قمة معمارية... بناة الأهرامات يجتمعون متحفياً للمرة الأولى

«المتحف المصري» يعرض تماثيلهم في قاعة واحدة

جانب من قاعة عرض بناة الأهرامات (الشرق الأوسط)
جانب من قاعة عرض بناة الأهرامات (الشرق الأوسط)
TT

قمة معمارية... بناة الأهرامات يجتمعون متحفياً للمرة الأولى

جانب من قاعة عرض بناة الأهرامات (الشرق الأوسط)
جانب من قاعة عرض بناة الأهرامات (الشرق الأوسط)

جانب جديد من عمق وعراقة الحضارة المصرية يتجلى في اجتماع تماثيل بناة الأهرامات متحفياً للمرة الأولى فيما يشبه قمة معمارية موسعة تبرز جماليات وأسرار فنون العمارة عند قدماء المصريين، إذ يعرض المتحف المصري بالتحرير تماثيل خوفو وخفرع ومنكاورع في قاعة واحدة بالطابق الأرضي لأول مرة ضمن عملية إعادة توزيع مقتنيات المتحف لتناسب الاتجاه العلمي الجديد للعرض المتحفي الذي يرتكز على فكرة الموضوع الأثري ورواية قصة تاريخية من خلال المقتنيات مع مراعاة تسلسل الحقب الزمنية للرواية الأثرية من خلال سيناريو عرض متحفي متطور مع اقتراب انتهاء مشروع تطويره وتحديثه.
بدأت عملية إعادة توزيع مقتنيات المتحف المصري بميدان التحرير بنقل تماثيل الملوك خوفو وخفرع ومنكاورع بناة الأهرامات الثلاثة ليجتمعوا معا للمرة الأولى في قاعة واحدة بالطابق الأرضي فيما يشبه قمة معمارية موسعة، إذ إن أهرامات الملوك الثلاثة ما زالت تشكل لغزا مبهما في فنون العمارة وأسرارها وتشكل إلهاما للمعماريين طوال آلاف السنين٬ بينما استقرعلى مقربة منهم في الممر المجاور بالقرب من مدخل المتحف تمثال الملك زوسر صاحب هرم زوسر المدرج الشهير.
ولم تتوقف عملية نقل القطع الأثرية عند تماثيل الملوك وحسب، بل يتم إعادة توزيع ثروة المتحف النادرة من تماثيل متنوعة منها تماثيل الكهنة والموظفين لتتناسب مع سيناريو العرض المتحفي الحديث الذي تم استحداثه ضمن مشروع تطوير وتحديث المتحف، وفق صباح عبد الرازق، مدير عام المتحف المصري بالتحرير، والتي تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إعادة توزيع مقتنيات المتحف تأتي ضمن خطة التطوير والتحديث، وسيناريو عرض متحفي متطور يركز على فكرة الموضوع الأثري والتسلسل التاريخي، وبدأنا بتوزيع التماثيل، حيث ننقل كبيرة الحجم ليلا عقب ساعات العمل، وهو ما جمع بناة الأهرامات في قاعة واحدة، وفي قاعة مجاورة تماثيل الكهنة ثم كبار رجال الدولة وأشهرها تمثال الكاتب المصري والقزم سنب».

تمثال نادر للملك خوفو (الشرق الأوسط)

