فضيحة «أوبر» تصيب بشظاياها الرئيس الفرنسي

ماكرون يرد على منتقديه: فخور بما فعلت ومستعد لمعاودته مرة ثانية

خلال احتجاج لسائقي أجرة فرنسيين ضد ما وصفوه بمنافسة غير شريفة من قبل «أوبر» في 26 يونيو 2015 (أ.ف.ب)
خلال احتجاج لسائقي أجرة فرنسيين ضد ما وصفوه بمنافسة غير شريفة من قبل «أوبر» في 26 يونيو 2015 (أ.ف.ب)
TT

فضيحة «أوبر» تصيب بشظاياها الرئيس الفرنسي

خلال احتجاج لسائقي أجرة فرنسيين ضد ما وصفوه بمنافسة غير شريفة من قبل «أوبر» في 26 يونيو 2015 (أ.ف.ب)
خلال احتجاج لسائقي أجرة فرنسيين ضد ما وصفوه بمنافسة غير شريفة من قبل «أوبر» في 26 يونيو 2015 (أ.ف.ب)

الشرارة انطلقت من تقرير نشرته أول من أمس الاثنين صحيفة «لوموند» الفرنسية المستقلة مع عنوان صادم يشير إلى «صفقة سرية» بين الرئيس إيمانويل ماكرون وشركة «أوبر» الأميركية العملاقة المتخصصة بنقل الأشخاص. ويستند التقرير إلى مراجعة آلاف المستندات الداخلية للمجموعة الأميركية اطلعت عليها الصحيفة الفرنسية مع أربعين وسيلة إعلامية أخرى مندرجة في إطار الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين.
في التقرير المطول فيض من التفاصيل حول اللقاءات والاتصالات التي أجراها كبار مسؤولي «أوبر» مع إيمانويل ماكرون شخصياً عندما كان وزيراً للاقتصاد في حكومة الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولند بين عامي 2014 و2016 ومع فريق عمله الوزاري.
لكن تجدر الإشارة إلى أن التقرير المذكور لا يبين «المقابل» الذي حصل عليه ماكرون الذي يتهمه التقرير بأنه تجاوز الخط الرسمي للحكومة في هذا المجال.
ونقلت الصحيفة المذكورة عن الوثائق الداخلية للشركة الأميركية أن العديد من الاجتماعات عقدت في مكتب ماكرون في المجمع الحكومي الاقتصادي المسمى «بيرسي» الواقع شرق باريس، وأن التواصل بين الطرفين استمر عبر الكثير من الوسائل. والحجة الرئيسية للتقرير أن ماكرون قدم المساعدة لـ«أوبر» لتعزيز موقفها في السوق الفرنسية، علماً بأن كثيرين يرون أن «أوبر» التي جاء كبار مسؤوليها إلى باريس كانت تسعى للعثور على الوسائل من أجل الالتفاف على القوانين الفرنسية التي كانت تراها متشددة.
وكان وصول «أوبر» إلى سوق النقل في فرنسا في عام 2011 قد أثار موجة من الاحتجاجات لدى سائقي سيارات الأجرة الذين وجدوا فيها منافساً غير شرعي. وتسببت الحركة الاجتماعية باختناقات للسير في المدن الكبرى وباحتجاجات ومظاهرات سيارة متنقلة.
والمأخذ الرئيسي على «أوبر» أن القانون لا يفرض القيود نفسها التي يفرضها على سائقي سيارات الأجرة بل كان يفسح المجال، بداية، لأي شخص كان أن يتحول إلى «سائق سيارة سياحية» من غير الحصول على إذن رسمي من وزارة النقل ومن غير تأهيل.
وكان وزير الدولة للتجارة الخارجية والترويج السياحي توماس تيفنو في الحكومة عينها قدم مشروع قرار وافق عليه البرلمان عام 2014 يضع إطاراً قانونياً متشدداً بعض الشيء للعاملين في شركة «أوبر». والحال أن تدخل الوزير ماكرون جاء بعد أن أصبح القانون نافذاً ما يفهم أنه التفاف عليه. وقال تيفنو أمس إن ماكرون «بقي المحاور المفضل» لـ«أوبر» وإنه «سعى دوماً لفرش السجاد الأحمر تحت أقدام» الشركة الأميركية. ويذهب الوزير السابق أبعد من ذلك عندما يتساءل عن الدور الذي لعبته رئيسة الحكومة الحالية إليزابيث بورن عندما كانت وزيرة المواصلات ولاحقاً وزيرة العمل في الحكومة نفسها. ويؤخذ عليها تساهلها مع «أوبر» إذ إنها لم تفرض عليها أن توفر لسائقي «أوبر» حقوقهم الاجتماعية بحيث لا يبقون «رهائن» للشركة الأميركية العملاقة. وخلاصة الاتهامات أن ماكرون كان اللولب الأقوى في «اللوبي» الداعم لـ«أوبر» الأمر الذي مكنها من التجذر في السوق الفرنسية، لا بل إنه ساعدها رغم أنها كانت ملاحقة مالياً (لعدم دفع الضرائب) وقضائياً (لمخالفتها القوانين الفرنسية).

