توأمان في موسيقى المغرب العربي

اللغة تتوق لحركة الصوت والزمان أخُو المكان

أحمد وهبي  -  دحمان الحراشي
أحمد وهبي - دحمان الحراشي
TT

توأمان في موسيقى المغرب العربي

أحمد وهبي  -  دحمان الحراشي
أحمد وهبي - دحمان الحراشي

تتميز الموسيقى في شمال أفريقيا ومنطقة المغرب العربي خصوصاً بنوع من الانحياز الجمالي لخصوصية المكان في المدى البُعدي للفن، وبحساسية زمنية ترافق حَرَكته على الدوام وتُولد هذا الشكل الإبداعي المركب، الذي يزاوج بين مادتين اثنتين هما: «اللغة التي يغذيها الشعر، والصوت الذي يعكس حركة الإيقاع». إنها حالة توأمة تجمع من جانب بين اللغة والصوت، ومن جانب آخر بين الزمان والمكان.
كثيرة هي الأغاني والإيقاعات الشعبية التي تتغنى بالمكان موضوعاً، غير مجرد بالطبع من عناصره الإيحائية، ومن جمالياته المتنامية، التي لا تكتفي بالبعد الرمزي للمكان، بل تفضي إلى حالات عالية من الأسطورة والتراجيديا في تناولها لفضاءاته المتداخلة، لكن وفق انتظام فني لا يهمل عنصر الزمن الذي يمثل جانبه سياقاً نفسياً واجتماعياً بالغ الأهمية... قد تُمثل هذه القراءة امتداداً لما يعرف بالتنصيف المفاهيمي للموسيقى كمادة، الذي يربط بين التاريخ الزمني وبين المكان، ويعيد في ذات الآن تأطير الفن الموسيقي داخل محور بُعدي سبق لفيلسوف التنوير الألماني لسنج، أن أسس له في كتابه الشهير «لاوكُوُون».
ما يهمنا في هذا الموضوع هو إعادة النظر في موسيقى المغرب العربي، لا باعتبارها لوناً من ألوان الموسيقى العالمية فحسب، بل بالنظر إليها فلسفياً وفق مقاربة ثنائية مزدوجة الدلالة: مادية وبُعدية.
علينا أن ننظر إلى توأمين كُل منهما يحمل توأماً مستقلاً في ذاته، فالزمان والمكان من جهة توأم، واللغة والصوت توأم آخر... نحتاج إلى نظرة ثلاثية الأبعاد ربما!
موسيقى المغرب العربي تؤسس بالفعل لتعلق الكلمة بالإيقاع، فالملحون في شمال المغرب وشرقه، ومثله العاصمي في الجزائر، وموسيقى «المزود» في تونس، والمقامات الحسانية التي تتجسد كنغمات تُدعى «رَدات» في موريتانيا وجنوب المغرب، كلها ألوان رئيسية للموسيقى الأكثر تجذراً في أقطار المغرب العربي، ما يجمعها هو تلك الصلة الوثيقة بين حركة اللغة وحركة الإيقاع، فالشعر المكتوب في هذه الحالة لم يولد من رحم اللغة إلا ليجد له مكاناً في مساحات الإيقاع الشاسعة، فيُغنى ويصبح أنشودة تتجلى وتتوضح في الغناء الذي يحملها حالة ذهنية فتية فيجعلها تختمر داخل فضاء الصوت، ويُخلدها بعد ذلك كخلقٍ إبداعي فني مكتمل الصورة مادياً على الأقل... يعود بنا هذا التصور إلى تصنيف مفاهيمي قديم لأرسطو حين فصل الموسيقى بمادية بديهية تجمع بين اللغة والمسموع الصوتي.
يأخذنا الحديث عن المحليات الموسيقية في المغرب الغربي إلى ألوان أخرى أكثر شيوعاً، إلى موسيقى «المالوف» التي هي من مألوف الطرب المغاربي، ذلك أنها موسيقى تتغنى بروائع الأندلسيات الآتية من زمن الوصل القديم، الذي ظل يحتفظ في ملكوته الخاص بموشحات مغتربة عن ضفة الجنوب المتوسطي، هناك في إيبيريا، حيث التلاقح الثقافي كاد أن يوحد المشرق والغرب... ومثل غيره من ألوان الموسيقى المنتشرة في المغرب العربي، فإن «المالوف» هو الآخر جعل اللغة المتجسدة في الشعر تواقة للغناء، ميالة للإيقاع، فبحركة الصوت ومتعة السماع - لا بغيرهما - تكتمل مادية الفن في هذه الموسيقى، حتى لكأن كل الموشحات الأندلسية ما كُتِبت إلا لِتُغنى!
