الأرقام تتحدث عن الانهيار اللبناني في عهد عون

ارتفاع غير مسبوق في أعداد المهاجرين... و80 % تحت خط الفقر

تقديرات أممية تفيد بأن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات فقيراً (غيتي)
تقديرات أممية تفيد بأن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات فقيراً (غيتي)
TT

الأرقام تتحدث عن الانهيار اللبناني في عهد عون

تقديرات أممية تفيد بأن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات فقيراً (غيتي)
تقديرات أممية تفيد بأن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات فقيراً (غيتي)

قبل أقل من شهرين على الموعد الدستوري الذي يتيح انتخاب رئيس جديد للبنان، تتواصل الأزمة الاقتصادية والمالية الحادة التي تشهدها البلاد منذ خريف عام 2019 من دون مكابح، وإن كان البعض يعول على أن يؤدي انتهاء عهد الرئيس ميشال عون أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وانتخاب رئيس جديد إلى إرساء واقع جديد، خاصة إذا ما ترافق ذلك مع تفاهمات داخلية وخارجية كبرى.
وتنعكس أزمة سعر الصرف التي لم تنجح الجهات المعنية بلجمها، على كل مظاهر الحياة في لبنان وتؤدي لتحليق الأسعار وإفقار المزيد من اللبنانيين الذين لا تزال غالبيتهم العظمى تتقاضى رواتبها بالليرة اللبنانية التي فقدت أكثر من 90 في المائة من قيمتها. فبعدما كان سعر صرف الدولار في عام 2016 حينما انتخب عون رئيسا 1500 ليرة للدولار الواحد، بات يتراوح ما بين 28 ألف ليرة و30 ألفاً. ويُجمع الخبراء على مجموعة عوامل اقتصادية وسياسية مسؤولة عن الانهيار، ويتحدثون عن تراكمات ونظام فاسد قائم على المحاصصة الطائفية، إضافة لسياسات مالية بغطاء سياسي غير صحيحة أدت للانهيار.

ورغم ذلك يعتبر القيادي العوني السابق المحامي أنطوان نصر الله أن «عون يتحمل جزءا من ‏مسؤولية الانهيار من خلال عدم امتلاكه لأي خطة لإدارة الأزمة والخروج منها، فمثلا لم تكن لديه رؤية للتعامل مع الواقع الجديد بعد قرار التخلف عن دفع سندات اليوروبوندز، كما أنه غطى سياسة الدعم العشوائي التي ‏أدت لنفاذ احتياطيات مصرف لبنان، أضف أنه لم يكن له سياسة خارجية واضحة رغم أن وزراء الخارجية كانوا محسوبين عليه». ‏ويضيف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «‏كما أن ‏رفع تعريفة الاتصالات كان يجب أن يحصل قبل الانتخابات النيابية، لكنه تقرر أن يحصل بعد ذلك بتوافق سياسي عريض كان عون جزءا منه خوفا من أن يؤثر قرار كهذا على شعبيتهم».
‏ويشير نصر الله إلى أن «المرسوم الذي صدر مؤخرا وأعطى مساعدات مالية لجمعيات خيرية وكأن الدنيا بألف خير، بدا واضحا أنه وضع على أساس محاصصة سياسية مكشوفة، من دون أن ننسى المسؤوليات التي يتحملها عون وفريقه السياسي لعدم إنجاز أي إصلاحات تذكر رغم امتلاكهما أكبر كتلتين نيابية ووزارية وعرقلة تشكيل الحكومة أكثر ‏من مرة ليس بسبب خلاف على مشروع سياسي إنما بسبب صراع على الحصص». ويتابع: «قبل انتخابه كان العماد عون يردد: انتخبوني وأنا أتعب وأنتم ترتاحون ولكن ما حصل هو العكس تماما».
ورغم أن الأزمة انفجرت في عام 2019 بعد انتفاضة 17 أكتوبر الشعبية، يؤكد الخبراء أن شرارتها بدأت بالظهور قبل ذلك بكثير. وتقول الباحثة في الشأنين الاقتصادي والمالي والأستاذة الجامعية الدكتورة ليال منصور إن «كل المحللين الاقتصاديين والماليين كانوا يدركون أن لبنان مقبل على أزمة اقتصادية كبيرة، فحتى المواطن العادي المتابع لتقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كان يدرك أننا سنصل إلى ما وصلنا إليه»، متحدثة لـ«الشرق الأوسط» عن «عدة مؤشرات كانت تؤكد أن لبنان يلفظ أنفاسه الأخيرة، أبرزها الفائدة المرتفعة على الودائع في المصارف والتي كانت تؤكد أن حالة البلد غير جيدة وغير مستقرة خاصة أنها لامست الـ16 في المائة. كما أن احتياطي الدولار نسبة للودائع الأجنبية كان يوحي أن الوضع غير طبيعي خاصة أن الاحتياطي لم يكن صافيا وكان عبارة عن ديون». وتضيف «إلى ذلك فإن كل تقارير البنك الدولي كانت تحذر من الانهيار في حال عدم السير بالإصلاحات، كما أن كون 50 في المائة من دين الدولة للمصارف ظاهرة من ظواهر الفقر والتخلف التي نشهدها عادة في أفقر البلدان».

