بيتر بروك... غيّر المسرح الغربي وفتح فضاءه على التنوع الثقافي

تأثر بشكسبير ورواد المسرح الروسي ودعا لتقليص الفن إلى عناصره الأساسية

بروك في إحدى البروفات المسرحية
بروك في إحدى البروفات المسرحية
TT

بيتر بروك... غيّر المسرح الغربي وفتح فضاءه على التنوع الثقافي

بروك في إحدى البروفات المسرحية
بروك في إحدى البروفات المسرحية

ما أطول الرحلات التي قطعها بروك، الذي رحل أمس في باريس عن 97 عاماً، وفريقه من الممثلين ذوي الجنسيات المختلفة والحساسيات الثقافية المتباينة، وهم يرتجلون ويقدمون عروضهم في قلب أفريقيا في قرى مالي ونيجيريا وفي صحاري الشرق وعلى أطراف أميركا في محميات الهنود الحمر والأحياء الشعبية لبروكلين والمستشفيات ودور إيواء المهاجرين وكل مكان لا يصله المسرح. لأكثر من ثلاث سنوات، في بداية السبعينات، حاول بيتر بروك وفرقته توسيع دائرة التفكير في ماهية «الفضاء المسرحي المشترك» والصلّة مع المتفرج وتجنب القطيعة بين المسرح والواقع المعاش. يقول الناقد المسرحي جون هيلبيرن، الذي وثق هذه الرحلة في كتاب من أكثر الكتب مبيعاً «كانوا يضعون سجادة كل يوم في قرية نائية ويسترجلون عرضاً باستخدام الأحذية أو الصندوق. لم يكن هناك نص أو لغة مشتركة».
ولم تكن هذه سوى محطة من بين المحطات الكثيرة التي ميزت الإنتاج الإبداعي لعملاق المسرح الحديث بيتر بروك. فطيلة مسيرته الفنية حاول بروك تجديد المسرح الغربي من خلال تلقيحه بالأشكال الثقافية المتنوعة الشرقية والأفريقية والأميركية، فكان دائم البحث والترحال، وزار كثير من الدول للبحث عن أصول الفرجة الدرامية وطقوسها الأنثروبولوجية.
البداية كانت من لندن التي وُلد فيها الكاتب والمخرج البريطاني عام 1925، حيث نشأ في أحضان عائلة يهودية من أصول روسية، غيرت اسمها من بريك إلى بروك. ولمن كان يسأله عن هويته اليهودية، كان المخرج البريطاني يجيب بأنه لا علاقة تربطه بجذوره اليهودية، وبالعكس فإن شعوره بالانتماء لعروقه الروسية لا يحتمل أي شّك. زوجته الممثلة ناتاشا باري هي الأخرى من أصول روسية، وأول شيء شدّ انتباهه حين التقاها عام 1950 هو اسمها «ناتاشا» تماماً كبطلة «الحرب والسلم» لتولستوي، كما أن إيرينا ابنة بيتر بروك سُميت كذلك تخليداً لشخصية البنت الصغرى في مسرحية تشيكوف «الأخوات الثلاث». بيتر الشاب أحبّ السينما والتصوير، لكن العمل في المجال السنيمائي في بريطانيا ما بعد الحرب كان يبدو له بعيد المنال فاتجه لدراسة الأدب الروسي في جامعة أوكسفورد. موهبته في الإخراج المسرحي انفجرت مبكراً، حيث قام بإخراج أول عمل له وهو لا يتعدى 22 سنة مع «عذاب الحب الضائع» ثم «روميو وجولييت» لشكسبير وهو الكاتب الذي تأثر به بروك لحدّ كبير وكان من أهم مصادره في أعماله المسرحية طيلة مشواره الإبداعي.

