فيليب سوليرز «يحتقر» الكثير من كتّاب باريس الذين لا يتمتعون بموهبة حقيقية

مذكراته تمتلئ بالثرثرات الممتعة عن مشاهير الأدب... قديمهم وحديثهم

فيليب سوليرز
فيليب سوليرز
TT

فيليب سوليرز «يحتقر» الكثير من كتّاب باريس الذين لا يتمتعون بموهبة حقيقية

فيليب سوليرز
فيليب سوليرز

لم ينتظر الكاتب الشهير فيليب سوليرز بلوغ الثمانين لكي يكتب مذكراته وإنما كتبها بعد السبعين مباشرة بعنوان «رواية حقيقية. مذكرات». إنها رواية بالفعل ولكنها ليست متخيلة، وإنما واقعية لأنه يروي فيها قصة حياته بكل ما فيها وما عليها. الشيء الممتع فيها هو حديثه عن لقاءاته بكبار أدباء فرنسا عندما كان لا يزال غراً صغيراً يبحث عن النجاح والشهرة ولم يصل بعد. كان مبهوراً بالشعراء والروائيين والمفكرين المشاهير في بداية حياته الأدبية. ومن منا لم يكن مبهوراً بمشاهير المثقفين العرب والفرنسيين يوماً ما؟ كان فيليب سوليرز، ولا يزال، من «عبيد الشعر» كما تقول العرب. بمعنى أن الأدب شعراً ونثراً ديدنه ومعبوده. ولكنه لم يكن مقلاً على عكسهم وإنما كان مكثراً، بل ومكثراً جداً. ينبغي الاعتراف بأنه متفرغ كلياً للأدب منذ وصوله إلى باريس وهو في العشرين من عمره. لقد وصل إلى العاصمة قادماً من بوردو مدينة مونتسكيو الشهيرة بعنبها وخمرها المعتق. ولحسن حظه، فقد كان من أسرة صناعية بورجوازية غنية. وبالتالي، فلم يكن في حاجة إلى البحث عن مهنة لكسب رزقه أو عيشه. أعتقد أن فيليب سوليرز عاش أسعد حياة على وجه الأرض. إنه ليس من الأدباء الملعونين أو المدانين أو المعذبين في الأرض على عكس بودلير وفرلين ورامبو مثلاً. وإنما من الأدباء السعداء الذين ولدوا وفي «فمهم ملعقة من ذهب» كما يقال في فرنسا. ولهذا السبب استطاع التفرغ للأدب كلياً. ولهذا السبب أنتج كل هذا الإنتاج الطويل العريض من روايات وكتابات ومقالات. من هذه الناحية فهو يشبه جان دورميسون الذي كان أرستقراطياً يعيش في القصور. كلاهما كان مولعاً بتاريخ الآداب الفرنسية، بل والأوروبية، بل والعالمية إلى أقصى حد ممكن. كلاهما كان ينسى نفسه وهو يتحدث عن غوته أو شاتوبريان أو تولستوي مثلاً. كلاهما كان يعبد الأدب عبادة. ولكن لا أعرف لماذا أتحدث عن فيليب سوليرز بضمير الغائب فهو لا يزال حياً يرزق على عكس دورميسون الذي غادر هذا العالم عام 2019. أما فيليب سوليرز فلا يزال شاباً في الخامسة والثمانية فقط! ولا يزال يكتب وينشر ويبدع.
على أي حال، فإن كتاباته ومذكراته تمتلئ بالثرثرات الممتعة جداً عن مشاهير الأدب قديمهم والحديث. وهذا الشيء هو ما يعجب القرّاء جداً فيه، ومن بينهم كاتب هذه السطور. إذا كنت تريد التعرف على تاريخ فرنسا الأدبي فما عليك إلا قراءتها، بل وحتى تاريخ أوروبا. ما رأيه بأندريه بريتون مثلاً؟ أو بلويس أراغون؟ أو برامبو؟ أو بنيتشه؟ أو بدانتي؟ أو بفرنسوا مورياك، إلخ... عندما قدم إلى العاصمة باريس من مدينته الأصلية بوردو كان يرغب بالطبع في مقابلة المشاهير؛ لأنه هو ذاته يحلم بأن يصبح يوماً ما أديباً مشهوراً. وقد أصبح. عندما التقى أراغون لأول مرة في أحد مقاهي العاصمة قال له الشاعر الكبير هذه العبارة «أهم شيء يا صغيري هو أن نعرف فيما إذا كنا نجذب النساء ولنا عشيقات. الباقي تفاصيل». عندما قال له أراغون هذه العبارة كان عمره 61 سنة وفيليب سوليرز 21 سنة. وكان أراغون رجلاً جميلاً جداً يعجب النساء وكذلك فيليب سوليرز الذي وصل حتماً إلى أجمل نساء البورجوازية الفرنسية... وبالتالي، فلا خوف عليهما من هذه الناحية ولا من يحزنون على عكس بعض كبار الأدباء القبيحين الآخرين كسارتر مثلاً. ولكن حتى سارتر كانت له عشيقات كثيرات لأن الشهرة والأضواء الساطعة تجذب السيدات إلى حد كبير. ومعلوم أن سارتر كان قد بلغ من الشهرة والمجد مبلغاً أسطورياً لم يحصل إلا لفولتير في القرن الثامن عشر وفيكتور هيغو في القرن التاسع عشر. ولكن سارتر لم يعجب سوليرز عندما استقبله في شقته الباريسية لمدة ساعتين متواصلتين. ويبدو أن عدم الإعجاب كان متبادلاً لأن سارتر قال في نهاية اللقاء «الأفضل أن نلتقي في الشارع عن طريق الصدفة!». المقصود شارع السان جرمان دوبري ومقهى الدوماغو أو الفلور، حيث يوجد عرين سارتر وسيمون دو بوفوار. أما أندريه بريتون الذي استقبله أيضاً مطولاً في شقته الباريسية فقد أعجبه أكثر بكثير من سارتر. بل ويقول عنه بأنه أهم شخص التقاه وأعجبه إلى مثل هذا الحد. ثم يتحدث سوليرز عن قراءاته قائلاً، لا يمكن لأي مثقف يحترم نفسه في باريس الخمسينات والستينات إلا وأن يهتم بالفلسفة والفلاسفة من أمثال: لايبنتز، وسبينوزا، وهوسيرل، وهيغل، وبالطبع السقوط في غرام نيتشه، وأيضاً تعميق العلاقة مع هيدغر.. ولكن هذا لا يعني نسيان الأدب والشعر. كل شيء بوقته. في الأدب مثله الأعلى كان بودلير وهذه العبارة التي بهرته وسحرته:
«من طبائعي الجميلة الاستمتاع بالحقد والكره إلى أقصى حد ممكن. بل ولا أبلغ ذروة السعادة والمجد إلا باحتقار عدد هائل من الكتاب والشعراء وصغار المثقفين. يضاف إلى ذلك أن إعجابي الشيطاني المفرط بالحماقة البلهاء يجعلني أستمتع كثيراً باغتياب الآخرين والنميمة عليهم». انتهى كلام بودلير الذي يتبناه فيليب سوليرز حرفياً. فهو أيضاً كان يحتقر الكثير من كتاب باريس ومثقفيها وشعرائها الذين لا يتمتعون بأي موهبة حقيقية. ولكنهم بارعون في إقامة شبكة من العلاقات العامة.

