العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

علامات على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان
TT

العقل الأوروبي... قرن من الأزمات

إدغار موران  -  ميلان كونديرا  -  زيغمونت باومان
إدغار موران - ميلان كونديرا - زيغمونت باومان

أزعم أن الأزمات ليست مما يخطر ببال الكثير من المثقفين العرب أو حتى غير العرب حين يُذكر العقل الأوروبي أو الغربي إجمالاً. لكن حتى لو قُبلت تلك الصلة جدلاً فإن ذلك العقل الذي غيّر وجه البشرية على مدى يقرب من القرون الخمسة فكراً وعلوماً وفنوناً سيظل في الأذهان أقرب إلى المنجزات منه إلى الأزمات، الأزمات بما هي حالات حيرة وقلق في أفضل الظروف أو حالات اختناق وانطفاء في أسوئها. بعد ذلك سيتطاول السؤال: ما الذي نفيده من التأمل في أزمات العقل الأوروبي ومناقشتها على افتراض أن أزمات كتلك مهمة وجديرة بالتأمل والمناقشة؟ أليس الأحرى بنا أن نصرف الانتباه إلى أزمات العقل العربي، عقلنا أو ثقافتنا نحن، بدلاً من العقل الأوروبي أو الغربي؟
السؤال الأخير هو ما سيطرحه على الأرجح أولئك الذين يرون أن مصلحتنا تكمن في التخلص من «تخلفنا» بالاتكاء على «تقدم» الآخر و«ظلامنا» بالإفادة من «نور» ذلك الآخر وليس في نقده وتحليل مشكلاته أو أزماته. ذلك أنه لن تكون نتيجة مثل ذلك النقد، لو تبنته الأكثرية، إلا إضعاف احتمالات أن نتحضر ونتخلص مما لدينا من مشكلات حلَّها الفكر الأوروبي وتجاوزتها ثقافاته منذ أمد بعيد. وأود أن أعترف بأن ما أطرحه هنا وما طرحته في مقالات سابقة يتأسس على الرد على وجهة النظر هذه وإثبات تهافتها، ليس اعتقاداً مني بأننا لسنا بحاجة إلى الآخر الغربي علماً وفكراً وإبداعاً، فلن يقول ذلك إلا مكابر أو غافل عن أن الكثير مما لدينا اليوم من أنظمة وأساليب عيش وعلوم وفكر وفنون إنما جاء من ذلك الآخر. تحفظي على وجهة النظر التي ترفض الحديث عن أن أزمات الآخر يتأسس تحديداً على ذلك الاتكاء على الآخر، أي على حاجتنا إليه وأهميته القصوى بالنسبة لنا وعلى الاعتقاد الجازم، نتيجة لذلك، أن أزماته إما أنها وصلت إلينا وإما أنها في الطريق، بمعنى أن كثيراً من أزمات الحضارة الغربية بصفة عامة هي اليوم أزمات عالمية تشكلت أو في طور التشكل. المفاهيم التي تحكم تفكير الكثير منّا، مفاهيم مثل «التقدم» و«التنوير» و«التطور» التي تناولتها في مقالتين سابقتين، أمثلة على تحوُّل ما بدأ تأزماً في أوروبا إلى تأزم يشيع في كل مكان تقريباً. يؤمن أولئك بالتقدم ويتطلعون إلى التنوير من المنظور ذاته وبالخلل ذاته الذي تنامى في الفكر الأوروبي ثم شاع لدى من ظلوا يدافعون عن التفوق الغربي كأن كل ما نُشر من نقد لم يكن ولا أهمية له. كأن الحضارة الغربية حضارة بلا أزمات، حضارة منجزات ليس إلا، أو أنها أزمات تافهة لا تستحق الحديث عنها.
