الشاعر القصاص والفنان عبلة يتبادلان القصيدة واللوحة

في أمسية استضافها منتدى عفيفي مطر بغاليري «ضي»

جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
TT

الشاعر القصاص والفنان عبلة يتبادلان القصيدة واللوحة

جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن
جانب من الندوة التي تناولت الصورة في الشعر والفن

افتتح منتدى عفيفي مطر بغاليري «ضي» في حي الزمالك الراقي، بالقاهرة، أنشطته بأمسية جمعت بين الشعر والفن التشكيلي، وذلك على هامش معرض استعادي ضم كثيراً من أعمال الفنان المصري محمد عبلة، وشارك في الأمسية عبلة، والشاعر جمال القصاص، وقدمها الشاعر والكاتب الصحافي محمد حربي، الذي أشار في البداية إلى أن القصاص هو «من القلائل في المشهد الشعري المصري الذين يجيدون قراءة الفن التشكيلي بعمق شعري، وتربطه بأعمال محمد عبلة وشائج قربى من الجمال والإبداع. لذلك سنستمع إليهما وهما يتبادلان الأدوار، صعوداً إلى الشعر واللوحة معاً».
وذكر القصاص في مداخلته أن «محمد عبلة يصنع نقطة حميمية لعناق الشعر والفن التشكيلي في أعماله، كما أن علاقة الشعر بالتشكيل تأتي من خلال تجربتي شاعراً ومعايشتي للفن التشكيلي، ففي أعماقي فنان تشكيلي هارب، يكتب الشعر بمنظور بصري، ويحيل مرجعيته إليه، وليس للبلاغة التقليدية المعتادة. زمن الفنان التشكيلي هو زمن الصورة، يشكلها ويرسمها بإحساسه ومدى علاقته باللون والفراغ، والخط والمساحة، وكل المفردات التي تكوّن العمل الفني، الذي يصنع في النهاية الصورة الفنية، أما زمن الشاعر فتشكله اللغة، ينفتح من خلالها على ذاته والعالم من حوله».
وذكر القصاص أنه حين اقترح على الفنان محمد عبلة أن يسمي معرضه الاستعادي «مراحل» كان يعني ذلك، «فكل فنان مجرّب ومغامر له مراحل، ومحطات فنية، يراكم فيها معرفته وطرائقه الجمالية ويغادرها إلى محطة أخرى، لكن دائماً هناك علاقة بين كل محطة وسابقتها، من هنا يمكن القول إن مرحلة الطفولة مهمة جداً في تشكيل أي مبدع، وهي ليست مرتبطة باللغة فقط، ولكن بوعي الفنان. مناخات الطفولة حتى الآن تومض في لوحات محمد عبلة، وهي التي تقي الفن من عطب الشيخوخة، وتمنحه زمناً متجدداً. نحن نبحث دائماً عن طفولة الأشياء، والفن واللغة والزمن، والحب والحرية، والجمال، فهي تعني أننا نستطيع أن نصعد إلى الأعلى، وتعني أن الفنان يبحث عن لحظة خاصة، يستمدها من النور الداخلي الذي يصنعه فنه وينعكس على ذاته، وهذه اللحظة الخاصة يبحث عنها الشاعر أيضاً، يصنع من خلالها تميزه وتفرده، وخصوصيته، وهناك نقطة مهمة تتجلى بين التشكيل والشعر، تتركز في فكرة الكم المفتوح، فالشعر الحقيقي لا يمكن تأويله في دلالة محددة، وكذلك اللوحة لا تستطيع أن تقبض على معنى تام ونهائي لها، لأنها قابلة مع كل قراءة ومشاهدة أن تمنحك نفسها بشكل جديد. في أعمال محمد عبلة هناك ما يمكن أن نسميه (قصائد بصرية)، تكاد تفك الإطار وتخرج وتحتضن مشاهدها وتعانقه. مغامرة عبلة في الفن تستند على روافد كثيرة وتراكمات متنوعة من الخبرة، التي تلتقي فيها كل حدوسات المعرفة الإنسانية والفكرية والفنية والجمالية، والمسألة هنا ليست في تراكم الخبرة، لكن فيما يفعله الفنان بها وقدرته على استغلالها في الانفتاح على عالمه وذاته ومشاعره وعلى العالم الخارجي أيضاً».