الحديث عن موسيقى الأندلس في فضاءات المغرب العربي لا يستضيف النوستالجيا فقط، بل يفضي بنا إلى سؤال التوأم الآخر، أي المكان والزمان.
للطرب الأندلسي علاقة مؤثرة بكلا العنصرين، إنه يحتضنهما معاً، فالأندلسيات تتغنى في مقاماتها العديدة بزمن الوصل الذي تُحكى فصوله المتواترة أولاً بأول، لكنها تتغنى أيضاً بفضاء مكاني معروف، هو الفردوس المفقود في وسط الأرض، شمال القارة السمراء غرباً، وجانبَ بحر الظلمات، في المتوسط حيث تفضي الأمواج أخيراً إلى تخوم إيبيريا. كيف لنا ألا نستشعر حالة التراجيديا النابعة من هذا التركيب المكثف للزمان والمكان في لحظة واحدة ونحن نصغي إلى الأندلسيات الكلاسيكية بأصوات مغاربية دافئة النغَم.
ينسحب الأمر على بقية ألوان الموسيقى من شرق المغرب العربي إلى غربه، وفي جنوبه الحساني بموريتانيا، يُعنى أحد المقامات بذكر «النسيب» الذي يجعل الغزل توأماً لعشق المكان والحنين إليه، والواقع أن هذا الغرض قديم في الشعر العربي، فقد دأب الشعراء العرب على تذكر الأطلال نسبة إلى قاطنها «المحبوب»، لكن الطرب الحساني في موريتانيا وجنوب المغرب قد رسخ في موسيقاه علاقة «المَواضِع» بالزمن الغائب، فطالما ترنمت حنجرة الفنانة الموريتانية ذائعة الصيت ديمي بنت آبا بأغانٍ وتوليفات موسيقية تُدعى «الأشْوَار»، تتغنى في صميم بوحها بأماكن لم تكن لِتُذكَر لولا ارتباطها بحقب زمنية بالغة الحساسية في نفوس من يعرفون مآثر الربوع وأهلها وقبائلها وتاريخها الملحمي. وفي المغرب، كثيراً ما عُرفت المدن بأغانيها التي تتغنى بأسمائها وما يميزها من رموز وجماليات. فهذه أغاني مراكش التي تبدأ من أناشيد الصوفية وقصص «السبعة رجال» إلى الأغاني الوطنية التي تفاخر المدن بقدوم الحاكم إلى مراكش البهجة، وفي الشمال نذكر غنائيات «طنجة العالية» و«شفشاون النوارة» وغيرها، وأكثر من أن تُحصى أغاني فاس ومكناس وسائر المدن العتيقة... ولا حاجة للسؤال عن سياق أغنية «وهران رُحتِ خسارة» الشهيرة في الجزائر، التي وصلت إلى ما هو أبعد من ثنائية الزمان والمكان، فما كان يطمح إليه مبدعها الأول أحمد وهبي هو بعث مشاعر الشوق في نفوس من يحن إلى زمن ماض في وهران المدينة، بعد أن توالت مواسم الغربة والفراق، وأقفَرت البلدة من سكانها، لكن العالمية كانت هي منتهى هذه الأغنية الأسطورية... ومثلها «يا الرايح وين مسافر» التي أنشدها دحمان الحراشي في حالة من حالات الأسى على زمن يمر بسرعة ويسرق معه ورود الشباب وصفاء الروح فيه، بينما يسافر الغريب في «بلاد الناس» غير مدرك أن المكان بدلالاته المعروفة ليس هو المشكلة.
حالة أخرى من التوأمة بين الزمان والمكان جسدتها هذه الأغنية التي هي اليوم من أيقونات الطرب الجزائري، ليس في المغرب العربي فحسب، بل في العالم بأسره.

- كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بطل «جيمس بوند» الجديد «بات وشيكاً» مع بروز الأسماء

نجم هوليوود الممثل كالوم تيرنر أبرز المرشحين (غيتي)
نجم هوليوود الممثل كالوم تيرنر أبرز المرشحين (غيتي)
TT

بطل «جيمس بوند» الجديد «بات وشيكاً» مع بروز الأسماء

نجم هوليوود الممثل كالوم تيرنر أبرز المرشحين (غيتي)
نجم هوليوود الممثل كالوم تيرنر أبرز المرشحين (غيتي)

كشف مصدر مطّلع في صناعة السينما التوقيت المحتمل لإعلان اسم الممثل الذي سيتولى دور «جيمس بوند» في الفيلم المقبل، مع اقتراب انطلاق تصوير العمل ببطله الجديد كلياً، حسب صحيفة «مترو» اللندنية.

ومنذ أن أُسدل الستار على نسخة «دانيال كريغ» من «العميل 007»، بعد مقتل الشخصية بشكل حاسم في فيلم No Time To Die، بات المقعد شاغراً بصورة نهائية، لتبدأ رحلة البحث عن «بوند» جديد يقود السلسلة في مرحلتها المقبلة.

وخلال هذه الفترة، انتقلت حقوق الامتياز السينمائي إلى استوديوهات «أمازون إم جي إم»، التي شرعت في وضع ملامح حقبة جديدة لأشهر جاسوس في تاريخ السينما.

وشمل ذلك التعاقد مع المخرج الكندي دوني فيلنوف، مخرج فيلم Dune، لتولي إخراج الجزء المقبل من السلسلة، على أن يكون السيناريو من تأليف ستيفن نايت، صانع مسلسل Peaky Blinders.

ورغم الإعلان عن فريق الإخراج والكتابة، فإن الاستوديو لم يحسم بعد اسم بطل الفيلم، وإن كانت تقارير قد أشارت إلى أن دائرة الاختيار قد ضاقت لتشمل 8 أسماء فقط.

وفي هذا السياق، لمّح الصحافي السينمائي البارز جاستن كرول، مراسل موقع Deadline، إلى أن الإعلان المنتظر قد يكون أقرب مما يتوقعه كثيرون. وخلال ظهوره في بودكاست My Mom’s Basement، قدّم كرول تقديره لموعد انطلاق تصوير فيلم بوند الجديد تحت قيادة فيلنوف.

وقال كرول: «أتوقع أن يكون ذلك في الصيف، لو كنتُ مضطراً للمراهنة. أعتقد أن الإنتاج سيبدأ على الأرجح في نهاية هذا العام أو مطلع العام المقبل». وأضاف: «من الواضح أن الأمر قد يحدث قبل ذلك بقليل، لكن من كل ما سمعته منذ عودتي، يبدو أن بوند سيكون في منتصف العام أكثر منه في الربع الأول».

وإذا صحت هذه التقديرات، فإن عشاق السلسلة قد يحصلون على أخبار كبرى في أي وقت، مع تصاعد التكهنات حول الاسم الذي سيتولى حمل «الرخصة للقتل».

ويتزامن ذلك مع تقارير تفيد بأن المنتجين حصروا خياراتهم في عدد من أبرز نجوم هوليوود حالياً. ويُعتقد أن الممثل كالوم تيرنر، نجم فيلم Eternity وخطيب المغنية العالمية دوا ليبا، يتصدر قائمة المرشحين، بحسب ما نُسب إليه شخصياً في تقرير لصحيفة «ديلي ميل» البريطانية. ووفقاً لمصدر مقرّب، فإن تيرنر يتصرف بثقة توحي بأن اختياره بات محسوماً؛ حتى قيل إنه «أفشى الخبر» في أوساط معارفه.

