكا «تدريجيا» لأسعار سلع تموينية، وهي سلع غذائية تدعمها الحكومة، وذلك بهدف توفير السلع وإتاحتها في السوق، والقضاء على الخلل السعري، في ظل ارتفاعات كبيرة في معدلات التضخم. وتُصرف هذه السلع ضمن مقررات شهرية للمستحقين من أصحاب البطاقات التموينية، بما يعادل القيمة المخصصة لهم من الدعم، وتبلغ قيمتها 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد مقيد بالبطاقة التموينية.

محمد عجم (القاهرة)
العالم العربي «الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

«الوطنية للنفط» في ليبيا تنفي «بشكل قاطع» دعمها أطراف الحرب السودانية

نفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «بشكل قاطع»، دعمها أياً من طرفي الحرب الدائرة في السودان، متوعدة بتحريك دعاوى قضائية محلياً ودولياً ضد من يروجون «أخباراً كاذبة»، وذلك بهدف «صون سمعتها». وأوضحت المؤسسة في بيان اليوم (الاثنين)، أنها «اطلعت على خبر نشره أحد النشطاء مفاده أن المؤسسة قد تتعرض لعقوبات دولية بسبب دعم أحد أطراف الصراع في دولة السودان الشقيقة عن طريق مصفاة السرير»، وقالت: إن هذا الخبر «عارٍ من الصحة». ونوهت المؤسسة بأن قدرة مصفاة «السرير» التكريرية «محدودة، ولا تتجاوز 10 آلاف برميل يومياً، ولا تكفي حتى الواحات المجاورة»، مؤكدة التزامها بـ«المعايير المهنية» في أداء عملها، وأن جُل ترك

جمال جوهر (القاهرة)
العالم العربي طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

طرفا الصراع في السودان يوافقان على تمديد الهدنة

أعلن كلّ من الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» تمديد أجل الهدنة الإنسانية في السودان لمدة 72 ساعة إضافية اعتباراً من منتصف هذه الليلة، وذلك بهدف فتح ممرات إنسانية وتسهيل حركة المواطنين والمقيمين. ولفت الجيش السوداني في بيان نشره على «فيسبوك» إلى أنه بناء على مساعي طلب الوساطة، «وافقت القوات المسلحة على تمديد الهدنة لمدة 72 ساعة، على أن تبدأ اعتباراً من انتهاء مدة الهدنة الحالية». وأضاف أن قوات الجيش «رصدت نوايا المتمردين بمحاولة الهجوم على بعض المواقع، إلا أننا نأمل أن يلتزم المتمردون بمتطلبات تنفيذ الهدنة، مع جاهزيتنا التامة للتعامل مع أي خروقات». من جهتها، أعلنت قوات «الدعم السريع» بقيادة م

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
العالم العربي «السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

«السفر عكس التيار»... سودانيون يعودون إلى الخرطوم رغم القتال

في وقت يسارع سودانيون لمغادرة بلادهم في اتجاه مصر وغيرها من الدول، وذلك بسبب الظروف الأمنية والمعيشية المتردية بالخرطوم مع استمرار الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع»، يغادر عدد من السودانيين مصر، عائدين إلى الخرطوم. ورغم تباين أسباب الرجوع بين أبناء السودان العائدين، فإنهم لم يظهروا أي قلق أو خوف من العودة في أجواء الحرب السودانية الدائرة حالياً. ومن هؤلاء أحمد التيجاني، صاحب الـ45 عاماً، والذي غادر القاهرة مساء السبت، ووصل إلى أسوان في تمام التاسعة صباحاً. جلس طويلاً على أحد المقاهي في موقف حافلات وادي كركر بأسوان (جنوب مصر)، منتظراً عودة بعض الحافلات المتوقفة إلى الخرطوم.


حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
TT

حصار حوثي لمنزل الشيخ الأحمر في صنعاء

عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)
عناصر حوثيون يحاصرون منزل الشيخ الأحمر في صنعاء (إكس)

تفرض الجماعة الحوثية منذ أيام حصاراً أمنياً على منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر، أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار داخل الأوساط القبلية والسياسية.

وأفادت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، بأن القيادي الحوثي يوسف المداني وجّه، قبل أيام، بفرض طوق أمني مُشدد حول منزل الأحمر، مع نشر مسلحين مُلثمين على متن مدرعات وعربات عسكرية في محيط الشوارع المؤدية إليه، وإقامة نقاط تفتيش لتقييد حركة الدخول والخروج.

