خبراء دوليون يعلنون سوريا «جمهورية كبتاغون»

انتشار واسع للتجارة والتعاطي في دمشق

صورة نشرتها «سانا» في نوفمبر2021 لأكياس كبتاغون صودرت قبل تصديرها للخارج (أ.ف.ب)
صورة نشرتها «سانا» في نوفمبر2021 لأكياس كبتاغون صودرت قبل تصديرها للخارج (أ.ف.ب)
TT

خبراء دوليون يعلنون سوريا «جمهورية كبتاغون»

صورة نشرتها «سانا» في نوفمبر2021 لأكياس كبتاغون صودرت قبل تصديرها للخارج (أ.ف.ب)
صورة نشرتها «سانا» في نوفمبر2021 لأكياس كبتاغون صودرت قبل تصديرها للخارج (أ.ف.ب)

مع أن المشهد في دمشق يؤكد تزايد تجارة وتعاطي المخدرات بشكل واسع، وتأكيد مسؤولي إنفاذ القانون في 10 دول وخبراء دوليين وإقليميين وسوريين تحول مناطق سيطرة الحكومة السورية إلى مناطق مصنعة للمخدرات، ووصفها بـ«دولة مخدرات» و«جمهورية الكبتاغون»، إلا أن الحكومة بدت كمن يريد حجب الشمس بكفه، بقولها إنها «تواجه هذه الآفة بكل عزيمة وإصرار» وإن مناطقها «بعيدة كل البعد عن زراعة وصناعة المخدرات».
وترصد «الشرق الأوسط» منذ فترة طويلة مشهد أشخاص جالسين على أرصفة في شوارع دمشق والحدائق، وقد بدت عليهم مظاهر الفتور والخمول وترديدهم لعبارات غير مفهومة، بسبب تعاطيهم للمخدرات على الأغلب، بعدما كانت رؤية مثل هذه المشاهد نادرة قبل عام 2011، كما اشتكى سكان في أحياء دمشق مراراً لـ«الشرق الأوسط» من مشاجرات تحدث بشكل شبه يومي بين شبان في مناطق سكنهم خصوصاً في فترة منتصف الليل، بسبب تعاطيهم للمخدرات والخلافات التي تحصل بين بعضهم البعض عندما تكون المادة متوفرة لدى أحدهم وغير متوفرة لدى الآخر، وتلفظ هؤلاء بعبارات خارجة عن الأدب والأخلاق. ويلفت الانتباه في شوارع دمشق أيضاً مشهد توقف كثير من الشبان عند باعة بسطات دخان وأكشاك، وقولهم لأصاحبها عبارات «المعلوم معلم» و«معلم كيفنا» في إشارة إلى طلب شراء مخدرات، بينما بات كثر من رواد المقاهي وبمجرد جلوسهم إلى الطاولة يرفقون طلبهم من النادل أو النادلة إعطاءهم الشاي أو القهوة بعبارة «روقونا كمان».
ومؤخراً كثرت شكاوى أمهات وآباء من حصول تغيير في تصرفات أبنائهم، منها «الانطواء على الذات»، و«إهمالهم لدراستهم» و«إقامتهم صداقات جديدة» و«تزايد طلبهم للمال»، وهي سلوكيات تدل على تعاطيهم للمخدرات. ونشر «مركز الحوار السوري» منتصف مارس (آذار) الماضي، ورقة حول تجارة المخدرات في سوريا، ذكر فيها أن سوريا عُرفت قبل عام 2011 بكونها معبراً لتجارة المخدرات القادمة من أفغانستان وإيران؛ وليس مستهلكاً، فقد نشطت شبكات التهريب التي أشرفت عليها شخصيات مقربة من النظام، وأُنشئت أيضاً ورشاتٌ لتصنيع المخدرات ظل إنتاجها محدوداً وموجهاً للاستهلاك المحلي. وأشارت الورقة إلى أنه ومع انطلاق الثورة السورية منتصف مارس 2011، انخرط العديد من تجار المخدرات ومهربيها في عمليات قمع المتظاهرين، وأسسوا لاحقاً ميليشيات مسلحة شاركت في العمليات العسكرية لصالح النظام، وقد بدأ الحديث عن تزايد نشاط تجارة المخدرات منذ عام 2013؛ إذ أصبحت أحد مصادر تمويل العمليات العسكرية والميليشيات. ولفتت إلى أن سوريا بدأت بتصدير «الكبتاغون» عام 2013، بالتزامن مع انكماش اقتصادها الرسمي بسبب الحرب والعقوبات الاقتصادية والفساد داخل النظام، وتحولت مصانع الكيمياويات في مدينتي حلب وحمص إلى مصانع لهذه الأقراص.
