فيليب سوليرز «يحتقر» الكثير من كتّاب باريس الذين لا يتمتعون بموهبة حقيقية

مذكراته تمتلئ بالثرثرات الممتعة عن مشاهير الأدب... قديمهم وحديثهم

فيليب سوليرز
فيليب سوليرز
TT

فيليب سوليرز «يحتقر» الكثير من كتّاب باريس الذين لا يتمتعون بموهبة حقيقية

فيليب سوليرز
فيليب سوليرز

لم ينتظر الكاتب الشهير فيليب سوليرز بلوغ الثمانين لكي يكتب مذكراته وإنما كتبها بعد السبعين مباشرة بعنوان «رواية حقيقية. مذكرات». إنها رواية بالفعل ولكنها ليست متخيلة، وإنما واقعية لأنه يروي فيها قصة حياته بكل ما فيها وما عليها. الشيء الممتع فيها هو حديثه عن لقاءاته بكبار أدباء فرنسا عندما كان لا يزال غراً صغيراً يبحث عن النجاح والشهرة ولم يصل بعد. كان مبهوراً بالشعراء والروائيين والمفكرين المشاهير في بداية حياته الأدبية. ومن منا لم يكن مبهوراً بمشاهير المثقفين العرب والفرنسيين يوماً ما؟ كان فيليب سوليرز، ولا يزال، من «عبيد الشعر» كما تقول العرب. بمعنى أن الأدب شعراً ونثراً ديدنه ومعبوده. ولكنه لم يكن مقلاً على عكسهم وإنما كان مكثراً، بل ومكثراً جداً. ينبغي الاعتراف بأنه متفرغ كلياً للأدب منذ وصوله إلى باريس وهو في العشرين من عمره. لقد وصل إلى العاصمة قادماً من بوردو مدينة مونتسكيو الشهيرة بعنبها وخمرها المعتق. ولحسن حظه، فقد كان من أسرة صناعية بورجوازية غنية. وبالتالي، فلم يكن في حاجة إلى البحث عن مهنة لكسب رزقه أو عيشه. أعتقد أن فيليب سوليرز عاش أسعد حياة على وجه الأرض. إنه ليس من الأدباء الملعونين أو المدانين أو المعذبين في الأرض على عكس بودلير وفرلين ورامبو مثلاً. وإنما من الأدباء السعداء الذين ولدوا وفي «فمهم ملعقة من ذهب» كما يقال في فرنسا. ولهذا السبب استطاع التفرغ للأدب كلياً. ولهذا السبب أنتج كل هذا الإنتاج الطويل العريض من روايات وكتابات ومقالات. من هذه الناحية فهو يشبه جان دورميسون الذي كان أرستقراطياً يعيش في القصور. كلاهما كان مولعاً بتاريخ الآداب الفرنسية، بل والأوروبية، بل والعالمية إلى أقصى حد ممكن. كلاهما كان ينسى نفسه وهو يتحدث عن غوته أو شاتوبريان أو تولستوي مثلاً. كلاهما كان يعبد الأدب عبادة. ولكن لا أعرف لماذا أتحدث عن فيليب سوليرز بضمير الغائب فهو لا يزال حياً يرزق على عكس دورميسون الذي غادر هذا العالم عام 2019. أما فيليب سوليرز فلا يزال شاباً في الخامسة والثمانية فقط! ولا يزال يكتب وينشر ويبدع.
على أي حال، فإن كتاباته ومذكراته تمتلئ بالثرثرات الممتعة جداً عن مشاهير الأدب قديمهم والحديث. وهذا الشيء هو ما يعجب القرّاء جداً فيه، ومن بينهم كاتب هذه السطور. إذا كنت تريد التعرف على تاريخ فرنسا الأدبي فما عليك إلا قراءتها، بل وحتى تاريخ أوروبا. ما رأيه بأندريه بريتون مثلاً؟ أو بلويس أراغون؟ أو برامبو؟ أو بنيتشه؟ أو بدانتي؟ أو بفرنسوا مورياك، إلخ... عندما قدم إلى العاصمة باريس من مدينته الأصلية بوردو كان يرغب بالطبع في مقابلة المشاهير؛ لأنه هو ذاته يحلم بأن يصبح يوماً ما أديباً مشهوراً. وقد أصبح. عندما التقى أراغون لأول مرة في أحد مقاهي العاصمة قال له الشاعر الكبير هذه العبارة «أهم شيء يا صغيري هو أن نعرف فيما إذا كنا نجذب النساء ولنا عشيقات. الباقي تفاصيل». عندما قال له أراغون هذه العبارة كان عمره 61 سنة وفيليب سوليرز 21 سنة. وكان أراغون رجلاً جميلاً جداً يعجب النساء وكذلك فيليب سوليرز الذي وصل حتماً إلى أجمل نساء البورجوازية الفرنسية... وبالتالي، فلا خوف عليهما من هذه الناحية ولا من يحزنون على عكس بعض كبار الأدباء القبيحين الآخرين كسارتر مثلاً. ولكن حتى سارتر كانت له عشيقات كثيرات لأن الشهرة والأضواء الساطعة تجذب السيدات إلى حد كبير. ومعلوم أن سارتر كان قد بلغ من الشهرة والمجد مبلغاً أسطورياً لم يحصل إلا لفولتير في القرن الثامن عشر وفيكتور هيغو في القرن التاسع عشر. ولكن سارتر لم يعجب سوليرز عندما استقبله في شقته الباريسية لمدة ساعتين متواصلتين. ويبدو أن عدم الإعجاب كان متبادلاً لأن سارتر قال في نهاية اللقاء «الأفضل أن نلتقي في الشارع عن طريق الصدفة!». المقصود شارع السان جرمان دوبري ومقهى الدوماغو أو الفلور، حيث يوجد عرين سارتر وسيمون دو بوفوار. أما أندريه بريتون الذي استقبله أيضاً مطولاً في شقته الباريسية فقد أعجبه أكثر بكثير من سارتر. بل ويقول عنه بأنه أهم شخص التقاه وأعجبه إلى مثل هذا الحد. ثم يتحدث سوليرز عن قراءاته قائلاً، لا يمكن لأي مثقف يحترم نفسه في باريس الخمسينات والستينات إلا وأن يهتم بالفلسفة والفلاسفة من أمثال: لايبنتز، وسبينوزا، وهوسيرل، وهيغل، وبالطبع السقوط في غرام نيتشه، وأيضاً تعميق العلاقة مع هيدغر.. ولكن هذا لا يعني نسيان الأدب والشعر. كل شيء بوقته. في الأدب مثله الأعلى كان بودلير وهذه العبارة التي بهرته وسحرته:
«من طبائعي الجميلة الاستمتاع بالحقد والكره إلى أقصى حد ممكن. بل ولا أبلغ ذروة السعادة والمجد إلا باحتقار عدد هائل من الكتاب والشعراء وصغار المثقفين. يضاف إلى ذلك أن إعجابي الشيطاني المفرط بالحماقة البلهاء يجعلني أستمتع كثيراً باغتياب الآخرين والنميمة عليهم». انتهى كلام بودلير الذي يتبناه فيليب سوليرز حرفياً. فهو أيضاً كان يحتقر الكثير من كتاب باريس ومثقفيها وشعرائها الذين لا يتمتعون بأي موهبة حقيقية. ولكنهم بارعون في إقامة شبكة من العلاقات العامة.