بيتر بروك

وهو ابن الـ23 سنة عُيّن مديراً لدار الأوبرا الملكية «كوفنت غاردن»، لكن سرعان ما تم إبعاده عن هذا المنصب بعد «فضيحة» رسومات سلفادور دالي التي وضعها بروك كديكورات لمسرحية «سالومي» لريتشارد شتروش. لُقّب بـ«الطفل المشاغب» وكان باستطاعته المواصلة في العمل بالمسرح التجاري الإنجليزي بعد أكثر من أربعين عرضاً كُلّلت جميعها بالنجاح والجوائز، وهي الفترة التي أدار فيها أسماء لامعة من المسرح العالمي أمثال أورسون ويلز ولورانس أولفييه، إلا أن تصوّره وعلاقته بالمسرح تغيرت، حيث بدأ يخوض تجارب مسرحية متميزة ساهمت في تجديد وجه المسرح الغربي إلى الأبد. استلهم أفكاره من رُواد الإخراج المسرحي أمثال غروتوفسكي صاحب نظرية «المسرح الفقير» لتدريب ممثلي فرقة شكسبير عندما قدمت عرض «نحن والولايات المتحدة» في الستينات وكان العرض عملاً مسرحياً سياسياً أثار ضجّة إعلامية أنداك، كما تأثر بقسطنطين ستانيسلافسكي والفرنسي أنطونان أرتو صاحب نظرية «مسرح القسوة»، إضافة إلى فيسفولد ماير خولد صاحب التصّور البيوميكانيكي الذي يركز على التجانس الجسدي والتصويري على خشبة المسرح.
في حوار مع صحيفة «لوموند» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2010، شرح بروك كيف بدأ الملل يجتاحه بعد سنوات من العمل في المسرح التقليدي، حيث قال «بدأت أسأم من الصورة التي لطالما أحببتها وأصبحت أشعر أن قلب المسرح هو الإنسان وبالتالي الُممثل؛ ولذا فقد بدأت أهتم بتقنيات المرتكزة على حركات الجسد والتنفس لتمكين الممثل من إخراج كل قدراته»، كما أعاد بروك اكتشاف أبو الفنون من خلال تقليصه إلى العناصر الأساسية والأكثر قوة في الدراما وهي نظرية «المساحة الفارغة» التي تدعو إلى التركيز على إلقاء الممثل ونبذ أي ديكور أو زخرفات أخرى، حيث كتب «يمكنني أن آخذ أي مساحة فارغة وأطلق عليها اسم المسرح المجرد... رجل يمشي عبر فضاء فارغ بينما يراقبه شخص آخر، وهذا كل ما هو مطلوب لعمل مسرحي».
كما شجع التنوع وانفتاح المسرح الغربي على الثقافات الأخرى، وكان يقول «إذا كنا نريد التحدث عن الإنسان، فلا يجب تقليصه إلى الرجل الأبيض البرجوازي الذي يمثل مجتمعاتنا». ومعروف عن بروك استعانته بممثلين من مختلف الآفاق الثقافية وهو الذي اكتشف الممثل المالي باكاري سنغاري الذي كان بمثابة ممثله المفضل، وكان أول ممثل أفريقي الأصل ينضم لمؤسسة «لاكوميدي فرانسيز» العريقة.
بين 1955 و1965 أنجز بروك عروضاً مسرحية متميزة أمثال «تيتوس أندريكوس» لفرقة شكسبير الملكية وكان عرضاً فريداً من نوعه لأنه حمل تصوراً جديداً اتسّم بتجريب نظريات إخراجية معاصرة تليق بشخصيات شكسبير الفذة، إضافة إلى أعمال أخرى طبعت الأذهان أمثال «حلم ليلة صيف» «العاصفة» و«أوديب». هذا، وقد حقّق بروك أبحاثاً ودراسات مسرحية عدة، أهمها كتاب «المساحة الفارغة» عام 1968 حول إشكاليات المساحات في المسرح و«نقطة التحول» عام 1987 أو «الباب المفتوح» عام 1993، تبقى فرنسا التي التحق بها بروك في السبعينات واستقر فيها إلى غاية وفاته في الثاني من يوليو (تموز) الحالي أهم المحطات في مشواره الإبداعي، حيث ارتبط فيها اسمه بمسرح «لي بوف دي نور» الذي أعاده إلى الحياة بعد أن كان مهدداً بالغلق وأدار فيه عروضاً متميزة كمسرحية «الناي السحري» المقتبسة من أُوبرا موزارت، و«الملك لير» أو تحفة «ماهابهاراتا» من الملحمة الهندوسية والتي لخّصت اهتمام بروك بالمسرح الثقافي الأنثروبولوجي والذي كان يسعى من خلاله إلى إيجاد لغة مسرحية عالمية مشتركة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أسنان من العصر الحديدي تُعلن سرّ المائدة الإيطالية قبل 2500 عام

ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
TT

أسنان من العصر الحديدي تُعلن سرّ المائدة الإيطالية قبل 2500 عام

ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)
ما لا تذكره المخطوطات احتفظت به الأسنان (أ.ف.ب)

كشفت دراسة علمية جديدة، استناداً إلى تحليل أحافير أسنان بشرية تعود إلى العصر الحديدي، عن تنوّع لافت في النظام الغذائي للإيطاليين القدماء، وقدَّمت أدلّة قوية على أنّهم كانوا يستهلكون أطعمة ومشروبات مخمّرة بانتظام منذ أكثر من 2500 عام.

ووفق الدراسة التي نقلتها «الإندبندنت»، بدأ سكان إيطاليا في استكشاف نظام غذائي متنوّع خلال المدّة الممتدّة بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد، استناداً إلى تحليل حديث لأسنان بشرية عُثر عليها في موقع بونتوكانيانو الأثري، الواقع في جنوب البلاد.

ويُعدّ فكّ شيفرة أنماط الحياة في الحضارات القديمة مهمّة شديدة الصعوبة، إذ تتطلَّب وجود بقايا بشرية محفوظة جيداً لأشخاص عاشوا وماتوا منذ آلاف السنوات.

وفي هذا السياق، تُعدّ الأسنان البشرية الأحفورية مصدراً علمياً شديد الأهمية لفهم الأنظمة الغذائية القديمة، إذ تعمل بمثابة «أرشيف بيولوجي» يسجّل تفاصيل دقيقة عن التاريخ الغذائي والصحي لكلّ فرد.

ورغم ذلك، يظلّ جمع بيانات دقيقة من الأسنان عبر مراحل زمنية مختلفة تحدّياً علمياً معقّداً. وإنما الباحثون في هذه الدراسة نجحوا في تجاوز هذه الصعوبات عبر دمج تقنيات تحليلية عدّة لفحص بقايا أسنان عُثر عليها في بونتوكانيانو، بهدف إعادة بناء صورة أوضح عن صحّة السكان ونظامهم الغذائي خلال العصر الحديدي.

وخلال الدراسة، قيَّم العلماء أنسجة الأسنان لـ30 سنّاً تعود إلى 10 أفراد، وحصلوا على بيانات من الأنياب والأضراس لإعادة بناء تاريخ كلّ شخص من السكان القدماء خلال السنوات الـ6 الأولى من حياته.

وأظهرت النتائج أنّ الإيطاليين في العصر الحديدي كانوا يعتمدون على نظام غذائي غنيّ بالحبوب والبقوليات، وكميات وفيرة من الكربوهيدرات، إضافة إلى استهلاك أطعمة ومشروبات مخمّرة.

وقال أحد معدّي الدراسة روبرتو جيرمانو: «تمكّنا من تتبّع نموّ الأطفال وحالتهم الصحية بدقّة لافتة، كما رصدنا آثار الحبوب والبقوليات والأطعمة المخمّرة في مرحلة البلوغ، ما يكشف كيف تكيَّف هذا المجتمع مع التحدّيات البيئية والاجتماعية».

من جهتها، أوضحت الباحثة المشاركة في الدراسة، إيمانويلّا كريستياني، أنّ تحليل جير الأسنان كشف عن وجود حبيبات نشوية من الحبوب والبقوليات، وجراثيم الخميرة، وألياف نباتية، وهو ما يوفّر «صورة واضحة جداً» عن طبيعة النظام الغذائي وبعض الأنشطة اليومية لمجتمعات العصر الحديدي.

وأكّد الباحثون أنّ هذه النتائج تمثّل دليلاً قوياً على أنّ سكان هذه المنطقة من إيطاليا كانوا يستهلكون أطعمة ومشروبات مخمّرة بشكل منتظم، مرجّحين أنّ تنوّع النظام الغذائي ازداد مع اتّساع تواصلهم مع ثقافات البحر الأبيض المتوسّط.

كما لاحظ العلماء علامات إجهاد في أسنان الإيطاليين في العصر الحديدي في عمر سنة و4 سنوات تقريباً، معتقدين أنّ هذه الفترات قد تكون الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض.

