العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

علامات على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان
TT

العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان

أزعم أن الأزمات ليست مما يخطر ببال الكثير من المثقفين العرب أو حتى غير العرب حين يُذكر العقل الأوروبي أو الغربي إجمالاً. لكن حتى لو قُبلت تلك الصلة جدلاً فإن ذلك العقل الذي غيّر وجه البشرية على مدى يقرب من القرون الخمسة فكراً وعلوماً وفنوناً سيظل في الأذهان أقرب إلى المنجزات منه إلى الأزمات، الأزمات بما هي حالات حيرة وقلق في أفضل الظروف أو حالات اختناق وانطفاء في أسوئها. بعد ذلك سيتطاول السؤال: ما الذي نفيده من التأمل في أزمات العقل الأوروبي ومناقشتها على افتراض أن أزمات كتلك مهمة وجديرة بالتأمل والمناقشة؟ أليس الأحرى بنا أن نصرف الانتباه إلى أزمات العقل العربي، عقلنا أو ثقافتنا نحن، بدلاً من العقل الأوروبي أو الغربي؟
السؤال الأخير هو ما سيطرحه على الأرجح أولئك الذين يرون أن مصلحتنا تكمن في التخلص من «تخلفنا» بالاتكاء على «تقدم» الآخر و«ظلامنا» بالإفادة من «نور» ذلك الآخر وليس في نقده وتحليل مشكلاته أو أزماته. ذلك أنه لن تكون نتيجة مثل ذلك النقد، لو تبنته الأكثرية، إلا إضعاف احتمالات أن نتحضر ونتخلص مما لدينا من مشكلات حلَّها الفكر الأوروبي وتجاوزتها ثقافاته منذ أمد بعيد. وأود أن أعترف بأن ما أطرحه هنا وما طرحته في مقالات سابقة يتأسس على الرد على وجهة النظر هذه وإثبات تهافتها، ليس اعتقاداً مني بأننا لسنا بحاجة إلى الآخر الغربي علماً وفكراً وإبداعاً، فلن يقول ذلك إلا مكابر أو غافل عن أن الكثير مما لدينا اليوم من أنظمة وأساليب عيش وعلوم وفكر وفنون إنما جاء من ذلك الآخر. تحفظي على وجهة النظر التي ترفض الحديث عن أن أزمات الآخر يتأسس تحديداً على ذلك الاتكاء على الآخر، أي على حاجتنا إليه وأهميته القصوى بالنسبة لنا وعلى الاعتقاد الجازم، نتيجة لذلك، أن أزماته إما أنها وصلت إلينا وإما أنها في الطريق، بمعنى أن كثيراً من أزمات الحضارة الغربية بصفة عامة هي اليوم أزمات عالمية تشكلت أو في طور التشكل. المفاهيم التي تحكم تفكير الكثير منّا، مفاهيم مثل «التقدم» و«التنوير» و«التطور» التي تناولتها في مقالتين سابقتين، أمثلة على تحوُّل ما بدأ تأزماً في أوروبا إلى تأزم يشيع في كل مكان تقريباً. يؤمن أولئك بالتقدم ويتطلعون إلى التنوير من المنظور ذاته وبالخلل ذاته الذي تنامى في الفكر الأوروبي ثم شاع لدى من ظلوا يدافعون عن التفوق الغربي كأن كل ما نُشر من نقد لم يكن ولا أهمية له. كأن الحضارة الغربية حضارة بلا أزمات، حضارة منجزات ليس إلا، أو أنها أزمات تافهة لا تستحق الحديث عنها.
«الأزمة التي تواجه العالم الغربي ليست مؤقتة وإنما هي علامة على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي بأكمله وستكون لها نتائج بعيدة المدى». تلك هي أطروحة كتاب «حالة تأزم State of Crisis» الذي نشره البولندي زيغمونت باومان والإيطالي كارلو بوردوني عام 2014. ذلك التأزم تحدث عنه قبل باومان وبوردوني بثلاثين عاماً الروائي التشيكي ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية» وذلك من زاوية مغايرة حين تحدث عن «اللاعقلانية الخالصة... التي سيطرت على العالم لأنه لم تعد هناك أي قيم مقبولة لدى الجميع لإيقافها».
وقبل هؤلاء كان بول فاليري، الشاعر والناقد الفرنسي المعروف، قد دشن خطاباً حول التأزم الحضاري عام 1919 في مقالة شهيرة بعنوان «أزمة العقل» مثّلت ردة فعله للحرب العالمية الأولى. لكن على مدى القرن الممتد ما بين مقالة فاليري وكتاب بوردوني وباومان كانت هناك مئات بل آلاف العناوين لكتب ومقالات وأعمال روائية وشعرية تتأمل في مسيرة أوروبا من الزاوية ذاتها ولعل أشهرها على المستوى الفكري كتاب فيلسوف الظاهراتية إدموند هوسرل «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية» (1936). يعلق كونديرا على أطروحة