ووصل مشروع تطوير المتحف المصري إلى مرحلة اللمسات النهائية الأخيرة، ويجري تنفيذه بمنحة من الاتحاد الأوروبي بالتعاون مع خمسة متاحف أوروبية هي اللوفر الفرنسي بباريس، المصري بتورين بإيطاليا، القومي للآثار بلايدن «هولندا»، ومتحف برلين «ألمانيا»، والمتحف البريطاني بلندن.
وتشكل إعادة توزيع مقتنيات المتحف ملمحا بارزا في مشروع التطوير يرتكز على سيناريو عرض متحفي يعتمد على التسلسل التاريخي للقطع، حيث يبدأ الزائر جولته من المدخل الذي يضم قطعا تنتمي إلى عصر ما قبل التاريخ ثم الدولة المصرية القديمة وعصر بناة الأهرامات، ويليه الدولة الحديثة، ويستمر العرض وصولا إلى العصر الروماني اليوناني، وتشير عبد الرازق إلى أن: «سيناريو العرض المتحفي الجديد يعتمد أيضا على وحدة الموضوع الأثري كأنه يروي قصة ما، مثل بناة الأهرامات، وتوحيد قطري مصر الشمالي والجنوبي، وشكل الحياة اليومية والأدوات المستخدمة في عصور ما قبل التاريخ، كما تم تطوير بطاقات الشرح الموجودة على القطع، حيث تصنع من مادة معدنية غير قابلة للتلف وتتضمن معلومات أكثر تفصيلا عن كل قطعة».
ويمتلك المتحف المصري ثروة نادرة من التماثيل المتنوعة التي تؤرخ للحضارة المصرية والحياة اليومية منذ عصور ما قبل التاريخ بعضها لا يوجد منه نسخا أخرى في أي متحف آخر، ويعد تمثال الملك زوسر «صاحب الهرم المدرج» أقدم تمثال مصري معروف بالحجم الطبيعي، عثر عليه عام 1925 في غرفة سرداب ملحقة بالهرم المدرج بسقارة، وهو مصنوع من الحجر الجيري الملون، وأيضا لا يوجد نسخ من تمثال الملك خوفو سوى تلك الموجودة بالمتحف، فيما يبرز تمثال الملك منكاورع الثلاثي «ثالوث منكاورع» براعة الفنان المصري القديم في التعبير بالنحت، وعثر على التمثال عام 1908 بالمجموعة الهرمية للملك، وسمى بالثالوث لأنه يضم ثلاثة تماثيل معا، الملك و«الإله» والحاكم، حيث يتوسط الملك منكاورع الثالوث وهو يرتدى تاج مصر العليا، وبجانبه المعبودة حتحور فى الصورة الآدمية، وأعلى رأسها «الإله رع» ممثلا فى قرص الشمس وقرني البقرة، ومن الجانب الآخر تمثال امرأة تمثل حاكمة الإقليم في صورة تحتضن الملك والمعبودة حتحور.


مقالات ذات صلة

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

يوميات الشرق عدد من المضبوطات التي عُثر عليها وفقاً لما أعلنته الشرطة الأسترالية (الموقع الرسمي لشرطة كوينزلاند)

القبض على لص سرق آثاراً مصرية لا تقدر بثمن من متحف أسترالي

ألقت شرطة كوينزلاند القبض على رجل متهم بتدبير عملية سطو جريئة على تحف مصرية لا تقدر بثمن من متحف في أستراليا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون زاهي حواس (صفحته على «فيسبوك»)

زاهي حواس: الإعلان عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل

كشف عالم المصريات الدكتور زاهي حواس، إن مصر ستعلن العام المقبل عن كشف أثري كبير داخل هرم خوفو العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (الشارقة)
يوميات الشرق البهو العظيم للمتحف المصري الكبير (تصوير: عبد الفتاح فرج)

المتحف المصري الكبير يفيض بالزائرين... ويوقف بيع تذاكره

أعلنت وزارة السياحة والآثار تنظيم دخول المتحف وحجز التذاكر بطريقة جديدة بعد الإقبال الكبير الذي شهده المتحف من الزائرين، الجمعة.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق ظهور صورة حسين عبد الرسول خلال افتتاح المتحف المصري الكبير أمس بعد استعراض قصته p-circle

كيف اكتشف طفل مصري مقبرة «الفرعون الذهبي» بالصدفة؟

بين أضواء حفل المتحف المصري الكبير، عادت إلى الأذهان قصة الطفل المصري حسين عبد الرسول، الذي كان أول مَن لمح مدخل المقبرة الأسطورية عام 1922.

