توأمان في موسيقى المغرب العربي

اللغة تتوق لحركة الصوت والزمان أخُو المكان

أحمد وهبي  -  دحمان الحراشي
أحمد وهبي - دحمان الحراشي
TT

توأمان في موسيقى المغرب العربي

أحمد وهبي  -  دحمان الحراشي
أحمد وهبي - دحمان الحراشي

تتميز الموسيقى في شمال أفريقيا ومنطقة المغرب العربي خصوصاً بنوع من الانحياز الجمالي لخصوصية المكان في المدى البُعدي للفن، وبحساسية زمنية ترافق حَرَكته على الدوام وتُولد هذا الشكل الإبداعي المركب، الذي يزاوج بين مادتين اثنتين هما: «اللغة التي يغذيها الشعر، والصوت الذي يعكس حركة الإيقاع». إنها حالة توأمة تجمع من جانب بين اللغة والصوت، ومن جانب آخر بين الزمان والمكان.
كثيرة هي الأغاني والإيقاعات الشعبية التي تتغنى بالمكان موضوعاً، غير مجرد بالطبع من عناصره الإيحائية، ومن جمالياته المتنامية، التي لا تكتفي بالبعد الرمزي للمكان، بل تفضي إلى حالات عالية من الأسطورة والتراجيديا في تناولها لفضاءاته المتداخلة، لكن وفق انتظام فني لا يهمل عنصر الزمن الذي يمثل جانبه سياقاً نفسياً واجتماعياً بالغ الأهمية... قد تُمثل هذه القراءة امتداداً لما يعرف بالتنصيف المفاهيمي للموسيقى كمادة، الذي يربط بين التاريخ الزمني وبين المكان، ويعيد في ذات الآن تأطير الفن الموسيقي داخل محور بُعدي سبق لفيلسوف التنوير الألماني لسنج، أن أسس له في كتابه الشهير «لاوكُوُون».
ما يهمنا في هذا الموضوع هو إعادة النظر في موسيقى المغرب العربي، لا باعتبارها لوناً من ألوان الموسيقى العالمية فحسب، بل بالنظر إليها فلسفياً وفق مقاربة ثنائية مزدوجة الدلالة: مادية وبُعدية.
علينا أن ننظر إلى توأمين كُل منهما يحمل توأماً مستقلاً في ذاته، فالزمان والمكان من جهة توأم، واللغة والصوت توأم آخر... نحتاج إلى نظرة ثلاثية الأبعاد ربما!
موسيقى المغرب العربي تؤسس بالفعل لتعلق الكلمة بالإيقاع، فالملحون في شمال المغرب وشرقه، ومثله العاصمي في الجزائر، وموسيقى «المزود» في تونس، والمقامات الحسانية التي تتجسد كنغمات تُدعى «رَدات» في موريتانيا وجنوب المغرب، كلها ألوان رئيسية للموسيقى الأكثر تجذراً في أقطار المغرب العربي، ما يجمعها هو تلك الصلة الوثيقة بين حركة اللغة وحركة الإيقاع، فالشعر المكتوب في هذه الحالة لم يولد من رحم اللغة إلا ليجد له مكاناً في مساحات الإيقاع الشاسعة، فيُغنى ويصبح أنشودة تتجلى وتتوضح في الغناء الذي يحملها حالة ذهنية فتية فيجعلها تختمر داخل فضاء الصوت، ويُخلدها بعد ذلك كخلقٍ إبداعي فني مكتمل الصورة مادياً على الأقل... يعود بنا هذا التصور إلى تصنيف مفاهيمي قديم لأرسطو حين فصل الموسيقى بمادية بديهية تجمع بين اللغة والمسموع الصوتي.
يأخذنا الحديث عن المحليات الموسيقية في المغرب الغربي إلى ألوان أخرى أكثر شيوعاً، إلى موسيقى «المالوف» التي هي من مألوف الطرب المغاربي، ذلك أنها موسيقى تتغنى بروائع الأندلسيات الآتية من زمن الوصل القديم، الذي ظل يحتفظ في ملكوته الخاص بموشحات مغتربة عن ضفة الجنوب المتوسطي، هناك في إيبيريا، حيث التلاقح الثقافي كاد أن يوحد المشرق والغرب... ومثل غيره من ألوان الموسيقى المنتشرة في المغرب العربي، فإن «المالوف» هو الآخر جعل اللغة المتجسدة في الشعر تواقة للغناء، ميالة للإيقاع، فبحركة الصوت ومتعة السماع - لا بغيرهما - تكتمل مادية الفن في هذه الموسيقى، حتى لكأن كل الموشحات الأندلسية ما كُتِبت إلا لِتُغنى!