وأشارت دراسة صادرة عن «مركز التحليلات العملياتية والأبحاث» السوري المستقل، حجم المواد المخدرة القادمة من سوريا والتي تمت مصادرتها بين 2013 - 2015، زاد بين 4 إلى 6 أضعاف مقارنة بما كانت عليه عام 2011. وذكرت الورقة، أنه مع استعادة النظام معظم المناطق الخارجة عن سيطرته عام، 2018. انتقلت تجارة المخدرات إلى مرحلة جديدة، ارتفع معها حجم المخدرات المصادرة القادمة من سوريا في الأعوام بين 2018 - 2020 ما بين 6 - 12ضعفاً، مقارنة مع عام2011. وتزايدت مراكز وورشات التصنيع المحلي للمخدرات بهدف التجارة، وازدادت أيضاً عمليات التهريب ونقل المخدرات القادمة من لبنان أو من إيران، وكذلك عدد الشحنات التي تم اعتراضها، وأصبح إخفاء الشحنات أكثر تطوراً من الناحية التقنية.
وكشفت دراسة محلية على ما ذكرت الورقة، عن رصد 50 موقعاً حالياً لتصنيع المخدرات في سوريا، إذ يوجد قرابة 14 مركزاً لتصنيع «الكبتاغون»، و12 مركزاً لتصنيع الكريستال ميث، و23 مركزاً لتصنيع الحشيش. وحسب الورقة، تُغادر المواد المخدرة سوريا – خصوصاً شحنات «الكبتاغون» – متجهة إلى ثلاث وجهات رئيسة: شمال أفريقيا، شبه الجزيرة العربية، وأوروبا، حيث تشير الأدلة المتوفرة إلى أن تلك القارة تشكل الآن محطة عبور للمواد المخدرة المتجهة إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وذكرت أنه مع الانهيار الاقتصادي الذي تشهده سوريا نتيجة سياسات النظام، تراجعت الأنشطة الاقتصادية التقليدية لصالح تنامي أنشطة تصنيع المخدرات الذي أصبح قطاعاً مربحاً، تعود عائداته إلى جيوب المرتبطين بالنظام وحلفائه الأجانب وأمراء الحرب.
صحيفة «نيويورك تايمز» وفي تحقيق نشرته نهاية العام الماضي، استند إلى معلومات من مسؤولي إنفاذ القانون في 10 دول، وعشرات المقابلات مع خبراء دوليين وإقليميين وسوريين لديهم معرفة بتجارة المخدرات ومسؤولين أميركيين حاليين وسابقين، ذكرت أن مختبرات «الكبتاغون» تنتشر بشكل أساسي في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة السورية، وفق شهادات سوريين يعيشون في هذه المناطق، أو في الأراضي التي يسيطر عليها «حزب الله» بالقرب من الحدود اللبنانية، أو خارج العاصمة دمشق وحول مدينة اللاذقية الساحلية. كما ينخرط في هذه التجارة مجموعة رجال أعمال يتمتعون بصلات وثيقة بالنظام و«حزب الله»، وأعضاء آخرون من أسرة الأسد يحظون بحماية النظام في ممارسة الأنشطة غير المشروعة؛ وفق تحقيق لصحيفة «تايمز» البريطانية.
وقد استفادت هذه الشبكة من كل إمكانيات سوريا، سواء الإمكانيات البشرية، تحويل معامل الأدوية إلى ورشات للتصنيع، استخدام المرافق والمخازن والمرافئ المتصلة بممرات الشحن في البحر الأبيض المتوسط، وطرق تهريب برية إلى الأردن ولبنان والعراق خضعت لحماية أمنية من الدولة، على ما جاء في ورقة «مركز الحوار السوري». وذكرت الورقة، أن مراكز تصنيع جديدة لـ«الكبتاغون» أقيمت في مصانع صغيرة مقامة في هنغارات حديدية أو في فيلات مهجورة، تخضع لحراسة أمنية من قبل جنود الجيش النظامي، تُصنع فيها الحبوب بآلات بسيطة، فيما وُضعت أمام منشآت أخرى لافتات تفيد بأنها مواقع عسكرية مغلقة؛ وفيها يتم إنتاج نوعين من حبوب «الكبتاغون»: النوع الأول ذو الجودة المتدنية، وهو مخصص للاستهلاك المحلي، تُباع فيه الحبة الواحدة بدولار واحد، ونوع مرتفع الجودة مخصص للأسواق الخارجية تُباع الحبة الواحدة منه بـ14 دولاراً.