بمن يعجب فيليب سوليرز؟ بنيتشه، وهيدغر، وفولتير من بين آخرين عديدين. يقول عن هذا الأخير مثلاً ما فحواه: عندما أستيقظ كل صباح ماذا أفعل؟ أبتدئ نهاري بقراءة إحدى رسائل فولتير لكي أموت من الضحك والاستمتاع والانشراح. هل تعلمون بأن رسائل فولتير تشغل 13 مجلداً من منشورات «لابلياد» الشهيرة لدى «غاليمار»؟ أفتح اذن عن طريق الصدفة على إحداها الساعة السادسة والنصف صباحاً. إنها الرسالة رقم 14703. وهي موجهة إلى الفيلسوف ديدرو:
«يا صديقي العزيز:
على الرغم من كل شيء، فإن فلسفة الأنوار تكسب الأرضية يوماً بعد يوم ضد الأصولية الظلامية. ولكن ينبغي العلم أن أعداءنا اليسوعيين يمتلكون أسلحة لا نمتلكها نحن. فالماضي كله معهم والتراكمات التراثية ولكن المستقبل لنا يا صديقي. إنهم يمتلكون الهيبة الدينية والجلباب والقفطان والثروة والسيف وعامة الشعب الرعاع الذي يتبعهم كالقطيع. الشيء المؤلم يا عزيزي هو أن حزب الفلاسفة منقسم على نفسه وغير متوحد على عكس الأصوليين الذين يضطهدونهم والذين هم كالبنيان المرصوص... سمعت بأنك لا تعطي ثقتك في باريس إلا للأشخاص الذين تعرفهم عن كثب حق المعرفة. ومعك الحق؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة لكي تنجو من طعنات المتعصبين الغادرة.
أطال الله في عمرك يا سيدي. وأرجو أن تتمكن من توجيه ضربات مؤلمة لذلك الوحش الأصولي الذي لم أستطع حتى الآن إلا عض أذنيه فقط! إذا ما حصل وعدت إلى روسيا مجدداً فالرجاء أن تمر في طريقك عبوراً على قبري».
التوقيع: فولتير