الحديث عن موسيقى الأندلس في فضاءات المغرب العربي لا يستضيف النوستالجيا فقط، بل يفضي بنا إلى سؤال التوأم الآخر، أي المكان والزمان.
للطرب الأندلسي علاقة مؤثرة بكلا العنصرين، إنه يحتضنهما معاً، فالأندلسيات تتغنى في مقاماتها العديدة بزمن الوصل الذي تُحكى فصوله المتواترة أولاً بأول، لكنها تتغنى أيضاً بفضاء مكاني معروف، هو الفردوس المفقود في وسط الأرض، شمال القارة السمراء غرباً، وجانبَ بحر الظلمات، في المتوسط حيث تفضي الأمواج أخيراً إلى تخوم إيبيريا. كيف لنا ألا نستشعر حالة التراجيديا النابعة من هذا التركيب المكثف للزمان والمكان في لحظة واحدة ونحن نصغي إلى الأندلسيات الكلاسيكية بأصوات مغاربية دافئة النغَم.
ينسحب الأمر على بقية ألوان الموسيقى من شرق المغرب العربي إلى غربه، وفي جنوبه الحساني بموريتانيا، يُعنى أحد المقامات بذكر «النسيب» الذي يجعل الغزل توأماً لعشق المكان والحنين إليه، والواقع أن هذا الغرض قديم في الشعر العربي، فقد دأب الشعراء العرب على تذكر الأطلال نسبة إلى قاطنها «المحبوب»، لكن الطرب الحساني في موريتانيا وجنوب المغرب قد رسخ في موسيقاه علاقة «المَواضِع» بالزمن الغائب، فطالما ترنمت حنجرة الفنانة الموريتانية ذائعة الصيت ديمي بنت آبا بأغانٍ وتوليفات موسيقية تُدعى «الأشْوَار»، تتغنى في صميم بوحها بأماكن لم تكن لِتُذكَر لولا ارتباطها بحقب زمنية بالغة الحساسية في نفوس من يعرفون مآثر الربوع وأهلها وقبائلها وتاريخها الملحمي. وفي المغرب، كثيراً ما عُرفت المدن بأغانيها التي تتغنى بأسمائها وما يميزها من رموز وجماليات. فهذه أغاني مراكش التي تبدأ من أناشيد الصوفية وقصص «السبعة رجال» إلى الأغاني الوطنية التي تفاخر المدن بقدوم الحاكم إلى مراكش البهجة، وفي الشمال نذكر غنائيات «طنجة العالية» و«شفشاون النوارة» وغيرها، وأكثر من أن تُحصى أغاني فاس ومكناس وسائر المدن العتيقة... ولا حاجة للسؤال عن سياق أغنية «وهران رُحتِ خسارة» الشهيرة في الجزائر، التي وصلت إلى ما هو أبعد من ثنائية الزمان والمكان، فما كان يطمح إليه مبدعها الأول أحمد وهبي هو بعث مشاعر الشوق في نفوس من يحن إلى زمن ماض في وهران المدينة، بعد أن توالت مواسم الغربة والفراق، وأقفَرت البلدة من سكانها، لكن العالمية كانت هي منتهى هذه الأغنية الأسطورية... ومثلها «يا الرايح وين مسافر» التي أنشدها دحمان الحراشي في حالة من حالات الأسى على زمن يمر بسرعة ويسرق معه ورود الشباب وصفاء الروح فيه، بينما يسافر الغريب في «بلاد الناس» غير مدرك أن المكان بدلالاته المعروفة ليس هو المشكلة.
حالة أخرى من التوأمة بين الزمان والمكان جسدتها هذه الأغنية التي هي اليوم من أيقونات الطرب الجزائري، ليس في المغرب العربي فحسب، بل في العالم بأسره.