هوسرل التي نظرت إلى واقع الغرب نظرة متشائمة في ثلاثينات القرن العشرين فيرى ما يبررها في ثمانيناته. كان ما يشغل كونديرا ما آلت إليه أوروبا الوسطى من انهيار سياسي واقتصادي نتيجة الهيمنة الشيوعية وضعف الغرب الرأسمالي. يقول كونديرا: «تمكن الغرب، لأول مرة في تاريخه الحديث، من رؤية موت الغرب، أو، على وجه الدقة، استئصال جزء منه، حين ابتلعت الإمبراطورية الروسية وارسو وبودابست وبراغ». والآن ونحن نشهد استئصالاً آخر لأجزاء من شرق أوروبا على يد «إمبراطورية» روسية جديدة نحتاج فعلاً إلى استعادة ما قاله كونديرا.
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ينطلق من زاوية مغايرة لكل ذلك، وما أكثر الزوايا التي تتفتح على الظواهر كلما أعمل الباحثون الكبار فكرهم في النظر والتقصي. موران معنيٌّ بقضية التأزم لكن من منظوره الخاص والشامل الذي عبّر عنه في عدد من الكتيبات المهمة التي تشمل عناوين مثل «إلى أين يسير العالم؟» فنستشفّ منه إجابات مضمرة ومأزومة في الوقت نفسه. يقول موران، الذي خبر القرن كله تقريباً بعد أن عدى المائة عام الآن، إن «من المثير أن الإنسانية العلمانية وفلسفة الأنوار وآيديولوجيا العقل قد بنت على أنقاض العناية الإلهية فكرة للتقدم، وعملت على أقنمتها وتشييئها في صورة قانون وضرورة للتاريخ الإنساني، وظلت هذه الفكرة مفصولة عن كل تجسد، ومجردة من كل واقع فيزيائي وبيولوجي، بحيث إنها غيّبت مبدأ الفساد والتحلل العامل في مجال الفيزياء، والكون، والحياة». هل من مزيد لمستزيد؟ ربما تغيير العبارة ليس إلا: ما حدث للأنوار هو أنه تحول إلى آيديولوجيا، إلى فكر جامد ومقدس لا يناقش في ثقافة تأسست عليه وتخشى على نفسها ومصيرها حين يساءل.
غير أن موران معنيٌّ بالتأزم بصورة أكثر تجريداً في كتيب آخر، كتيب في عدد صفحاته وكتاب في قيمته. إنه كتيب بعنوان «في مفهوم الأزمة». صدر الكتيب بالفرنسية سنة 2016 ونشرت بديعة بوليلة ترجمته إلى العربية سنة 2018. واللطيف أن موران صدّر الكتاب بمقدمة للقارئ العربي «الذي يواجه أزمات عدة ومتراكبة» حسبما ورد في المقدمة، في إشارة مهمة من الفيلسوف الفرنسي الكبير. ويعنيني في هذه المقالة غير المعمقة بما يكفي أن موران يشير إلى ما يسميها «أزمات أقل وضوحاً» تقف إلى جانب الأزمات الواضحة. ويضرب لذلك مثلاً بما يصفها بـ«أزمة الحضارة»، «فهي أقل وضوحاً في أنها لا تحدث بطريقة عنيفة إلا عندما تُظهرها بعض الأعراض، على غرار أحداث مايو (أيار) 1968». يشخّص موران أزمة الحضارة بقوله: «وهي أزمة حضارة لأن عدداً من الخصائص التي تميز المجتمع الغربي –كالرفاهية المتميزة بنشر كميات من السلع الاستهلاكية والرفاهية التي تحقق وجوداً أفضل– قد أصبحت محل إعادة نظر، وذلك دون الوقوف على تتبع معين للأحداث. فهذه الكتلة من البضائع، عوض أن تجلب الرضا والهناء الموعودَين، أثارت نوعاً من الكرب». كأني بموران يتحدث لا عن المجتمعات الغربية وحدها وإنما أيضاً عن بعض المجتمعات العربية، المجتمعات الأكثر ترفيهاً باستهلاكيتها الاجتماعية والاقتصادية وجهل أكثر المنغمرين بذلك الاستهلاك بطبيعة المشكلات التي يجلبها ذلك التهالك الاستهلاكي، غياب وعيهم بأن ثمة أزمة ناشئة عن ذلك الاستهلاك.
لكنْ للأزمة دون شك وجوه أخرى يشير موران إلى بعضها التي ربما فاقت في أهميتها أزمة الاستهلاك، والأهم في تقديري هو أن موران مشغول بالتحديد النظري لطبيعة التأزم، الانشغال الذي نجده أيضاً لدى باومان وبوردوني كما لدى آخرين. يقال الكثير عن التأزم لكنّ قليلين هم الذين توقفوا عند المفهوم وأبعاده النظرية لأن تحديد ذلك المفهوم ليس بالأمر السهل. يسهل الحديث عن التأزم ولكن تعريفه أو تحديد طبيعته، كيف ينشأ ويتطور، ليس بالأمر السهل. وسأسعى في مقالة أو مقالات قادمة للوقوف على ذلك المفهوم بالنظر إلى ما يقوله موران وغيره.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زانغ زونغشين لـ«الشرق الأوسط»: عملي في المصانع والحراسة كان ملهماً