طابور خبز في مدينة صيدا جنوب لبنان (أ.ف.ب)
وتعتبر منصور أن «الهندسات المالية التي حصلت في العام 2016 هي المؤشر الأول لانطلاق شرارة الأزمة، حيث إن المعنيين بالوضع المالي كانوا يسعون من خلالها لإعطاء جرعات أكسجين صناعي للبلد بتكلفة عالية جدا».
ولعل أخطر ما تؤكده منصور هو أن الانهيار الفعلي لم يبدأ بعد، لافتة إلى «لا نزال في مرحلة تقديم المقبلات». وتضيف «يبدأ الانهيار الفعلي بالاعتراف بمصير الودائع. الأزمة شديدة وقوية وأزمة سعر الصرف لا تشبه أي أزمة أخرى؛ إذ لا تحتمل معالجة على حدة». مضيفة «للأسف نتوقع الأسوأ وأن يبقى لبنان لسنوات يعتمد على الأموال والقروض الخارجية، وأن تتلاشى تلقائيا الطبقة الوسطى».
ويشهد لبنان انهياراً اقتصادياً غير مسبوق صنفه البنك الدولي من بين الأسوأ في العالم منذ منتصف القرن الماضي يترافق مع تفكك الركائز الرئيسية لنموذج الاقتصاد السياسي السائد في البلاد منذ انتهاء الحرب الأهلية ويتجلَى بشكل أساسي في انهيار الخدمات العامة الأساسية.
وانحدر نحو 80 في المائة من اللبنانيين تحت خط الفقر مع اشتداد الأزمة. وبحسب تقرير صدر مؤخرا عن المقرر الخاص المعني بمسألة الفقر المدقع وحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أوليفييه دي شوتر حول لبنان، «يجد تسعة من كل عشرة أشخاص صعوبة في الحصول على دخل، وما يزيد على ستة أشخاص من كل عشرة سيغادرون البلد لو استطاعوا إلى ذلك سبيلاً».
أما معدل البطالة الرسمي في لبنان فارتفع نحو ثلاثة أضعاف على وقع الانهيار الاقتصادي الذي يعصف بالبلاد، وفق مسح جديد أجرته الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة وتم نشر نتائجه قبل فترة قصيرة. وأشارت إدارة الإحصاء المركزية في لبنان ومنظمة العمل الدولية في بيان صحافي إلى ارتفاع معدل البطالة في لبنان من 11.4 في المائة في الفترة الممتدة بين عامي 2018 و2019 إلى 29.6 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.
وأدى كل ما سبق تلقائيا لارتفاع عدد المهاجرين. وبحسب الشركة «الدولية للمعلومات» وصل عدد المهاجرين والمسافرين في العام 2021 إلى 79.134 شخصا مقارنة بـ17.721 شخصا في عام 2020 أي بارتفاع مقداره 61.413 شخصاً ونسبته 346 في المائة.
ونتيجة استفحال الأزمة بات الوصول إلى المواد الأساسية في البلد صعب المنال سواء لارتفاع أسعارها بشكل كبير أو لفقدانها من السوق. فمثلا ارتفع سعر صفيحة البنزين من 30 ألف ليرة إلى 675 ألفا، ربطة الخبز من 1500 ليرة إلى 13 ألف ليرة، كيلو السكر من 1500 ليرة إلى 35 ألفا، كيلو اللحم من 17 ألفا إلى 300 ألف. وباتت السلة الغذائية التي تحوي المواد الأساسية التي لا يمكن لأي عائلة الاستغناء عنها وتكفيها أقل من شهر تبلغ تكلفتها نحو مليون ونصف مليون ليرة بعدما كانت تبلغ قبل الأزمة أقل من 100 ألف ليرة.