بمن يعجب فيليب سوليرز؟ بنيتشه، وهيدغر، وفولتير من بين آخرين عديدين. يقول عن هذا الأخير مثلاً ما فحواه: عندما أستيقظ كل صباح ماذا أفعل؟ أبتدئ نهاري بقراءة إحدى رسائل فولتير لكي أموت من الضحك والاستمتاع والانشراح. هل تعلمون بأن رسائل فولتير تشغل 13 مجلداً من منشورات «لابلياد» الشهيرة لدى «غاليمار»؟ أفتح اذن عن طريق الصدفة على إحداها الساعة السادسة والنصف صباحاً. إنها الرسالة رقم 14703. وهي موجهة إلى الفيلسوف ديدرو:
«يا صديقي العزيز:
على الرغم من كل شيء، فإن فلسفة الأنوار تكسب الأرضية يوماً بعد يوم ضد الأصولية الظلامية. ولكن ينبغي العلم أن أعداءنا اليسوعيين يمتلكون أسلحة لا نمتلكها نحن. فالماضي كله معهم والتراكمات التراثية ولكن المستقبل لنا يا صديقي. إنهم يمتلكون الهيبة الدينية والجلباب والقفطان والثروة والسيف وعامة الشعب الرعاع الذي يتبعهم كالقطيع. الشيء المؤلم يا عزيزي هو أن حزب الفلاسفة منقسم على نفسه وغير متوحد على عكس الأصوليين الذين يضطهدونهم والذين هم كالبنيان المرصوص... سمعت بأنك لا تعطي ثقتك في باريس إلا للأشخاص الذين تعرفهم عن كثب حق المعرفة. ومعك الحق؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة لكي تنجو من طعنات المتعصبين الغادرة.
أطال الله في عمرك يا سيدي. وأرجو أن تتمكن من توجيه ضربات مؤلمة لذلك الوحش الأصولي الذي لم أستطع حتى الآن إلا عض أذنيه فقط! إذا ما حصل وعدت إلى روسيا مجدداً فالرجاء أن تمر في طريقك عبوراً على قبري».
التوقيع: فولتير