يسرا سلامة (القاهرة)
يوميات الشرق سياح على الدرج العظيم بالمتحف المصري الكبير (أ.ب)

ما الذي يجعل «المتحف المصري الكبير» مميزاً؟

يضم المتحف المصري الكبير الذي يُفتتح رسمياً اليوم في القاهرة، أبرز القطع الأثرية من عصر الفراعنة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سلوفاكيا تدعو الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن النفط والغاز الروسيين

منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
TT

سلوفاكيا تدعو الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن النفط والغاز الروسيين

منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)

حث رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، الاتحاد الأوروبي، السبت، على رفع العقوبات المفروضة على واردات النفط والغاز الروسيين، واتخاذ خطوات لاستئناف تدفق النفط عبر خط الأنابيب دروغبا، ووضع حد للحرب في أوكرانيا لمواجهة أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران.

وقال فيتسو في بيان بعد مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان: «يجب على الاتحاد الأوروبي، خصوصاً (المفوضية الأوروبية)، استئناف الحوار مع روسيا على الفور وضمان بيئة سياسية وقانونية تسمح للدول الأعضاء والاتحاد الأوروبي ككل بتعويض احتياطيات الغاز والنفط المفقودة والمساعدة في توريد هذه المواد الخام الاستراتيجية من جميع المصادر والاتجاهات الممكنة، ومنها روسيا».

وتسببت حرب إيران في نقص إمدادات الطاقة العالمية، بعد إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار النفط والغاز التي ارتفعت بشكل حاد.

واعتماد أوروبا على واردات الطاقة يجعلها عرضة للتقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد علق العقوبات التجارية على نفط روسيا البحري، حتى منتصف أبريل (نيسان) الحالي، وذلك في محاولة منه لزيادة المعروض العالمي. غير أن ذلك لم يشفع في تهدئة الأسعار، المرشحة للوصول إلى مستويات خطرة على الاقتصاد العالمي.


خيارات أوروبا في مضيق هرمز محدودة ومحفوفة بالمخاطر

سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
TT

خيارات أوروبا في مضيق هرمز محدودة ومحفوفة بالمخاطر

سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)
سفينة شحن تبحر بالقرب من مضيق هرمز عند شواطئ عُمان يوم 11 مارس (رويترز)

عندما اجتمع مسؤولون كبار من 40 دولة افتراضياً، هذا الأسبوع؛ لمناقشة سبل إعادة حركة الملاحة إلى مضيق هرمز، قدَّم وزير الخارجية الإيطالي مقترحاً يدعو إلى إنشاء «ممر إنساني» يسمح بمرور آمن للأسمدة وسلع أساسية أخرى متجهة إلى الدول الفقيرة.

هذا الطرح، الذي كشفت عنه روما بعد الاجتماع، كان واحداً من مقترحات أوروبية ودولية عدة تهدف إلى تجنّب تفاقم خطر الأمن الغذائي نتيجة الحرب. لكنه لم يحظَ بتأييد المشاركين، وانتهى الاجتماع من دون خطة ملموسة لإعادة فتح المضيق؛ عسكرياً، أو بوسائل أخرى.

يواجه القادة الأوروبيون ضغوطاً من الرئيس دونالد ترمب لنشر أصول عسكرية فوراً؛ لإنهاء إغلاق إيران للمضيق، واحتواء أزمة الطاقة والاقتصاد العالمية المتصاعدة. غير أنَّهم رفضوا الاستجابة بإرسال سفن حربية الآن، وبدلاً من ذلك يخوضون نقاشاً محتدماً حول كيفية إعادة فتح الممر الحيوي بعد انتهاء الحرب. لكنهم يواجهون صعوبةً في التوافق على خطة عمل.

ويعكس ذلك بطء آليات الدبلوماسية الأوروبية، فضلاً عن تعدد الأطراف المعنية بضمان أمن المضيق بعد الحرب، بما في ذلك دول الخليج. كما تشترط دول عدة، بينها إيطاليا وألمانيا، أن يحظى أي تحرك دولي بغطاء من الأمم المتحدة، ما قد يبطئ التحرُّك أكثر. ومن المقرَّر أن يناقش القادة العسكريون هذه المسألة الأسبوع المقبل.