ولفتت إلى أن حجم اقتصاد المخدرات السوري – خصوصاً قيمة تجارة حبوب «الكبتاغون»– في البلاد، يقدر بما يقارب 16 مليار دولار أميركي سنوياً، وهو ما يعادل 3 أضعاف ميزانية الحكومة السورية لعام 2022. وقد خَلُصت تحليلات المركز إلى أن السلطات في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بصورة رئيسة، صادرت ما لا يقل عن 173 مليون حبة «كبتاغون» (34.6 طن) و(12.1) طن من الحشيش المصدرة من سوريا في عام 2020 مقدرة القيمة السوقية لهذه الكمية المصادرة من حبوب «الكبتاغون» بما يقارب 3.46 مليار دولار أميركي، فيما ذكر تحقيق نشرته المجلة الألمانية «دير شبيغل»، أن قيمة شحنات المخدرات المصنعة في سوريا، وصلت إلى 5.7 مليار دولار عام 2021 حسب بعض التقديرات. ولفتت ورقة «مركز الحوار السوري»ـ إلى أن «تجارة المخدرات وتصنيعها، جمعت الحلفاء (إيران ونظام الأسد و«حزب الله») على مصلحة واحدة، الهدف منها إيجاد مصادر تمويل جديدة تسمح بالتهرب من العقوبات، والوصول إلى أسواق جديدة، وإيجاد مصادر تمويل ذاتي للميليشيات، وتأمين قطع أجنبي».
وذكرت أنه ورغم أن المخدرات مُعدة للتصدير الخارجي؛ فإن النظام أغرق المجتمع السوري بمنتجاته ذات النوعية الرديئة، حيث لجأ الكثير من الناس لتعاطي المخدرات وسيلة للهروب من اليأس وحالة انسداد الأفق والإحساس بالعجز والوضع الاقتصادي المتردي. وأشارت إلى أنه رغم كل ادعاءات الحكومة السورية حول قيامها بمداهمات وإلقاء القبض على بعض المروجين، فإن هذه العمليات تطول صغار المروجين والمتورطين، فيما لم تقترب من الشخصيات والجهات التي تدير أو تحمي هذه التجارة. ومع تزايد التقارير عن تحول سوريا إلى «دولة مخدرات» و«جمهورية الكبتاغون»، ذكر محمد الرحمون وزير الداخلية السوري في اليوم العالمي لمكافحة ظاهرة المخدرات الذي صادف في السادس والعشرين من يونيو (حزيران) الماضي، أن «سوريا تشارك المجتمع الدولي في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات تأكيداً منها على التزامها في مواجهة هذه الآفة الخطيرة»، وأن الوزارة «تواجه هذه الآفة بكل عزيمة وإصرار»، وأن جهودها أثمرت في التصدي لتجار ومهربي المواد المخدرة وضبط كميات كبيرة عابرة ومخبأة بطريقة فنية معقدة.
صحيفة «الوطن» شبه الحكومية وفي اليوم التالي، ذكرت أن نضال جريج مدير إدارة مكافحة المخدرات، كشف أن عدد قضايا المخدرات التي تم تسجيلها خلال العام الحالي، وصلت إلى 4991، على حين وصل عدد المتهمين إلى 6408 شخصاً، مشيراً إلى أنه في العام الماضي تم تسجيل 9260 قضية، في حين وصل عدد المتهمين إلى 11730، وقال جريج،. إن «سوريا ما زالت بلد عبور بحكم موقعها الجغرافي، وهي بعيدة كل البعد عن زراعة وصناعة المخدرات».