- كاتب وشاعر مغربي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
TT

مفاجأة تحت الماء: أسماك القرش تسمع من مسافة 75 متراً

أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)
أسنانها ظاهرة... وحواسها أكثر إثارة (أ.ف.ب)

لطالما ساد اعتقاد بأنّ أسماك القرش لا تستطيع التقاط الأصوات إلا من مسافات قريبة، لكنّ دراسة جديدة تُفنّد هذا التصوّر الشائع، وتكشف عن أنّ هذه المفترسات البحرية قادرة على سماع الأصوات من مسافات بعيدة نسبياً تحت الماء، وتحديد الاتجاه الذي تأتي منه.

ووفق الدراسة، يستطيع قرش الطرف الأسود التقاط الأصوات من مسافة تصل إلى نحو 75 متراً، ويستجيب لها بتغيير اتجاهه سريعاً. ونظراً إلى أن هذه القروش تتجمَّع موسمياً قبالة سواحل جنوب شرقي فلوريدا، فإنها تتيح للباحثين فرصة نادرة لمراقبتها وهي تسبح بحرية في مياه ضحلة، وصافية.

وتتجمع أعداد كبيرة من أسماك قرش الطرف الأسود سنوياً على امتداد ساحل مقاطعة بالم بيتش.

وأرسى الباحثون قارباً في المياه الضحلة قبالة شاطئ مقاطعة بالم بيتش، ثم أنزلوا مكبّراً للصوت تحت الماء وتركوه ينجرف مع التيار لمسافة تصل إلى 19 متراً، للحدّ من تأثير القارب في الحيوانات البحريّة.

للصمت في الأعماق آذان (أ.ف.ب)

واختبر الفريق 3 نطاقات من الأصوات منخفضة التردّد، وعالية الشدة، تراوحت بين 100 و200 هرتز، وبين 200 و400 هرتز، وبين 400 و800 هرتز، إلى جانب صوت تجريبي بتردد 10 كيلوهرتز، يقع خارج نطاق السمع المعروف لدى أسماك القرش. وهدفت التجربة إلى إخافة الأسماك، ودفعها إلى الاستجابة، وليس جذبها إلى مصدر الصوت.

ورسم الباحثون خريطة لمستويات الصوت على مسافات مختلفة، للتأكد من طبيعة الأصوات التي كانت أسماك القرش تسمعها عند استجابتها.

وفي الوقت عينه، تولّت طائرة مسيّرة، من ارتفاع يتراوح بين 40 و50 متراً فوق سطح الماء، تتبّع حركة أسماك القرش، فيما استُخدم تحليل تسجيلات الفيديو لقياس المسافات التي بدأت عندها الأسماك بالاستجابة، ورصد التغيّرات في اتجاه سباحتها.

وأظهرت النتائج أنّ أسماك القرش تمكّنت من رصد الأصوات منخفضة التردُّد من مسافة تصل إلى 74 متراً، وهي أبعد بكثير مما أمكن إثباته سابقاً في ظروف مماثلة.

كما غيَّرت الأسماك مسارها سريعاً مبتعدة عن مصدر الصوت، ممّا يشير إلى قدرتها على تحديد اتجاهه.

وقال أحد مؤلفي الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «إنتغراتيف أورغانيزمَل»، ستيفن كاجيورا: «يشير ذلك إلى أنها تلتقط حركة الجزيئات المرتبطة بالصوت حتى على مسافات كبيرة من مصدره، وهو أمر لم نتمكن سابقاً من إثباته لدى أسماك قرش تسبح بحرّية».

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنّ أسماك القرش، خلافاً لكثير من الأسماك العظمية، لا تمتلك مثانات سباحة مملوءة بالغاز، وهي عضو يمكن أن يساعد الأسماك على رصد ضغط الصوت.

وبدلاً من ذلك، يبدو أنّ أسماك القرش تعتمد على أذنها الداخلية، بما فيها بنية متخصّصة تتيح لها رصد الحركة والاهتزازات التي يولّدها الصوت خلال انتقاله عبر الماء.

ويأمل الباحثون في إجراء مزيد من الدراسات لفهم كيفية تمكين الجهاز الحسي لدى أسماك القرش هذه المفترسات من التقاط الأصوات البعيدة، وتفسيرها.

ويرون أنّ الدراسة تُضيء أيضاً على أهمية دراسة أسماك القرش في بيئتها الطبيعية، بدلاً من الاكتفاء بالتجارب عليها داخل أحواض المختبرات.