ورغم أنّ الدراسة لا تمثّل بالضرورة صورة كاملة عن عموم سكان إيطاليا في تلك الحقبة، فإنها، وفق الباحثين، تُقدّم «تصوّراً ملموساً ودقيقاً» عن النظام الغذائي وبعض جوانب الحياة اليومية لمجتمعات العصر الحديدي في المنطقة.

من جهتها، قالت الباحثة المشاركة من جامعة سابينزا في روما، أليسا نافا: «تمثّل هذه الدراسة، وغيرها من المناهج الحديثة الأخرى، تقدّماً تكنولوجياً وعلمياً كبيراً يُحدث ثورة في فهم التكيّفات البيولوجية والثقافية للسكان القدامى».


عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
TT

عاصفة اتهامات تطال خوليو إغليسياس... والمغنّي ينفي

اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)
اختبار لا تُقاس نتائجه بعدد الأسطوانات المباعة (أ.ف.ب)

في سنّ الـ82، سيكون على المغنّي خوليو إغليسياس أن يواجه إحدى أصعب مراحل حياته، بعد اتهامات بالتحرّش الجنسي من عاملتَيْن كانتا تشتغلان في منزله في جزر الكاريبي. والجمعة، خرج المغنّي الإسباني عن صمته ونشر كلمة على حسابه في «إنستغرام»، نفى فيها تهمة «التحرّش أو الاستغلال أو التعامل بقلّة احترام مع أيّ امرأة». وأضاف أنّ الاتهامات الموجَّهة له من امرأتَيْن سبق لهما العمل في خدمته «كاذبة تماماً»، وقد سبَّبت له حزناً عميقاً.

وتعود القضية إلى عام 2021. ووفق معلومات نشرتها صحيفة «إل دياريو» الإسبانية وقناة «أونيفيزيون نوتيسياس»، فإنّ المدّعية الأولى كانت تبلغ 22 عاماً في وقت الحادثة، وزعمت أنها تعرّضت للعنف اللفظي والجسدي، وكانت مُجبرة على إقامة علاقة مع المغنّي الذي سحر ملايين النساء في أنحاء العالم في ثمانينات القرن الماضي بأغنيات الحبّ الرومانسي. وأضافت: «كنتُ أشعر بأنني عبدة له ومجرّد شيء يستخدمه كلّ ليلة تقريباً». أما المدّعية الثانية فكانت تعمل معالجة نفسية لدى المغنّي، وتزعم أنه «قبَّلها في فمها ولمس جسدها لمسات غير مقبولة، وعانت إهانات في جوّ من المراقبة والتحرُّش والرعب».

وفي منشوره، قال المغنّي المُعتزل إنه لا يزال يمتلك القوة ليكشف للناس عن الحقيقة ويدافع عن كرامته ضدّ هذا الهجوم الخطير. كما أشار إلى عدد الرسائل التي وصلته من أشخاص يعربون عن دعمهم له ويؤكّدون فيها ثقتهم به.

بعد خروج القضية إلى العلن، ظهر على السطح تسجيل مصوّر لخوليو إغليسياس يعود إلى عام 2004. ويبدو المغنّي في الشريط المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي وهو يقبّل بالقوة مذيعة تلفزيونية في برنامج يُبثّ على الهواء. وتُشاهد المذيعة وهي تحاول صدّه وتذكيره بأنه متزوّج، لكن كلامها لم يؤثّر في المغنّي الذي باعت أسطواناته ملايين النسخ. ووفق صحيفة «الصن» البريطانية، فإنّ القضاء الإسباني يُحقّق في الشكويين المقدّمتين من المدّعيتين إلى محكمة في مدريد.

يُذكر أنّ المغنّي كان قد وقَّع عقداً مع منصّة «نيتفليكس» لإنتاج فيلم عن حياته، على أنه أول فنان غير إنجليزي يدخل الأسواق الأميركية والآسيوية، وليُصبح واحداً من أفضل 5 بائعي التسجيلات في التاريخ. فخلال أكثر من 55 عاماً من مسيرته الفنّية، أدّى خوليو إغليسياس أغنيات بـ12 لغة، محقّقاً شهرة لم يبلغها فنان من مواطنيه.


موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
TT

موجة حنين تجتاح منصات التواصل… لماذا يعود المستخدمون فجأة إلى عام 2016؟

أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)
أشخاص يستخدمون هواتفهم أمام شعار منصة «إنستغرام» (رويترز)

شهدت الأسابيع الأولى من عام 2026 موجةً واسعة من الحنين إلى الماضي على الإنترنت، حيث اتجه مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إلى استعادة ذكريات سابقة من خلال نشر صور قديمة مُعدّلة بفلاتر بسيطة، مرفقة بتعليق شائع يقول: «2026 هي 2016 الجديدة».

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، لاحظ مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي، أثناء تصفحهم «إنستغرام» أو «تيك توك»، منشورات تُظهر حواجب مرسومة بعناية مع فلتر «سناب شات» على شكل جرو، أو صوراً رديئة الجودة التُقطت بهواتف «آيفون» لأشخاص يلعبون لعبة «بوكيمون غو»، في مشاهد تعبّر عن رثاء للعقد الماضي، وفقاً لصحيفة «إندبندنت».

ومنذ بداية العام الجديد، امتلأت صفحات التواصل الاجتماعي بصورٍ تُظهر أشخاصاً ينبشون أرشيفاتهم الرقمية التي تعود إلى ما قبل عشر سنوات، ويشاركون صوراً مُجمّعة ومقاطع فيديو منخفضة الجودة توثّق تلك المرحلة الزمنية.

وأفادت منصة «تيك توك» بأن عمليات البحث عن مصطلح «2016» ارتفعت بنسبة 452 في المائة خلال الأسبوع الأول من العام، كما تم إنشاء أكثر من 56 مليون مقطع فيديو باستخدام فلتر ضبابي مستوحى من أجواء ذلك العام.

وانضم المشاهير والمؤثرون إلى هذه الموجة أيضاً؛ إذ نشرت النجمة سيلينا غوميز صوراً قديمة لها من جولتها الغنائية في تلك الفترة، بينما نشر تشارلي بوث مقطع فيديو له وهو يغني أغنيته الشهيرة من عام 2016 «We Don't Talk Anymore».

إذاً.. لماذا عام 2016؟

إلى جانب كونه الذكرى السنوية العاشرة، كان عام 2016 حافلاً بظواهر ثقافة البوب؛ فقد أصدرت بيونسيه ألبوم «Lemonade»، وظهرت تايلور سويفت بشعرها الأشقر في مهرجان كوتشيلا. كما هيمنت أغاني ذا تشينسموكرز ودريك على الإذاعات، وظلت منصة الفيديوهات القصيرة «فاين» تحظى بشعبية جارفة قبل إغلاقها في يناير (كانون الثاني) عام 2017.

لكنّ الأمر لا يقتصر فقط على جماليات المبالغة والرموز الثقافية التي تقف خلف عبارة «2026 هو 2016 الجديد». إذ يبدو أن مستخدمي الإنترنت يستغلون هذه اللحظة لاستعادة ذكريات عالم كان أبسط وأقل تعقيداً من عالمنا الحالي.

ففي عام 2016، كانت جائحة «كورونا» لا تزال بعيدة الاحتمال. ولم تكن ولايتا دونالد ترمب الرئاسيتان قد بدأتا بعد، كما لم تكن المعلومات المضللة التي يولدها الذكاء الاصطناعي قد غزت منصات التواصل الاجتماعي.

وكتب أحد مستخدمي تطبيق «إكس» تعليقاً على هذه الظاهرة: «أتمنى لو أعود إلى عام 2016.. يا له من زمن رائع كنا نعيشه!».

لكن في المقابل، وبينما قد تُصوّر هذه الظاهرة المتفائلة عام 2016 على أنه الهدوء الذي سبق العاصفة، جادلت الكاتبة كاتي روسينسكي من صحيفة «إندبندنت» بأن المشاركين في هذه الموجة يتغاضون عن حقيقة أن ذلك العام شهد صعوبات مثل غيره من الأعوام، من بينها وفاة رموز ثقافية بارزة مثل برينس، وديفيد باوي، وكاري فيشر.

وتابعت روسينسكي: «إن إعادة ابتكار عام 2016 بوصفه ذروة مبهجة، تُثبت قدرتنا المستمرة على الحنين إلى الماضي، وقدرتنا على تحويل حتى الأوقات الصعبة إلى لحظات جديرة بالذكرى بعد مرور بضع سنوات فقط».