- منتدى «خيار فرنسا»
وتأتي إثارة هذا الملف في وقت بالغ السوء بالنسبة للرئيس ماكرون الذي شارك أول من أمس في قصر فرساي التاريخي في النسخة الخامسة لمنتدى «خيار فرنسا» الذي أطلقه في عام 2018 وهدفه جذب الاستثمارات الأجنبية.
واللافت في هذه النسخة الخامسة الحضور القوي للصناديق السيادية العربية، إذ شاركت فيه الصناديق العائدة للمملكة السعودية والإمارات والكويت وقطر.
وبالنظر للأهمية التي تعلقها السلطات الفرنسية على هذا الحدث، فإن ما لا يقل عن عشرين وزيراً كانوا حاضرين للرد على كافة التساؤلات التي طرحها المستثمرون القدامى والجدد.
وبحسب الإليزيه، فإن 180 رئيس شركة عالمية أجنبية تواجدوا في فرساي بحيث إن عددهم تخطى ما كان عليه في الأعوام السابقة حيث تراوح ما بين 120 و130 مدعواً.
وخلال المنتدى، تم الإعلان عن 14 مشروعاً استثمارياً جديداً بقيمة إجمالية تصل إلى 6.7 مليار يورو. ويقدر أنها ستوفر ما لا يقل عن 14 ألف فرصة عمل جديدة.
ليس سراً أن ماكرون ينتهج خطاً ليبرالياً وأنه من أنصار العولمة. وبمواجهة الهجمة التي قامت بها المعارضة اليسارية عليه، سعى قصر الإليزيه إلى سحب فتيل التصعيد مشيراً إلى أن ما قام به يدخل في صلب مهماته كوزير للاقتصاد وأنه كان على تواصل مع «كثير من الشركات المشاركة في التحول العميق الذي حصل على مدى تلك السنوات المذكورة في قطاع الخدمات و(هو تحول) كان لا بُد من تسهيله عبر التغلب على العوائق الإدارية والتنظيمية». وقال الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولند أمس إن الإليزيه «لم يكن على علم بأي صفقة» من غير أن يستبعد وجودها على مستويات أخرى.

- معارضة عنيفة ضد ماكرون
وجدت المعارضة خصوصاً اليسارية منها في «الفضيحة» فرصة لاستهداف ماكرون بعنف بالغ. وجاء الهجوم الأعنف من المجموعة البرلمانية لحزب «فرنسا المتمردة» الذي يقوده المرشح الرئاسي السابق جان لوك ميلونشون، والتي رأت أن ما حصل يعد «فضيحة دولة».
وطالبت رئيسة مجموعته البرلمانية ماتيلد بانو، بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية، معتبرة أن ما قام به ماكرون «هو مساهمة في عملية نهب للبلاد».
وقال النائب عن الحزب باستيان لاشو إن ماكرون لعب دور «المسهل لرأس المال وأسهم في خدمة مصالح المحتالين على حساب مصالح الشعب». ودعا زميله ألكسيس كوربيير إلى «إلقاء كامل الضوء» على وضع «بالغ الخطورة».
أما الأمين لعام للحزب الشيوعي فابيان روسيل فاتهمه بمد يد العون لـ«أوبر» ضارباً عرض الحائط «قواعدنا وحقوقنا الاجتماعية وحقوق عمالنا»، وبالترويج لـ«النموذج الأميركي»، كما أنه «اختار دوماً الوقوف إلى جانب عالم الأعمال والشركات متعددة الجنسيات بدل توفير الحماية للفرنسيين ولعالم العمل».
وقال رئيس المجموعة الاشتراكية في مجلس الشيوخ، باتريك كانر، إن ماكرون برز كـ«عميل رئيسي للوبي» المروج لـ«أوبر».
وذهب النائب عن حزب «الخضر» جوليان بايو إلى اتهام ماكرون بأنه «أوصل مجموعات اللوبي إلى قلب السلطة» في فرنسا.
أما رئيس حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف جوردان بارديلا فرأى أن ما تم الكشف عنه يبين أن مسيرة ماكرون هدفها «خدمة المصالح الخاصة، الأجنبية منها في كثير من الأحيان، قبل المصالح الوطنية». وبالمقابل، فإن حزب «الجمهوريون» اليميني المعتدل بقي صوته خافتاً، فيما دافع وزير الاقتصاد برونو لو مير عن ماكرون معتبراً أنه قام بما كان عليه القيام به لمصلحة الاقتصاد الفرنسي.