ويستند عبلة في مغامراته التشكيلية، حسب رأي القصاص، على ركيزتين أساسيتين، الأولى أن الفن لديه فعل معايشة مستديمة لكل مفردات الطبيعة والحياة والواقع بكل انكساراته وصعوده، سياسياً واقتصادياً، وهو مسلح دائماً بالتأمل، بالقدرة على النفاذ فيما وراء الأشياء والعناصر، والتقاط المصادفة، ليصنع منها فنه، فهو قادر على صناعة لوحاته من فجوة أو حفرة في الشارع، أو شق في جدار، إن فكرة المعايشة اليومية يرفدها حجر آخر وركيزة أخرى، وهي الابتكار، فعبلة فنان حلول ابتكارية بامتياز، للخامة واللون والشكل والخط، والرؤية، وهي حلول متحركة، بقوة الفن والشعر معاً، ففي أعماله ثمة تجليات شعرية مغوية، من أبرزها شعرية الضوء، التي تجلت في معرضه الممتع «أضواء المدينة» ومغامرة اللعب مع النور الاصطناعي، عكس ما هو معتاد في الفن. فالضوء يتراءى في عزلته متجسداً في مصباح عمود إنارة يرعش تحت رذاذ المطر، وكأنه صدى لرعشة المدينة نفسها، في المقابل هناك الضوء الكرنفالي الصاخب في سهرات السمر بالمراكب النيلية، وفي طقوس الأفراخ الشعبية. وهناك شعرية اللون، وهي البطل الذي يضبط إيقاع كل الشعريات الأخرى، وهناك شعرية الحكاية، والطبيعة والمكان، بخاصة في لوحات المنظر الطبيعي، وشعرية النار والطرق في الأعمال النحتية، التي تستخدم الصب بخامة البرونز. ومن أرق شعريات عبلة شعرية الماء والنيل. حيث يظهر السطح رجراجاً بألوانه وكائناته، النيل عنده يعتبر قصيدة مفتوحة على هموم البشر والناس، وبعدهما الفكري والبصري، وقد غاص في قاع النيل الذي عاني من البشر وتصاريف الزمن، محتفياً بالونس به وشعرية مائه، بتجددها وحركيتها الدائمة.
وعرج القصاص على أعمال عبلة الغرافيكية، مشيراً إلى أن ما يلفت النظر، برغم صلادة الخامة، هو طابعها الشعري، وإيقاعها الموسيقي الخاص الذي يصل باللون إلى قوة إيحاء داخلية تضفي جواً من الدفء والبهجة على الإشارات والرموز في اللوحات التي ترتكز على بساطة التكوين وعفوية الخطوط والأشكال، والميل إلى ألوان تلقائية متفجرة وناصعة والانفلات من إيقاع البناء الهندسي الصارم، مع الاهتمام بالضوء وعنصر الحركة، ما يساهم في إبراز الفراغ والإيحاء به وتنظيمه على مسطح الكتلة بشكل انسيابي تلقائي، وفي سياق من العلاقات الجمالية الجديدة الخاصة.
ومن جهته، تحدث الفنان محمد عبلة عن علاقته بالشعر من خلال دواوين وقصائد جمال القصاص، وقال إنه من أوائل من كتبوا عن معارضه، وقد عرفه عن طريق الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر، وقد كان بالنسبة له ميزاناً لمعرفة الغث والسمين في الحركة الثقافية المصرية. وقال عبلة: «كنت أتردد وقتها على أتيليه القاهرة، وقد شعرت أن هذا هو المكان الذي يمكنني من خلاله أن أرى مصر، وقد كان عفيفي يشير لي إلى من يمكن أن أقيم معهم علاقات مجدية ومفيدة، كان عفيفي يرى أن جمال القصاص شاعر صاحب خصوصية، وقد دفعني هذا لقراءة شعره مبكراً، وحين بدأت في إقامة معارض لي كان هو أيضاً يتابعني، ويهتم بما أقدم من فن، وأنا أعتبره من أهم شعراء مصر حالياً وهو قادر على الابتكار في إطار قصائده، فهو لا يستعير ابتكارات غيره ولا مغامراتهم، وحين نقرأ قصائده نجدها دائماً تشكل تكوينات جديدة وتخريجات مبتكرة للغة، هناك علاقات خاصة جداً بكل لفظ يخلق من خلاله عوالم جديدة ومدهشة بما فيها من استعارات خاصة به، وهو قادر على استنباط الجديد دائماً».
ولفت عبلة إلى أن علاقته بالشعر والشعراء جعلته يدرك قيمة الاختزال والتكثيف والاختصار، فبعد أن درس الفن في مصر والنمسا وسويسرا، وقام بتدريسه أيضاً، فهم ماهية الفن الحديث والمعاصر، وكان دائماً حريصاً على ألا تكون مغامراته داخل تاريخ الفن، وألاعيبه، وقال: «هناك فنانون كثيرون تشعر في أعمالهم بقوة التعبير في ألوانهم أو ملامسها، أو في حلولهم التكعيبية والتجريدية التي يلجأون إليها وتظهر في أعمالهم ويقدمونها بشكل جميل، أما أنا فقد كنت دائماً أبتعد عن الوقوع في فخ اللعب مع الفن، وقد استعضت عن ذلك باستخدام ما لديّ من معرفة للعب مع ذاتي وحياتي وتاريخي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
TT