لكن، قبل كل شيء، يكشف هذا التعثُّر مدى صعوبة تأمين المضيق في ظلِّ سلام هش - سواء بالنسبة لأوروبا أو غيرها. فجميع الخيارات المطروحة لا تبدو مضمونةً، حتى على افتراض توقف القتال الرئيسي.

مرافقة بحرية

طرح مسؤولون فرنسيون، بينهم الرئيس إيمانويل ماكرون، فكرة أن تتولى السفن الحربية مرافقة السفن التجارية عبر المضيق بعد الحرب. كما دفعت الولايات المتحدة باتجاه أن ترافق الدول سفنها التي ترفع أعلامها الوطنية.

يكمن التحدي في أنَّ المرافقة البحرية مكلفة، وقد لا تكون أنظمة الدفاع الجوي كافية لصدِّ بعض الهجمات، مثل الطائرات المسيّرة إذا استأنفت إيران الهجمات. وتساءل وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس: «ما الذي يتوقَّعه العالم - أو دونالد ترمب - من بضع فرقاطات أوروبية في مضيق هرمز لتحقيق ما لا تستطيع البحرية الأميركية تحقيقه وحدها؟!».

إزالة الألغام

أبدت ألمانيا وبلجيكا استعداداً لإرسال كاسحات ألغام لتطهير المضيق بعد الحرب.

لكن قادة عسكريين غربيين يشكّكون في أن إيران زرعت ألغاماً أصلاً، خصوصاً أن بعض سفنها لا تزال تعبر المضيق. وبالتالي قد يكون دور هذه الكاسحات محدوداً.

دعم جوي

يقوم هذا الخيار على نشر مقاتلات وطائرات مسيّرة لاعتراض أي هجمات إيرانية على السفن.

لكن هذا الخيار مكلف أيضاً وغير مضمون. فإيران قادرة على تنفيذ هجمات بسيطة - حتى عبر زورق سريع - وقد يكون نجاح عدد محدود منها كافياً لإخافة شركات التأمين ومالكي السفن ومنعهم من العبور.

مزيج عسكري ودبلوماسي

تقوم هذه الخطة على استخدام الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لردع إيران، إلى جانب نشر أدوات عسكرية متعددة لضمان التنفيذ. ودعت ألمانيا الصين إلى استخدام نفوذها «بشكل بنّاء»؛ للمساعدة في إنهاء النزاع.

ويعدُّ هذا الخيار مكلفاً كذلك وغير مضمون، خصوصاً أن الجهود الدبلوماسية لم تنجح حتى الآن في وقف القتال. ومع ذلك، قد يكون الحل الأكثر واقعية في ظلِّ غياب بدائل أفضل.

ماذا إذا فشلت كل الخيارات؟

أفاد مسؤولون إيرانيون بأنَّهم سيواصلون السيطرة على حركة الملاحة في المضيق بعد الحرب، مع خطط لفرض رسوم عبور على السفن، رغم أنَّ المضيق يُفترَض أن يكون ممراً مفتوحاً بموجب القانون الدولي.

ويهدِّد استمرار الإغلاق بكارثة اقتصادية عالمية، إذ تعتمد دول كثيرة على هذا الممر البحري لنقل الوقود والأسمدة وسلع أساسية أخرى. وفي حين تلوح بوادر نقص في بعض المناطق، تواجه أوروبا ارتفاعاً في أسعار النفط والغاز والأسمدة، ما يثير مخاوف من تضخم مرتفع وتباطؤ اقتصادي.

وقال هانس كونيغ، المدير في شركة «أورورا إنرجي ريسيرش» في برلين إن «التهديد الأكبر حالياً هو الركود التضخمي... ارتفاع الأسعار يخنق النمو الضعيف المتوقع هذا العام».