- وماكرون يرد
وأمس، جاء الرد على لسان ماكرون نفسه بمناسبة تدشين موقع إنتاج المكونات الإلكترونية «إس تي إم إلكترونيكس» لشركة فرنسية - إيطالية في بلدة «كرول» الواقعة في منطقة «إيزير» الواقعة جنوب شرقي فرنسا، مؤكداً أنه «فخور للغاية» بما تحقق وأنه «مستعد لمعاودة الكرة غداً وبعد غد» شرط أن تفضي إلى إيجاد فرص عمل جديدة.
كذلك رد ماكرون على انتقادات المعارضة بقوله إنه «غير آبه» بما تقوم به، وإنه اعتاد على الانتقادات منذ خمس سنوات ونصف السنة. واعتبر أن ما حصل أنه «قام بعمله كوزير» وأنه «يتبنى» ما قام به تماماً، مشيراً إلى أنه بادر منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية إلى تأطير عمل المنصات والشركات الرقمية الأجنبية على المستوى الفرنسي وعمل داخل الاتحاد الأوروبي للغرض نفسه.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
TT

السيطرة على النفط الفنزويلي نقلة استراتيجية لقطع الطريق على الصين

ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)
ناقلة نفط في بحيرة ماراكايبو الفنزويلية المتصلة بالبحر الكاريبي (إ.ب.أ)

أثارت العملية العسكرية الأميركية الخاطفة في فنزويلا التي حملت اسم «العزم المطلق» واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته تساؤلات حول جدوى الضوابط التي يفرضها القانون الدولي ومعايير السيادة وشروط استخدام القوة.

سقط كل شيء أمام أولوية المصالح ومتطلبات بسط النفوذ. وهذا ما يجعل مسألة غرينلاند، وربما لاحقاً كندا، وغيرها، جدية وملحّة. والحال أن ما حصل هو بمثابة جرس إنذار يوقظ العالم على واقع أن الاستقرار هو الاستثناء والاضطراب هو القاعدة. وبالتالي لا يمكن إلا التسليم بفشل الأمم المتحدة في تحقيق السلام الدائم وإرساء أسس التعاون بين الدول.

والحقيقة أن العالم لم يعرف السلام الشامل منذ الحرب العالمية الثانية التي أمل البشر أن تكون آخر الحروب، فمن الحرب الباردة إلى الحرب الكورية والحرب الفيتنامية، مروراً بحروب الشرق الأوسط وصراع البوسنة وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية وسوى ذلك، تواصلت النزاعات ولعبة الشطرنج التي تقودها وتخوضها القوى الكبرى مباشرة أو بالواسطة، لتقتطع المزيد من «كعكة» الثروات وتوسّع رقعة النفوذ.

من منظار الواقع المرّ هذا، قيل الكثير عن مطامع نفطية تقف وراء كل المشكلات التي شهدتها فنزويلا، مالكة أكبر احتياط نفطي في العالم (303 مليارات برميل وفق تقديرات صدرت عام 2023، تبلغ قيمتها 17 تريليون دولار على الأقل). وهذا صحيح طبعاً، لأن الولايات المتحدة التي تعود بقوة إلى «مبدأ مونرو» بصيغة «دونرو» التي ابتكرها الرئيس دونالد ترمب، لن تقبل أن يكون في «حديقتها الخلفية» دولة تملك هذه الثروة الهائلة، فيما الاحتياط النفطي الأميركي يقل بنحو 6 مرات عن نظيره الفنزويلي.