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان البحر الأحمر (يوتيوب)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان البحر الأحمر (يوتيوب)
TT

زانغ زونغشين لـ«الشرق الأوسط»: عملي في المصانع والحراسة كان ملهماً

عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان البحر الأحمر (يوتيوب)
عرض الفيلم للمرة الأولى عربياً في مهرجان البحر الأحمر (يوتيوب)

في الفيلم السينمائي الصيني «أصوات الليل» الذي حصد جائزة «أفضل مساهمة سينمائية» في النسخة الخامسة من مهرجان «البحر الأحمر السينمائي» لا يأتي الصوت من الحناجر، بل من الأرض، من القمح حين تهبّ عليه الريح، ومن التماثيل الحجرية التي وقفت قروناً تشاهد البشر يأتون ويغادرون، ومن النساء اللواتي تعلّمن أن يبتلعن حكاياتهن.

هكذا يبدو الفيلم ليس حكاية تُروى، بل كان أثراً يلتقط، وذاكرة تتحرك في العتمة، ومن هذا الإحساس بالإنصات، لا بالتصريح، ينطلق المخرج الصيني زانغ زونغشين ليقدّم عمله الثاني، «أصوات الليل»، بوصفه محاولة للاقتراب من عالم يعتقد أن الكاميرا لا تحبه كثيراً.