«الأزمة التي تواجه العالم الغربي ليست مؤقتة وإنما هي علامة على تغير عميق يشمل النظام الاقتصادي والاجتماعي بأكمله وستكون لها نتائج بعيدة المدى». تلك هي أطروحة كتاب «حالة تأزم State of Crisis» الذي نشره البولندي زيغمونت باومان والإيطالي كارلو بوردوني عام 2014. ذلك التأزم تحدث عنه قبل باومان وبوردوني بثلاثين عاماً الروائي التشيكي ميلان كونديرا في كتابه «فن الرواية» وذلك من زاوية مغايرة حين تحدث عن «اللاعقلانية الخالصة... التي سيطرت على العالم لأنه لم تعد هناك أي قيم مقبولة لدى الجميع لإيقافها».
وقبل هؤلاء كان بول فاليري، الشاعر والناقد الفرنسي المعروف، قد دشن خطاباً حول التأزم الحضاري عام 1919 في مقالة شهيرة بعنوان «أزمة العقل» مثّلت ردة فعله للحرب العالمية الأولى. لكن على مدى القرن الممتد ما بين مقالة فاليري وكتاب بوردوني وباومان كانت هناك مئات بل آلاف العناوين لكتب ومقالات وأعمال روائية وشعرية تتأمل في مسيرة أوروبا من الزاوية ذاتها ولعل أشهرها على المستوى الفكري كتاب فيلسوف الظاهراتية إدموند هوسرل «أزمة العلوم الأوروبية والفينومينولوجيا المتعالية» (1936). يعلق كونديرا على أطروحة هوسرل التي نظرت إلى واقع الغرب نظرة متشائمة في ثلاثينات القرن العشرين فيرى ما يبررها في ثمانيناته. كان ما يشغل كونديرا ما آلت إليه أوروبا الوسطى من انهيار سياسي واقتصادي نتيجة الهيمنة الشيوعية وضعف الغرب الرأسمالي. يقول كونديرا: «تمكن الغرب، لأول مرة في تاريخه الحديث، من رؤية موت الغرب، أو، على وجه الدقة، استئصال جزء منه، حين ابتلعت الإمبراطورية الروسية وارسو وبودابست وبراغ». والآن ونحن نشهد استئصالاً آخر لأجزاء من شرق أوروبا على يد «إمبراطورية» روسية جديدة نحتاج فعلاً إلى استعادة ما قاله كونديرا.
الفيلسوف الفرنسي إدغار موران ينطلق من زاوية مغايرة لكل ذلك، وما أكثر الزوايا التي تتفتح على الظواهر كلما أعمل الباحثون الكبار فكرهم في النظر والتقصي. موران معنيٌّ بقضية التأزم لكن من منظوره الخاص والشامل الذي عبّر عنه في عدد من الكتيبات المهمة التي تشمل عناوين مثل «إلى أين يسير العالم؟» فنستشفّ منه إجابات مضمرة ومأزومة في الوقت نفسه. يقول موران، الذي خبر القرن كله تقريباً بعد أن عدى المائة عام الآن، إن «من المثير أن الإنسانية العلمانية وفلسفة الأنوار وآيديولوجيا العقل قد بنت على أنقاض العناية الإلهية فكرة للتقدم، وعملت على أقنمتها وتشييئها في صورة قانون وضرورة للتاريخ الإنساني، وظلت هذه الفكرة مفصولة عن كل تجسد، ومجردة من كل واقع فيزيائي وبيولوجي، بحيث إنها غيّبت مبدأ الفساد والتحلل العامل في مجال الفيزياء، والكون، والحياة». هل من مزيد لمستزيد؟ ربما تغيير العبارة ليس إلا: ما حدث للأنوار هو أنه تحول إلى آيديولوجيا، إلى فكر جامد ومقدس لا يناقش في ثقافة تأسست عليه وتخشى على نفسها ومصيرها حين يساءل.
غير أن موران معنيٌّ بالتأزم بصورة أكثر تجريداً في كتيب آخر، كتيب في عدد صفحاته وكتاب في قيمته. إنه كتيب بعنوان «في مفهوم الأزمة». صدر الكتيب بالفرنسية سنة 2016 ونشرت بديعة بوليلة ترجمته إلى العربية سنة 2018. واللطيف أن موران صدّر الكتاب بمقدمة للقارئ العربي «الذي يواجه أزمات عدة ومتراكبة» حسبما ورد في المقدمة، في إشارة مهمة من الفيلسوف الفرنسي الكبير. ويعنيني في هذه المقالة غير المعمقة بما يكفي أن موران يشير إلى ما يسميها «أزمات أقل وضوحاً» تقف إلى جانب الأزمات الواضحة. ويضرب لذلك مثلاً بما يصفها بـ«أزمة الحضارة»، «فهي أقل وضوحاً في أنها لا تحدث بطريقة عنيفة إلا عندما تُظهرها بعض الأعراض، على غرار أحداث مايو (أيار) 1968». يشخّص موران أزمة الحضارة بقوله: «وهي أزمة حضارة لأن عدداً من الخصائص التي تميز المجتمع الغربي –كالرفاهية المتميزة بنشر كميات من السلع الاستهلاكية والرفاهية التي تحقق وجوداً أفضل– قد أصبحت محل إعادة نظر، وذلك دون الوقوف على تتبع معين للأحداث. فهذه الكتلة من البضائع، عوض أن تجلب الرضا والهناء الموعودَين، أثارت نوعاً من الكرب». كأني بموران يتحدث لا عن المجتمعات الغربية وحدها وإنما أيضاً عن بعض المجتمعات العربية، المجتمعات الأكثر ترفيهاً باستهلاكيتها الاجتماعية والاقتصادية وجهل أكثر المنغمرين بذلك الاستهلاك بطبيعة المشكلات التي يجلبها ذلك التهالك الاستهلاكي، غياب وعيهم بأن ثمة أزمة ناشئة عن ذلك الاستهلاك.
لكنْ للأزمة دون شك وجوه أخرى يشير موران إلى بعضها التي ربما فاقت في أهميتها أزمة الاستهلاك، والأهم في تقديري هو أن موران مشغول بالتحديد النظري لطبيعة التأزم، الانشغال الذي نجده أيضاً لدى باومان وبوردوني كما لدى آخرين. يقال الكثير عن التأزم لكنّ قليلين هم الذين توقفوا عند المفهوم وأبعاده النظرية لأن تحديد ذلك المفهوم ليس بالأمر السهل. يسهل الحديث عن التأزم ولكن تعريفه أو تحديد طبيعته، كيف ينشأ ويتطور، ليس بالأمر السهل. وسأسعى في مقالة أو مقالات قادمة للوقوف على ذلك المفهوم بالنظر إلى ما يقوله موران وغيره.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