جحيم اللبنانيين لا يقتصر على كل ما سبق إنما يقوم بشكل أساسي على تداعي الخدمات العامة نتيجة شح الأموال والاحتياطات. إذ يؤدي فقدان الفيول لانقطاع متواصل للتيار الكهربائي بحيث تقتصر التغذية الكهربائية في كثير من الأحيان على ساعة واحدة في الـ24 ساعة، وهو ما يؤثر على كل الخدمات الأخرى من مياه واتصالات، وعلى كل القطاعات التي باتت تشهد أزمات وجودية.
ويعتبر الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان أنه «من غير الطبيعي أن ينقلب الوضع خلال ثلاث سنوات رأساً على عقب، ولكنه ليس بالأمر المستحيل أيضاً، كون اقتصادنا صغير الحجم ويمكن بالمقابل تسجيل نمو سريع إذا طبقنا الإصلاحات المرجوة» لافتا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «العودة إلى مستويات حيث الناتج المحلي بحجم 50 مليار وما فوق، تحتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات، باعتبار أن الالتزام بالإصلاحات السابق ذكرها يسمح لنا بتسجيل فائض في الموازنة ما قد يؤدي إلى بحبوحة، وطبعاً الدفع باتجاه النمو ويرفع من مداخيل الدولة والخزينة العامة، الذي سينعكس بدوره إيجاباً على السياسات الاجتماعية التي تعتمدها الحكومات». ويتحدث أبو سليمان عن «نماذج وتجارب جديرة بالملاحظة، في طليعتها قبرص التي شهدت تعثراً في عام 2013 ثم عادت وخرجت في عام 2017 من محنتها وتمكنت من دخول الأسواق العالمية لتستدين بمعدلات فوائد منخفضة جداً. وذلك يعود إلى التزامها بالإصلاحات المطلوبة منها، سواء على صعيد القطاع المصرفي، وخصوصا المصرفين اللذين شهدا تعثراً، أو على الصعيد الاقتصادي».
ويشدد أبو سليمان على أن «لا سبيل للخروج من الأزمة الراهنة إلا من خلال تطبيق خطة التعافي، وإعادة الهيكلة على مستوى الإدارات العامة، وفي طليعتها مؤسسة كهرباء لبنان، والمرافق التي بمقدورها تأمين موارد للخزينة العامة، وإعادة هيكلة الدين العام والمصرف المركزي والمصارف التجارية»، مشيرا إلى أنه «إذا استمر الوضع على ما هو عليه، بلا أي إجراءات إصلاحية جذرية، سيزداد الوضع سوءاً بعدما تخطت نسبة الفقر الـ85 في المائة، وقد يؤدي إلى انفجار اجتماعي».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