كيف يمكن إلا أن تنتعش وتبتهج عندما تقرأ شخصاً عبقرياً مثل فولتير؟ كيف يمكن أن تمل من كاتب كهذا؟ عندما يقول: الماضي كله معهم ولكن المستقبل لنا تشعر بالفخر والاعتزاز، تشعر بجرعة من الأمل في عصر اليأس والإحباط. نحن المثقفون العرب نعيش الآن نفس حالة فولتير عندما كتب هذا الكلام قبل 250 سنة بالضبط.
هنا تكمن مسافة التفاوت التاريخي بين العرب والغرب. هذا لا يعني أن الدين أو التدين سوف ينتهي وإنما يعني أن إسلام الأنوار سوف ينتصر على إسلام التعصب والظلمات. هذه هي معركة الساعة، بل وكل ساعة من الآن وحتى عشرين أو ثلاثين سنة مقبلة. هذه الرسالة كتبها زعيم الأنوار الفرنسية قبل موته بسنتين فقط ولا أعرف فيما إذا كان ديدرو قد مر على قبره لكي «يقرأ الفاتحة» على روحه أم لا. حتماً فعل لأنه كان يعتبره قائداً لحزب الفلاسفة الذي يخوض حرباً شعواء ضد حزب الأصوليين المسيحيين الجبار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
TT

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)

في سنّ الـ82، سيكون على المغنّي خوليو إغليسياس أن يواجه إحدى أصعب مراحل حياته، بعد اتهامات بالتحرّش الجنسي من عاملتَيْن كانتا تشتغلان في منزله في جزر الكاريبي. والجمعة، خرج المغنّي الإسباني عن صمته ونشر كلمة على حسابه في «إنستغرام»، نفى فيها تهمة «التحرّش أو الاستغلال أو التعامل بقلّة احترام مع أيّ امرأة». وأضاف أنّ الاتهامات الموجَّهة له من امرأتَيْن سبق لهما العمل في خدمته «كاذبة تماماً»، وقد سبَّبت له حزناً عميقاً.

وتعود القضية إلى عام 2021. ووفق معلومات نشرتها صحيفة «إل دياريو» الإسبانية وقناة «أونيفيزيون نوتيسياس»، فإنّ المدّعية الأولى كانت تبلغ 22 عاماً في وقت الحادثة، وزعمت أنها تعرّضت للعنف اللفظي والجسدي، وكانت مُجبرة على إقامة علاقة مع المغنّي الذي سحر ملايين النساء في أنحاء العالم في ثمانينات القرن الماضي بأغنيات الحبّ الرومانسي. وأضافت: «كنتُ أشعر بأنني عبدة له ومجرّد شيء يستخدمه كلّ ليلة تقريباً». أما المدّعية الثانية فكانت تعمل معالجة نفسية لدى المغنّي، وتزعم أنه «قبَّلها في فمها ولمس جسدها لمسات غير مقبولة، وعانت إهانات في جوّ من المراقبة والتحرُّش والرعب».

وفي منشوره، قال المغنّي المُعتزل إنه لا يزال يمتلك القوة ليكشف للناس عن الحقيقة ويدافع عن كرامته ضدّ هذا الهجوم الخطير. كما أشار إلى عدد الرسائل التي وصلته من أشخاص يعربون عن دعمهم له ويؤكّدون فيها ثقتهم به.

بعد خروج القضية إلى العلن، ظهر على السطح تسجيل مصوّر لخوليو إغليسياس يعود إلى عام 2004. ويبدو المغنّي في الشريط المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقبّل بالقوة مذيعة تلفزيونية في برنامج يُبثّ على الهواء. وتُشاهد المذيعة وهي تحاول صدّه وتذكيره بأنه متزوّج، لكن كلامها لم يؤثّر في المغنّي الذي باعت أسطواناته ملايين النسخ. ووفق صحيفة «الصن» البريطانية، فإنّ القضاء الإسباني يُحقّق في الشكويين المقدّمتين من المدّعيتين إلى محكمة في مدريد.