وقال المصدر: «كالوم هو بوند الجديد؛ تم تأكيد الأمر. الجميع في دائرته يتحدث عن ذلك. إنه أسوأ سرّ مكتوم في المدينة». وختم المصدر حديثه قائلاً: «دوا في غاية السعادة من أجل كالوم، وكانت تقول إنها تتمنى تسجيل شارة فيلم بوند».


فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
TT

فنانون سعوديون في «صحراء X العلا 2026» يعيدون إحياء الروابط بين الإنسان والأرض

عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)
عمل الفنان محمد الفرج (فنون العلا)

في قلب الطبيعة الساحرة بمدينة العلا، حيث يقام معرض «صحراء X العلا 2026» تتيح تجربة بصرية وفلسفية فريدة لجمهور المتطلعين اكتشاف حكايات الفن والفنانين، وذلك من خلال أعمال 3 فنانين سعوديين مشاركين في نسخة هذا العام، نجحوا في مد جسور بين الماضي والحاضر، وتحويل عناصر البيئة المحلية إلى أيقونات فنية ملهمة.

يقول الفنان السعودي محمد الفرج، الذي يشارك بعمله إلى جانب عملين للراحل محمد السليم والفنانة بسمة فلمبان، إن الفن السعودي امتداد رصين يرسخ الارتباط بين جيل الرواد والشباب من الفنانين السعوديين، من خلال تجاور الأعمال في فضاء طبيعي ملهم مثل العلا، وأضاف الفرج أن جيل البدايات ألهم الأجيال التالية وترك تأثيراً لديهم، كما أن أعمالاً مثل عمل الفنان محمد السليم في معرض «صحراء X العلا 2026» لم يفقد قدرته على الإلهام، رغم مرور عقود على إنجازه، ولا يزال ينطوي على طاقة الإبداع والإلهام.

عمل الفنان الرائد محمد السليم (فنون العلا)

إرث محمد السليم: «الأفقية» تنبثق من الرمال إلى السماء

في لفتة وفاء تاريخية، يحتفي المعرض بإرث الرائد الراحل محمد السليم الذي يعرض لأول مرة مجموعة مختارة من منحوتاته التي صممها لبلدية مدينة الرياض في ثمانينات القرن الماضي وهي من بين مشاريعه الأقل شهرة، التي استوحاها من المناظر الطبيعية الصحراوية، وتتجه كل منحوتة منها نحو السماء، مستخدمةً الهندسة بشكل رمزي، وتُشير الأشواك البلورية في الشوكة الخماسية إلى الحماية والصمود، أما الأوجه الملتوية لوحدة «الشرف»، فترمز إلى المعرفة والفهم والتواصل، بينما تُمثل المثلثات، وهي سلسلة متصاعدة من الأشكال المتشابكة، استعارة للقوة المُجتمعة للثقافات المُتنوعة.

وتحتفي بتلات برعم الزهرة المُتفتحة بالجمال الكامن في الإمكانات الشابة، وقد استُلهمت زخارف النجوم والهلال التي تعلو رمز الأهلّة من خيام البدو وسماء الليل.

وبوصفه أول من أقام معرضاً فنياً في الرياض عام 1967، وأسس دار الفنون السعودية عام 1979، أول دار فنية في الرياض، موفراً بذلك منصة حيوية للفنانين للتجمع وعرض أعمالهم والحصول على مواد كانت نادرة آنذاك، في تجسيد لالتزامه الدائم برعاية الفنانين والمصممين والمهندسين المعماريين، يعود السليم اليوم عبر «صحراء X العلا 2026» ليؤكد أن الرؤية الفنية الأصيلة لا تموت، بل تتجدد مع كل «برعم زهرة» يتفتح في قلب الصحراء.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

بسمة فلمبان: صدى الأنهار القديمة في «همس الحصى»

بلمسة تجريدية ضخمة، تعيد الفنانة بسمة فلمبان قراءة الجيولوجيا التاريخية للعلا، من خلال عملها «همس الحصى» المستوحى من تكليف أصلي لمعرض «صحراء X العلا 2024» بتنسيق مايا الخليل ومارسيلو دانتاس.