ويقول زانغ زونغشين لـ«الشرق الأوسط» إن طريقه إلى السينما لم يبدأ من المعاهد السينمائية، بل من حياة مليئة بالانتقال والعمل والبحث عن مكان، فهو وُلد في قرية فقيرة، ثم انتقل بعد الثانوية إلى المصنع، حيث اختبر قسوة العمل المتواصل، قبل أن يشدّ الرحال إلى بكين عام 2011، ليعمل حارساً ليلياً بالقرب من معهد بكين السينمائي.

ناقش الفيلم قضايا المرأة في الريف الصيني (يوتيوب)

وهناك ومن موقعه باعتباره حارساً لا كونه طالباً، تعلّم أن يراقب أكثر مما يتكلّم، وأن يفهم السينما بوصفها لغة تُكتشف بالمشاهدة والإصغاء، مؤكداً أن تسلله إلى المحاضرات، وجلوسه في الصفوف الخلفية، شكّلا وعيه الأول بلغة الصورة، وفتحا أمامه باب السينما الفنية التي وجد فيها ما يعبّر عن حياته وأسئلته.

ويشير إلى أن تلك التجربة لم تمنحه المعرفة فقط، بل كوّنت علاقاته الأولى، سواء مع طلاب السينما أو مع زملائه من الحراس، الذين كانوا، مثله، يبحثون عن الاقتراب من هذا العالم، ولاحقاً، تعلّم المونتاج ذاتياً، وعمل محرراً في أفلام مستقلة، قبل أن ينجز فيلمه الأول «البقرة البيضاء»، الذي عاد فيه إلى الريف وذاكرة الطفولة، وفتح له باب الاعتراف السينمائي داخل الصين.

المخرج الصيني زانغ زونغشين (مهرجان البحر الأحمر)

واختار المخرج تسليط الضوء على نساء الريف الصيني في فيلمه الجديد، قائلاً إن «هذه الفئة تكاد تكون غائبة عن السينما، رغم أنها تمثّل قلب الحياة الريفية، فهن يملكن مساحة محدودة للتعبير، ويعشن أوجاعهن في صمت، بينما تتركز معظم الأفلام الصينية على المدن والحياة الاستهلاكية».

وأوضح أن رغبته كانت تتمثل في تقديم فيلم لا يتحدث عن النساء من الخارج، بل يقترب من مشاعرهن اليومية، ومن علاقتهن بالأرض، مستلهماً ذلك من تجربة والدته، التي يرى أنها تمثّل نموذجاً لنساء كثيرات عشن العمر كله مرتبطات بالأرض، وبأسرار لا تُقال، لافتاً إلى أن الفيلم لا يتعامل مع الريف بوصفه خلفية، بل بوصفه كائناً، فالأرض ليست مكاناً فقط، بل هي ذاكرة ومصدر حياة وقمع في آن واحد، ومن هذا المنطلق، جاء اختياره لطفلة في الثامنة من عمرها لتكون مركز السرد.

حصد الفيلم ردود فعل إيجابية في مهرجان البحر الأحمر بجانب جائزة (يوتيوب)

ويقول المخرج الصيني إن «منظور الطفلة يمنح الفيلم مساحة للغموض؛ لأن الطفلة ترى نصف الحقيقة فقط، وتملأ النصف الآخر بالخيال، وهذا، في رأيه، أقرب إلى الطريقة التي تُعاش بها الحياة في القرى، حيث لا تُشرح الأمور كاملة، بل تُلمح وتُحسّ».

ويشير إلى أن «علاقته بذاكرة الطفولة لعبت دوراً أساسياً في هذا الاختيار، مع استعادته الليالي الريفية الطويلة، وما تحمله من خوف وأسئلة وأصوات غير مفهومة مع قناعته بأن الطفل قادر على التقاط ما يتجاهله الكبار، وعلى سماع ما لا يُقال، وهو ما جعله يحمّل الشخصية الصغيرة عبء الكشف عن عالم النساء من حولها».