هذا صحيح، لكن وراء الأكمة ما وراءها، فالرؤية الاستراتيجية أبعد من وضع اليد على ما أمكن من نصف الكرة الأرضية الغربي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في بكين يوم 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

طموحات ومخططات

لم يكن الرئيس دونالد ترمب موارباً أو دبلوماسياً عندما اجتمع في البيت الأبيض مع أركان الصناعة النفطية الأميركية، فتحدث بصراحة عن إدارة فنزويلا والاستثمار في نفطها ليعيد إلى أميركا «ما سُلب منها»، وتوظيف 100 مليار دولار في الذهب الأسود الفنزويلي ليزدهر قطاع الطاقة مجدداً بعد إزاحة مادورو ونقل فنزويلا من لجج البحر الهائج إلى شاطئ الأمان، وفق تعابيره.

إلا أن الأهم فيما قاله يوم الجمعة في التاسع من يناير (كانون الثاني) 2026 هو إفصاحه عن إبلاغ الصين وروسيا بـ«أننا لا نريدكم في فنزويلا»، أي لا تقتربوا من دائرة نفوذنا ومجالنا الحيوي.

ولنتذكر هنا ما حصل في 1961 و1962 في كوبا، وما أعقب عملية خليج الخنازير الأميركية الفاشلة من تقرب هافانا أكثر من الاتحاد السوفياتي وأزمة الصواريخ التي كادت تشعل حرباً عالمية نووية.

قبل سنوات من ذلك، أطاح انقلاب عسكري في غواتيمالا في عام 1954 حكم الرئيس المنتخب ديمقراطياً جاكوبو أربينز الذي أجرى إصلاحات زراعية هددت مصالح شركة «يونايتد فروت» (UFCO) الزراعية الأميركية.

في أيام الرئيس ريتشارد نيكسون، مارست واشنطن ضغوطاً اقتصادية هائلة على الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلفادور أليندي، وصولاً إلى انقلاب عسكري ضده (1973) انتهى بمحاصرته في القصر الرئاسي حيث آثر الانتحار على الاستسلام. وقبعت البلاد بعد ذلك 17 سنة تحت حكم الجنرال أوغستينو بينوشيه.

يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1983، تدخلت القوات العسكرية الأميركية، بمساعدة عدد من الحلفاء في منطقة البحر الكاريبي، في جزيرة غرينادا. وقد أُطلقت عملية «الغضب العاجل» لحماية أرواح الطلاب الأميركيين هناك، وإعادة الحكم الديمقراطي، والقضاء على النفوذ الكوبي في الجزيرة.

ليس الهدف من تعداد هذا الوقائع إصدار أحكام، بل التأكيد أن القوى الكبرى دأبت على التصرف بهذه الطريقة لإزالة أي تهديد لأمنها ومصالحها. وكتب التاريخ، قديمه وحديثه، مليئة بالشواهد على ذلك.

لذلك لم يكن وارداً بعد كل الضغط الذي مورس منذ عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز أن تترك أميركا فنزويلا وشأنها، خصوصاً أن الدولة اللاتينية كانت توثق علاقاتها أكثر فأكثر مع الصين وروسيا.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماعه مع مسؤولين في شركات نفط أميركية يوم الجمعة 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

الخسائر الصينية

بيت القصيد هنا.

روسيا متضرر «جانبي». ويبدو أن بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب تفاهمات عدة تبدّت في سوريا وأوكرانيا وحتماً في بقاع أخرى من العالم.

أما الصين فمسألة أخرى.

بلغة الأرقام، وهي الأصدق في قاموس الحسابات الجيوسياسية والجيواقتصادية، تُعد الصين أكبر مشترٍ للنفط الخام الفنزويلي، باستيراد نحو 82 في المائة من صادراتها النفطية (ما يعادل 778 ألف برميل يومياً) حتى أواخر عام 2025. وبالتالي تهدد السيطرة الأميركية سلاسل التوريد لمصافي التكرير الصينية التي تمدّ الصناعة بما تحتاج إليه من طاقة.