تباين لبناني حول سقف التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
TT

تباين لبناني حول سقف التفاوض مع إسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن العاصمة (د.ب.أ)

تظهر المواقف اللبنانية من مختلف الأطراف تبايناً في مقاربة التفاوض المباشر مع إسرائيل، خاصة بعد تحديد تل أبيب وواشنطن في وقت سابق السلام سقفاً لهذه المفاوضات، في وقت ربط فيه رئيس الجمهورية جوزيف عون البحث بالسلام بوقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي، وعودة الأسرى، مؤكداً أن «المفاوضات لا تعني التنازل، ولا الاستسلام، بل هي لحل المشكلات»، فيما اعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام أن «لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على أن «المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام، وذي صدقية، ويحفظ سيادة لبنان، واستقراره».

رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

موقف «حزب الله» و«حركة أمل»

ويرفض «الثنائي الشيعي» («حزب الله» و«حركة أمل») رفضاً قاطعاً الحديث بخيار السلام مع إسرائيل، وينسجم مع جنبلاط بأن أقصى ما يمكن السير به هو هدنة مع تطوير معين.

وإذا كانت معظم القوى اللبنانية، باستثناء «الثنائي الشيعي»، تؤيد التفاوض المباشر مع إسرائيل لتحقيق ما لم يتم تحقيقه بقوة السلاح لجهة وقف الاعتداءات، وتحرير الأسرى والأرض، إلا أن هذه القوى لا تُجمع على أن تؤدي هذه المفاوضات لتوقيع اتفاقية سلام مع إسرائيل.

خلال تشييع عناصر في «حزب الله» قتلوا خلال المواجهات مع الجيش الإسرائيلي (د.ب.أ)

موقف الأحزاب المسيحية

ويبدو حزبا «القوات» و«الكتائب» أشد المتحمسين لحلول دائمة للصراع مع إسرائيل، ويدفعان لاتفاق سلام معها بعد تلبية مطالب لبنان الرسمي.

واعتبر رئيس حزب «القوات» سمير جعجع مؤخراً أن «السلام مع إسرائيل ضرورة لا خيار»، مشدداً على أن «الحاجة الآنية ليست إلى هدنة، أو وقف إطلاق نار جديد، بل إلى إنهاء حالة الحرب نفسها»، فيما رأى رئيس «الكتائب» النائب سامي الجميل أن «التفاوض هو السبيل الوحيد لوقف النار، وتحقيق الاستقرار، والسلام للبنان».

رئيس حزب «القوات» سمير جعجع ورئيس حزب «الكتائب» النائب سامي الجميل في لقاء سابق للمعارضة (أرشيفية)

وتعتبر مصادر «القوات» أن «الكلمة في المفاوضات هي للميدان. فمن جرنا أصلاً إلى المفاوضات هو (حزب الله) لأنه لولا حرب الإسناد لما كنا اليوم وجهاً لوجه مع إسرائيل، من هنا هو يتحمل المسؤولية كاملة لما يحصل من تفاوض، ولما يمكن أن تصل إليه هذه المفاوضات»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «إسرائيل لم ولن تكتفي بإعلان سيطرتها على حزام أصفر وضمناً 55 بلدة، فهي تعمل على محو آثار عشرات القرى، والحرب مستمرة، والتوغل مستمر، وبالتالي كيف يمكن إيقاف هذا التدهور إلا من خلال المفاوضات؟! أما القول بأننا لا نقبل إلا بالهدنة، ولا نقبل بالسلام، فالموضوع ليس لدينا، وما نقبل به إنما لدى إسرائيل، فمن قال إنها تقبل بالعودة للهدنة مقابل الانسحاب، ووقف الاعتداءات». وتضيف المصادر: «لا يصح التعاطي مع الأمور وكأننا منتصرون نحدد الشروط... والأولوية بالنسبة إلينا تبقى بتحمل الدولة مسؤوليتها بتنفيذ قراراتها بنزع سلاح (حزب الله) قبل الحديث عما نقبل به كسقف للمفاوضات، وما لا نقبل به».

رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل ونواب في كتلته بعد تسمية نواف سلام لرئاسة الحكومة (أرشيفية - رويترز)

من جهتها، ترى قيادة «التيار الوطني الحر» أن «التفاوض المباشر الهادف إلى الوصول لسلام عادل ودائم نحن من مؤيديه، لكنه يستوجب تشاوراً وطنياً وعربياً ليكون لبنان محصناً في خطوة بهذه الخطورة».

ويعتبر النائب عن «التيار الوطني الحر» جيمي جبور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «التفاوض يكون دائماً وسيلة لتحقيق الأهداف التي هي اليوم استعادة الأرض والأسرى وكل الحقوق، وأولها وقف الاعتداءات، لذا لا بد من قراءة واقعية تراعي المصلحة اللبنانية، فإن كان الرجوع لاتفاق الهدنة كافياً فلم لا؟ ولكن إن تطلب الأمر تفاوضاً وإن مباشراً يجب على الحكومة الموازنة بين مراعاة الوضع الداخلي ومقتضيات الوفاق الوطني وبين الذهاب لمفاوضات مباشرة».

موقف «الاشتراكي»

ويوضح النائب عن «الحزب التقدمي الاشتراكي» بلال عبد الله أن حزبه يؤيد التفاوض «لكن المشكلة هي بالسقف الذي وضع لهذا التفاوض، إذ نحن نتحدث عن سقف أمني يحمي لبنان، ويوقف الاعتداءات، ويعيد الأرض والأسرى والإعمار، فيما البعض يريد أن يذهب لاتفاق سياسي نعتقد أن الجو غير مواتٍ له»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «نعتقد أنه يفترض أن نبقى ضمن السقف العربي الذي عبرت عنه القمة العربية في بيروت عام 2002... وأصلاً ما أعلنه الزعيم وليد جنبلاط ليس بعيداً عما سمعناه من رئيس الجمهورية لجهة أن التفاوض هو لحماية لبنان، فلا أحد يتحدث بمشروع سلام راهناً».

الرئيس جوزيف عون مستقبلاً رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط والنائب تيمور جنبلاط (الرئاسة اللبنانية)

ويعتبر عبد الله أن «موضوع السلام متدرج قد نصل له وقد لا نصل وهو مرتبط بالنوايا الإسرائيلية... لكن قبل وقف إطلاق النار، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة عن أي سلام نتحدث؟ مع تشديدنا على أن اتخاذ خيار بهذا الحجم يحتاج موقفا وطنياً موحداً».

الأكثرية السنية

من جهته، يعتبر رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، المسؤول السني الأرفع في البلد، أن «لبنان، كما المنطقة بأسرها، يحتاج إلى السلام»، مشدداً على أن «المطلوب لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يتعداه إلى حل مستدام، وذي صدقية، يحفظ سيادة لبنان، واستقراره».

وفي هذا الإطار يرى النائب أحمد الخير أنه «يمكن رصد اتجاه عام في المزاج السني اليوم عبر ميله بوضوح إلى دعم الدولة اللبنانية، ومؤسساتها، والتمسك بتطبيق (دستور الطائف)، ومواكبة الخطوات التي يقوم بها رئيسا الجمهورية والحكومة فيما يتعلق بإدارة ملف التفاوض بهدف تثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى هدنة مستقرة ودائمة، بما يضمن حماية لبنان، وصون سيادته، والعمل على تحرير أرضه ضمن مقاربة مسؤولة تأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان أولاً».

أما فيما يخص مسألة السلام، فيشير الخير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المزاج السني أيضاً يقف خلف موقف الدولة اللبنانية المنسجم مع الإجماع العربي الذي يستند إلى مبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، بما تعكسه من مقاربة شاملة تربط السلام العادل والشامل بإنهاء الاحتلال، وتحقيق الحقوق المشروعة».


