فرنسا توجه رسائل داخلية وخارجية بضخامة عرض عيدها الوطني اليوم

جادة الشانزليزيه «مسرح العمليات» بمشاركة 6300 عسكري وعشرات المدرعات والطائرات

خيالة وجنود في الشانزليزيه أثناء عرض سابق (رويترز)
خيالة وجنود في الشانزليزيه أثناء عرض سابق (رويترز)
TT

فرنسا توجه رسائل داخلية وخارجية بضخامة عرض عيدها الوطني اليوم

خيالة وجنود في الشانزليزيه أثناء عرض سابق (رويترز)
خيالة وجنود في الشانزليزيه أثناء عرض سابق (رويترز)

ككل عام في 14 يوليو (تموز) تحتفل فرنسا بعيدها الوطني الذي يخلد ذكرى ثورتها عام 1789 التي أطاحت الملكية وأرسلت لويس السادس عشر وزوجته كاترين إلى المقصلة المنصوبة في ما سمي لاحقا «ساحة الكونكورد» (الوئام) التي تتوسطها المسلة الفرعونية. وهذه المسلة التي تزن 230 طنا بارتفاع 23 مترا والتي طلي رأسها باللون الذهبي هي هدية من خديوي مصر إلى الملك لويس فيليب الأول عام 1836، أي بعد 36 عاما على رحيل الجنرال نابوليون بونابرت عن بلاد النيل. وفي هذه الساحة الأكبر في باريس وفي ظل مسلتها، نصبت المنصة الرسمية التي تضم رئيس الجمهورية وكبار رجالات الدولة الفرنسية ورؤساء البعثات الدبلوماسية والضيوف الرسميين. وأمامها، ستؤدي الوحدات المؤللة والراجلة التحية لرئيس الجمهورية وفوقها تمر المجموعة الجوية الاستعراضية المشكلة من تسع طائرات «ألفاجت» وهي ترسم بألوان دخانها العلم الفرنسي ثلاثي الألوان (أحمر، أبيض، وأزرق) وتليها وحدات من الطائرات الفرنسية المقاتلة العاملة في إطار القوات الجوية والبحرية الفرنسية وذلك في خط مستقيم انطلاقا من «القوس» الأبيض في منطقة «لا ديفانس» مرورا فوق قوس النصر ووصولا إلى ساحة الكونكورد.
ووفق الدستور الفرنسي، فإن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة والجهة التي تضغط على الزر النووي، كما أن الدستور يعطيه حق رسم السياستين الخارجية والدفاعية اللتين تعمل الحكومة على وضعهما موضع التنفيذ.
ويعد تحليق الطائرات نقطة الانطلاق للعرض العسكري الذي تستضيفه جادة الشانزليزيه التي يعتبرها الفرنسيون «أجمل جادة في العالم» وذلك منذ عام 1980. ويجذب الحدث، عاما بعد عام، آلاف السياح وعشرات الآلاف من الفرنسيين والجميع يتحلقون على جانبي الجادة للتمتع بهذا العرض الذي لا مثيل له في أي من بلدان أوروبا الغربية. ومنذ أسبوع، نصبت الحواجز المعدنية لاحتواء المشاهدين ومنعهم من الاقتراب من وسط الجادة كما عمدت المخابرات الداخلية إلى مراجعة جميع الإجراءات الأمنية لحماية رئيس الجمهورية الذي ينزل الجادة في سيارة عسكرية، وإلى جانبه قائد موقع باريس العسكري. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأسبق جاك شيراك تعرض لمحاولة اغتيال قام بها شخص بإطلاق النار من بندقية خبأها داخل ثيابه. إلا أن شيراك لم يصب بأذى. وحوكم الجاني لاحقا وأودع السجن.
تبين بعض الأرقام ضخامة العرض الذي دعا إليه الرئيس إيمانويل ماكرون في عام 2018، الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وأعجب الأخير بما شاهده إلى حد قوله علنا أنه سيطلب من وزير دفاعه تحضير عرض مماثل في العاصمة واشنطن، بمناسبة العيد الوطني الأميركي.
ويحصل العرض وسط إجراءات أمنية مشددة في محيط الدائرة الثامنة حيث تقع جادة الشانزليزيه، وفي مختلف دوائر العاصمة.
بيد أن ما يميز العرض هذا العام هو الإطار السياسي الداخلي والجيو ــ سياسي الخارجي.