ولئن طمأن ترمب الصين بقوله بعد الاجتماع النفطي في البيت الأبيض أن في استطاعتها شراء النفط مباشرة من بلاده أو من فنزويلا، أي من الشركات الأميركية التي ستعمل هناك، فإن الصين ستفقد حتماً المعاملة التفضيلية التي كانت تخصها بها كراكاس من حيث خفض سعر البرميل، بالإضافة إلى أن بذمة الأخيرة نحو 19 مليار دولار من القروض الصينية التي كانت تُسددها عبر برامج «النفط مقابل الائتمان». ومع سيطرة الولايات المتحدة فعلياً على تدفقات النفط الفنزويلي، تواجه الصين احتمال عدم الوفاء بهذه الديون.

إضافة إلى ذلك، استثمرت الصين في فنزويلا مليارات الدولارات على مدى ربع قرن، وتملكت عبر شركاتها الحكومية حصصاً كبيرة في حقول النفط الفنزويلية، فماذا سيكون مصير الاستثمارات الآن؟

أبعد من ذلك، تملك الصين مصالح في عدد من دول أميركا اللاتينية، فهي تستورد الليثيوم من الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، وهو المعدن الضروري بل الحيوي لصناعة السيارات الكهربائية التي يسيطر عليها العملاق الأصفر على مستوى العالم.

وستقلق بكين حتماً من السياسة الهجومية للإدارة الأميركية التي لن تنظر بعين الرضا إلى وجود الصين في البيرو، أيضاً على سبيل المثال لا الحصر، بعد افتتاح ميناء شانكاي الضخم عام 2024، ليكون محوراً تجارياً يربط آسيا بأميركا اللاتينية، ويعزز نفوذ الصين في المنطقة، ويدعم اقتصاد البيرو خصوصاً في تصدير المعادن والمنتوجات الزراعية.

ما الرد الصيني المحتمل؟

كيف سيرد الرئيس الصيني شي جينبينغ الذي كان قد رفع أخيراً مستوى العلاقات مع مادورو إلى «شراكة استراتيجية شاملة»؟ وماذا إذا حوصرت الصناعة الصينية أكثر بفقدانها النفط الإيراني الذي تستورده بسعر أدنى من سعر السوق؟ وماذا سيحصل إذا قررت الإدارة الأميركية شطب الـ 800 مليار دولار التي تدين بها للصين في شكل سندات خزينة؟

وكيف ستتعامل بكين مع التحديات التي تواجهها في محيطها المباشر (مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي) والأبعد (المحيط الهادئ وطرق التجارة البحرية الحيوية)؟

سيارات كهربائية صينية من طراز BYD معدّة للشحن إلى البرازيل من مرفأ سوجو في مقاطعة جيانغسو (أ.ف.ب)

قال شي جينبينغ في 6 يناير خلال اجتماع مع رئيس الوزراء الآيرلندي، مايكل مارتن: «الأعمال الأحادية والتنمر يلحقان ضربة خطيرة بالنظام الدولي».

لا يستبعد بعض الخبراء والمحللين أن تبادر الصين بالرد عبر تأمين محيطها المباشر بإنهاء مسألة تايوان. ومعلوم أن بكين تُظهر على نحوٍ متزايد أنها لم تعد راضية بالحفاظ على الوضع القائم. فقد حوّلت تركيز سياستها تجاه تايوان من الاكتفاء بمعارضة الاستقلال إلى السعي الحثيث لتحقيق الوحدة. والصين لا ترى أن الخيار العسكري لـ«استعادة» تايوان هو انتهاك للقانون الدولي، بما أنها تعتبر تايوان شأناً داخلياً. وقد تقنع العملية الأميركية في فنزويلا القيادة الصينية بأن أي تحرك عسكري ضد تايوان سيكون أكثر قابلية للتبرير مما حصل في كراكاس.

خلاصة القول، إن ما حصل في فنزويلا لا ينحصر في الاستحواذ على نفطها، فالهدف الاستراتيجي الأكبر هو قطع الطريق على الصين، تماماً مثل الغاية من مشروع ضم غرينلاند إلى نجوم العلم الأميركي (باللين أو الشدة)، فهنا المقصود إقفال «المدخل الغربي» إلى القطب الشمالي ذي الأهمية الحيوية قطعاً للطريق على الصين وروسيا.