يُذكر أنّ المغنّي كان قد وقَّع عقداً مع منصّة «نيتفليكس» لإنتاج فيلم عن حياته، على أنه أول فنان غير إنجليزي يدخل الأسواق الأميركية والآسيوية، وليُصبح واحداً من أفضل 5 بائعي التسجيلات في التاريخ. فخلال أكثر من 55 عاماً من مسيرته الفنّية، أدّى خوليو إغليسياس أغنيات بـ12 لغة، محقّقاً شهرة لم يبلغها فنان من مواطنيه.


موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
TT

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة من خلال نشر صور قديمة مُعدّلة بفلاتر بسيطة، مرفقة بتعليق شائع يقول: «2026 هي 2016 الجديدة».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، أثناء تصفحهم «إنستغرام» أو «تيك توك»، منشورات تُظهر حواجب مرسومة بعناية مع فلتر «سناب شات» على شكل جرو، أو صوراً رديئة الجودة التُقطت بهواتف «آيفون» لأشخاص يلعبون لعبة «بوكيمون غو»، في مشاهد تعبّر عن رثاء للعقد الماضي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ومنذ بداية العام الجديد، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورٍ تُظهر أشخاصاً ينبشون أرشيفاتهم الرقمية التي تعود إلى ما قبل عشر سنوات، ويشاركون صوراً مُجمّعة ومقاطع فيديو منخفضة الجودة توثّق تلك المرحلة الزمنية.

وأفادت منصة «تيك توك» بأن عمليات البحث عن مصطلح «2016» ارتفعت بنسبة 452 في المائة خلال الأسبوع الأول من العام، كما تم إنشاء أكثر من 56 مليون مقطع فيديو باستخدام فلتر ضبابي مستوحى من أجواء ذلك العام.

وانضم المشاهير والمؤثرون إلى هذه الموجة أيضاً؛ إذ نشرت النجمة سيلينا غوميز صوراً قديمة لها من جولتها الغنائية في تلك الفترة، بينما نشر تشارلي بوث مقطع فيديو له وهو يغني أغنيته الشهيرة من عام 2016 «We Don't Talk Anymore».

إذاً.. لماذا عام 2016؟

إلى جانب كونه الذكرى السنوية العاشرة، كان عام 2016 حافلاً بظواهر ثقافة البوب؛ فقد أصدرت بيونسيه ألبوم «Lemonade»، وظهرت تايلور سويفت بشعرها الأشقر في مهرجان كوتشيلا. كما هيمنت أغاني ذا تشينسموكرز ودريك على الإذاعات، وظلت منصة الفيديوهات القصيرة «فاين» تحظى بشعبية جارفة قبل إغلاقها في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

لكنّ الأمر لا يقتصر فقط على جماليات المبالغة والرموز الثقافية التي تقف خلف عبارة «2026 هو 2016 الجديد». إذ يبدو أن مستخدمي الإنترنت يستغلون هذه اللحظة لاستعادة ذكريات عالم كان أبسط وأقل تعقيداً من عالمنا الحالي.

ففي عام 2016، كانت جائحة «كورونا» لا تزال بعيدة الاحتمال. ولم تكن ولايتا دونالد ترمب الرئاسيتان قد بدأتا بعد، كما لم تكن المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد غزت منصات التواصل الاجتماعي.

وكتب أحد مستخدمي تطبيق «إكس» تعليقاً على هذه الظاهرة: «أتمنى لو أعود إلى عام 2016.. يا له من زمن رائع كنا نعيشه!».

لكن في المقابل، وبينما قد تُصوّر هذه الظاهرة المتفائلة عام 2016 على أنه الهدوء الذي سبق العاصفة، جادلت الكاتبة كاتي روسينسكي من صحيفة «إندبندنت» بأن المشاركين في هذه الموجة يتغاضون عن حقيقة أن ذلك العام شهد صعوبات مثل غيره من الأعوام، من بينها وفاة رموز ثقافية بارزة مثل برينس، وديفيد باوي، وكاري فيشر.

وتابعت روسينسكي: «إن إعادة ابتكار عام 2016 بوصفه ذروة مبهجة، تُثبت قدرتنا المستمرة على الحنين إلى الماضي، وقدرتنا على تحويل حتى الأوقات الصعبة إلى لحظات جديرة بالذكرى بعد مرور بضع سنوات فقط».


لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
TT

لكم ساعة يمكنك ممارسة ألعاب الفيديو «دون آثار سلبية خطيرة»؟

شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)
شخص يجلس أمام شاشة خلال المشاركة في لعبة إلكترونية (رويترز)

كشفت دراسة حديثة أن قضاء أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو قد يكون له تأثير ملحوظ على النظام الغذائي، وجودة النوم، ووزن الجسم لدى فئة الشباب.

وتوضح الدراسة أن اللعب بشكل متقطع أو معتدل لا يبدو ضاراً إلى حد كبير، غير أن التأثيرات الصحية السلبية تبدأ في الظهور بشكل واضح فور تجاوز مدة اللعب حداً معيناً، بحسب ما نقلته مجلة «نيوزويك».

وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كورتين في مدينة بيرث الأسترالية، حيث شملت دراسة استقصائية 317 طالباً من خمس جامعات أسترالية، بمتوسط أعمار بلغ 20 عاماً.

وقسّم الباحثون المشاركين إلى ثلاث فئات، اعتماداً على عدد الساعات التي أفادوا بقضائها أسبوعياً في ممارسة ألعاب الفيديو. وضمت الفئة الأولى «لاعبين قليلين» ممن يقضون من صفر إلى خمس ساعات أسبوعياً، بينما شملت الفئة الثانية «لاعبين متوسطين» يقضون ما بين خمس وعشر ساعات، أما الفئة الثالثة فكانت «لاعبين كثيرين» ممن يمارسون الألعاب لأكثر من عشر ساعات أسبوعياً.

ولم يرصد فريق البحث فروقاً تُذكر بين اللاعبين القليلين ومتوسطي الوقت فيما يتعلق بجودة النظام الغذائي أو النوم أو وزن الجسم. إلا أن النتائج اختلفت بشكل واضح لدى الطلاب الذين يقضون أكثر من عشر ساعات أسبوعياً في اللعب، إذ أظهرت هذه الفئة مؤشرات صحية أسوأ بصورة ملحوظة.

وقال البروفسور ماريو سيرفو، الباحث في مجال صحة السكان والمؤلف الرئيسي للورقة البحثية، في بيان: «ما لفت انتباهنا هو أن الطلاب الذين يمارسون ألعاب الفيديو لمدة تصل إلى عشر ساعات أسبوعياً بدوا متشابهين للغاية من حيث النظام الغذائي والنوم ووزن الجسم».

وأضاف: «لكن الاختلافات الحقيقية ظهرت لدى أولئك الذين تجاوزوا عشر ساعات أسبوعياً، حيث برز تباين واضح بينهم وبين بقية العينة».

وأشارت النتائج إلى تراجع كبير في جودة النظام الغذائي لدى اللاعبين الذين يقضون الكثير من الوقت على الألعاب الإلكترونية، كما كانوا أكثر عرضة للتصنيف ضمن فئة السمنة.

ووفقاً للباحثين، ارتبطت كل ساعة إضافية يقضيها المشاركون في ممارسة ألعاب الفيديو أسبوعياً بانخفاض ملحوظ في جودة النظام الغذائي، حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل مستويات التوتر، والنشاط البدني، وأنماط الحياة المختلفة.

أما جودة النوم، فكانت ضعيفة نسبياً لدى جميع المشاركين، إلا أن اللاعبين الذين يقضون ساعات متوسطة أو مرتفعة في اللعب أبلغوا عن نوم أسوأ مقارنةً بأولئك الذين يقضون وقتاً أقل. كما أظهر التحليل وجود علاقة وثيقة بين فترات اللعب الطويلة واضطرابات النوم، خصوصاً عندما يمتد اللعب إلى ساعات متأخرة من الليل.

ورغم أن الدراسة لم تثبت وجود علاقة سببية مباشرة، فإن الباحثين وصفوا هذه النتائج بأنها مثيرة للقلق.

وأوضح المؤلفون أيضاً أن ألعاب الفيديو في حد ذاتها ليست ضارة بالضرورة، بل يمكن أن تقدم فوائد اجتماعية أو معرفية. غير أن الخطر الحقيقي يكمن في الإفراط في ممارستها، إذ يؤدي ذلك إلى إهمال عادات صحية أساسية، مثل ممارسة النشاط البدني بانتظام، وتناول وجبات متوازنة، والحصول على قدر كافٍ من النوم.