وقالت إحدى مؤلفات الدراسة، كارولين سوليفان: «إن إجراء تجارب السمع داخل حوض يؤدّي إلى ارتداد الصوت عن الجدران، ممّا ينتج إشارات معقدة ومربكة». وأضافت: «الأمر يشبه أن تكون داخل منزل مليء بالمرايا».

وختمت الدكتورة سوليفان: «لهذا السبب، من المهم جداً إجراء هذا النوع من التجارب في المحيط، وعلى أسماك قرش برّية، للحصول على استجابة طبيعية».


20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
TT

20 دقيقة بألف دولار... عربات نيويورك السياحية تُثير الغضب

العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)
العجلات ثلاث... والأصفار أكثر (أ.ف.ب)

ناقش مُشرّعون في نيويورك، الأربعاء، مشروع قانون لتنظيم عربات الدواسات السياحية ذات العجلات الثلاث، المنتشرة بكثافة في المناطق السياحية، مثل تايمز سكوير وسنترال بارك، والتي أثارت انتقادات متزايدة بسبب الازدحام والضوضاء المفرطة والأسعار الباهظة.

وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أنّ مجلس مدينة نيويورك يناقش سلسلة إجراءات لتنظيم هذه المركبات، التي غالباً ما تُزيَّن بأضواء النيون وتصدح منها الموسيقى، بينما تنقل الزوار في أنحاء مانهاتن.

ويبلغ الحدّ الأقصى لعدد عربات الدواسات المسموح بتشغيلها في نيويورك 840 عربة، لكن أرقاماً عُرضت خلال جلسة استماع للمجلس أظهرت أن نحو 1500 عربة تعمل حالياً في المدينة، لا تحمل التراخيص القانونية منها سوى 330 عربة.

وقد يؤدّي استغلال السياح والمبالغة في الأسعار إلى مطالبة زوار لا يدركون التكلفة بدفع أكثر من 1000 دولار مقابل رحلات لا تتجاوز مدّتها 20 دقيقة.

وقالت عضوة مجلس المدينة غيل بروير، التي تقف وراء جانب كبير من الإجراءات المقترحة، إنّ المدينة تلقّت 172 شكوى تتعلَّق بعربات الدواسات خلال عام 2025.

وأضافت: «نصف هذه الشكاوى، أي 86 شكوى، كانت تتعلَّق بفرض رسوم زائدة، بينما تعلقت 35 شكوى أخرى بمُشغلين غير مرخّصين. وربما كان العدد أكبر، لأنّ السياح في كثير من الأحيان لا يتقدّمون بشكاوى».

وتدفع بروير نحو وضع «قواعد أكثر وضوحاً» لهذا القطاع، وتسعى إلى إخضاعه لإشراف لجنة سيارات الأجرة والليموزين في المدينة.

وقالت: «يحتاج الركاب إلى معرفة المبلغ الذي سيدفعونه، ومعرفة الجهة المسؤولة عن عربة الدواسات التي يستقلونها»، مضيفة أنّ المركبات ينبغي أن تكون مجهَّزة بعدّادات تُظهر تكلفة الرحلة.

ويقترح إجراء تنظيمي آخر تحديد تعرفة ثابتة تُحتسب بالدقيقة.

كما تدعو بروير إلى إخضاع السائقين لتدريب يركّز على القواعد المعمول بها حالياً ومتطلبات السلامة.

وفي السياق نفسه، نقل عضو المجلس هارفي إبستين شكاوى من جهات عاملة في قطاع المسرح بشأن الضوضاء.

وقال: «هذا الأمر لا يصبُّ في مصلحة عروض برودواي التي تتعرض للمقاطعة بسبب الضوضاء الصاخبة المنبعثة من عربات الدواسات خارج مسارحها».

ومن بين القواعد الجديدة المُقتَرحة، حظر توقّف هذه العربات على مسافة تقل عن 15 متراً من مداخل تلك المسارح ومخارجها.


لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
TT

لماذا يبدو بعض الأشخاص أكثر انضباطاً؟ السر ليس في قوة الإرادة

أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)
أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل (بيكسلز)

قد تعتقد أن الأشخاص الذين يلتزمون بنظام غذائي صحي، أو يواظبون على ممارسة الرياضة، أو ينجحون في الادخار، كلهم يتمتعون بقوة إرادة استثنائية تجعلهم قادرين على مقاومة الإغراءات باستمرار. لكن ما يبدو انضباطاً خارقاً قد يكون في الحقيقة نتيجة استراتيجية أبسط وأكثر فاعلية: تنظيم الحياة بطريقة تجعل الخيارات الصحيحة أسهل، وتقلل الحاجة إلى مقاومة الخيارات الخاطئة.

فبدلاً من خوض معركة يومية مع النفس، يعتمد كثير من الأشخاص الأكثر نجاحاً وانضباطاً على أنظمة وعادات وقيود يضعونها لأنفسهم مسبقاً، بحيث لا يضطرون إلى استنزاف طاقتهم الذهنية في اتخاذ القرارات نفسها مراراً.

وفي مقال نشرته شبكة «سي إن بي سي» يوضح الكاتب والمتحدث والمدرب بن مير أن السر لا يكمن في امتلاك مخزون أكبر من قوة الإرادة، بل في معرفة متى نستخدمها، وكيف نبني بيئة تساعدنا على تحقيق أهدافنا من دون الاعتماد عليها طوال الوقت.

لماذا لا تكفي قوة الإرادة وحدها؟

تخيل أنك وضعت قطعة حلوى شهية في مطبخك. ربما تنجح في مقاومتها في المرات الأربع الأولى التي تمر فيها بجانبها. لكن مع تكرار الإغراء قد تستسلم في النهاية وتتناولها.

يميل معظمنا إلى تفسير مثل هذه المواقف بأنها دليل على ضعف قوة الإرادة، وكأن الأشخاص الناجحين يمتلكون قدرة استثنائية على ضبط النفس لا تتوفر لدى الآخرين.

غير أن حتى أكثر الناس انضباطاً يدركون أن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها ليس استراتيجية مضمونة على المدى الطويل.

ولهذا يتعاملون معها كما لو كانت «مالاً مخصصاً للطوارئ»؛ فمن الجيد الاحتفاظ به لمواجهة الظروف غير المتوقعة، لكن ليس من الحكمة إنفاقه على الاحتياجات اليومية التي يمكن التخطيط لها مسبقاً.

ولفهم الفكرة، تخيل صديقاً لا يجد صعوبة في الالتزام بنظام غذائي صحي. عندما يعود إلى منزله منهكاً بعد يوم عمل شاق لا يضطر إلى مقاومة رغبته في تناول قطعة حلوى موضوعة أمامه، لسبب بسيط: إنه لم يضع تلك الحلوى في منزله من الأساس.

وبهذه الطريقة يحتفظ بقدرته على ضبط النفس لمواجهة الإغراءات التي لا يستطيع التحكم فيها مسبقاً، مثل العثور على قطع من كعك «الكب كيك» في استراحة المكتب.

وهكذا، فإن ما يبدو للآخرين انضباطاً استثنائياً ليس بالضرورة نتيجة مقاومة مستمرة للرغبات، بل ثمرة تصميم ذكي للبيئة المحيطة.

استخدم قوة إرادتك مرة واحدة... لتوفرها لاحقاً

تقوم هذه الاستراتيجية على استثمار قدر من الجهد والانضباط في البداية لإنشاء أنظمة تجعل القرارات الجيدة تلقائية، أو أسهل تنفيذاً في المستقبل.

فعوضاً عن الاعتماد على قوة الإرادة في كل مرة تواجه فيها موقفاً متكرراً، يمكنك اتخاذ قرار واحد يخفف عنك عبء عشرات القرارات اللاحقة.

على سبيل المثال:

بدلاً من الحيرة كل مساء بشأن وجبة العشاء، خصص وقتاً واحداً لتخطيط وجبات الأسبوع مسبقاً، حتى لا تضطر إلى اتخاذ القرار يومياً وأنت متعب، أو جائع.

بدلاً من الاعتماد على قدرتك على تجاهل إشعارات الهاتف، اضبط أدوات حظر التطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي خلال ساعات العمل، لتجنب الإغراء من الأساس.

بدلاً من انتظار الحافز النفسي للادخار، فعّل التحويلات المالية التلقائية إلى حسابات الاستثمار والتقاعد، بحيث يصبح الادخار إجراءً منتظماً لا يتطلب قراراً جديداً كل شهر.