نقل الأحجار على رقعة الشطرنج العالمية يتسارع وخلط الأوراق لم يعد يميّز بين حليف وصديق وخصم، والمنطق المؤسف يقول إن ثمة صداماً سيحصل في نهاية المطاف.


إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

إعلان حالة «الكارثة» في جنوب شرق أستراليا بعد حرائق غابات

منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)
منزل دمّرته الحرائق في بلدة هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

أعلنت استراليا، اليوم السبت، حالة الكارثة في جنوب شرق البلاد بسبب حرائق حرجية أتت على منازل ومساحات شاسعة من الغابات في مناطق ريفية.

وشهدت ولاية فيكتوريا (عاصمتها ملبورن) موجة حر شديدة، وتجاوزت الحرارة 40 درجة مئوية، وساهمت رياح في إيجاد ظروف مؤاتية لاندلاع حرائق غابات كما حدث خلال "الصيف الأسود" أواخر العام 2019 ومطلع العام 2020 في المنطقة نفسها.

وأتى أحد أشد حرائق الغابات فتكا على نحو 150 ألف هكتار قرب بلدة لونغوود، وهي منطقة تغطيها غابات أصلية.

وتمنح حالة الكارثة التي أعلنتها رئيسة وزراء ولاية فيكتوريا جاسينتا آلن السبت، فرق الإطفاء صلاحيات تنفيذ عمليات إجلاء طارئة.

ولفتت آلن إلى أن الهدف هو «حماية أرواح سكان فيكتوريا... هذا يبعث برسالة واضحة: إذا طُلبت منكم المغادرة، فغادروا!».

مروحية تلقي الماء على غابة تلتهمها النيران في هاركورت بولاية فيكتوريا الأسترالية (إ.ب.أ)

وأعلنت آلن العثور على ثلاثة أشخاص، بينهم طفل، كانوا مفقودين جراء أحد أعنف حرائق الولاية.

وقال مدير حالات الطوارئ في ولاية فيكتوريا تيم ويبوش إن 130 منشأة على الأقل بينها منازل وأكواخ ومبان أخرى دمرت في الولاية. وأفاد بأن 10 حرائق كبيرة ما زالت مشتعلة، والعديد منها قد يستمر "أياماً، أو حتى أسابيع".

وانحصرت أسوأ الحرائق حتى الآن في مناطق ريفية قليلة السكان، لا يتجاوز عدد المقيمين فيها بضع مئات. وتم حشد مئات من عناصر الإطفاء من مختلف أنحاء البلاد لمكافحة الحرائق.

وأفاد باحثون بأن الاحترار المناخي في أستراليا ارتفع بمعدل 1,51 درجة مئوية منذ عام 1910، الأمر الذس يُؤجج أنماط الطقس المتطرفة التي تزداد تواترا على اليابسة وفي البحر.


تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

تقرير: تأجيل قمة «جي 7» بسبب إقامة مباريات فنون قتالية احتفالاً بعيد ميلاد ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلنت فرنسا تأجيل قمة مجموعة السبع «جي 7»، هذا العام؛ لتجنب تعارضها مع المباراة النهائية للفنون القتالية المختلطة «يو إف سي»، المقرر إقامتها في البيت الأبيض في 14 يونيو (حزيران) المقبل، للاحتفال بعيد ميلاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثمانين، وفقاً لتقرير مجلة «بوليتيكو» الإخبارية، اليوم الجمعة.

ونقلت «بوليتيكو» تقريرها عن مسؤولين مطّلعين ببرنامج قمة «جي 7»، مضيفة أن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن التأجيل الذي سيكون ليوم واحد جاء بعد «مشاورات مع الشركاء في مجموعة السبع».

يشار إلى أن الرابع عشر من يونيو هو أيضاً يوم العلم في الولايات المتحدة.

ووفق «وكالة الأنباء الألمانية»، كانت باريس قد أعلنت سابقاً أن اجتماع قادة الاقتصادات الديمقراطية الرائدة، هذا العام، سيُعقد في الفترة من 14 إلى 16 يونيو، في إيفيان-ليه-بان، على الضفة الفرنسية الجنوبية لبحيرة جنيف.