وأكد زانغ زونغشين أنه لم يسعَ إلى إدخال الغرابة بشكل متكلّف، بل ترك المكان يقوده، فالتماثيل الحجرية العائدة إلى سلالة سونغ، التي تقف وسط الحقول منذ مئات السنين، بدت له شاهداً صامتاً على تعاقب الأجيال، وعلى استمرار التقاليد، مهما تغيّرت حياة البشر.

الملصق الدعائي للفيلم (مهرجان البحر الأحمر)

كما يتوقف عند تجربة التصوير الليلي في حقول القمح، حيث تحوّل صوت الريح إلى عنصر أساسي في بناء الجو العام، وكأن الأرض نفسها تهمس بما تحتفظ به، ومن هنا جاءت فكرة الطفل الشاحب الذي يظهر في الفيلم، بوصفه تجسيداً شعورياً لا واقعياً، يرمز إلى الحب المفقود، وإلى الفراغ العاطفي الذي تعيشه كثير من النساء في تلك البيئات.

وخلال حديثه عن عرض الفيلم في مهرجانات دولية، ومن بينها مشاركته في «البحر الأحمر»، يعبّر زانغ زونغشين عن إحساسه بأن السينما قادرة على خلق تواصل إنساني يتجاوز اللغة، مؤكداً أن ما لمسه من دفء ونظرات الناس في السعودية جعله يشعر بأن المشاعر الإنسانية، مهما اختلفت البيئات، تظل متشابهة في جوهرها.

وأكد على أن «أصوات الليل» ليس فيلماً يقدم إجابات، بل يطرح إحساساً، وأن رهانه الأساسي هو قوة الصورة، وقدرتها على حمل ما تعجز الكلمات عن قوله، فالصمت، في رأيه، ليس فراغاً، بل مساحة ممتلئة بالحياة، والسينما؛ فحين تنصت جيداً، قادرة على جعل هذا الصمت مسموعاً.


ماجد آل حسنة يحصد جائزتَي «شخصية العام» من «جائزة مُلهِم الدولية 2025»

المستشار ماجد بن أحمد آل حسنة (الشرق الأوسط)
المستشار ماجد بن أحمد آل حسنة (الشرق الأوسط)
TT

ماجد آل حسنة يحصد جائزتَي «شخصية العام» من «جائزة مُلهِم الدولية 2025»

المستشار ماجد بن أحمد آل حسنة (الشرق الأوسط)
المستشار ماجد بن أحمد آل حسنة (الشرق الأوسط)

حصل المستشار ماجد بن أحمد آل حسنة، خبير الاتصال المؤسسي والبروتوكول الدولي، على جائزتين ونوط الاستحقاق من الدرجة الأولى ضمن «جائزة مُلهِم الدولية» (Globe Magnitude Award) لعام 2025، تقديراً لمسيرته القيادية وإسهاماته المؤثرة في مجالات المراسم والبروتوكول الدولي، والقيادة والإبداع.

وجاء تتويج آل حسنة بـ«جائزة شخصية العام في المراسم والبروتوكول الدولي» و«جائزة شخصية العام في القيادة والإبداع» ضمن «جائزة مُلهِم الدولية».

ويأتي هذا التكريم تتويجاً لمسيرة مهنية حافلة امتدت لسنوات من العمل القيادي في قطاع العلاقات العامة والاتصال المؤسسي؛ إذ أسهم في بناء وتطوير استراتيجيات اتصال فعّالة، وقاد حملات إعلامية ناجحة لعدد من المؤتمرات والمعارض الدولية، إضافة إلى إشرافه على تطوير أدوار الإعلام وعلاقات المستثمرين في قطاع الاستثمار السياحي، وتقلّده مناصب قيادية في جهات وطنية بارزة.