مقالات ذات صلة

أميركا اللاتينية المرشح الرئاسي الكولومبي اليميني الفائز أبيلاردو دي لا إسبريلا يخاطب أنصاره عقب النتائج الأولية التي أظهرت تقدمه على منافسه اليساري إيفان سيبيدا في بارانكويلا (إ.ب.أ)

كولومبيا تنتخب دي لا إسبريلا رئيساً… وترمب يحتفي

بانتخابها القومي أبيلاردو دي لا إسبريلا رئيساً، انضمت كولومبيا إلى دول لاتينية اختارت شعوبها الميول اليمينية لزعماء ينالون الدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا جانب من مخدر الكوكايين الذي عُثر عليه بسفينة متجهة إلى ليبيا في مايو الماضي (صحيفة «إل باييس» الإسبانية)

ليبيا تصعّد حربها على «الكوكايين» بعد ضبطيات وأحكام جديدة

في أحدث مواجهة مع مافيا المخدرات قضت محكمة الجنايات في العاصمة الليبية بسجن 4 من عناصر تشكيل عصابي لـ«تورطهم في الاتجار بمخدر الكوكايين في طرابلس».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا عدد من المشاركين في الاجتماع الوزاري والأمني الثلاثي بطرابلس (وزارة الداخلية الليبية)

«الثلاثية المغاربية» تبحث تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة

يجري وفد من وزارة الداخلية الجزائرية في ليبيا اجتماعات في ليبيا مع مسؤولين بوزارتي الداخلية وجهازي الأمن بتونس وليبيا، تخص مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي العاهل الأردني الملك عبد الله وولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله في عَمّان فبراير 2025 (الديوان الملكي - رويترز)

العلاقات الأردنية - السورية... من إدارة الأزمات إلى شبكة مصالح استراتيجية

منذ إطاحة نظام الرئيس بشار الأسد فُتحت صفحة جديدة في العلاقات الثنائية السورية - الأردنية.

سعاد جرَوس (دمشق)

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.


اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
TT

اليمن يستنفر الشركاء لمواجهة تفاقم أزمة الغذاء

نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)
نقص غير مسبوق في تمويل الاحتياجات الإنسانية باليمن (الأمم المتحدة)

في وقت تتسارع فيه مؤشرات التدهور الإنساني في اليمن، كثَّفت الحكومة الشرعية تحركاتها مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين لاحتواء أزمة الغذاء المتفاقمة، في حين تواصل الجماعة الحوثية حجب البيانات المتعلقة بأعداد المحتاجين للمساعدات في مناطق سيطرتها؛ الأمر الذي يزيد من صعوبة تقدير حجم الاحتياجات الفعلية ويعقّد جهود الاستجابة الإنسانية.

وتأتي هذه التحركات الحكومية بالتزامن مع تحذيرات أممية متزايدة من ارتفاع معدلات الجوع وسوء التغذية، في ظل تراجع التمويل الدولي المخصص للعمليات الإنسانية، واستمرار القيود المفروضة على الوصول إلى السكان المحتاجين في عدد من المناطق.

وأكدت مصادر عاملة في قطاع الإغاثة لـ«الشرق الأوسط» أن الوكالات الأممية لم تتمكن للعام الثالث على التوالي من تنفيذ مسوحات ميدانية شاملة لرصد مستويات انعدام الأمن الغذائي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين؛ بسبب القيود المفروضة على أنشطتها.

ووفق المصادر، فإن المنظمات الدولية باتت تعتمد على مؤشرات جزئية وبيانات تقديرية توفرها بعض الجهات الإنسانية العاملة على الأرض؛ وهو ما يجعل صورة الاحتياجات الحقيقية غير مكتملة رغم وجود مؤشرات واضحة على تفاقم الأزمة.

متسولات في صنعاء بجانب صورة لخامنئي رفعها الحوثيون (إعلام محلي)

ويرى مختصون أن غياب البيانات الدقيقة لا يعني تراجع الاحتياجات الإنسانية، بل يزيد من صعوبة توجيه المساعدات إلى الفئات الأكثر تضرراً، خصوصاً في ظل اتساع رقعة الفقر وتراجع القدرة الشرائية للأسر اليمنية.

وقال مصطفى نصر، رئيس مركز الإعلام الاقتصادي (منظمة يمنية)، إن سكان مناطق سيطرة الحوثيين يعيشون مزيجاً من الجوع والخوف نتيجة السياسات الاقتصادية التي ألحقت أضراراً كبيرة بالنشاط الاقتصادي خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن آثار تلك السياسات باتت تنعكس بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.

