العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

علامات على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان
TT

العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان

أزعم أن الأزمات ليست مما يخطر ببال الكثير من المثقفين العرب أو حتى غير العرب حين يُذكر العقل الأوروبي أو الغربي إجمالاً. لكن حتى لو قُبلت تلك الصلة جدلاً فإن ذلك العقل الذي غيّر وجه البشرية على مدى يقرب من القرون الخمسة فكراً وعلوماً وفنوناً سيظل في الأذهان أقرب إلى المنجزات منه إلى الأزمات، الأزمات بما هي حالات حيرة وقلق في أفضل الظروف أو حالات اختناق وانطفاء في أسوئها. بعد ذلك سيتطاول السؤال: ما الذي نفيده من التأمل في أزمات العقل الأوروبي ومناقشتها على افتراض أن أزمات كتلك مهمة وجديرة بالتأمل والمناقشة؟ أليس الأحرى بنا أن نصرف الانتباه إلى أزمات العقل العربي، عقلنا أو ثقافتنا نحن، بدلاً من العقل الأوروبي أو الغربي؟
السؤال الأخير هو ما سيطرحه على الأرجح أولئك الذين يرون أن مصلحتنا تكمن في التخلص من «تخلفنا» بالاتكاء على «تقدم» الآخر و«ظلامنا» بالإفادة من «نور» ذلك الآخر وليس في نقده وتحليل مشكلاته أو أزماته. ذلك أنه لن تكون نتيجة مثل ذلك النقد، لو تبنته الأكثرية، إلا إضعاف احتمالات أن نتحضر ونتخلص مما لدينا من مشكلات حلَّها الفكر الأوروبي وتجاوزتها ثقافاته منذ أمد بعيد. وأود أن أعترف بأن ما أطرحه هنا وما طرحته في مقالات سابقة يتأسس على الرد على وجهة النظر هذه وإثبات تهافتها، ليس اعتقاداً مني بأننا لسنا بحاجة إلى الآخر الغربي علماً وفكراً وإبداعاً، فلن يقول ذلك إلا مكابر أو غافل عن أن الكثير مما لدينا اليوم من أنظمة وأساليب عيش وعلوم وفكر وفنون إنما جاء من ذلك الآخر. تحفظي على وجهة النظر التي ترفض الحديث عن أن أزمات الآخر يتأسس تحديداً على ذلك الاتكاء على الآخر، أي على حاجتنا إليه وأهميته القصوى بالنسبة لنا وعلى الاعتقاد الجازم، نتيجة لذلك، أن أزماته إما أنها وصلت إلينا وإما أنها في الطريق، بمعنى أن كثيراً من أزمات الحضارة الغربية بصفة عامة هي اليوم أزمات عالمية تشكلت أو في طور التشكل. المفاهيم التي تحكم تفكير الكثير منّا، مفاهيم مثل «التقدم» و«التنوير» و«التطور» التي تناولتها في مقالتين سابقتين، أمثلة على تحوُّل ما بدأ تأزماً في أوروبا إلى تأزم يشيع في كل مكان تقريباً. يؤمن أولئك بالتقدم ويتطلعون إلى التنوير من المنظور ذاته وبالخلل ذاته الذي تنامى في الفكر الأوروبي ثم شاع لدى من ظلوا يدافعون عن التفوق الغربي كأن كل ما نُشر من نقد لم يكن ولا أهمية له. كأن الحضارة الغربية حضارة بلا أزمات، حضارة منجزات ليس إلا، أو أنها أزمات تافهة لا تستحق الحديث عنها.
«الأزمة التي تواجه العالم الغربي ليست مؤقتة وإنما هي علامة على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي بأكمله وستكون لها نتائج بعيدة المدى». تلك هي أطروحة كتاب «حالة تأزم State of Crisis» الذي نشره البولندي زيغمونت باومان والإيطالي كارلو بوردوني عام 2014. ذلك التأزم تحدث عنه قبل باومان وبوردوني بثلاثين عاماً الروائي التشيكي ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية» وذلك من زاوية مغايرة حين تحدث عن «اللاعقلانية الخالصة... التي سيطرت على العالم لأنه لم تعد هناك أي قيم مقبولة لدى الجميع لإيقافها».