ضغوط واشنطن على بغداد «تمهّد لاعتقال قادة فصائل»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

ضغوط واشنطن على بغداد «تمهّد لاعتقال قادة فصائل»

مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)
مدرّعة عراقية قرب السفارة الأميركية في بغداد (أ.ف.ب)

تتصاعد الضغوط الأميركية على العراق بالتزامن مع تعثر تشكيل الحكومة الجديدة، في وقت تشير فيه مصادر مطلعة إلى أن واشنطن تهيئ الأرضية لمطالب «أكثر تشدداً» قد تضع القيادة المقبلة أمام اختبار مبكر يتعلق بملف الميليشيات المسلحة.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن عرض مكافآت مالية على بعض قادة الفصائل مقابل الإدلاء بمعلومات عن قيادات بارزة «لا يقتصر على كونه إجراءً استخبارياً تقليدياً، بل يمثل خطوة تمهيدية لمرحلة لاحقة قد تتضمن مطالبة الحكومة الجديدة باعتقال تلك القيادات، ضمن شروط ترتبط باستمرار التعاون الأمني مع الولايات المتحدة».

وأضافت أن هذه المطالب، التي تشمل حتى الآن أحمد الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله»، وأبو آلاء الولائي زعيم «كتائب سيد الشهداء»، تعد «الأكثر تحدياً» لأي حكومة مقبلة، نظراً لحساسية موقع الشخصيات المستهدفة داخل البنية السياسية والعسكرية.

بيان المكافأة التي نشرته الخارجية الأميركية لمن يدلي بمعلومات عن أحمد الحميداوي زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

ويشير مراقبون إلى أن هذا التوجه يعكس تحولاً في الاستراتيجية الأميركية من سياسة الاحتواء إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة مع بغداد، خصوصاً بعد تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بالصراع بين واشنطن وطهران، التي غالباً ما تنعكس على الساحة العراقية عبر الفصائل المسلحة.

في هذا السياق، أفاد مسؤول أمني كبير بأن الولايات المتحدة ألغت اجتماعاً فنياً للتحالف الدولي كان مقرراً عقده في بغداد، وعلّقت أي قنوات تواصل غير روتينية مع الحكومة الحالية، بانتظار اتضاح شكل الحكومة المقبلة.

وكانت تقارير أميركية أفادت في وقت سابق بأن واشنطن ربما منعت نقل شحنة مالية تُقدر بنحو 500 مليون دولار من عائدات النفط العراقي إلى بغداد، على خلفية تعثر جهود الحكومة العراقية في تفكيك الفصائل الموالية لإيران.

ووفقاً للمصادر، فإن واشنطن لا تدعم مرشحاً بعينه لرئاسة الوزراء، لكنها تربط أي انخراط سياسي أو أمني أوسع باتخاذ خطوات «ملموسة وجادة» للحد من نفوذ الميليشيات المسلحة.

ترتيبات استثنائية

تتقاطع هذه الرسائل مع أزمة داخلية متفاقمة، إذ استنفدت القوى السياسية الشيعية المدد الدستورية لتشكيل الحكومة دون التوصل إلى توافق، ما يضع البلاد أمام سيناريوهات معقدة، بينها احتمال اللجوء إلى ترتيبات استثنائية أو استمرار حكومة تصريف الأعمال لفترة أطول، وهو خيار يعارضه خصوم محمد شياع السوداني.

وشهدت اجتماعات «الإطار التنسيقي» في الأيام الأخيرة توتراً واضحاً، لا سيما بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، حيث فشلت الأطراف في الاتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء. وحسب مصادر سياسية، فإن الخلافات لم تعد تقتصر على الأسماء، بل تمتد إلى آلية الاختيار وشكل الحكومة المقبلة، بين من يدفع نحو توافق شامل ومن يفضل الحسم عبر التصويت.