كيف يمكن إلا أن تنتعش وتبتهج عندما تقرأ شخصاً عبقرياً مثل فولتير؟ كيف يمكن أن تمل من كاتب كهذا؟ عندما يقول: الماضي كله معهم ولكن المستقبل لنا تشعر بالفخر والاعتزاز، تشعر بجرعة من الأمل في عصر اليأس والإحباط. نحن المثقفون العرب نعيش الآن نفس حالة فولتير عندما كتب هذا الكلام قبل 250 سنة بالضبط.
هنا تكمن مسافة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب. هذا لا يعني أن الدين أو التدين سوف ينتهي وإنما يعني أن إسلام الأنوار سوف ينتصر على إسلام التعصب والظلمات. هذه هي معركة الساعة، بل وكل ساعة من الآن وحتى عشرين أو ثلاثين سنة مقبلة. هذه الرسالة كتبها زعيم الأنوار الفرنسية قبل موته بسنتين فقط ولا أعرف فيما إذا كان ديدرو قد مر على قبره لكي «يقرأ الفاتحة» على روحه أم لا. حتماً فعل لأنه كان يعتبره قائداً لحزب الفلاسفة الذي يخوض حرباً شعواء ضد حزب الأصوليين المسيحيين الجبار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre
TT

لوجاندر تبحث عن توجه جديد لـ«العالم العربي» في باريس

Anne-Claire Legendre
Anne-Claire Legendre

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي» في باريس، ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب.

تقول لوجاندر، التي تجيد العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «نأمل بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة». وتستطرد: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة (...) ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

الهدف الآخر الذي تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. وبنظرها، فإن «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة.


المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
TT

المخرج الفلسطيني أحمد الدنف: نوثّق حياة غزة بعيداً عن صورة الحرب

أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)
أحمد الدنف خلال التصوير (فيسبوك)

قال المصوّر والمخرج الفلسطيني أحمد الدنف إنّ فكرة فيلم «ضايل عنا عرض» بدأت مع مخرجته مي سعد، التي كانت تسعى في البداية إلى توثيق ما يحدث داخل غزة عبر تسجيلات صوتية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تتطوّر الفكرة لاحقاً إلى مشروع بصري، لافتاً إلى أنّ التعارف بينهما حصل عن طريق المصوّر محمد سالم، وكان نقطة تحوّل مع اقتراح تحويل المشروع إلى تصوير فيديو، ومن خلاله جرى التواصل مع عدد من المصوّرين داخل القطاع.