وقبل هؤلاء كان بول فاليري، الشاعر والناقد الفرنسي المعروف، قد دشن خطاباً حول التأزم الحضاري عام 1919 في مقالة شهيرة بعنوان «أزمة العقل» مثّلت ردة فعله للحرب العالمية الأولى. لكن على مدى القرن الممتد ما بين مقالة فاليري وكتاب بوردوني وباومان كانت هناك مئات بل آلاف العناوين لكتب ومقالات وأعمال روائية وشعرية تتأمل في مسيرة أوروبا من الزاوية ذاتها ولعل أشهرها على المستوى الفكري كتاب فيلسوف الظاهراتية إدموند هوسرل «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية» (1936). يعلق كونديرا على أطروحة هوسرل التي نظرت إلى واقع الغرب نظرة متشائمة في ثلاثينات القرن العشرين فيرى ما يبررها في ثمانيناته. كان ما يشغل كونديرا ما آلت إليه أوروبا الوسطى من انهيار سياسي واقتصادي نتيجة الهيمنة الشيوعية وضعف الغرب الرأسمالي. يقول كونديرا: «تمكن الغرب، لأول مرة في تاريخه الحديث، من رؤية موت الغرب، أو، على وجه الدقة، استئصال جزء منه، حين ابتلعت الإمبراطورية الروسية وارسو وبودابست وبراغ». والآن ونحن نشهد استئصالاً آخر لأجزاء من شرق أوروبا على يد «إمبراطورية» روسية جديدة نحتاج فعلاً إلى استعادة ما قاله كونديرا.
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ينطلق من زاوية مغايرة لكل ذلك، وما أكثر الزوايا التي تتفتح على الظواهر كلما أعمل الباحثون الكبار فكرهم في النظر والتقصي. موران معنيٌّ بقضية التأزم لكن من منظوره الخاص والشامل الذي عبّر عنه في عدد من الكتيبات المهمة التي تشمل عناوين مثل «إلى أين يسير العالم؟» فنستشفّ منه إجابات مضمرة ومأزومة في الوقت نفسه. يقول موران، الذي خبر القرن كله تقريباً بعد أن عدى المائة عام الآن، إن «من المثير أن الإنسانية العلمانية وفلسفة الأنوار وآيديولوجيا العقل قد بنت على أنقاض العناية الإلهية فكرة للتقدم، وعملت على أقنمتها وتشييئها في صورة قانون وضرورة للتاريخ الإنساني، وظلت هذه الفكرة مفصولة عن كل تجسد، ومجردة من كل واقع فيزيائي وبيولوجي، بحيث إنها غيّبت مبدأ الفساد والتحلل العامل في مجال الفيزياء، والكون، والحياة». هل من مزيد لمستزيد؟ ربما تغيير العبارة ليس إلا: ما حدث للأنوار هو أنه تحول إلى آيديولوجيا، إلى فكر جامد ومقدس لا يناقش في ثقافة تأسست عليه وتخشى على نفسها ومصيرها حين يساءل.
غير أن موران معنيٌّ بالتأزم بصورة أكثر تجريداً في كتيب آخر، كتيب في عدد صفحاته وكتاب في قيمته. إنه كتيب بعنوان «في مفهوم الأزمة». صدر الكتيب بالفرنسية سنة 2016 ونشرت بديعة بوليلة ترجمته إلى العربية سنة 2018. واللطيف أن موران صدّر الكتاب بمقدمة للقارئ العربي «الذي يواجه أزمات عدة ومتراكبة» حسبما ورد في المقدمة، في إشارة مهمة من الفيلسوف الفرنسي الكبير. ويعنيني في هذه المقالة غير المعمقة بما يكفي أن موران يشير إلى ما يسميها «أزمات أقل وضوحاً» تقف إلى جانب الأزمات الواضحة. ويضرب لذلك مثلاً بما يصفها بـ«أزمة الحضارة»، «فهي أقل وضوحاً في أنها لا تحدث بطريقة عنيفة إلا عندما تُظهرها بعض الأعراض، على غرار أحداث مايو (أيار) 1968». يشخّص موران أزمة الحضارة بقوله: «وهي أزمة حضارة لأن عدداً من الخصائص التي تميز المجتمع الغربي –كالرفاهية المتميزة بنشر كميات من السلع الاستهلاكية والرفاهية التي تحقق وجوداً أفضل– قد أصبحت محل إعادة نظر، وذلك دون الوقوف على تتبع معين للأحداث. فهذه الكتلة من البضائع، عوض أن تجلب الرضا والهناء الموعودَين، أثارت نوعاً من الكرب». كأني بموران يتحدث لا عن المجتمعات الغربية وحدها وإنما أيضاً عن بعض المجتمعات العربية، المجتمعات الأكثر ترفيهاً باستهلاكيتها الاجتماعية والاقتصادية وجهل أكثر المنغمرين بذلك الاستهلاك بطبيعة المشكلات التي يجلبها ذلك التهالك الاستهلاكي، غياب وعيهم بأن ثمة أزمة ناشئة عن ذلك الاستهلاك.
لكنْ للأزمة دون شك وجوه أخرى يشير موران إلى بعضها التي ربما فاقت في أهميتها أزمة الاستهلاك، والأهم في تقديري هو أن موران مشغول بالتحديد النظري لطبيعة التأزم، الانشغال الذي نجده أيضاً لدى باومان وبوردوني كما لدى آخرين. يقال الكثير عن التأزم لكنّ قليلين هم الذين توقفوا عند المفهوم وأبعاده النظرية لأن تحديد ذلك المفهوم ليس بالأمر السهل. يسهل الحديث عن التأزم ولكن تعريفه أو تحديد طبيعته، كيف ينشأ ويتطور، ليس بالأمر السهل. وسأسعى في مقالة أو مقالات قادمة للوقوف على ذلك المفهوم بالنظر إلى ما يقوله موران وغيره.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.