وحسب المصادر، فقد شملت إجراءات الجماعة التدقيق في هويات الزائرين، ومنهم مشايخ من قبيلة حاشد وقبائل أخرى، ومنع بعضهم من الوصول إلى المنزل، فيما أرغمت زواراً آخرين على توقيع تعهدات بعدم مُعاودة زيارة الأحمر؛ في تصعيد لافت ضد شيوخ القبائل في مناطق قبضتها.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضح سكان مجاورون لمنزل الأحمر شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الحي شهد تعزيزات أمنية غير مُعتادة، الأمر الذي انعكس على الحركة اليومية وأثار مُخاوف كبيرة من تطور الموقف إلى اندلاع مواجهات قبلية، خصوصاً في ظل الاحتقان الشعبي المُتصاعد.

كما يخشى السكان من أن يؤدي ذلك التحرك الذي يصفونه بـ«الاستفزازي» إلى مزيد من الاحتقان القبلي، خصوصاً إذا طال أمد الحصار أو توسعت دائرة الاستهداف لتشمل شخصيات أخرى.

رسائل إخضاع

يُعد الشيخ حمير الأحمر من أبرز الوجاهات الاجتماعية في قبيلة حاشد، إحدى كبرى القبائل اليمنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السياسي. ويرى مراقبون أن استهداف شخصية قبلية بهذا الوزن قد يُنظر إليه على أنه رسالة سياسية تتجاوز الإطار الأمني المباشر.

وعبّر وجهاء قبليون من عمران وصنعاء وريفها لـ«الشرق الأوسط»، عن استيائهم الكبير من الإجراءات الحوثية المُتبعة، معتبرين أن التضييق المُستمر على الرموز القبلية يُشكل تجاوزاً للأعراف الاجتماعية المُتعارف عليها، ويُهدد بإثارة حساسيات واسعة في محيط القبائل الشمالية.

وأشاروا إلى أن استمرار مثل هذه الإجراءات يُعد «استفزازاً مباشراً» للأعراف القبلية المتجذرة في المجتمع اليمني، التي تجرّم محاصرة المنازل بمختلف أنواع الأسلحة أو انتهاك حرمتها.

الحوثيون يفرضون قبضة أمنية على السكان خشية أي انتفاضة ضدهم (إ.ب.أ)

كانت مصادر محلية قد أفادت بأن مسلحي الجماعة اختطفوا الشيخ القبلي جبران مجاهد أبو شوارب، أحد مشايخ حاشد في إحدى نقاط التفتيش شمال صنعاء خلال عودته من زيارة منزل الأحمر، واقتادوه إلى جهة غير معلومة دون معرفة الأسباب.

تواصُل الزيارات

على وقع الإجراءات الحوثية المُشددة، تتواصل في صنعاء زيارات عدد من شيوخ القبائل ووجهائها إلى منزل الشيخ حمير الأحمر، غير آبهين بالقيود التي تفرضها الجماعة في محيط المنزل منذ أيام.

ووفق مصادر قبلية، فإن شخصيات اجتماعية بارزة حرصت على الوصول إلى منزل الشيخ الأحمر، تعبيراً عن التضامن ورفض ما وصفوه بـ«انتهاك الأعراف القبلية» في ظل استمرار انتشار المسلحين وإقامة نقاط تفتيش حول المنطقة.

وأكدت المصادر أن الزيارات تتم وسط أجواء من التوتر، إلا أنها تعكس تمسك القبائل بموقفها الداعم والمؤيد للشيخ الأحمر.

وأشار مراقبون إلى أن هذه التحركات القبلية تحمل رسائل واضحة برفض سياسة التضييق ومحاصرة المنازل، معتبرين أن الأعراف القبلية في اليمن تضع حرمة خاصة للبيوت وتحظر استهدافها بأي شكل من الأشكال.

لقطة من كاميرا مراقبة تُظهر عرضاً عسكرياً حوثياً سابقاً أمام منزل الشيخ الأحمر (فيسبوك)

تأتي هذه التطورات في سياق علاقة مُتوترة بين الحوثيين وعدد من شيوخ ووجهاء القبائل، منذ اجتياحهم صنعاء ومدن أخرى، حيث سعت الجماعة إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ القبلي وإخضاع القيادات التقليدية لسلطتها.

كانت الجماعة الحوثية، وفي سياق أعمال الاستفزاز المُتكررة، قد نظمت في أغسطس (آب) من العام الفائت، عرضاً عسكرياً أمام البوابة الرئيسية لمنزل الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في صنعاء مع ترديد «الصرخة الخمينية».

Your Premium trial has ended


تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.