«داعش»... العالم السفلي و«التكلفة السلطانية»

«داعش»... العالم السفلي و«التكلفة السلطانية»

الاثنين - 11 ذو الحجة 1443 هـ - 11 يوليو 2022 مـ رقم العدد [ 15931]
عناصر من قوى الأمن اللبناني يعرضون شعاراً لـ«داعش» وأسلحة كانت معدة لاستخدامها في العمليات الانتحارية (أ.ف.ب)

بعد أكثر من 3 سنوات من إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بزهو هزيمة خلافة «داعش» بنسبة «100%»، تواصل الجماعة الإرهابية استغلال حالة عدم الاستقرار في المنطقة والفقر المستشري بها لتجنيد مقاتلين جدد وتمويل عملياتهم.

وتبعاً لما أفاد به صحافيون مقيمون في المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد في شمال شرق سوريا، فإن «داعش» تستخدم الآن تكتيكات شبيهة بالمافيا لتمويل عملياتها. ومن دون امتلاك أي أرض مادية، تدير خلايا الجماعة خططاً مربحة لكسب المال مثل التهريب والابتزاز، مدعومة بالتهديد الحقيقي المتمثل في العنف الجسدي والموت.

ورغم ذلك، لا تزال الجماعة بعيدة كل البعد عن أيام مجد «داعش» كأفضل المنظمات الإرهابية تمويلاً في العالم. عام 2014 عندما كانت «الخلافة» في أوجها، كان تنظيم «داعش» يربح 3 ملايين دولار يومياً، جاء معظمها من بيع النفط في السوق السوداء لدول مثل تركيا وسوريا. وشملت مصادر التمويل الإضافية عمليات خطف ونهب وتبرعات أجنبية. إلا أنه مع سقوط الخلافة جفت مصادر التمويل. وبعد تمشيط المناطق التي تحت سيطرتها، صادرت قوات سوريا الديمقراطية وقوات التحالف الدولي كميات ضخمة من الذهب والأموال كانت بحوزة «داعش».

بعد هزيمته الأخيرة على الأرض في الباغوز في مارس (آذار) 2019، لم يختفِ تنظيم «داعش» والمتعاطفون معه تماماً. وبدلاً عن ذلك، ذهب أفراد الجماعة تحت الأرض وأعادوا تنظيم أنفسهم في خلايا نائمة جاهزة للظهور من جديد وإحداث الفوضى. وللبقاء على قيد الحياة بهذه الطريقة السرية، تعمل «داعش» الآن مثل واحدة من جماعات الجريمة المنظمة. وغيّرت «داعش» طريقة عملها في الشمال الشرقي إلى تمرد منخفض المستوى، وحافظت على إيقاع منتظم لهجمات الكر والفر ضد قوات سوريا الديمقراطية مع استخدام التخويف والإكراه لفرض الامتثال والإتاوات المالية من السكان العرب الذين يختبئون فيما بينهم.

أصبح التهريب الآن الطريقة الرئيسية لـ«داعش» لكسب المال. وتعتمد الجماعة بشكل مباشر على جمع الإتاوات من الأفراد المهربين الذين يديرون المعابر النهرية غير الرسمية والخطيرة في كثير من الأحيان على نهر الفرات والتي تفصل المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية على الضفة الشرقية عن الأراضي التي يسيطر عليها نظام الأسد والميليشيات التي يقودها الحرس الثوري الإيراني على الضفة الغربية.

وحسب دارين خليفة، المحللة البارزة لدى مجموعة الأزمات الدولية (إنترناشونال كرايسس غروب)، فإن «عناصر (داعش) استغلوا حدود المنطقة المليئة بالثغرات وطرق التهريب مع العراق والمعابر الداخلية التي يسيطر عليها المتمردون المدعومون من تركيا في الشمال، والنظام على ضفتي نهر الفرات الجنوبية والغربية، بغرض تحويل الأموال والمقاتلين وحتى المواشي».

وشرحت خليفة أن «(داعش) يعمل مثل المافيا التي تستغل المؤسسات والشركات الحاكمة من خلال الابتزاز. في بعض الحالات، تولت الجماعة تعيين موظفي المجالس المحلية ليكونوا نقطة محورية في تحصيل المدفوعات (في شكل إما ضريبة وإما إتاوة) من أعضاء المجلس الآخرين».

وفي الوقت الذي تعمل خلايا «داعش» في شمال سوريا، بما في ذلك محافظة إدلب وريف مدينة الرقة وبلدة منبج، فإن معقلها يتمثل في دير الزور والقرى المحيطة بها. وتولت قوات سوريا الديمقراطية، بمعاونة قوات التحالف، إجراء عمليات عسكرية وأمنية بشكل منتظم تستهدف الخلايا النائمة لـ«داعش» في المنطقة. إلا أن المهمة أصبحت أكثر صعوبة بسبب التوترات المستمرة بين القبائل العربية المحلية وقوات سوريا الديمقراطية. واستغلت «داعش» هذه الانقسامات لكسب مخبرين من أبناء السكان المحليين، ما جعل مهمة قوات سوريا الديمقراطية في محاربة «داعش» شبه مستحيلة. جدير بالذكر هنا أن تجارة النفط والوقود توفر مصدراً مهماً آخر للإيرادات، وترتبط ارتباطاً مباشراً بعمليات التهريب التي يتلقى «داعش» من ورائها عائدات مالية. وحسب صحافي مقيم في دير الزور، فإن «داعش» يحصل على أموال من أصحاب آبار النفط وخزانات الغاز وناقلات النفط في جميع مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا مقابل عدم مهاجمتهم.