فداخليا، خرجت فرنسا من حملتين انتخابيتين متلاحقتين (رئاسية وتشريعية) الأولى خرج منها الرئيس ماكرون منتصرا، لكن كتلته السياسية لم تفز بالأكثرية المطلقة في البرلمان، ما يجعله وحكومته في وضع ضعيف بالنظر لما كسبته المعارضة اليسارية واليمينية، خصوصا المتشددة والمتطرفة منها. لكن هامش المناورة في المجالين الخاصين بالرئاسة لن يتأثرا بشكل مباشر. بالمقابل، لم يعد ماكرون الآمر الناهي في البرلمان كما كان حاله خلال عهده الأول «2017 ــ 2022» حيث كان حزبه (الجمهورية إلى الأمام) في أكثرية ساحقة مكنته من استصدار القوانين التي أرادها من غير عناء. بيد أن التطور الأهم يتناول الوضع الجيوسياسي وعنوانه الحرب الروسية على أوكرانيا التي بدأت في 24 فبراير(شباط) الماضي وما رافقها من تبعات إن على صعيد الاتحاد الأوروبي أو على صعيد الحلف الأطلسي. وفي الحالتين، كانت لها انعكاسات اقتصادية ومالية واجتماعية على فرنسا كما على غيرها من أعضاء التنظيمين. وانعكس ذلك مباشرة على العرض العسكري حيث قالت مصادر قصر الإليزيه، في معرض تقديمها للمناسبة إن العرض العسكري «يتأثر بطبيعة الحال بالوضع الاستراتيجي» الذي يطبعه حصول الحرب على الأراضي الأوروبية. وتعتبر فرنسا نفسها، كما بقية أعضاء الحلف والاتحاد معنية بها إن عن طريق العقوبات الاقتصادية والمالية التي تفرضها مع الاتحاد على موسكو أو من خلال المساعدات متعددة الأشكال المقدمة إلى أوكرانيا.
أما عسكريا، فإن الأسلحة التي قدمتها باريس وأهمها على الإطلاق منظومات مدفعية من طراز «قيصر» هي أفضل ما يمتلكه الجيش الفرنسي، وتساهم باريس بقوة مشاة في رومانيا في إطار «عملية النسر» الأطلسية التي تقودها، وجوية في دول البلطيق وتحديدا في أستونيا فضلا عن مشاركة طائراتها في حماية أجواء دول الجناح الشرقي للحلف الأطلسي. وللتدليل على ذلك بشكل ملموس، فإن أعلام ثماني دول أوروبية ستكون اليوم في مقدمة العرض وهي: أستونيا، ليتوانيا، لاتفيا، سلوفاكيا، المجر، تشيكيا، بلغاريا ورومانيا، وعناصر من هذه الدول ستشارك في العرض. كذلك، فإن طائرتي «رافال» يونانيتين، هما جزء من صفقة سابقة أبرمت مع أثينا، ستكونان جزءا من العرض الجوي. وبالتوازي، فإن أربع طائرات نقل عسكرية من طراز «إي 400 إم» تابعة لألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا ستشارك بدورها في الاحتفال، ما يدل على رغبة فرنسية لإبراز البعد الأوروبي والتضامن بين أطراف الاتحاد.
وقالت مصادر الإليزيه، بهذا الخصوص، إن العرض يدل على «التضامن الاستراتيجي بين أعضاء التحالف ويبين أن فرنسا ليست دولة معزولة».
في المحصلة، فإن 6300 جندي سيشاركون بينهم 4925 من المشاة، والآخرون ينتمون إلى الأسلحة الأخرى المختلفة (جو، بحر، درك، مدارس حربية...). يضاف إليهم 120 عربة مصفحة بينها عربة «جاغوار» الجديدة التي تعرض لأول مرة و61 دراجة نارية. وجويا، وفق وزارة الدفاع، تسساهم 25 طوافة من جميع الأنواع والمهمات و64 طائرة قتالية مع طائرات التزويد بالوقود جوا وطائرات الرادار. والجديد هذا العام أنه سيشهد للمرة الأولى مشاركة مسيرة (درون) من طراز «ريبير» الذي تصنعه مجموعة «جنرال أتوميكس» الأميركية ويراد منه إبراز الدور الذي تقوم به فرنسا في محاربة الإرهاب في منطقة الساحل حيث يتم الاعتماد أكثر فأكثر على المسيرات للمراقبة والاستهداف.
ومنذ أمس بدأ وصول السيارات المدرعة إلى محيط قوس النصر الذي هو نقطة انطلاق العرض الذي اتخذ «تشارك الشعلة» شعارا له لهذا العام. والمدهش أن وزارة الدفاع لم تلحظ أي مشاركة وإنْ رمزية للقوات المسلحة الأوكرانية الأمر الذي يبقى عصيا على الفهم. وأحد التفسيرات المقدمة أن التنظيم اكتمل قبل بدء الحرب أواخر شهر فبراير الماضي. كذلك، فإن فنلنده والسويد اللتين قبت عضويتهما في الحلف الأطلسي لن يكون لهما ممثلين في العرض. وفي أي حال، فإن العرض هو احتفال واحتفاء فرنسا بجيشها تكريما للمهمات التي يقوم بها خارج الحدود. من هنا، فإن عناصر منها ستكون حاضرة في العرض الذي يبدأ بحدود الساعة التاسعة وينتهي ظهرا.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...