وخلال كلمته في حفل التتويج، عبّر آل حسنة عن اعتزازه بهذا التكريم، مؤكداً أنه لا يراه إنجازاً شخصياً بقدر ما يعدّه امتداداً لدعم وطنٍ علّم أبناءه أن القيادة مسؤولية، وأن الأثر رسالة. وأهدى هذا التكريم إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وإلى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وإلى الشعب السعودي الكريم.

وآل حسنة هو من الأسماء العربية المؤثرة في مجال البروتوكول والاتصال، وهو الرئيس المؤسس لمجموعة العلاقات العامة والإعلام الخليجية، كما عُرف بإسهاماته الفكرية من خلال مقالاته المنشورة ومؤلفاته التي قدّمت رؤى مهنية ملهمة، أسهمت في رفع مستوى الوعي وتعزيز الممارسات الاحترافية في هذا المجال.

وأقيمت فعاليات «جائزة مُلهِم الدولية» خلال يومَي 12 و13 ديسمبر (كانون الأول) 2025 في العاصمة المصرية القاهرة، بمشاركة نخبة من القادة وصنّاع التأثير من مختلف الدول العربية والدولية.


أطول رحلة جوية في العالم تستغرق 29 ساعة

شركة طيران شرق الصين تكمل رحلة استغرقت 29 ساعة (غيتي)
شركة طيران شرق الصين تكمل رحلة استغرقت 29 ساعة (غيتي)
TT

أطول رحلة جوية في العالم تستغرق 29 ساعة

شركة طيران شرق الصين تكمل رحلة استغرقت 29 ساعة (غيتي)
شركة طيران شرق الصين تكمل رحلة استغرقت 29 ساعة (غيتي)

اكتملت أطول رحلة تجارية في العالم، بعدما استغرقت 29 ساعة وقطعت مسافة 12 ألفاً و400 ميل، أي ما يعادل نحو نصف محيط الكرة الأرضية. وغادرت رحلة شركة «تشاينا إيسترن إيرلاينز» مدينة شنغهاي يوم الخميس 4 ديسمبر (كانون الأول) عند الساعة الثانية صباحاً بالتوقيت المحلي، لتصل قبل الموعد المحدد بعشر دقائق إلى مطار إيزيزا الدولي في بوينس آيرس عند الساعة 4:45 مساءً بالتوقيت المحلي، حسب صحيفة «الإندبندنت» البريطانية.

وتوقفت الرحلة في أوكلاند بنيوزيلندا للتزوّد بالوقود وتبديل طاقم الطائرة، ما يحول دون نيلها لقب أطول رحلة مباشرة في العالم.

وتستغرق الرحلة بين الصين والأرجنتين أكثر من 25 ساعة، فيما يستغرق مسار العودة أربع ساعات إضافية، وهو ما يمنحها لقب أطول مسار رحلة تجارية في العالم.

وأُقيمت احتفالات في كل من شنغهاي وبوينس آيرس للاحتفال بهذا الحدث البارز، في حين استضافت أوكلاند مراسم ترحيب بالطائرة عند وصولها. وستُسيَّر طائرة «بوينغ 777-300ER»، التي تتسع لـ316 مقعداً، مرتين أسبوعياً على مدى العام، وتهدف إلى تلبية احتياجات الجالية الكبيرة من أصول شرق آسيوية في الأرجنتين، وهي من أسرع المجتمعات نمواً في هذا البلد الواقع في أميركا الجنوبية.

وتتصدر هذه الخدمة الآن قائمة أطول خطوط الطيران التجارية في العالم، متجاوزةً خدمة الخطوط الجوية السنغافورية التي تستغرق 19 ساعة بين نيويورك وسنغافورة، والتي كانت تحمل اللقب سابقاً. وأعلنت شركة الطيران الأسترالية الوطنية «كانتاس» عن خطط لتسيير رحلات «مشروع شروق الشمس» بين سيدني ولندن ونيويورك. وستكون الطائرة قادرة على الطيران لمدة تصل إلى 22 ساعة دون توقف، بفضل خزان وقود إضافي بسعة 20 ألف لتر.