* خدمة «نيويورك تايمز»


تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
TT

تقرير فرنسي يكشف وجود عسكريين أوكرانيين في ليبيا... و«الوحدة» تلتزم الصمت

رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)
رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» صلاح النمروش في لقاء مع السفير الروسي بالعاصمة طرابلس الاثنين (رئاسة الأركان في غرب ليبيا)

عاد الحديث عن التعاون العسكري بين سلطات غرب ليبيا وأوكرانيا إلى واجهة المشهد السياسي الليبي، خصوصاً بعد نشر تقرير فرنسي تحدث «عن وجود عشرات العسكريين الأوكرانيين في 3 مدن ليبية»، بعد أشهر من مؤشرات ذهبت إلى قيام حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة بـ«تزويد قواتها بطائرات مسيّرة أوكرانية منذ أغسطس (آب) الماضي».

ولم تصدر حكومة «الوحدة» تعليقاً على تقرير إذاعة «فرنسا الدولية»، تحدث عن وجود أكثر من 200 ضابط وخبير أوكراني في 3 مدن ليبية بالتنسيق مع الحكومة، وفق مصدرين ليبيين؛ ما أثار تساؤلات حول طبيعة هذا الوجود وسياقاته.

الدبيبة مع قادة أمنيين وعسكريين ليبيين في العاصمة طرابلس يناير الماضي (مكتب رئيس الحكومة)

ووسط اهتمام إعلامي محلي، رأى مصدر عسكري ليبي سابق، تحدث لـ«الشرق الأوسط» مفضّلاً عدم ذكر اسمه، أن اللجوء للمسيّرات الأوكرانية، والاستعانة بخبراء فنيين «خيار منطقي» تفرضه تحولات الحروب الحديثة، خصوصاً النزاعات الإقليمية، بينما أشار خبراء عسكريون إلى أن «الأمر لم يتم تأكيده بعد، والمعلومات تستند إلى تقارير إعلامية وأمنية».

ويلاحظ مدير «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، شريف بوفردة، غموضاً مستمراً حول حجم هذا الوجود الأوكراني، وطبيعة الأسلحة المستخدمة، والذي لم يستبعد وجوده، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن «الأمر لم يتم بعد تأكيده، خصوصاً أن المعلومات المتوفرة تعتمد على تقارير إعلامية وأمنية، وليست مستندة إلى بيانات رسمية».

وأشار الخبير العسكري الليبي، العميد عادل عبد الكافي، إلى أن مراقبة السواحل من «الناتو» و«إيريني» تجعل رصد أي قوات أمراً سهلاً، مرجحاً أن يقتصر الحضور الأوكراني على الجانب الدبلوماسي، وربما يُستخدم، حسبه، كورقة ضغط في الصراع الروسي - الأوكراني.

وبحسب التقرير الفرنسي، يبدو أن الوجود الأوكراني يتمركز في 3 مواقع رئيسية: الأول في «أكاديمية القوات الجوية» في مصراتة، حيث توجد أيضاً عناصر من القوات التركية والإيطالية وقيادة «أفريكوم»، إضافة إلى مركز استخباراتي بريطاني. أما الموقع الثاني، ففي قاعدة بالزاوية مجهزة لإطلاق الطائرات المسيّرة الجوية والبحرية قرب مجمع مليتة النفطي، والثالث هو مقر «اللواء 111» على طريق مطار طرابلس، ويُستخدم لاجتماعات التنسيق مع قوات غرب ليبيا.

قوات ليبية فيما يعرف بـ«اللواء 111» خلال تدريب عسكري في غرب البلاد مارس الماضي (الصفحة الرسمية للواء 111)

وأشار التقرير الفرنسي إلى أن سلطات طرابلس وقَّعت اتفاقية تعاون مع أوكرانيا في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تشمل تدريب العسكريين الليبيين على تشغيل الطائرات المسيّرة، إضافة إلى بنود طويلة الأمد تتعلق ببيع الأسلحة.