وأضاف الدنف، الذي لا يزال موجوداً داخل غزة، لـ«الشرق الأوسط»، أنه تلقّى الفكرة بشكل مباشر من مي سعد، التي كانت تتابع عمل فريق السيرك في القطاع، مشيراً إلى أنه شَعَر منذ اللحظة الأولى بأنّ المشروع مختلف وقريب من روحه؛ لأنه لا يركّز على الحرب بقدر ما يسلّط الضوء على الحياة داخل غزة.

وأكد أن ما جذبه للمشاركة هو صدق الفكرة وبساطتها؛ إذ يسعى الفيلم إلى الاقتراب من الناس وتفاصيلهم ومحاولاتهم المستمرة للتمسّك بالحياة، لينطلقوا في العمل على المشروع خطوة خطوة حتى خرج بالشكل الذي يُعبّر عنهم، ويحكي قصتهم.

المخرج والمصوّر الفلسطيني أحمد الدنف صوَّر غزة من زاوية أخرى (فيسبوك)

الفيلم، الذي حصد عدداً من الجوائز، وعُرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، صُوِّر في غزة عام 2024 خلال الحرب، ويتتبّع «سيرك غزة الحرّ» الذي أسّسته مجموعة من الشباب الفلسطينيين الذين رفضوا الاستسلام لليأس رغم الإبادة الجماعية التي يشهدها القطاع، وبين الملاجئ والشوارع المهدّمة وركام المباني المنهارة يواصلون تقديم عروضهم للأطفال، ويذهبون إليهم في كلّ مكان ليمنحوهم لحظات من الفرح والأمل في ظلّ قسوة الواقع الذي يعيشونه.

ووصف الدنف تجربته في العمل مع المخرجة مي سعد بأنها «مميّزة»، لكونها اعتمدت على الثقة والتفاهُم منذ البداية، مع تمتّعها بحسّ إنساني عالٍ، وحرصها على تقديم القصة بصدق من دون مبالغة أو استغلال، وهو ما عدَّه عنصراً مهماً، إلى جانب مساحة واسعة للنقاش وتبادل الأفكار، التي منحته حرّية كبيرة بكونه مصوّراً للعمل انطلاقاً من إحساسه وقربه من الواقع الذي يعيشه في غزة، في مقابل وضوح الرؤية الإخراجية لديها، الأمر الذي خلق توازناً بين الرؤية والتنفيذ.

وأكد أنّ التصوير داخل غزة يُمثّل تحدّياً مستمراً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستويين الإنساني والنفسي أيضاًح لأنهم عملوا في ظروف غير مستقرّة، من بينها انقطاع الكهرباء، وصعوبة التنقل، ووجود مخاطر أمنية في أيّ لحظة، إلى جانب محدودية الإمكانات التي شكّلت تحدّياً إضافياً، سواء على مستوى المعدات أو الموارد، ممّا فرض عليهم البحث الدائم عن حلول سريعة ومرنة لمواصلة العمل دون فقدان اللحظة.

المخرجة مي سعد خلال مناقشة الفيلم في مهرجان «مالمو» (حساب الدنف في «فيسبوك»)

ولفت إلى أنّ التحدّي الأكبر تمثّل في الحفاظ على التوازن بين توثيق الحقيقة واحترام مشاعر الناس، في ظلّ التعامل مع قصص حسّاسة، وهي تحدّيات يرى أنها منحت الفيلم قوته وصدقه، مع أمنيته بأن يرى الجمهور غزة من زاوية مختلفة، ليس فقط على هيئة أرقام أو أخبار، بل حياة حقيقية مليئة بالمشاعر والأحلام.

وأوضح أنّ الفيلم يُمثّل محاولة للتأكيد على أنّ هناك دائماً مساحة للحياة والفنّ والأمل حتى في أقسى الظروف، مشيراً إلى أنّ عنوان «ضايل عنا عرض» يعكس فكرة الاستمرار والتمسك بالحياة.