ويطلق مير على هذه الممارسات اسم «القيود المختارة»، وهي مجموعة من الحدود والحواجز الوقائية التي يضعها الشخص لنفسه بإرادته، بدلاً من أن يفرضها عليه الآخرون.

والهدف منها ليس تقييد الحرية، بل تسهيل الالتزام بالقرارات التي اتخذها الشخص بالفعل، ومساعدته على تحقيق تغيير حقيقي، ومستدام.

أولاً: صمّم بيئتك لتجعل الخيارات الجيدة أسهل

يمكن للبيئة المحيطة أن تعمل لمصلحتك، أو ضدك، حتى من دون أن تنتبه إلى تأثيرها في قراراتك اليومية.

فكّر في عدد المرات التي يتحدد فيها سلوكك بناءً على سهولة الوصول إلى شيء ما، أو صعوبته.

إذا كان حذاء الجري مدفوناً في أعماق خزانة الملابس، فقد يصبح الاستعداد لممارسة الرياضة أكثر صعوبة، ما يزيد احتمال التخلي عنها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُعرف بـ«القيود البيئية» التي تقوم على إعادة ترتيب المساحات والأدوات المحيطة بك، بحيث تصبح السلوكيات المفيدة سهلة التنفيذ، بينما تتطلب العادات التي تريد الحد منها جهداً إضافياً.

واللافت أن تطبيق هذه الفكرة لا يحتاج بالضرورة إلى تغييرات كبيرة؛ فقد تكفي بضع دقائق من إعادة التنظيم لإحداث فرق ملموس.

ويورد مير مثالاً لامرأة عاملة تحذف جميع تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفها، بحيث لا تستطيع استخدامها إلا من خلال تسجيل الدخول عبر جهاز الكمبيوتر المكتبي.

هذا العائق البسيط لا يمنعها تماماً من الوصول إلى تلك المنصات، لكنه يجعل استخدامها يتطلب قراراً واعياً، بدلاً من فتحها تلقائياً، وتصفحها بلا هدف على مدار اليوم.

ويقدم الكاتب مثالاً آخر من تجربته الشخصية، إذ أزال البطاريات من جهاز التحكم عن بُعد الخاص بالتلفاز، ووضعها في مكان بعيد، في الطرف الآخر من المنزل.

وبذلك لم يعد تشغيل التلفاز فعلاً تلقائياً يمكن القيام به بضغطة زر؛ بل أصبح يتطلب النهوض والذهاب لإحضار البطاريات، وهو ما يمنحه فرصة للتفكير فيما إذا كان يريد المشاهدة فعلاً.

وتستند هذه الطريقة إلى حقيقة بسيطة: إننا نميل عادةً إلى اختيار المسار الأقل مقاومة.

ولذلك عندما تصمم هذا المسار عن قصد، يمكن أن تدفعك البيئة المحيطة نحو قرارات أفضل، من دون الحاجة إلى استنزاف قوة إرادتك في كل مرة.

القيود الزمنية تخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار والبدء في التنفيذ (بيكسلز)

ثانياً: استخدم القيود الزمنية لزيادة الإنتاجية

لا تقتصر فائدة القيود المختارة على تعديل البيئة المادية، بل يمكن تطبيقها أيضاً على الطريقة التي ننظم بها وقتنا.

فعندما لا يكون للمهام موعد نهائي واضح، قد تستمر إلى أجل غير محدد، بينما تبقى بعض المشاريع عالقة في مرحلة «شبه منتهية» لفترات طويلة.

وهذه الفكرة تتفق مع «قانون باركنسون»، الذي ينص على أن العمل يتمدد ليشغل كامل الوقت المتاح لإنجازه.

ويشير مير، بروح من الدعابة، إلى أنه لا يزال ينتظر الوقت المناسب لتنظيم صوره الرقمية التي التقطها عام 2019، مضيفاً أنه ربما ينجز هذه المهمة في يوم من الأيام.

ويعكس هذا المثال مشكلة مألوفة: عندما لا يوجد موعد محدد لإنجاز مهمة ما، يصبح تأجيلها أسهل، حتى لو لم تكن معقدة.