خطة مصرية لإنعاش «ماسبيرو» واستعادة «تأثيره»

خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

خطة مصرية لإنعاش «ماسبيرو» واستعادة «تأثيره»

خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)
خطة حكومية لتطوير ماسبيرو (الهيئة الوطنية للإعلام)

تباشر الحكومة المصرية خطة لإنعاش «الهيئة الوطنية للإعلام» (ماسبيرو)، بهدف استعادة تأثيره، مع تسريع وتيرة تسديد المديونيات المتراكمة على مدار سنوات ضمن جدول زمني واضح.

وناقش رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، برفقة عدد من الوزراء ورئيس «الهيئة الوطنية للإعلام» أحمد المسلماني وخلال اجتماع عقد (الاثنين) بمقر مجلس الوزراء في القاهرة، ملف تطوير «الهيئة الوطنية للإعلام»، وآليات تسوية مديوناتها، مع الالتزام بتنفيذ خطة التطوير.

وأكد مدبولي أن خطة الدولة تستهدف عودة «ماسبيرو» لسابق عهده كقوة ناعمة كبرى، وعدم تكرار تراكم المديونيات، مشيراً إلى بذل كافة الجهود الممكنة لحل مشكلات متراكمة منذ عشرات السنين.

وتحدث وزير المالية أحمد كجوك عن العمل على توفير موارد مالية مستدامة للهيئة لتصبح قادرة على الانطلاق، فيما أكد المسلماني على استمرار العمل بخطة التطوير التي بدأت الفترة الماضية، وتضمنت خفض النفقات، والعمل على جذب الوكالات الإعلانية الكبرى للتعاون مع «ماسبيرو»، بالإضافة إلى إحداث «نقلة عبر منصات التواصل الاجتماعي»، وفق البيان.

مجلس الوزراء ناقش استعادة تأثير ماسبيرو (رئاسة مجلس الوزراء)

ورغم أن البيان الصادر عن الاجتماع لم يتضمن حجم المديونية الحالية على «ماسبيرو»، فإن رئيس «الهيئة الوطنية للإعلام» قال خلال اجتماع في مجلس النواب (البرلمان) الشهر الماضي إن أصل الدين والجزء الأكبر من المديونية 42.6 مليار جنيه (الدولار يساوي 52.25 جنيهاً في البنوك) لصالح بنك الاستثمار ناتج عن تمويل أصول وطنية تم تحميلها على ميزانية «ماسبيرو».

وأكد خلال الاجتماع أن التوجه لحل جذري ونهائي لكافة الديون المتراكمة لصالح الضرائب، والتأمينات، والمرافق يجري مناقشته عبر حزمة واحدة تشمل مبادلة الأصول غير المستغلة، ودعم الدولة بأراضٍ إضافية.

وخلال الشهور الماضية، اشتكى عدد من العاملين بالتلفزيون الذين بلغوا سن التقاعد من عدم صرف المستحقات الخاصة بهم رغم مرور سنوات على تقاعدهم، منهم الإعلامية بثينة كامل التي نشرت شكواها على صفحتها بموقع «فيسبوك»، بينما اشتكى آخرون من عدم صرف تكاليف العلاج الخاصة بهم، والتي يفترض أن تتحمل جهة عملهم جزءاً منها.

وقال وكيل لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب (البرلمان) عماد الدين حسين إن هناك رغبة حقيقية في إحداث تغيير إيجابي بالتلفزيون، سواء من الحكومة، أو قيادات الهيئة، لكن في الوقت نفسه هناك تحديات صعبة، ومتراكمة لا تقتصر فقط على الأمور المالية، ولكن تتضمن تحديات مرتبطة بإعادة الهيكلة، والمحتوى المقدم، وإعادة المشاهدين لشاشات «ماسبيرو».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التحديات تمثل عبئاً إضافياً يجب النظر إليه، فالتطور الرقمي جعل عادات المشاهدين تتغير، بالإضافة إلى وجود مشكلات، وديون متراكمة منذ عقود، هناك نية حقيقية للتعامل معها، وحلحلتها، رغم إدراك تعقيدات الأمر من جوانب عدة».

عقد المسلماني اجتماعات عدة مع مسؤولي التلفزيون (الهيئة الوطنية للإعلام)

ويرى الناقد الفني أحمد سعد الدين أن السعي الحكومي لتسوية المديونيات هو أساس التعامل مع ملف «ماسبيرو»، بينما يبقى الحديث عن التطوير بلا نتيجة حقيقية، في ظل غياب الإحصائيات، والبيانات المحدثة عن عدد الاستوديوهات، وافتقار البرامج لميزانيات توفر الحد الأدنى من الظهور التلفزيوني المناسب، والقادر على المنافسة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الفترة الماضية شهدت الإعلان عن عدة مشاريع تستهدف عودة التلفزيون، منها عودة قطاع الإنتاج، وهو الذراع الإنتاجية للدراما التلفزيونية لـ(ماسبيرو)، لكن في الواقع هذه العودة لم تتحقق بشكل فعلي».

لكن الناقد الفني المصري، محمد عبد الخالق، اعتبر قرار مدبولي وضع آليات واضحة لتسوية المديونيات خطوة مهمة للغاية في طريق إعادة «ماسبيرو» إلى مكانته التاريخية باعتباره مؤسسة تستحق دعماً حقيقياً يعيد لها تأثيرها الواسع على الشارع، والرأي العام.