ويشمل ذلك شركة «القاطرجي» التي لديها عقود لنقل النفط مباشرة من مناطق الإدارة الذاتية إلى مناطق سيطرة نظام الأسد. ويدير مجموعة «القاطرجي» حسام أحمد قاطرجي المدرج على قائمة العقوبات الأميركية لكونه وسيطاً في تجارة القمح والنفط بين نظام الأسد و«داعش»، ويقال إن الأخير يدير ميليشياته الخاصة التي توفر الأمن للشاحنات التي تعبر الطرق الصحراوية الخطرة في شرق ووسط سوريا، حيث تتزايد معدلات هجمات «داعش».

وحسب طلاس سلامة، قائد جيش أسود الشرقية، فإن الإتاوات التي يفرضها «داعش» على جميع التجار بمن فيهم أصحاب خزانات النفط والمهربين عند المعابر غير النظامية في المنطقة، تندرج جميعها تحت اسم «الكلفة السلطانية» (تكلفة السلطة)، بدلاً عن «الزكاة». وبعد أن فقد «داعش» السيطرة على الأرض، فقد كذلك حقه «القانوني»، وفقاً للمبادئ الإسلامية، في تحصيل الزكاة من السكان المحليين. وبدلاً من ذلك، تضمن الإتاوات المفروضة احتفاظ الجماعة بمصدر مستمر للإيرادات، إلى جانب السيطرة على السكان.

ومثلما الحال مع الزكاة، تُفرض «الكلفة السلطانية» على كل شخص قادر على الدفع. ويتضمن ذلك كبار ملاك الأراضي وأصحاب الأعمال والمهربين، وأيضاً أي مدني يمكن وصفه تقريباً بأنه من الطبقة الوسطى. كما يشكل موظفو المنظمات الدولية والأطباء والمعلمين أهدافاً مفضلة في هذا الإطار. تبدأ قيمة الضريبة من 2 إلى 4% سنوياً من قيمة الممتلكات المملوكة للفرد أو الثروة الإجمالية للفرد. ويرتفع معدل الضريبة بشكل كبير بالنسبة لتجار النفط ويمكن أن يصل إلى 10000 دولار شهرياً في بعض الحالات. وبلغ ترهيب «داعش» درجة أن المسؤولين في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقادة قوات سوريا الديمقراطية يفضلون الدفع، بدلاً عن المخاطرة بالتعرض للقتل.

ومن أجل تحصيل «الكلفة السلطانية»، يرسل «داعش» برسائل عبر تطبيق «واتساب» باستخدام رقم غير مسجل بأمر من الأمير المسؤول عن المنطقة. وتنص الرسالة على أن الدفع مطلوب في غضون عدة أسابيع. وإذا لم يتم السداد، يجري إرسال تهديد صريح وواضح. وتختلف طبيعة التهديد تبعاً للأمير المسؤول عن المنطقة، حسبما ذكر صحافي مقيم في الرقة، تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته. في بعض الأحيان، يجري وضع رسالة مكتوبة مرفقة برصاصة أمام المنزل، أو يتم تسليمها باليد للشخص الذي يرفض الدفع. وفي أوقات أخرى، يجري إرسال صورة لمنزل الشخص أو ممتلكاته إلى جانب إحدى العبوات الناسفة أو مقطع فيديو لانفجار سابق. باختصار، فإن الترهيب يظل البصمة المميزة لـ«داعش».

بعد ذلك، يجري الاتفاق على الموقع، حيث سيجري تسليم المبلغ المطلوب. في المقابل، يجري تقديم فاتورة مختومة بختم المنظمة لمنع أي محاولات إضافية لتحصيل التكلفة الملكية مرة أخرى.

وقد تعرض عدد من الأشخاص للقتل بالفعل لرفضهم الدفع. ففي يوليو (تموز) 2020، قُتل مدني في مدينة البصيرة لهذا السبب. وفي ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، قطعت عصابات «داعش» رأس رجلين كانا يحاولان تحصيل إتاوات «داعش». وتركت الجماعة ملاحظة تحذّر الآخرين من أنهم سيلقون المصير ذاته. عام 2020 تم الإبلاغ عن حالات تدمير محاصيل زراعية ومنازل ومحلات تجارية بعبوات ناسفة، بما في ذلك عيادة أسنان ومركز صحي صغير في ريف دير الزور الشرقي تعرض للتفجير منذ فترة قصيرة.

وبينما تحدثت قوات سوريا الديمقراطية علانية عن عملياتها لاستهداف الخلايا النائمة لـ«داعش» في المناطق الخاضعة لسيطرتها، لم تصدر تصريحات رسمية أو حتى ضمنية عن قيام «داعش» بتحصيل ضرائب من نوع الزكاة أو تحذير المواطنين بشأن الدفع. من المحتمل أن تكون قيادة قوات سوريا الديمقراطية غير راغبة في الاعتراف بحجم المشكلة، الأمر الذي ربما تقف وراءه عدة أسباب منها أن هذا ينعكس بشكل سيئ على سجلّها وصورتها بمجال مكافحة «داعش». ويتمثل سبب آخر في أن هذا الأمر ينطوي على المخاطرة بإشعال مزيد من الاحتكاكات مع القبائل العربية في شمال شرقي سوريا.

وفي حين أن خلايا «داعش» صغيرة العدد ولا تمثل المجتمع الأوسع، إلا أنها تحافظ على الدعم الكافي من شبكات القرابة الوثيقة للاستمرار في الوجود وممارسة نفوذها على الصعيد المحلي، الأمر الذي سمح بدوره للتنظيم الإرهابي بالاستمرار في مخططاته المالية المختلفة. ربما تكون الخلافة المادية قد ماتت، لكن «داعش» الآن يسكن العالم السفلي. وبالتالي، لم تعد القنابل الموجهة بدقة هي الحل.

* باحثة بريطانية


اختيارات المحرر

فيديو