«شمس» السعودي لسبر أغوار الطقس الفضائي

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)
شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت «وكالة الفضاء السعودية» إطلاق قمرها الاصطناعي الجديد «شمس» والتواصل معه بنجاح، ضمن مهمة «آرتيمس2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح فقط، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية مختصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي. وسيتيح تغطية واسعة لرصد النشاط الإشعاعي، وسيسهم في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.


مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
TT

مصريون يغيّرون عادات راسخة في الطعام بفضل «الفضاء الإلكتروني»

وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)
وجبة دجاج مصرية (صفحة تعليم وصفات للمبتدئين للاحتراف)

اكتسبت الأم المصرية عزة فؤاد (57 عاماً) عادات جديدة في الطبخ بفعل تنقلها بين صفحات الطباخين على مواقع التواصل الاجتماعي، ما أضفى تجديداً على سفرتها، وبنى جسراً للتواصل مع أبنائها لمحاولتها مسايرتهم فيما يفضلونه من وجبات.

وتقول عزة، وهي ربة منزل تسكن منطقة المعادي (جنوب القاهرة)، إنها على عكس شخصيتها المحافظة، والرافضة للعديد من «التقاليع الحديثة»، استفادت من صفحات الطبخ، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «أشاهدها وأضيف لمساتي الخاصة».

وساهم الفضاء الإلكتروني في تبديل علاقة مصريات بالطبخ، الذي يتعدى كونه شكلاً من أشكال أعمال الرعاية التي تقوم بها السيدة لأسرتها، ليحمل دلالات اجتماعية وطبقية، حسب الباحثة في الإنثروبولوجيا، لُجين خيري.

وتقول لُجين لـ«الشرق الأوسط»، إن الإنترنت، تحديداً «السوشيال ميديا»، خلقت نوعاً من الإتاحة الكبيرة لدى السيدات اللاتي أصبحن يتابعن طبخات جديدة كل يوم عبر هواتفهن، وهو ما لم يكن متوفراً من قبل، حين كان تعلم الطبخ يحتاج إلى كتب لا يمتلكها الجميع، أو متابعة برامج في أوقات معينة قد لا تناسبهن.

وجبة مصرية تقليدية (الشرق الأوسط)

بفعل صفحات الطبخ، تعلمت عزة وجبات جديدة مثل «كفتة الفراخ»، التي تصنعها من صدور الدجاج بعد فرمها، في محاكاة للكفتة التقليدية التي تُصنع من اللحم المفروم.

كما طورت الأم المصرية من وصفات قديمة كانت تعرفها، مثل«العجة» التقليدية، وهي وجبة مصرية مصنوعة من البيض وأنواع معينة من الخضروات الورقية، وبعد التطوير «السوشيالي» أصبحت تضيف عليها جبن الموتزاريلا والفلفل الملون، لتكتسب الوجبة طعماً وقيمة غذائية جديدة.

وبينما تعد عزة من ذوات «النفس الحلو» في الأكل، فإن الانتشار الواسع لوصفات الطبخ المختلفة، نقل السيدة إلهام محمد (56 عاماً) من تصنيف طبخها بـ«المتواضع» إلى «الجيد جداً»، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتعرض للتنمر من نساء العائلة، أما الآن أتفوق عليهن بأصناف وتنوع كبير في المأكولات».

وتضيف السيدة التي تسكن في منطقة الهرم، أنها تعلمت «إعداد العجين للبيتزا والفطائر، والسمبوسة، والعيش السوري»، بالإضافة إلى طرق تخزين الطعام دون أن يفسد، أو إصلاح ما فسد خلال الطبخ «لو الأرز اتلسع أضع له رغيف خبز، لسحب رائحة الدخان منه، والأكل لو كان ملحه زائداً أضع له حبة من البطاطس لسحب الملح الزائد منه»، على حد تعبيرها.