وأضاف عبد الخالق لـ«الشرق الأوسط» أن «التحرك الحكومي الحالي يستحق التحية»، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «الأمر لا يجب أن يتوقف عند سداد الديون فقط، لأن التطوير الحقيقي لـ(ماسبيرو) يحتاج إلى خطة موازية تقوم على تحديث البنية التحتية بالكامل، بداية من الاستوديوهات، والكاميرات، وحتى التقنيات المستخدمة داخل قطاعات الإنتاج، والبث، مع أهمية الاستثمار في العنصر البشري بالتوازي مع التطوير التقني، من خلال إطلاق دورات تدريبية، وورش عمل متخصصة تشمل جميع العاملين».


بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
TT

بريطانيا تسجّل حرارة قياسية لشهر مايو بلغت 33.5 درجة

سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)
سياح يمرون أمام بائع هدايا تذكارية أمام ساعة بيغ بن خلال موجة حرّ في لندن 25 مايو 2026 (رويترز)

سجّلت بريطانيا، الاثنين، أعلى درجة حرارة لشهر مايو (أيار)، وفقاً لهيئة الأرصاد الجوية الوطنية، بعدما وصلت إلى 33.5 درجة قرب لندن وسط موجة حر شديدة تشهدها البلاد.

كانت أعلى مستويات حرارة مسجلة سابقاً في مايو 32.8 درجة، وسُجلت لأول مرة عام 1922 ثم في 1944، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا رقم جديد غير مسبوق لدرجات الحرارة في المملكة المتحدة التي شهدت أعلى معدلات حرارة في عام 2025. وحذّر علماء من أن البلاد غير مهيأة لمواجهة موجات الحر المتزايدة التي يُسببها تغيّر المناخ بفعل الإنسان.

كان مكتب الأرصاد قد توقّع في وقت سابق أن تصل مستويات الحرارة إلى 35 درجة مئوية، بعدما امتدت موجة الحر إلى أجزاء من جنوب شرقي إنجلترا ولندن.

وكتب مكتب الأرصاد على وسائل التواصل الاجتماعي: «وصلت مستويات الحرارة في مطار هيثرو مؤخراً إلى 33.5 درجة، متجاوزةً بذلك المستوى القياسي المسجَّل في مايو».

أشخاص يستمتعون بركوب القوارب في بحيرة سيربنتين بهايد بارك بلندن وسط موجة حر شديدة 25 مايو 2026 (إ.ب.أ)

وأضافت هيئة الأرصاد في وقت سابق: «عادةً ما تُحطّم المستويات القياسية بفوارق لا تتجاوز أجزاء من عشرة من الدرجة، مما يجعل هذه الموجة الحارة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام».

وقال الخبير في مكتب الأرصاد الجوية، توم مورغان، لوكالة الأنباء البريطانية «برس أسوسييشن»: «قلَّما نشهد مستويات حرارة تتجاوز 35 درجة حتى في أشهر الصيف، لذا فإن رؤيتها تقترب من 35 درجة في شهر مايو... أمر غير مسبوق».

ويقول علماء إن تغيّر المناخ الناتج عن النشاط البشري يزيد من حدة الظواهر الجوية القاسية كموجات الحر والجفاف والفيضانات، مما يجعل تسجيل درجات حرارة غير مسبوقة أكثر تكراراً.

وحذّر خبراء المناخ الحكومة البريطانية الأسبوع الماضي، من أن البلاد «بُنيت لمناخ لم يعد موجوداً»، ودعوها إلى تكييف بنيتها التحتية، بما في ذلك المدارس والمستشفيات، مع واقع كوكب يزداد احتراراً.