جانب من اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 24 أبريل 2026 (إكس)

وطرحت خلال المداولات عدة أسماء، بينها حيدر العبادي وعدنان الزرفي ومحمد صاحب الدراجي، وسط حديث عن «مرشحي تسوية» قد يحظون بقبول داخلي وخارجي، خصوصاً في ظل الحاجة إلى موازنة العلاقات مع كل من الولايات المتحدة وإيران.

ويرى محللون أن الضغوط الأميركية قد تؤثر بشكل غير مباشر على عملية اختيار رئيس الوزراء، إذ قد تميل بعض القوى إلى دعم شخصية قادرة على التعامل مع هذه المطالب دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية مع الفصائل المسلحة، التي تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً.

في المقابل، تحذر قوى داخل «الإطار التنسيقي» من أن الاستجابة الكاملة للشروط الأميركية قد تؤدي إلى تفكك التحالف الحاكم أو إشعال توترات داخلية، خصوصاً إذا ما طالت الإجراءات قيادات محسوبة على قوى سياسية رئيسية.

ومع استمرار حالة الانسداد، تبدو الحكومة المقبلة أمام معادلة معقدة؛ تحقيق توازن بين الضغوط الدولية المتزايدة، والحفاظ على التماسك الداخلي، في بيئة إقليمية مضطربة تجعل من العراق ساحة تداخل بين مصالح متعارضة.


الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)
أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)
TT

الأولى منذ اندلاع الحرب... بدء التصويت في الانتخابات البلدية بالضفة ووسط غزة

أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)
أقام مسؤولون انتخابيون فلسطينيون مركز اقتراع في خيمة لإجراء الانتخابات البلدية بدير البلح (أ.ف.ب)

فُتحت مراكز التصويت صباح اليوم (السبت)، في جميع مناطق الضفة الغربية ووسط قطاع غزة، أمام الناخبين الفلسطينيين، لانتخاب المجالس البلدية في أول عملية اقتراع منذ اندلاع حرب غزة، بحسب ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وبدأت عملية التصويت في الساعة السابعة صباحاً بتوقيت القدس (04:00 ت غ)، على أن تنتهي عند الساعة الخامسة مساء (14:00 ت غ) في غزة، وعند الساعة 19:00 (16:00 ت غ) في الضفة. وقالت اللجنة المركزية للانتخابات إنه يحق لنحو مليون ونصف مليون فلسطيني الإدلاء بأصواتهم.

ممثلو المرشحين الفلسطينيين ينتظرون خارج مركز اقتراع خلال الانتخابات البلدية في مدينة جنين بالضفة (أ.ف.ب)

وأظهرت لقطات لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» من البيرة بالضفة الغربية ودير البلح في وسط قطاع غزة، ناخبين يدلون بأصواتهم، وآخرين ينتظرون أمام مراكز، بينما قدم آلاف الفلسطينيين للإدلاء بأصواتهم.

ومعظم القوائم الانتخابية تابعة لحركة «فتح» التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، أو إلى مستقلين.

أدلت امرأة فلسطينية بصوتها في مركز اقتراع خلال الانتخابات البلدية بمدينة الخليل بالضفة (أ.ف.ب)

ولا توجد أي قوائم تابعة لحركة «حماس»، الخصم اللدود لحركة «فتح»، التي تسيطر حالياً على نحو نصف مساحة قطاع غزة، فيما تسيطر القوات الإسرائيلية على النصف الآخر منه.

يُظهر رجل فلسطيني إصبعه التي تحمل علامة بعد الإدلاء بصوته في مركز اقتراع خلال الانتخابات البلدية بمدينة البيرة بالضفة (أ.ف.ب)

ويشارك آلاف من عناصر الشرطة في تأمين الانتخابات بمدن وقرى الضفة الغربية، بينما يتولى نحو 250 شرطياً يتبعون لوزارة الداخلية التي تديرها «حماس»، تأمين مراكز التصويت في دير البلح، وفق مصادر أمنية.