وأضاف أن الجماعة تواجه اليوم نتائج تراكمات اقتصادية طويلة، في وقت تستمر فيه بعض القيادات في إنكار حجم الأزمة رغم المؤشرات المتزايدة على اتساع المعاناة الإنسانية.

أوضاع معيشية صعبة

تحدث رجال أعمال يمنيون ومواطنون قدموا من مناطق سيطرة الحوثيين عن أوضاع معيشية بالغة الصعوبة، مؤكدين أن شريحة واسعة من السكان أصبحت تواجه تحديات يومية في توفير احتياجاتها الأساسية من الغذاء والدواء.

وأشار أحد رجال الأعمال إلى أن كثيراً من الأسر باتت تعتمد على المساعدات أو التحويلات المالية من الخارج لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، لافتاً إلى أن استمرار التدهور الاقتصادي قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية خلال الفترة المقبلة.

وحسب تقديراته، فإن كتلة الرواتب الشهرية للموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين لا تتجاوز 30 مليار ريال شهرياً، وهو مبلغ لا يواكب الارتفاع المستمر في الأسعار وتكاليف المعيشة.

ويؤكد مراقبون أن اتساع فجوة الدخل وتراجع فرص العمل وفقدان مصادر الرزق أدت إلى زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق الحضرية التي كانت تعتمد في السابق على النشاط التجاري والخدمي.

لقاءات يمنية أممية لمناقشة أزمة الغذاء (الأمم المتحدة)

في المقابل، وصفت الحكومة اليمنية الوضع الغذائي في البلاد بأنه دخل مرحلة حرجة تتطلب استجابة استثنائية، داعية الأمم المتحدة والمانحين الدوليين إلى إعطاء ملفي الأمن الغذائي وسوء التغذية أولوية قصوى خلال الفترة المقبلة.

وخلال لقاء جمع نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي نزار باصهيب مع المنسقة الوطنية لقطاع الأمن الغذائي والزراعة في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) أبيجيل نيوكوري، تمت مناقشة التحديات التي تواجه الاستجابة الإنسانية، وفي مقدمتها فجوة التمويل المتسعة.

وأكد الجانب الحكومي أهمية توجيه الموارد المتاحة نحو البرامج الأكثر تأثيراً واستدامة، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المحتاجين، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالغذاء والتغذية وسبل كسب العيش.

وأوضحت المسؤولة الأممية أن التراجع الحاد في التمويل انعكس بصورة مباشرة على أعداد المستفيدين من المساعدات؛ إذ انخفض عدد الأشخاص الذين شملتهم تدخلات المنظمة خلال النصف الأول من العام الحالي إلى نحو 1.8 مليون شخص، مقارنة بـ3.4 مليون خلال العام الماضي.

واتفق الجانبان على عقد اجتماع طارئ مع الجهات المعنية لوضع خريطة طريق عاجلة لمعالجة أزمة نقص الغذاء وتعزيز فعالية التدخلات الإنسانية خلال المرحلة المقبلة.

تحذيرات أممية

من جهتها، أكدت الأمم المتحدة أن الأزمة الإنسانية في اليمن تتجه نحو مزيد من التدهور، مشيرة إلى ارتفاع نسبة الأشخاص غير القادرين على تلبية احتياجاتهم الغذائية الأساسية خلال فترة قصيرة.

وقال وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ توم فليتشر إن أكثر من 18 مليون يمني يعانون حالياً الجوع الحاد، محذراً من أن الأوضاع مرشحة لمزيد من التفاقم إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة لتعزيز الاستجابة الإنسانية.

وأوضح أن نحو خمسة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، في وقت لا تزال فيه القيود المفروضة على الوصول الإنساني تحد من القدرة على تقييم الاحتياجات في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.

الحوثيون منعوا جمع البيانات الإنسانية... لكن الاحتياجات كانت أكثر وضوحاً (إعلام محلي)

وشدد فليتشر على أن غياب البيانات لا يعني غياب المعاناة، مؤكداً أن ملايين اليمنيين ما زالوا في حاجة إلى دعم عاجل ومتواصل لتجنب الانزلاق نحو مستويات أشد خطورة من الجوع.

كما حذَّر من أن أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون سوء تغذية حاداً، وأن كثيرين منهم معرَّضون لآثار صحية طويلة الأمد ما لم يحصلوا على الرعاية والدعم اللازمين.