في هذا السياق، يرى المصدر العسكري السابق أن الاعتماد على المسيّرات «يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية والهجومية، ويعد ضرورة عملياتية في الظروف الراهنة»، مشيراً إلى دورها المحوري في الاستطلاع والاستهداف بدقة، مع تقليل المخاطر البشرية.

أما شريف بوفردة فلا يستبعد «توجه القوات التابعة لحكومة الوحدة الوطنية نحو اقتناء مسيّرات أوكرانية، في إطار مساعي تحقيق قدر من توازن الردع الجوي»، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يكتسب وجاهته في ضوء ما ورد بمسودة تقرير حديث لفريق خبراء الأمم المتحدة، تحدثت عن حصول الجيش الوطني في شرق ليبيا على طائرات مسيّرة تركية وصينية.

ومن منظور بوفردة فإن المسيَّرات الأوكرانية، رغم كونها أقل تطوراً مقارنة بالنظيرات التركية، فإنها أثبتت فاعلية ملحوظة، لا سيما في تنفيذ العمليات الهجومية ذات الطابع الانتحاري؛ ما يعزز قيمتها العملياتية في بيئات النزاع غير المتكافئة.

ويأتي الحديث عن وجود خبراء أوكرانيين، واقتناء الطائرات المسيّرة في بيئة سياسية وعسكرية ليبية منقسمة، حيث توجد حكومتان: إحداهما في الغرب برئاسة الدبيبة، وأخرى في الشرق والجنوب برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ومن زاوية أخرى، فتحت المعطيات الفرنسية حول التعاون العسكري الأوكراني مع سلطات ليبيا الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن احتمال تحوّل ليبيا إلى ساحة صراع موازية بين موسكو وكييف، لا سيما بعد حادث ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتاغاز» قبالة الساحل الليبي قبل شهر تقريباً، الذي عدته موسكو عملاً تخريبياً تقف وراءه أوكرانيا.

من زيارة سابقة لنائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكيروف إلى مطار بنينا في بنغازي (الجيش الوطني)

غير أن بوفردة يستبعد أن تتحول ليبيا إلى «ساحة تنافس مباشر بين روسيا وأوكرانيا على مستوى مسرح العمليات، خصوصاً مع تمركز القوات الروسية في قواعد محصنة، بعيدة عن الساحل الليبي».

أما عبد الكافي فيعتقد أن التورط في هذا الصراع يدخل ليبيا في صدامات وقضايا دولية، ويذهب إلى أن حكومة الدبيبة «لن تقدم على خطوة تورطها في الصراع، أخذاً في الحسبان تحركات السفير الروسي الأخيرة، ولقاءاته مع مسؤولين ليبين في غرب البلاد».

يُشار إلى أن السفير الروسي لدى ليبيا، أيدار أغانين، كثف خلال الأيام الماضية لقاءاته مع عدد من المسؤولين العسكريين والسياسيين في غرب البلاد، من بينهم رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة» الفريق أول صلاح النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي، تناولت تكثيف التعاون العسكري والفني، وتوسيع الشراكة وتطوير المبادرات.

وشملت المحادثات الروسية المستوى السياسي مع وزير الخارجية المكلف الطاهر الباعور، إضافة إلى المستشار الخاص لرئيس المجلس الرئاسي، وصولاً إلى رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وفي تطور آخر، سارعت السفارة الروسية، السبت، إلى نفي ما تداوله تقرير آخر للإذاعة الفرنسية حول مقتل الجنرال أندريه أفريانوف، أحد أبرز قادة الاستخبارات الروسية، إثر الهجوم على ناقلة النفط الروسية «قنديل» قبالة السواحل الليبية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وأكد البيان أن أفريانوف بصحة جيدة وعلى قيد الحياة، وأن المعلومات المتداولة حول مقتله أو إصابته لا أساس لها من الصحة، مشيراً إلى أن هذه الأنباء تستند إلى مصادر مجهولة، ولم يتم التحقق من صحتها.