وحولت فلمبان الحصى الصغيرة إلى منحوتات جيرية عملاقة تستقر على ألواح فولاذية تعكس أشعة الشمس.

ويسلط العمل الضوء على ظاهرة «التافونية» وتكون التجاويف الصخرية التي تشبه خلايا النحل، تقول بسمة فلمبان: «تحمل هذه الحصى معرفة بأنهارنا القديمة، فهذه الحصى، بشكلها الدائري وأطوالها، تخبرنا عن سرعة تدفق المياه وكيف تحركها الأمواج بعيداً أو بالقرب من أقدامنا، إنها تحمل في طياتها صدىً حيوياً لأرضنا، بتقلباتها وتضاريسها».

واشتهرت الفنانة السعودية فلمبان بأعمالها التركيبية المستوحاة من الهندسة الإسلامية، وقد حوّلت عنصراً جيولوجياً صغيراً إلى تحفة فنية ضخمة. فبينما تستقر حصى عملاقة منحوتة من الحجر الجيري على ألواح فولاذية تشبه أشعة الشمس، تتكون منحدرات العلا الرملية من رواسب غنية بالكوارتز، تراكمت بفعل شبكات الأنهار والدلتا القديمة.

وشكلت هذه المجاري المائية القديمة المشهد الصحراوي الحالي، وتشكلت تجاويف صخرية تشبه خلايا النحل على واجهات الجبال المعروفة باسم «التافونية»، بفعل عوامل التعرية.

وتتسبب عوامل التعرية في سقوط الأجزاء المجوفة، كالحصى، لتشتيت ما كان متماسكاً في السابق.

عمل الفنانة بسمة فلمبان «همس الحصى» (فنون العلا)

محمد الفرج: فلسفة التعايش في «متاهة الحكايات»

ويطل الفنان محمد الفرج بعمل فني يتخذ من الطبيعة شريكاً استراتيجياً. فهو الذي استلهم رؤيته من طفولته في واحات الأحساء، ويرى في النخيل وقنوات الري والتربة أوعية للصمود.

ويقدم الفرج نخلة بديعة وهي ليست مجرد مجسم، بل هي نتاج تلاحم مجموعة أشجار، مستحضراً تقنيات «التطعيم» التي كان يمارسها جده لإطالة عمر الأشجار المحتضرة، من خلال عملية تقليدية تُطيل عمر الجذع، فينمو مُتحداً مع جذعٍ آخر.

يقول الفرج: «هذا التلاحم هو مثال حي على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بوصفه فعلاً أساسياً للبقاء»، ويدعو العمل الزوار للدخول في متاهة تسرد حكايات الاعتماد المتبادل بين الإنسان وبيئته.

وتقود هذه المتاهة إلى نخلة مميزة مؤلَّفة من أشجار عديدة، ويعكس هذا التلاحم البستاني، بالنسبة إلى الفرج، مثالا حياً على كيفية نشوء التجديد من خلال التعايش، وكيف يسود الانسجام في البيئة بشكلٍ طبيعي، وكيف يُعدّ الاعتماد المتبادل فعلاً أساسياً للبقاء.

وبين «تعايش» الفرج، و«ذاكرة» فلمبان، و«أفقية» السليم، يثبت الفن السعودي في العلا أنه ليس مجرد عرض جمالي، بل هو حوار ممتد بين الهوية والأرض، ورسالة للعالم بأن الصحراء كانت ولا تزال مهداً للإبداع والابتكار.


جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
TT

جان خليفة مُستعاداً في بيروت... كيف تطمئنّ اللوحة إلى شكلها الأخير؟

الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)
الوجه متروك عمداً في منطقة بين الظهور والانمحاء (الشرق الأوسط)

يجمع معرض استذكاري للتشكيلي اللبناني الراحل جان خليفة، في «غاليري مارك هاشم» بمنطقة ميناء الحصن البيروتية، أعمالاً متنوّعة من تجريد حركي إلى تشخيص مُلتبس، ومن لوحات صغيرة مثل الملاحظات إلى أعمال طويلة مثل المشهد. ويقترح إعادة قراءة فنان اشتغل طوال حياته على فكرة تتبدَّل أشكالها، وهي كيف يمكن للوحة أن تُشبه الزمن وهو يتكسَّر ويتجمَّع من جديد، وللصورة ألا تكون فقط «تمثيلاً» فتصبح «فعلاً».

كلّ لطخة إعلان عن فشل جميل في ضبط الشكل (الشرق الأوسط)

يُقارب العرض تجربة الفنان مثل أرشيف مفتوح من خلال مواد توثيقية وإشارات إلى محطات تعليمية ومؤسّساتية، وقراءات مُرافقة تشرح كيف كان خليفة لا يطمئنّ في بناء أعماله إلى اكتمال نهائي.

وعلى الجدار، تصطفّ 3 لوحات تبدو متقاربة زمنياً ومختلفة المزاج. في إحداها يتقدَّم شكلٌ بيضوي محاط بخطوط زرقاء، وفي ثانية تتوزَّع طبقات الأزرق والأخضر والأبيض، يتخلّلها أثر أحمر عمودي يُشبه الجرح أو عمود النار، بينما تتدلَّى خطوط بيضاء مثل الماء أو الحبر حين يفلت من السيطرة. وفي ثالثة يتقابل الأحمر العريض مع الأزرق، وتقطع المساحة خطوط جانبية دقيقة كأنها حدود أو «هوامش» تُشير إلى أنّ اللوحة ليست فراغاً حراً.

هذا النوع من التجريد يشتغل على حركة تُشبه حركة الجسد، قوامها التوازن المُعلَّق بين البناء والانفجار. حتى حين تبدو المساحات بسيطة، فإنها مُحمّلة بإيماءة عاجلة، فنلمح اللون وهو يُرمَى ويُسحب ويُلطَّخ، ثم يُترك ليشهد على اللحظة التي وُلد فيها.

الأزرق يوسّع المشهد ويترك العين معلّقة في الداخل (الشرق الأوسط)

يتكرَّر هذا المنطق في لوحات طولية صغيرة تتجاور كأنها صفحات من دفتر واحد. فالأصفر يفيض، والأخضر يشقّ المساحة، والنقاط البنفسجية والبرتقالية تظهر مثل بؤر لونية، والخطوط الرمادية تبدو مثل طرقات أو مجاري ماء. بذلك، تتحوَّل اللوحات إلى «تمارين» على التقاط اللحظة، فتتوالى الارتدادات كما يتبدَّل الضوء خلال يوم واحد.

اللوحات «تمارين» على التقاط اللحظة (الشرق الأوسط)

من بين أكثر المحطات صراحةً في المعرض، عملٌ مرتبط بعام 1976، حين انقسمت بيروت بفعل الحرب إلى شطرَيْن. تُروى الفكرة عبر صورتين لامرأتين توأمتين مُحاطتين بالزهور والقلوب، في استعارة مباشرة عن الحبّ بوصفه تجاوزاً للخطوط الفاصلة. لكنّ الزهرة ليست بهجة خالصة. هي محاولة لتضميد ما لا يلتئم.

هذه المفارقة بيت القصيد. فخليفة لم يرسم «شعاراً» للوحدة بقدر ما رسم قلق الرابط حين يوضع تحت الضغط. لذلك تبدو المرأة في أكثر من عمل مثل كائن يتراوح بين التجسُّد والتبدُّد. أحياناً تُرسم الوجوه بثلاثية داكنة على خلفيّة خضراء، وأحياناً تصبح الملامح مثل قناع برتقالي داخل عباءة زرقاء يطلّ بعينين مطفأتين على مساحة صاخبة. وبذلك، تحضر الحرب من خارج الموضوع المباشر، عبر الانقسام والقناع والإحساس بأنّ الوجه لا يستطيع أن يكون «وجهاً» كاملاً بعد الآن.