وعن تكريمه في مهرجان «الإسكندرية السينمائي للفيلم القصير»، قال الدنف إنه استقبل الخبر بمشاعر مختلطة بين الفرح والمسؤولية؛ لأنّ التقدير في ظلّ هذه الظروف الصعبة يحمل قيمة كبيرة، لكنه في الوقت عينه ليس إنجازاً فردياً، بل يعود إلى كلّ مَن شارك في هذه الرحلة، ولكلّ الأشخاص الذين وثَّق قصصهم؛ لأنّ المهرجان يتمتّع بمكانة مهمّة، وحضوره فيه يُمثّل رسالة بأنّ الصوت والصورة القادمين من غزة قادران على الوصول إلى منصات مؤثرة.

وأشار إلى أنّ التكريم، على المستوى الشخصي، يُمثّل تقديراً لمسيرة مليئة بالتحدّيات، بينما يمنحه مهنياً دفعة للاستمرار والتطور، مع شعور متزايد بالمسؤولية لتقديم أعمال على قدر الثقة.

وعن فيلم «الرجل الذي يطعم أطفال غزة»، أوضح الدنف أنه يأتي في إطار تسليط الضوء على قصص إنسانية حقيقية من داخل غزة، ويركّز على شخصية حمادة شقورة، الذي اختار، رغم الظروف الصعبة، تكريس جهده لتوفير الطعام للأطفال، مشيراً إلى أنه نموذج إنساني بسيط لكنه عميق، وأن قطاع غزة مليء بالقصص الإنسانية الملهمة والمؤثرّة عالمياً.

وأكد أنّ ما جذبه لهذه القصة هو ابتعادها عن الصورة النمطية للحرب، وتركيزها على قيم التضامن والعطاء، خصوصاً تجاه الأطفال، لافتاً إلى أنّ الفيلم توثيقي بحت، قائم بالكامل على الواقع من دون إعادة تمثيل أو تدخُّل درامي، حيث اعتمد على الملاحظة والتوثيق المباشر، مع حضور الجانب السينمائي فقط في الاختيارات البصرية من دون المساس بحقيقة الحدث.

فيلم «ضايل عنا عرض» شارك في «مالمو للسينما العربية» (إدارة المهرجان)

وعن أكثر المشاهد تأثيراً، أشار إلى لحظات انتظار الأطفال للطعام، وما تحمله من مزيج بين الحاجة والأمل، مؤكداً أنّ هذه التفاصيل الصغيرة تحمل ثقلاً إنسانياً كبيراً.

وأكد أنّ تجربة التصوير في غزة تعني العيش داخل الواقع نفسه، وليس مجرد توثيقه، وهو ما يفرض مسؤولية مضاعفة، في ظلّ صعوبة التوازن بين كونه جزءاً من القصة ومصوراً يسعى إلى نقلها بصدق، لافتاً إلى تعرّضه لخسائر كبيرة في معدّاته نتيجة القصف، حيث فقد جزءاً منها مع تدمير منزله، ثم خسر معدات أخرى وسيارته خلال النزوح؛ ما شكّل تحدّياً إضافياً على المستوى المهني.

وأشار إلى أنه لم يكن أمامه خيار سوى الاستمرار؛ لأنّ القصة كانت دائماً أهم من الأدوات، واضطر إلى العمل بالإمكانات المتاحة رغم صعوبتها؛ لأن محدودية الإمكانات قد تؤثر تقنياً في جودة الصورة، لكنها أحياناً تمنحها قوة أكبر لجهة الإحساس والصدق، وهو ما تحقّق عبر اعتماده على حلول بديلة مثل الإضاءة الطبيعية، وتبسيط أسلوب التصوير، والتركيز على اللحظة.

وختم حديثه بالتأكيد على أنّ الاستمرار في ظلّ هذه الظروف ليس سهلاً، لكنه مدفوع بإحساس عميق بالمسؤولية قبل الشغف، مع رؤيته لنفسه جزءاً من الواقع في ظلّ وجود قصص لا بد أن تُروى؛ ما يدفعه إلى مواصلة العمل رغم كلّ التحدّيات.


لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)
منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية (شمال غربي مصر) المطلة على البحر المتوسط، بالتزامن مع هزة أرضية شهدتها جزيرة كريت اليونانية، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وأعلن المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد نحو 412 كيلومتراً شمال مرسى مطروح، في تمام الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.85 كيلومتر.

وأوضح المعهد، في بيان، أن بعض المواطنين شعروا بالهزة بشكل خفيف، دون وقوع أي أضرار.

وفي التوقيت ذاته تقريباً ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان. وذكر معهد الجيوديناميكا التابع للمرصد اليوناني في أثينا، أن مركز الزلزال وقع على بُعد نحو 23 كيلومتراً جنوب غربي مدينة لاسيثي، وعلى عمق 9.7 كيلومتر، دون ورود تقارير فورية عن إصابات أو أضرار.

وكانت مدينة مرسى مطروح قد شهدت قبل أسبوعين هزة أرضية أخرى، وقعت على بُعد 659 كيلومتراً شمال غربي المدينة، يوم 8 أبريل (نيسان) الحالي عند الساعة 1:35 مساءً بالتوقيت المحلي، وبلغت قوتها 4.8 درجة على مقياس ريختر. وأكد المعهد القومي للبحوث الفلكية آنذاك عدم تلقيه أي بلاغات بشأن الشعور بالهزة داخل مصر، وعدم تسجيل أي خسائر.

«مسافة آمنة»

من جانبه، قال الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، إن جزيرة كريت اليونانية تُعد من أكثر المناطق نشاطاً في الهزات الأرضية في حوض البحر المتوسط وعلى مستوى العالم؛ نظراً لموقعها الجيولوجي الفريد الذي يضعها في قلب حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر، وأن الهزة التي شعر بها سكان مرسى مطروح بشكل خفيف تعود إلى تأثر المنطقة بنشاط زلزالي من مكان آخر، مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن هذا الحزام الزلزالي النشط.

شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية (تصوير: عبد الفتاح فرج)

وأوضح أن شدة الشعور بالزلازل تتراجع كلما زادت المسافة بين مركز الزلزال والحدود المصرية، مشيراً إلى أن زلزال كريت الأخير وقع على «مسافة آمنة» تتجاوز 400 كيلومتر من أقرب نقطة للحدود المصرية.

وأكد رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومي للبحوث الفلكية، أن مصر تقع على «مسافة آمنة» جغرافياً من حزام «شرق المتوسط» الزلزالي، وهو ما يفسر عدم شعور سكان مصر في أغلب الأحيان بالهزات الخفيفة المتكررة التي تضرب جزيرة كريت، خصوصاً مع وقوع معظمها على أعماق ضحلة داخل البحر، حيث تُمتص نسبة كبيرة من طاقتها؛ لذلك يقتصر التأثير غالباً على الإحساس بالهزات المتوسطة أو القوية التي تضرب كريت، لكن دون تسجيل أضرار في البنية التحتية بمصر، نتيجة تشتت الطاقة الزلزالية قبل وصولها إلى اليابسة.

وأشار الهادي إلى أن درجة الإحساس بهذه الهزات الأرضية داخل مصر تختلف باختلاف طبيعة التربة والتركيب الجيولوجي؛ فالموجات الزلزالية تمر بسرعة أكبر عبر الصخور الصلبة في المناطق الجبلية، ما يقلل الإحساس بها، في حين تتباطأ وتزداد شدتها عند انتقالها إلى التربة الرسوبية الرخوة في وادي النيل والدلتا، وهو ما يطيل مدة الاهتزاز ويزيد من الإحساس به، خصوصاً لدى سكان المباني المرتفعة، وتزداد احتمالات الشعور بالهزات في المدن الساحلية مثل الإسكندرية ومرسى مطروح؛ نظراً لقربهما الجغرافي من سواحل البحر المتوسط.