ولا يقل شغف الثلاثينية سمر حسن، التي تعيش في محافظة المنيا بصعيد مصر، تجاه وصفات الطبخ «السوشيالية» عن سابقتها، غير أنها لا تزال عاجزة عن محاكاة ما تراه «أعيش في بيت عائلة، وهم لا يعرفون سوى الطبيخ التقليدي من لحم وخضروات وأرز... أنتظر أن أنتقل أنا وزوجي وأبنائي في منزل خاص بنا حتى أعد لهم كل الأكلات الجديدة التي شاهدتها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

المطبخ المصري لم يعد يكتفي بالوجبات التقليدية مع التوسع في برامج الطبخ «السوشيالية» (الشرق الأوسط)

وترى الباحثة في الإنثروبولوجيا، لجين خيري، أن الطعام لطالما عُرف باعتباره أحد معايير التميز الطبقي، لكن الآن يعكس اقتباس الطبقات من بعضها البعض، فتحاول الطبقات الأقل دخلاً محاكاة الطبقات الأغنى في تحضير نفس مأكولاتها، حتى مع تغيير بعض المكونات بما يتناسب مع ميزانيتها.

ولفتت أيضاً إلى الطعام باعتباره وسيلة للقضاء على المركزية، من خلال انتشار مأكولات وترندات في الطعام بالأقاليم، في محاكاة للقاهرة، وكسر نمط تفوقها الثقافي والاقتصادي.

وجبات من إعداد أنفلونسر الطعام رحاب البوشي ( صفحتها على «إنستغرام»)

ولم يقتصر انفتاح عالم الطبخ حالياً على تغير قدرات مصريات فيه، بل كان وسيلة أخريات لتحقيق ذواتهن وتتبع شغفهن، واحدة من هؤلاء هي الثلاثينية خريجة كلية الإعلام، رحاب البوشي، فهي لديها صفحة على «إنستغرام» تقدم فيها وصفات مأكولات من ثقافات مختلفة، تعيد تقديمها بعد «تبسيطها بأكثر صورة ممكنة».

وتقول رحاب لـ«الشرق الأوسط»: «أحرص أن تكون المكونات موجودة لدى الجميع، حتى لا يشعر أحد بالتعجيز»، مشيرة إلى أنها بدأت تصوير المأكولات ونشرها قبل 4 أعوام، ثم توقفت لوضعها طفليها، وعادت بعدها بشكل أكبر، خصوصاً بعدما تلقت ردود فعل إيجابية من متابعين.

ويدفع تقديم وصفات الطعام لدى الشابة الثلاثينية إلى البحث عن كل طرق إعداد الوجبة التي ترغب في تقديمها في الثقافات المختلفة، ثم تقدم الوصفة ببصمتها الخاصة، وتشدد على أنها «من المستحيل أن أنقل وصفة طبق الأصل، لا بد أن أضيف عليها بصمتي الخاصة».


متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
TT

متحف المركبات الملكية بمصر يفتح «خزائن الهوانم» للجمهور

المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)
المعرض ضم قطعاً نادرة من زمن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

نظم متحف المركبات الملكية في بولاق (وسط القاهرة)، معرضاً أثرياً مؤقتاً تحت عنوان «خزائن الهوانم»، يضم مجموعة فريدة من مقتنيات المتحف من الحُلي والمجوهرات التي تُعرض للمرة الأولى.

ويتضمن المعرض سبع قطع نادرة تتنوع بين الحُلي والمقتنيات الزخرفية ذات الطابع الفني، التي تعكس دقة ومهارة الصناعات اليدوية، فضلاً عن إبراز تنوع الخامات المستخدمة، بما يعكس جانباً من الذوق الفني والجمالي المرتبط بالمرأة المصرية، وفق تصريحات لمدير متحف المركبات الملكية، أمين محمود الكحكي، الذي أكد، في بيان للوزارة، أن «المعرض يأتي في إطار حرص المتحف على إثراء تجربة الزائرين، وإتاحة الفرصة أمامهم للتعرّف على مقتنيات مميزة لم تُعرض من قبل».