اللوحة تلتقط الجسد في منتصف حركته قبل أن يقرّر أين يستقرّ (الشرق الأوسط)

إلى جانب هذا الخطّ، يطلّ عمل مؤرَّخ بسنة 1974 لامرأة في انكشاف جسدي تجلس حاملةً باقةً من الزهر. الخطوط سميكة، الألوان تُضخِّم الشحنة، والملامح تُختصر إلى عين واحدة كبيرة وفم صغير. ومع ذلك، يظلّ الحضور الحسّي كثيفاً، فتبدو المرأة كأنها تحتضن الزهور لتؤكد أنّ الحياة لا تزال ممكنة، ويمكن للون أن يُعيد صياغة العلاقة بين الرغبة والاحتواء.

وفي أعمال أخرى، تتحوَّل الزهرة إلى كتلة لونية مُكدَّسة تُنفَّذ بتراكمات قريبة من «العجينة»، كأنّ خليفة أراد للوردة أن تُلمَس أيضاً، فتتحوّل الطبيعة إلى طبقة لون ويصبح النبات «إيقاعاً بصرياً خالصاً».

المرأة فكرة تتحرّك داخل اللون وتترك أثرها قبل أن تختفي (الشرق الأوسط)

ومن أكثر ما يختزل هذا التوجُّه، عملٌ تركيبي يبدو مثل وعاء للذاكرة. فيه يظهر سلك أحمر ملتفّ مثل السياج الشائك، وقطرات حمراء كبيرة تتدلَّى كأنها علامات إنذار، وعجلات صغيرة وصورة فوتوغرافية لامرأة مستلقية، إضافةً إلى صندوق جانبي يضم جهاز راديو وورقة مكتوبة. الراديو يوحي بالصوت العام والخبر الذي يصنع خوفاً جماعياً، والسلك الأحمر يستعيد مفهوم الحدود والحصار، والقطرات تستحضر الجرح على أنه واقع يومي. هنا يصبح «الكولاج» طريقة في التفكير، كما يُلمِح النص المُرافق لأعمال الكولاج في المعرض، مما يُجسِّد ميل الفنان إلى تقطيع ما هو قائم وإعادة جمعه حين تضربه الفكرة على نحو عاجل، لتُبيّن الأعمال أنّ خليفة لم يتعامل مع اللوحة على أنها مساحة مستقلّة عن العالم، حين رأى فيها عالماً مُصغَّراً يمكن أن يحمل صورة وصوتاً ومادةً وخردةً ودلالة.

اللوحة تمثّل قدرة الطبيعة على مفاجأة الشكل (الشرق الأوسط)

وجان خليفة (1923 - 1978) هو أحد الأسماء المفصلية في الفنّ اللبناني الحديث، معروف بنزعة منضبطة وبمقاربة روحية للتجريد. فقد عرف المؤسّسات واشتغل معها، مع ذلك ظلَّ مشاغباً في اللوحة وترك في اللون ما يكفي من الفوضى كي لا يتحوّل الانضباط إلى قيد. والرسام الذي قرأ أوروبا ما بعد الحرب، عاد ليُترجم بيروت بموادها الخاصة، فأعاد تركيبها في وجه مقنَّع وزهرة كثيفة وسلك شائك، وتجريد يركض كأنه لا يريد أن يُمسك به أحد. فنانٌ عامل اللوحة مثل كائن قابل للانكسار وإعادة الولادة، واللون على أنه طريقة لرؤية ما يتعذَّر الإفصاح عنه. إرثه اليوم يترك العين في منطقة بين الدهشة والأسئلة، حيث يبدأ فعلاً الفنّ.