أما القيود الزمنية، فتخلق شعوراً بالإلحاح يساعد على اتخاذ القرار، والبدء في التنفيذ، ويحد من الميل إلى إطالة العمل، أو تأجيل الانتهاء منه.

ومن الأمثلة على ذلك مدير تنفيذي يحدد مدة الاجتماعات بـ45 دقيقة بدلاً من الساعة المعتادة.

فوجود وقت أقصر يدفع المشاركين إلى التركيز على الموضوعات الأساسية، وتجنب الاستطراد، والوصول إلى القرارات بصورة أسرع.

ويطبق مير المبدأ نفسه في نشرته البريدية التي تحمل اسم «System Sunday»، أو «نظام الأحد».

فاسم النشرة يفرض عليه موعداً نهائياً ثابتاً للنشر، هو يوم الأحد من كل أسبوع؛ إذ إن إصدارها في يوم آخر سيجعل اسمها يفقد معناه.

ثالثاً: استفد من القيود الاجتماعية لتعزيز الالتزام

هناك نوع آخر من القيود لا يتعلق بالمكان، أو الوقت، بل بالأشخاص الذين نحيط أنفسنا بهم.

فمن أقوى الدوافع التي قد تشجع الإنسان على الوفاء بالتزاماته رغبته في عدم خذلان شخص آخر يعتمد عليه، أو يتابع تقدمه.

وتستفيد «القيود الاجتماعية» من هذا الدافع عبر إشراك أشخاص موثوقين في متابعة الأهداف والخطط، بما يعزز الشعور بالمسؤولية، ويجعل التراجع عن الالتزام أقل سهولة.

ويستشهد مير بالممثل هيو جاكمان، الذي يتبع عادة صباحية تقوم على كتابة وصف ليومه المثالي بصيغة توحي بأنه قد حدث بالفعل.

فقد يكتب على سبيل المثال: «قضيت أنا وابني اليوم أفضل ساعة معاً ونحن نضحك...».

وبعد كتابة هذا الوصف، يرسله جاكمان إلى مدربه المتخصص في تطوير العقلية والأداء الذهني.

ويقول جاكمان في تفسيره لهذه الممارسة: «نحن جميعاً بحاجة إلى أن نكون مسؤولين أمام شخص ما».

وبالطبع لا يمتلك الجميع مدرباً خاصاً لمتابعة أهدافهم، لكن يمكن تطبيق المبدأ نفسه بطرق أبسط وأكثر ملاءمة للحياة اليومية.

فإذا كنت تستعد للمشاركة في سباق ماراثون، على سبيل المثال، يمكنك إرسال خطة تدريبك اليومية إلى صديق تثق به كل صباح.

وعندما يسألك ذلك الصديق في نهاية اليوم: «كيف سارت الأمور؟»، يصبح لديك حافز إضافي لتنفيذ الخطة، لأن التزامك لم يعد أمراً تحتفظ به لنفسك فقط.

ولا يتعلق الأمر هنا بالخوف من انتقاد الآخرين، بقدر ما يتعلق بخلق شكل من أشكال المساءلة الإيجابية التي تساعد على الاستمرار، خصوصاً في الأيام التي يتراجع فيها الحماس.

لكن احذر... إعلان أهدافك للجميع قد يأتي بنتائج عكسية

رغم أهمية الدعم الاجتماعي، فإن مشاركة الأهداف لا تكون مفيدة دائماً، وقد تؤدي أحياناً إلى نتائج معاكسة لما تتوقعه.

ويشير مير إلى أبحاث أظهرت أن الإعلان العلني عن بعض الأهداف قد يقلل احتمالات تحقيقها في ظروف معينة.

ويعود أحد التفسيرات المحتملة لذلك إلى أن الحديث عن الهدف والحصول على استحسان الآخرين قد يمنحان الشخص شعوراً مبكراً بالإنجاز، حتى قبل أن يبدأ العمل الفعلي لتحقيقه.

وهذا الشعور قد يضعف الدافع إلى بذل الجهد المطلوب، لأن جزءاً من المكافأة النفسية المرتبطة بالنجاح يتحقق بمجرد الإعلان عن النية.

ولهذا لا ينصح الكاتب بمشاركة الأهداف مع الجميع، بل اختيار الأشخاص الذين يمكنهم تقديم دعم حقيقي، ومتابعة عملية.