قطع الحلي المشاركة بالمعرض (وزارة السياحة والآثار)

ومن بين القطع المعروضة عقد من أحجار الكوارتز البرتقالي، وأسورة من الفضة تجمع بين الكرات والمكعبات، وأخرى فضية تتدلى منها دلايات، إلى جانب حزام مزخرف بالخرز الملون، وأسورة مطعّمة بالمينا متعددة الألوان (الأزرق والأخضر والأحمر) على هيئة ورود متلاصقة، ودبوس صدر من الفضة المطلي بالذهب مرصّع بفصوص من الكوارتز الأزرق، بالإضافة إلى زوج من الحُلي يُرتدى على الكتفين مصنوع من أحجار زجاجية ملونة، بحسب ما أوضحت مسؤولة قسم المعارض المؤقتة بالمتحف، رشا سعيد.

ووفق بيان «السياحة والآثار» يُبرِز المعرض الدور الثقافي والتوعوي الذي يقوم به متحف المركبات الملكية لتعزيز الوعي بالتراث، وإبراز الجوانب الجمالية والفنية المرتبطة بتاريخ مصر.

ورغم أن متحف المركبات الملكية من المتاحف النوعية القليلة على مستوى العالم التي أُنشئت خصيصاً لحفظ المركبات الملكية، ويحتفظ بالمركبات التي ترجع لعصر أسرة محمد علي وكل ما يتعلق بها، فإنه أيضاً يسلط الضوء على رعاية الخيول خلال هذه الفترة بمصر، كما يضم بعض مقتنيات الأسرة العلوية.

عقد من القطع المعروضة في متحف المركبات (وزارة السياحة والآثار)

ويرى المتخصص في التاريخ الحديث بجامعة القاهرة، الدكتور محمد محروس غزيل، أن «أهمية المقتنيات المعروضة بالمتحف تكمن في أنها تؤرخ للذوق والفن الذي امتازت بهما المرأة المصرية، عندما تمتعت بقدر هائل من الاستقلالية وحرية التزيُّن»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «تعدد تلك المقتنيات واختلاف تصاميمها يؤكد على عبقرية وحرفية الصانع المصري، وعلى تعدد شبكة العلاقات التجارية الواسعة لمصر مع المناطق الأخرى، كما عبرت عن بعض أنماط الحياة اليومية في مصر وتعدد مناسباتها والبيئة التي عاشت فيها المرأة المصرية»، وأشار غزيل إلى أن تلك المجموعة من المجوهرات والحلى يمكنها أن تعين الباحثين والمؤرخين على فهم البنية الاجتماعية والثقافية في مصر، موضحاً أن «تلك المقتنيات لا تقتصر أهميتها على قيمتها المادية، بل على كونها تاريخاً صامتاً عبَّر عن هوية مجتمع نالت فيه المرأة تقديراً معتبراً».

إحدى القطع النادرة في معرض خزائن الهوانم (وزارة السياحة والآثار)

يُذكر أن فكرة إنشاء المتحف ترجع إلى عهد الخديوي إسماعيل، فيما بين عامي 1863 و1879م، ليكون مبنى خاصاً بالمركبات الخديوية والخيول، ثم تحول إلى متحف للمركبات الملكية بعد عام 1952. وتم إغلاقه لفترة طويلة منذ ثمانينات القرن الماضي للترميم، إلى أن أُعيد افتتاحه عام 2020.

ومن أشهر المركبات المعروضة بالمتحف، عربة الآلاي الكبرى الخصوصي، التي أهداها الإمبراطور نابليون الثالث وزوجته الإمبراطورة أوجيني للخديوي إسماعيل وقت افتتاح قناة السويس عام 1869. يضم المتحف أيضاً مجموعة من أطقم الخيول وإكسسواراتها، بالإضافة إلى الملابس الخاصة بالعاملين في مصلحة الركائب، وفق وزارة السياحة والآثار.

وترى المتخصصة في الحلي، الدكتورة وهاد سمير، أن «كل قطعة من هذه القطع المعروضة مصنوعة بطريقة خاصة، ولها سماتها التي تشير إلى فنون هذا العصر والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك قطعة مصنوعة كأسورة يمكن ارتداؤها في اليد، ويمكن ارتداؤها في القدم وإغلاقها. في هذه الفترة لم تكن شائعة فكرة أن تكون هناك دلايات في الأساور، وهناك قطعة أخرى مصنوعة بمجموعة أسلاك تعطي شكل الأسطوانة والأسورة التي تغلق على اليد، ولها طريقة خاصة في الصناعة، وهناك صعوبة في الحفاظ على درجات اللون الموجودة في بعض القطع؛ ما يتطلب حرفية ومهارة عالية، لاعتمادها على المينا الساخنة».