مصر: عودة موسم التندُّر بـ«العجول الهربانة» وسط جدل الرفق بالحيوان

أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
TT

مصر: عودة موسم التندُّر بـ«العجول الهربانة» وسط جدل الرفق بالحيوان

أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)
أحد فيديوهات «العجول الهربانة» (إكس)

عاد موسم «التندر» بمقاطع فيديو «العجول الهربانة» إلى الواجهة مجدداً مع قرب حلول عيد الأضحى المبارك، وتصدرت «الترند» على منصة «إكس» في مصر «العجول الهربانة»، الاثنين، مع تداول واسع لفيديوهات تعود لسنوات ماضية، مصحوبة بتعليقات «سوشيالية» تحمل نبرة سخرية، في حين احتجت بعض التعليقات المناصرة لجمعيات الرفق بالحيوان بأنه لا يجوز التهكم بهذا الأمر؛ لأن هذه العجول غالباً ما تكون في طريقها للذبح.

وتوالت الفيديوهات التي تظهر فيها العجول وهي تهرب من أصحابها، بل تطارد البعض الآخر في حالة هياج شديد، مع تعليقات تتندر بهذا المشهد. ونشر بعض مستخدمي «إكس» معترضين على هذه الظاهرة، وقال أحدهم: «كل عيد الناس تعتبر موضوع العجول الهربانة مادة للضحك والسخرية، لكنها بجد قمة الوجع، لما روح خلقها ربنا تكون خايفة وبتحاول تهرب من مصيرها، خاصة أن أسلوب وطريقة بعض الجزارين غير آدمية بالمرة».

من جانبه، يرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «عودة فيديوهات (العجول الهربانة) لصدارة (الترند) لا تعتبر مجرد صدفة موسمية؛ فهي تبدو وكأنها جزء من ذاكرة رقمية يعاد تشغيلها كلما اقترب عيد الأضحى»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصفحات والحسابات تعرف أن هذا النوع من المقاطع يحقق تفاعلاً سريعاً سواء كانت حديثة أو قديمة؛ لأنك تشاهد مطاردة مصحوبة بتعليقات ساخرة، فتضمن تفاعلاً معها بعدد الإعجابات والمشاركات، أما الرفق بالحيوان فهو ضرورة؛ لأن الأمر في جوهره أضحية تجسد شعيرة ورحمة لا مشهد فوضى للكاميرات».

وكانت دار الإفتاء المصرية تصدت لهذا الأمر في العام الماضي؛ إذ كتب أمين عام الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الدكتور هشام ربيع، على صفحته بموقع «فيسبوك»، أن «مشاهد هروب الأضاحي قبل الذَّبْح في موسم العيد، وجعل ذلك طُرْفَة للتَّندُّر والضحك يتنافى كليّاً مع الأمر الإلهي: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195]، ويناقِض أيضاً الأمر النبوي: (وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحة)». وأضاف أن «الأضحية شعيرة تُعبِّر عنَّا معشر المسلمين... فعَبِّر صَح وبإحسان».

أصول شرعية وصحية لذبح الأضاحي (وزارة الزراعة المصرية)

وبينما اعتاد بعض الأهالي ذبح الأضاحي بالقرب من منازلهم أو في جراجات العمارات، فقد حذرت وزارة الزراعة المصرية من الذبح العشوائي، ونشرت فيديو تبرز فيه الفارق بين الذبح الصحي في المجازر الحكومية، وبين الذبح العشوائي في الشارع أو لدى الأهالي وما يمكن أن يسببه من أضرار وتلوث. وتدعو المواطنين للالتزام بالذبح داخل المجازر الرسمية حفاظاً على البيئة والصحة العامة.

في السياق نفسه، أكدت الدكتورة منى خليل، رئيس اتحاد جمعيات الرفق بالحيوان، أن التندر بمشاهد «العجول الهربانة» هو أمر غير إنساني، وضد الشرع أيضاً الذي يوصي بالإحسان للأضحية، ويحدد طريقة معينة للذبح، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «لا يجوز التندر بمثل هذه الفيديوهات، ولكن للأسف البعض ربما يتخذونها وسيلة للتسلية أو حتى للتكسب من وراء المشاهدات، وهو ما يتعارض مع مبادئ الإنسانية وقواعد الرفق بالحيوان».